4 مصريين ضمن ضحايا انفجار مصنع "السيراميك"    وفد أممي لتقييم قدرات السودان على كشف الإرهابيين الأجانب    مدني يفتتح ورشة سياسة المنافسة ومنع الاحتكار بالخميس    عرمان يدعو الإسلاميين لطرح مشروع جديد    واشنطن تستعد لشطب السودان من "لائحة الدول الداعمة للإرهاب"    ثأر عمره 12 عامًا يتصدر مواجهة الأهلي المصري والهلال السوداني مساء غد الجمعة    التلاعب بسعر واوزان الخبز!! .. بقلم: د.ابوبكر يوسف ابراهيم    الناتو وساعة اختبار التضامن: "النعجة السوداء" في قِمَّة لندن.. ماكرون وأردوغان بدلاً عن ترامب! .. تحليل سياسي: د. عصام محجوب الماحي    توقيف إرهابيين من عناصر بوكو حرام وتسليمهم إلى تشاد    مارسيل غوشيه في نقده للماركسية واشادته بالعلمانية .. بقلم: طاهر عمر    صراع ساخن على النقاط بين الفراعنة والأزرق .. فمن يكسب ؟ .. بقلم: نجيب عبدالرحيم أبو أحمد    نمر يقود المريخ إلى صدارة الممتاز .. السلاطين تغتال الكوماندوز .. والفرسان وأسود الجبال يتعادلان    ايها الموت .. بقلم: الطيب الزين    الشاعر خضر محمود سيدأحمد (1930- 2019م): آخر عملاقة الجيل الرائد لشعراء أغنية الطنبور .. بقلم: أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك    الجيش السوداني يعتقل 6 من عناصر (بوكو حرام) بجنسيات تشاديه    تشكيلية سودانية تفوز بجائزة "الأمير كلاوس"    أمريكا والسودان يعتزمان تبادل السفراء بعد انقطاع دام 23 عاما    اتفاق سوداني امريكي على رفع التمثيل الدبلوماسي    وزير الطاقة يكشف عن سياسة تشجيعية لمنتجي الذهب    الجبهة الثورية تتمسك بإرجاء تعيين الولاة    اتفاق بين الخرطوم وواشنطن على رفع التمثيل الدبلوماسي    النطق بالحكم في قضية معلم خشم القربة نهاية ديسمبر الجاري    بنك السودان يسمح للمصارف بشراء واستخدام جميع حصائل الصادر    العطا: المنظومة العسكرية متماسكة ومتعاونة    د. عقيل : وفاة أحمد الخير سببها التعذيب الشديد    مجلس الوزراء يُجيز توصية بعدم إخضاع الصادرات الزراعية لأي رسوم ولائية    لماذا يجب رفع الدعم عن المواطنين ..؟ .. بقلم: مجاهد بشير    نوم العوافي .. في الشأن الثقافي .. بقلم: د. أحمد الخميسي    أساتذة الترابي .. بقلم: الطيب النقر    تعلموا من الاستاذ محمود (1) الانسان بين التسيير والحرية .. بقلم: عصام جزولي    الطاقة تكشف عن سياسة تشجيعية لمنتجي الذهب        اتّحاد المخابز يكشف عن أسباب الأزمة    والي الخرطوم يتفقد ضحايا حريق مصنع "السيراميك"    في بيان من مجلس الوزراء الإنتقالي: حريق هائل بمصنع سالومي للسيراميك بضاحية كوبر يتسبب في سقوط 23 قتيلاً وأكثر من 130 جريح حتي الان    مقتل 23 شخصا وإصابة أكثر من 130 في حريق شمال العاصمة السودانية    مبادرات: مركز عبدالوهاب موسى للإبداع والإختراع .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    من يخلصنا من هذه الخرافات .. باسم الدين .. ؟؟ .. بقلم: حمد مدنى حمد    وفاة الفنان الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم    حريق هائل في المنطقة الصناعية بحري يؤدي لوقوع اصابات    تدشين الحملة الجزئية لاستئصال شلل الاطفال بمعسكر ابوشوك            "دي كابريو" ينفي صلته بحرائق الأمازون    الفلاح عطبرة.. تحدٍ جديد لنجوم المريخ    الحل في البل    مولد وراح على المريخ    بعثة بلاتينيوم الزيمبابوي تصل الخرطوم لمواجهة الهلال    الهلال يطالب بتحكيم أجنبي لمباريات القمة    فرق فنية خارجية تشارك في بورتسودان عاصمة للثقافة    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مرحباً برئيسنا الجديد جمال مبارك
نشر في حريات يوم 01 - 12 - 2010

صديقنا الكاتب الصحافي الطاهر ساتي غاضب على رئيس دولتنا الأسبق المشير عبد الرحمن سوار الدهب بسبب تصريح قيل إن سوار الدهب أدلى به قبل أيام لصحيفة “المصري اليوم” القاهرية، جاء في نصه: (نعم لقد كنا دولة واحدة تحت التاج المصري، وأتمنى أن يتحقق ذلك ونعود كما كنا).
وقد خصّص صاحبي زاويته الراتبة، واسعة المقروئية، بصحيفة “السوداني” للتنديد برئيسنا السابق وتقريعه ومعاقبته، كونه ارتكب جناية التعبير عن حلمه الوحدوي. قال صاحبي عن المشير سوار الدهب ما قال وما لم يقل مالك في الخمر، وأعطاه درساً – من سبعمائة كلمة – في الوطنية.
وفي حوار لاحق دار بيني وبين الصديق الطاهر ساتي أوجزت له رأيي في انه – لو صحَّ أن سوار الدهب أدلى بالتصريح المار ذكره – فإن ذلك يجعله من دعاة وحدة وادي النيل، لا أكثر ولا أقل. والدعوة لوحدة وادي النيل خيار سياسي قابل للأخذ والرد.
ولكنه من حيث المبدأ يعبر عن موقف مؤصّل تاريخياً، ومؤثل آيديولوجياً، ويشف عن رؤية وحدوية مشروعة ومفهومة تماماً، ولا غبار عليها البتة.
وأنا أضنُّ بقلم صديقي الطاهر، وهو من الكتاب النابهين، أن يُجيّر فينجر وراء دعاوى الشوفينيين، قصار الفعال، الذين تترادف معاني الوطنية السودانية في فكرهم مع كراهية مفتعلة ومدّعاة لمصر وشعبها، وتتطابق أشواق وحدة وادي النيل عندهم مع حيثيات تهمة الخيانة العظمى المفضية الى الإعدام مع الصلب.
عند خروج المستعمر في منتصف القرن الماضي انقسم السودان الى معسكرين كبيرين المعسكر الاستقلالي والمعسكر الاتحادي.
ولو كتب الله الغلبة للكتلة الاتحادية لكان السودان في يومه هذا جزءاً لا يتجزأ من كيان الدولة المصرية التي يمسك بدفتها الرئيس محمد حسني مبارك.
ومن بين الأسئلة الصعبة بالغة التعقيد التي يواجهها المتأمل لمسار تاريخنا المعاصر، والمتبصر في المآلات التي انتهى اليها السودان اليوم، سؤال كبير يمكن صياغته على النحو التالي: لو أن التاريخ اتخذ لنفسه مساراً غير الذي اتخذه، ولو أن القوى الاستقلالية كانت قد أخفقت في مسعاها فانعقد النصر للتيارات الاتحادية، فكانت الغلبة والسيادة لخيار الوحدة، وانخرط كياننا الوطني في جسد الدولة المصرية السودانية الواحدة الموحدة عام 1956م: هل يا ترى كان حال السودان وواقعه سيكون أكثر تردياً مما هو عليه في يومه الحاضر؟! أنا شخصياً ليست لدي الرغبة في المغامرة بمحاولة تقديم الإجابات، ولكن السؤال يظل مطروحاً على أية حال. فلينهض اليه أُولوا البأس.
(2)
غير أن تصريح سوار الدهب المثير للجدل وردة فعل الطاهر ساتي الجاسرة ليسا في واقع الأمر أكبر همي ولا مبلغ علمي في يومي هذا. كل ما في الأمر أن هذه المواجهة الإعلامية تزامنت مع اهتمام شديد ومتزايد عندي بحالة الترقب الإقليمي والدولي لمسيرة الاستعدادات الجارية على قدمٍ وساق في الشقيقة مصر لاختيار خليفة لرئيسها الحالي، حسني مبارك، الذي بلغ سن الثانية والثمانين. وإذا كانت شخصية الرئيس الجديد تهم المجتمع الدولي، بحيث ان عدداً من المؤسسات الاستراتيجية الأمريكية والأوربية فرّغت نفراً من الباحثين المتخصصين في التحليل والمتابعة والاستقصاء لتقديم الخيارات والبدائل المحتملة بغرض تنوير صناع السياسات والقرارات في تلك البلدان، فمن باب اولى انه يبقى حدثاً بالغ الأهمية بالنسبة لنا نحن أيضاً. الذي يحكم مصر يهمنا في السودان، تماماً كما ان من يحكم السودان يهم مصر.
وأنا أتابع الإعلام والصحافة السودانية، متابعةً لصيقة، فلا أجد اهتماماً يذكر بمسارات الحياة العامة في مصر، وذلك بينما تكتظ الوسائط البحثية والإعلامية والصحافية المصرية بالدراسات والتحليلات والمقالات التي تتناول تطورات الأحداث ومآلات الأمور في السودان.
بل أنّ بعض ألمع كادرات مراكز الدراسات الإستراتيجية المصرية، والصحافيين في المؤسسات الكبرى واسعة التأثير، تفرغت تماماً لرصد ومتابعة وتقويم الشأن السوداني، فأصبحنا نقرأ في المطبوعات ونسمع من خلال شاشات التلفاز لقب “خبير في الشئون السودانية”. ولا اعتراض لي – بطبيعة الحال – على وجود خبراء مصريين في الشئون السودانية. على الرحب والسعة. اعتراضي كله ينصب في المقابل على غياب خبراء سودانيين في الشئون المصرية!
ولذلك فقد نهضت مُبادراً لسد الثغرة وملء الفراغ، فاتخذت قراراً منفرداً بتنصيب شخصي النحيف خبيراً سودانياً في الشئون المصرية. وها أنا ذا أطلب البيعة لنفسي فأحث رجال ونساء الصحافة والإعلام في السودان، وكافة الأقنية التلفازية الذائعة مثل قناة الجزيرة، وقناة العربية، وقناة الحرة، والبي بي سي العربية وغيرها، على مبايعتي خبيراً متخصصاً في الشئون المصرية، يُستدعى في البرامج الإخبارية والتحليلية فيشرّع وينظّر، ويفتي ويتنبّأ، ويقدم النصح لأهل مصر حول ما عساه يُنعش مساءهم ويؤمّن عشاءهم.
فأنا منذ اليوم خبير، وأولئك خبراء. أنا منظّر وهم منظرون، وكل الصيد في جوف الفرا. (لأن الاعتراف بالحق فضيلة، فلا بأس من أن أسرّ اليك – أعزك الله – أن لي أسباباً أخرى خاصة وراء رغبتي في ترك الشأن السوداني والهجرة بديني الى الشأن المصري.
من ذلك أنني لم أحظ بتوفيقٍ كبير، لا في مسعاي المتصل لمناصحة حكومة الإنقاذ، ولا محاولاتي المثابرة لتوجيه قوى المعارضة السودانية. فأصدقائي في معسكر العصبة المنقذة ما ينفكون يُلحفون علىّ في الالتحاق ب”الفرقة الناجية”.
هكذا يسمون حزب المؤتمر الوطني في مراسلاتهم الخاصة. وهم لا يصيخون سمعاً لمن لا ينتمي لفرقتهم.
وجمهرة المعارضين – على الضفة الأخرى – لا يكفون عن ترويج الدعاوى وتسويق الاتهامات بأنني عميل للعصبة المنقذة، أغوص في مياههم الإقليمية، وأسعى الى هدم معبد المعارضة فوق رؤوسهم. نظرت حولي فوجدت أنني قبضت الهواء، فما استطعمت بلح الشام، ولا أكلت عنب اليمن.
ولم يتبقَّ أمامي إذن إلا كُشري مصر المحروسة!)
(3)
استقرت المصادر الغربية – في الولايات المتحدة وغالب أوربا – على أن أقوى المرشحين لخلافة الرئيس حسني مبارك هما ابنه الأصغر جمال مبارك، رئيس لجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكم، واللواء عمر سليمان، مدير المخابرات المصرية.
وإذ رأيت في تسليط الضوء على الابن جمال مبارك أمراً راجحاً ومنطقياً وسليماً، فقد لفتني الحيرة من قمة رأسي الى أخمص قدمي بشأن تبني الأمريكيين والأوربيين ترشيح اللواء عمر سليمان وطرح اسمه كرئيس محتمل لمصر.
كيف توصل هؤلاء الى وضع هذا الرجل على قائمة البدائل الرئاسية؟ لا أدري. عمر سليمان – الذي يبلغ الثانية والسبعين – خبير أمني (أو أمنجي، وفقاً للتعبير المتداول في المنابر الإلكترونية السودانية)، وهو في بداية الأمر ومنتهاه ضابط سابق في القوات المسلحة وبصّاص محترف، تدرب على أشغال البصاصة وأتقنها وأشرف على إدارة ماكينتها.
غير أنه لم يُعرف للرجل دور ذي بال في أي مجال من مجالات العمل العام، باستثناء بعض المهام الخارجية المرتبطة بمقتضيات الأمن القومي، وخبراته في الاقتصاد والمالية والإدارة التنفيذية عموماً محدودة للغاية بالنظر الى طبيعة وحجم المعضلات التي تجابهها مصر.
ولكن – والحق يقال – فإن تجارب العالم من حولنا تشير الى أن عدداً من محترفي الأمن والمخابرات تولوا بالفعل منصب رئاسة الدولة في عصرنا الحاضر. الرئيس السوفيتي السابق يوري أندروبوف كان ضابطاً ومديراً لجهاز المخابرات الذي عرف باسم الكي جي بي (كشف مؤخراً عن أن أندروبوف هو الذي أشرف على حرق بقايا جثمان أدولف هتلر ودفنها في مناطق متعددة خوفاً من تحول مكان دفنها الى ضريح لمناصري الأفكار الفاشية). وقد تولى القيادة في روسيا لاحقاً الرئيس فلاديمير بوتين، وهو بدوره ضابط أمن ومخابرات محترف. كذلك الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب – الذي شغل ضمن مسيرة حياته العامة أدواراً قيادية بالكونغرس – فقد تولى أيضاً منصب مدير جهاز المخابرات الأمريكية المعروف باسم ال”سي آي ايه”، وذلك قبل انتقاله الى البيت الأبيض. وفي عالمنا العربي قفز الى أريكة الرئاسة في تونس زين العابدين بن علي الذي قضى نصف عمره مديراً لجهاز الأمن العام. أما في إفريقيا فقد صعد البصاص إسماعيل عمر قيلي، مدير جهاز المخابرات بجمهورية جيبوتي، الى سدة الرئاسة خلفاً للرئيس السابق عمر جوليد.
ومن المتوقع أن ينضم الفريق أول سلفا كير ميارديت، الرئيس المرتقب لدولة جنوب السودان المستقلة، لنادي البصاصين الذين تقلدوا رئاسة دولهم.
وسلفا كير مخابراتي أصيل، تدرب وعمل ضابطاً للاستخبارات بالقوات المسلحة السودانية خلال الفترة من 1973م وحتى 1983م حين غادر متمرداً.
إذن فإن ظاهرة الأمنجية والبصاصين الذين يتم ترفيعهم لمناصب الرئاسة ليست جديدة تماماً.
وفي السودان كان اسم الفريق أول صلاح قوش، مدير الأمن والمخابرات السابق، قد تردد كبديل محتمل لخلافة الرئيس عمر البشير، ولكن الله سلّم فتم إبعاد الرجل من منصبه في الوقت المناسب (ليس بيني وبين الفريق قوش إلا كل خير.
كل ما في الأمر إنني توجست منه خيفةً بعد تصريحه الشهير عن “تقطيع الأوصال”. وقد ظللت متفائلاً بمدير الأمن والمخابرات الجديد الفريق محمد عطا المولى، حتى تناهى اليّ حديث أدلى به في واشنطن مؤخراً الأستاذ علي محمود حسنين، ذكر فيه أن الفريق محمد عطا المولى زاره في محبسه إبان اعتقاله العام الماضي بمبنى جهاز الأمن وهدده بأنه سيمزقه إرباً إرباً وسيصفيه جسدياً، إن هو لم يرتدع عن أعمال معينة اتهمه بها.
ومن يومها وأنا لا أكف عن السؤال عن الفرق بين تقطيع الأوصال والتمزيق إرباً إرباً).
الخلاصة عندي في أمر اللواء عمر سليمان أن ترشيحه للرئاسة يستبطن أشواقاً أمريكية وأوربية محضة، بأكثر من كونه ينقدح عن إدراك أصيل للمتطلبات الواقعية لثبات واستقرار الدولة المصرية.
ونحن وغيرنا يعلم طبيعة هذه الأشواق الغربية ذات الصلة بآفاق “التفاهم المشترك” وسهولة التعامل بين الأجهزة الاستخبارية الدولية من ناحية، والنظام المصري من ناحية أخرى. كما انه يصدر عن مخاوف وتهجسات غربية تدور في مدار سيناريوهات مرعبة تروج لها بعض مراكز الدراسات الإستراتيجية الأمريكية مؤداها أن الكنانة قاب قوسين أو أدنى من الانهيار والاندياح في موجات إسلاموية، ربما انمسخت معها مصر في صورة إيران أخرى.
ونحسب أننا لا نجاوز أسوار الحق إن زعمنا أن المصريين يفضلون أن تكون لهم الخيرة من أمرهم عندما يأتي الأمر الى انتقاء رئيس لدولتهم، فلا يولى عليهم من الخارج بإيحاءاتٍ وأجندةٍ أجنبية.
(4)
الذي لا خلاف عليه في صفوف المراقبين الدوليين هو أن جماعة الإخوان المسلمين المصرية تظل – شاء من شاء وأبى من أبى – البديل الشعبي الأكثر تنظيماً وتصميماً على وراثة النظام المباركي، في حالة أتيحت للشعب المصري فرصة انتخابات نيابية شفافة ونزيهة ومحايدة. جماعة الإخوان المسلمين، التي ظلت تعمل في العلن والخفاء على مدى أكثر من ثمانين عاماً تمثل – وفقاً لعدد من المحللين الأمريكيين – النواة الصلبة في نسيج الشارع المصري اليوم.
ذلك الشارع الذي دفعت به الخيبات القومية والوطنية، والتعقيدات الاقتصادية والاجتماعية، والتشويش الثقافي خلال العقود الأربعة الماضيات الى الاستغراق في حالة من الجذب الديني والدروشة السياسية. غير أنّ إستراتيجية الجماعة الإسلاموية في هذه المرحلة تقوم على تفادي الصراع المباشر، الذي يستهدف انتزاع مقاليد السلطة من الحكام الحاليين من خلال نهج المواجهة، وطلبها بدلاً عن ذلك بوسائل مدروسة وبطيئة غير مباشرة.
من ذلك طرح بدائل فوضوية تدفع الشارع المصري الى حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، وتسهم تدريجياً في خلخلة قبضة المنظومة الحاكمة على الأوضاع، وذلك بهدف خلق فراغ سياسي تقفز الى فجوته وتملؤها في الوقت المناسب القوى الأكثر تنظيماً واستعداداً وجاهزية: أي الجماعة نفسها!
إستراتيجية الإخوان المسلمين في مصر ليست جديدة.
فهي في النموذج الماثل تستقدم وتستخدم على المسرح الوطني ذات الإستراتيجية التي رسمتها ووظفتها على المسرح القومي جماعات الإسلام السياسي الحركي المنظم على مستوى العالم العربي كله في بدايات التسعينات، عندما دفعت بثقلها الجماهيري ومواردها المادية والمعنوية وراء الرئيس العراقي السابق صدام حسين في حربه الكارثية ضد الأنظمة الملكية في الكويت والسعودية والخليج العربي عموماً.
كانت الجماعات الإسلاموية عهدذاك تعي تماماً، وهي تندفع وراء مخطط الغزو الجنوني أن الشعارات القومية التي رفعها صدام مكذوبة وواهمة ومخذولة. كانت هذه الجماعات تعلم علماً نافياً للجهالة أن العقيدة البعثية الصدّامية لن تفلح – حال انتصار الغزو وسقوط الأنظمة النفطية – في ملء الفراغ العريض الذي ستخلفه حالة الفوضى المتوقعة، ولن يكون أمام حركات الإسلام السياسي بالتالي إلا أن تنتظر في صبرٍ وأناة حتى تسقط كل الثمرات الناضجة في سلتها، ثم تتقدم هي لتملأ ذلك الفراغ، فتكون في طليعة الوارثين للواقع الجديد الذي انعقدت عليه الآمال، لولا أن هبطت ثعالب اليانكي فوق رمال الصحراء العربية فتبددت أحلام الحالمين وانسحقت.
(5)
من أمثلة التدابير الأخطبوطية والخطط الشيطانية التي ترسمها وتتبعها جماعة الإخوان المسلمين تشجيعها، في السر والعلن، للمجموعات الليبرالية واليسارية لإعلان ترشيح شخصيات مستقلة لمنازلة الرئيس حسني مبارك، دون أن تبادر هي نفسها بطرح مرشح عن حركتها. كما هو الحال بالنسبة لترشيح الدكتور محمد البرادعي، الذي تدَّعي الجماعة الإسلاموية تأييد حملته الانتخابية لرئاسة الجمهورية، حيث أعلنت رسمياً انضمامها الى حملة جمع التوقيعات لصالح “بيان التغيير” الداعم لترشيحه.
من المفارقات الباعثة على الحيرة في أمر تأييد إسلامويي مصر للدكتور محمد البرادعي انه عند ذيوع خبر صفحة الفيسبوك الخاص بابنة المرشح، ليلى البرادعي، الشابة المتزوجة من بريطاني مسيحي، والذي أثار ضجة واسعة بسبب أن الابنة كتبت أمام حقل الديانة في الكتاب الوجهي أنها ملحدة لا تؤمن بالله ولا بالأديان، ثم ظهور الابنة بعد ذلك في عدد من الصور الفوتوغرافية بملابس غير محتشمة وأمامها كؤوس من الخمر، قام متحدث باسم الجماعة بإصدار تصريح يعزز ويؤكد استمرار تأييد الإخوان المسلمين للمرشح، ويعبر عن موقفهم بأن سلوك الابنة أمر يخصها هي وحدها ولا يشين الأب.
وهو موقف قد يُقبل صدوره من أهل التيارات الليبرالية واليسارية، لا من أولئك الذين يصرّون على تحكيم الشريعة ويرفعون شعار: الإسلام هو الحل.
يا لمكر الثعالب الإسلاموية! وقد استغرقتني حالة من الضحك الهستيري وأنا أقرأ في إحدى المواقع الإلكترونية المصرية تعليقاً على موقف الإخوان المسلمين ذاك كتبه رجل مصري يقول: “يا عالم يا هوووه. الراجل ما عرفش يربي بنتو، ومش عارف يحكمها، طب هيحكمنا إحنا إزاي؟!”
(6)
بصفتي خبيراً سودانياً متخصصاً في الشئون المصرية فإنني أنصح الأحباب من أهل المحروسة الكرام أن يتوكلوا على الحي الدائم وأن يقفوا صفوفاً متراصة، يداً واحدة وقلباً واحدا، في معركة رئاسة الجمهورية، خلف السيد/ جمال حسني مبارك، الرمز الوطني والمرشح الأكثر تأهيلاً والأقرب الى خدمة الأجندة المدنية التحررية.
وأنا بحمد الله لا أقف وحيداً في الدعوة لنصرة الراية المباركية. تلك دعوة يزكيها المستنيرون الأفذاذ من سنخ المفكر السوداني القومي عبد العزيز حسين الصاوي. وقد عبّر عنها وعززها في مساهمته الباذخة أمام “اللقاء العشرون لمشروع دراسات الديمقراطية” بمدينة أكسفورد البريطانية في يوليو من العام الحالي. حيث نبّه الصاوي الى واقع هزال أطراف المعارضة اليسارية والليبرالية، وحذر أحزاب الوفد والغد والتجمع والحركات الاحتجاجية كحركة “كفاية” من مغبة التحالف مع الإسلامويين وتمكينهم من رقبة السلطة. لا سيما وأن إسلامويو مصر لا يخفون عقيدتهم في إخضاع السلطة التشريعية لسلطة الفتوى الدينية، ولا يستنكفون من طرح تصورات متخلفة شديدة البؤس للعلاقة بين السياسة والدين، الأمر الذي يلحق أفدح الأضرار بقضية تحرير العقل المصري. ولأن جمال مبارك هو ممثل الطبقة الوسطى الحقيقي الأقرب الى خدمة أهداف التنوير والتحرير في مواجهة نذارات القهر الإسلاموي الذي يخيم على الأفق، فإن الوقوف تحت رايته يبقي الخيار المفتوح أمام عهد جديد، هو عهد توسيع الخيارات الديمقراطية الفعلية.
الشعب المصري شعب عاقل ورشيد، عُرف على مدار التاريخ بأنه يؤمن بالشرعية، ويهتدي بمنارها، ويمشي على صراطها المستقيم. وشرعية جمال مبارك والحزب الوطني، يمكن النظر اليها بوجه من الوجوه على أنها امتداد لشرعية ثورة 23 يوليو، التي حررت مصر وكرمت إنسانها ورفعت ذكره في العالمين. جمال مبارك، في زعمنا، هو صمام الأمان لمصر ضد الانزلاق في هوة “الإسلام هو الحل”، والاندياح في رياح الإسلاموية، في غياب أي بديل ليبرالي أو يساري ذي وزن مقدر.
(7)
من صنف الهراء والترهات التي يروج لها بعض المتنطعين في مصر اليوم تلك الدعاوى الخزعبلية حول أطروحة “التوريث” والاحتجاج بأن مصر ليست عزبة يرثها الابن عن الوالد. ما هو التوريث؟ وكيف يكون اشتغال جمال مبارك بالسياسة، وطلبه للولاية العامة، وعرضه نفسه على الشعب مرشحاً للرئاسة عبر صنايق الانتخاب توريثاً؟ هؤلاء الخزعبليون لا يعرفون أن أعتى الديمقراطيات في العالم شهدت نماذج صادعة اشتغل فيها أبناء الرؤساء بالسياسة، وصعدوا الى مراقي رئاسة الدولة عقب تولي آبائهم لذات المنصب دون أن يقدح أحد في شرعية توليتهم. من هؤلاء جون كوينسي آدامز الرئيس السادس للولايات المتحدة الذي تولى الرئاسة وكان والده جون آدامز قد تولاها قبله. ومنهم فرانكلين روزفيلت الذي أصبح رئيساً للولايات المتحدة في النصف الأول من القرن السابق، وكان والده ثيودور روزفيلت قد سبقه في تولي الرئاسة.
وفي زماننا الحديث رأينا كيف أن جورج دبليو بوش، الذي انتصر مرشح الديمقراطيين بيل كلينتون على والده بوش الأب وحرمه من العهدة الرئاسية الثانية، ترصد لخصمه آل غور المرشح لخلافة كلينتون وهزمه وأزاح الديمقراطيين عن البيت الأبيض ليواصل إرث والده الجمهوري. من قال إن وجود الأب على مسارح السياسة والسلطة يمنع الأبناء من الولاية العامة، أو يجعل من طلبهم للرئاسة عبر الانتخاب مرادفاً لطلب الميراث الشخصي؟
دونكم يا أحرار الكنانة ديمقراطيات آسيا العريضة العريقة الواسعة الاحترام، حيث الأبناء والبنات يخلفون الآباء والأمهات، والزوجات يعقبن الأزواج على دكك الرئاسة، ولا جناح عليهم ولا مشاحة. الرهط من آل غاندي رجالاً ونساءً يعقب بعضهم بعضاً في الهند، ومثلهم آل بوتو في الباكستان، والديمقراطيات هناك لمّا تزل وهيطة، لا يقدح في شرفها قادح، أو ينال من عرضها همزٌ أو لمزٌ أو وشاية أو نميمة.
وفي بنغلاديش تسأل عن رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد فتعلم انها ابنة الرئيس السابق الشيخ مجيب الرحمن.
وفي اندونيسيا تسأل فتجد أن رئيستهم السابقة ميغاواتي سوكارنو بوتري ابنة للرئيس السابق أحمد سوكارنو.
وقد خلف لي هسين يونغ رئيس سنغافورة الحالي على أريكة الحكم والده لي كوان يو. كما ان الهام علييف رئيس الدولة في أذربيجان ابن للرئيس السابق حيدر أوغلو علييف.
بل ان زعامة المعارضة أصبحت أيضاً مما يُحال الى الأقارب في الديمقراطيات المحترمة، ومثل ذلك ما فعلت كرازون اوكينو حين ورثت زعامة المعارضة في الفليبين من زوجها بنينو اوكينو (حتى قيادة التنظيمات الثورية المقاتلة تؤول أحياناً الى الأقرباء المؤهلين لوراثتها، وليس بعيداً عنا نموذج السيدة مريم رجوي رئيسة تنظيم مجاهدي خلق الإيراني الأشهر، وقد ورثت الزعامة عن زوجها الراحل مسعود رجوي)، والقائمة تطول.
وكل هذه صور نابضة وناصحة لديمقراطيات بعيدة الغور، أصلها ثابت وفرعها سامق في سموات الحرية والعدالة وحقوق الإنسان. لا صلة لها من قريب أو بعيد بالنماذج الشمولية سيئة السمعة، التي أصبحت تعرف في عالم اليوم باسم الجمهوريات الوراثية Republican monarchies التي ابتدعها واستنّ سنتها القبيحة طاغية كوريا الشمالية كيم ايل سونغ، حيث أورث الحكم لابنه الرئيس الحالي كيم ايل جونغ، الذي يستعد بدوره لتوريث ابنه الأصغر، ذي الست وعشرين عاماً، كيم جونغ أون.
(8)
ومن عجب أن هؤلاء يثيرون هذ النقع الكثيف حول ترشيح جمال مبارك وهم في قرارة أنفسهم يعلمون تمام العلم أن الثقافة المصرية – في صدارة غيرها من الثقافات العربية والإفريقية – لا ترى بأساً في أن يخلف الأبناء الآباء في ضروب الحياة ومسالكها.
ولا غرو أنك تتجول في شوارع المدن المصرية فتقرأ لافتة الطبيب، ثم تلتفت فتجد بجانبها لافتة ابنه، وهو الآخر طبيب يمارس المهنة مترسماً خطى والده.
وعن الأبناء الذين ساروا على خطى الآباء حدث ولا حرج: انظر الى البرلمانات المصرية وسترى كيف أن عائلات بعينها يتوارث الأبناء والبنات فيها المقاعد النيابية عن الآباء والأجداد.
واذا شئت فتأمل سلك ضباط الجيش والشرطة في مصر، حيث الأولوية في كلياتها لأبناء القادة وكبار الضباط دون جدال أو فصال.
وكذلك السلك الدبلوماسي الذي يقتصر الانتماء اليه، بحكم قوانين سرية غير معلنة، على أبناء أسر معينة ذات خلفيات اجتماعية وثقافية معروفة.
ومثل ذلك حال أعضاء سلك التدريس في الجامعات المصرية، حيث نجد السواد الأعظم من المعيدين ومساعدي التدريس أبناء وبنات لأساتذة في ذات الكليات. وكذا في مضمار الصحافة حيث نجد أن عدداً كبيراً من أبناء وبنات الصحافيين اللامعين صحافيون هم أيضاً. دعك من كل هذا، هل يدهشك أن تعلم أن في مصر امتحانات خاصة بأبناء القضاة الراغبين في الالتحاق بسلك القضاء أو النيابة العمومية؟!
ولماذا نبحث في هذه الدوائر المغلقة وأمامنا ساحات الرياضة والفن والصحافة مشرعة للفاحصين المتأملين. هل هي مصادفة أن ابن حارس المرمى الشهير إكرامي هو أيضاً حارس مرمى شهير في مصر الآن؟ وأن إمام، ابن اللاعب الشهير حمادة إمام، هو أيضاً لاعب وعضو قيادي في مجلس ادارة نادي الزمالك؟ وكذلك حازم حسن، ابن حسن شحاتة اللاعب والمدرب الاشهر لمنتخب مصر، وأحمد غانم ابن اللاعب اللامع غانم سلطان؟ هل هي مجرد مصادفات أنّ أبناء وبنات الممثلين المشاهير مثل فريد شوقي ومحمود عبد العزيز وأحمد زكي ونور الشريف ومحمود ياسين وعادل إمام وفاروق الفيشاوي وسعيد عبد الغني وفاروق فلوكس وغيرهم كثير، جميعهم ممثلون وممثلات؟
تلك هي – شئنا أم أبينا – الأرضية المجتمعية وحالة الثقافة المصرية، وقيمها ومفاهيمها وتقاليدها السائدة، فلماذا تسري هذه القيم والمفاهيم والتقاليد على الجميع فيدخلون من أبوابها آمنين، ثم لا توصد هذه الأبواب إلا عندما يقف أمامها جمال مبارك؟! من هم إذن هؤلاء الأدعياء الذين ما فتئوا يشيدون ترسانة الأوهام حول ترشيح جمال مبارك للرئاسة ويصورون الأمر وكأنه بدعة لا سابقة لها في حيوات الدول والشعوب؟ من هم هؤلاء المتكلفون الذين يزعمون أن ترشيح الرجل يحيل مصر الى عزبة مملوكية إقطاعية؟ (كبرت كلمةٌ تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).
(9)
لا تصيخوا سمعاً يا أهل الكنانة لهرطقات المهرطقين من المجموعات الزاعقة التي ترفع شعارات التغيير، وهي لا تعي مما تقول شروي نقير، ولا تفرّق في دروب السياسة وعلومها بين السبانخ والجرجير. الحق الأبلج أن اليسار لا وجود له على أرض الواقع السياسي في مصر (محنة اليسار في مصر لا تدانيها إلا محنة اليسار في السودان).
ودكاكين الأناتيك الأثرية الفولكلورية التي تسمي أنفسها أحزاباً وتنظيمات ليبرالية، وزمرة الكتاب الصحافيين الغوغائيين، ومن يليهم من أصحاب المدونات الإلكترونية، الذين أدمنوا المعارضات الحلقومية والكيبوردية عبر السنين فلم تطرح شجرتهم غير ثمار البؤس والكآبة، إنما هم غثاءٌ كغثاء السيل. لا قيمة لخربقاتهم الجوفاء، ولا للترهات التي يصدعون الناس بها تصديعاً. البديل لرئاسة جمال مبارك هي الفوضى تشرع أبوابها وتضرب أطنابها.
يدبّر لها المردة الإسلامويون من وراء حجاب، ويستعينون على شقائها بالملاحيس المتاعيس من أمثال الدكتور محمد البرادعي وأنصاره من السذج والبلهاء.
يا أهل المحروسة، اسمعوا واعوا: جمال مبارك وحقول الديمقراطية والحقوق والحريات من أمامكم، وثيوقراطية الثعالب الإسلاموية وتجار الدين، الذين يبتغون أن يتحكموا في الرقاب باسم الحق الإلهي، من خلفكم. وعقولكم في رؤوسكم تعرفون خلاصكم!
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.