مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





دراسة : نحو منهج لإحياء التراث السوداني: الثقافة النوبية كحالة دراسية
نشر في حريات يوم 04 - 01 - 2011


محمد جلال أحمد هاشم
جامعة بورتسموث إنكلترا
1. مقدمة
تسعى هذه الورقة لاختطاط منهج عملي وعلمي لإحياء التراث السودني مجملاً ومفرداً، أي من خلال دراسة كلّ حالة على حدة. وتأتي ضرورة هذه الدراسة ضمن ما تطرحه تناقضات التعدد الثقافي والإثني في السودان من مشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية، وهي مشاكل لا يختصّ بها السودان وحده، بل في الواقع تُعرف بها أفريقيا مجملاً. فأفريقيا تعرف بالتعدد الثقافي والعرقي واللغوي خاصّةً (راجع: قرينبيرق: 1970). وبقدر ما يمثل هذا التباين والتعدد ثراءً قومياً بالنسبة للشعوب الأفريقية، بقدر ما تطرح المسألة العديد من المشاكل المتعلقة بالهويّات الثقافية، وما قد يتبع في مواجهتها من عمليات الاستتباع والاستيعاب الثقافي. فما من دولة أفريقية، إلا وبها مجموعات ثقافية أو مجموعة واحدة على الأقل تسعى كلٌ منها أو بعضها للتعبير عن نفسها، وتطوير آليات ثقافتها من لغة، فولكلور، تاريخ شفاهي … إلخ، وذلك بغية الحفاظ على هويتها وإرثها الحضاري.
وتكمن خطورة المسألة في أن الفشل في إدارة هذا التعدّد قد تنجم عنه الحروبات الأهلية. وأقرب مثال يتبادر إلى الذهن ما جرى في رواندا وبورندي في تسعينات القرن الماضي، ثمّ ما يجري في دارفور الآن، وما ظلّ يجري في جنوب السّودان وجبال النّوبة والأنقسنا من قبل ذلك لعدّة عقود.
في معالجتنا لظاهرة تطوير الثقافات وأنماط وأجناس التراث المحلي سنتّخذ من التراث النوبي حالة دراسية. وهذا لا يعني انكفاء هذه الدراسة على التراث النوبي، ففنياً يمكن إعادة قراءة هذه الورقة بما يتوافق وأي ثقافة أو لغة سودانية أو أفريقية أخرى. وهذا هو بيت القصيد.
2. الإطار الفلسفي لإحياء التراث النوبي
تطرح مسألة إحياء التراث النوبي عدة إشكالات، أوله انقسام النوبيين بين دولتين ذاتي سيادة، هما مصر والسودان [حسن دفع الله، 1975]. ثانيهما ھذا الشتات النوبي داخل السودان Nubian diaspora، حيث نجد مثلاً الميدوب في شمال دارفور (فيرنر، 1994)، وفي وسطها البرقد (عشاري أحمد محمود، 1974)، ثم الحرازة في شمال كردفان (هيرمان بيل، 1973)، لنجد في جنوبها نوبيي الجبال (ستيفنسون، 1984) الذين ينساحون شرقاً في امتداداتهم الثقافية ليشتملوا على جبال الإنقسنا في أعالي النيل الأزرق باعتبار قول سبولدينق (سبولدينق، 1972؛ 1973). أما في الشمال فنجد النوبيين النيليين الذين بدورهم ينقسمون إلى عدة مجموعات (آدامز، 1984). أما شرقاً فهناك النوبيون في مهجرهم الجديد بخشم القربة، أو حلفا الجديدة كما أطلق عليها (حسن دفع الله، 1975). هذا فضلاً عن النوبيين الذين تفرقوا في أصقاع الأرض ريفاً ومدناً، نزوحاً وهجرةً، بحثاً عن الرزق داخل السودان وخارجه. فكك هذا الشتات من تلاحم الإحساس بالانتماء النوبي – النوبي إلى حدٍ كبير. وجلي أنه لا مناص من دراسة ومقارنة التراث النوبي-النوبي من حيث ائتلافه واختلافه. أما ثالث الإشكالات فهو حقيقة أن السودان ليس وقفاً على المجموعات النوبية، أو حتى النيلية الصحراوية، بل هناك أقوام وقوميات تتمتع كذلك بأصالة الانتماء للسودان. لا يجب لإحياء التراث النوبي أن ينهض في فراغ قومي. بمعنى آخر، ينبغي أن نحيي التراث النوبي بوصفه تراثاً سودانياً، وبوصفه مفردة من مجموع مفردات الثقافة السودانية.
1.2. التعدد الثقافي وجدلية الانتماء
ما السودان إلاّ هذه الثقافات التي تفاعلت مع بعضها البعض على مدار الأزمان، ومن ثم تلاقحت، لتعطينا هذا الكل المركب الذي يسمى بالإنسان السوداني. إذن، هذا الإنسان هو ناتج تفاعل وتلاقح هذه الثقافات الصغرى المنتشرة بامتداد السودان، شماله، جنوبه، غربه وشرقه. وتفضي بنا الطبيعة الجدلية لتلاقح هذه الثقافات الصغرى إلى ثقافة كبرى هي ما نسميه بالهوية السودانية. بهذا يكون الاهتمام بالثقافة الصغرى والانكفاء فيها بما لا يسمح بالاعتزاز بالهوية الكبرى، شوفينية بغيضة تنأى بالإنسان عن استكناه الأصالة والحضارة في الهوية السودانية المركبة. فمحاولة اختزال كل ألوان اللوحة التشكيلية في لون واحد، من شأنها أن تمحق جماليات اللوحة وتقضي عليها كعملٍ جمالي. بينما اهتمام ومن ثم اعتزاز كل واحد منا باللون الخاص به في اللوحة، ينبغي أن ينبع من اعتزازنا باللوحة في مجملها (لمزيد من التفصيل أنظر: جلال هاشم، 1999ب).
بهذا المنظور يصب الاهتمام بالثقافات المحلية في محصلة الاهتمام بالثقافة السودانية المركبة. وما القومية السودانية إلا نتاج هذا. عليه، القومية السودانية هي تكامل مفردات الألوان المتعددة/المتباينة، لتخلق لنا لوحة جمالية متكاملة. إذن فينبغي لعملية إحياء التراث النوبي أو غيره من أجناس التراث السوداني أن تتم في فضاء قومي قائم على التكامل الثقافي Cultural Integration (أنظر في ذلك: فرانسيس دينق، 1973).
2.2. جمالية الهدف
تتعارض عمليّة المحافظة على أجناس التراث السوداني، ومن ثم العمل على إحيائه، تماماً مع كل عمليات الاستتباع والاستيعاب الثقافي. فالوطنية السودانية ما هي إلا ناتج مدخلاتها. وما مدخلاتها إلا هذا التعدد الثقافي والعرقي. ولن يكسب السودان شيئاً إذا ما امحت اللغات السودانية التي يتحدث بها أبناؤه. في الواقع يفكر الناس عبر لغاتهم، عليه، إذا امحت اللغات تكون بذلك قد امحت الكثير من أنماط وقوالب التفكير (في هذا راجع “اللغة والتفكير” في موسوعة بريتانيكا؛ كوفي، 1984؛ فيريسبتشكا، 1986). عليه، نخلص إلى أن الاهتمام بالثقافات السودانية لهو حفاظ وترقية بموروثات حضارية تشدنا إلى أصولنا في الماضي البعيد، فتصبح الأساس المتين، الذي هو منطلقنا نحو المستقبل.
أما تخصيصاً عن التراث النوبي، فهو يمثل عمقاً حضارياً أصيلاً لكل السودانيين. فقد تماسكت أوصال الوطن في أطرافه الشرقية، والغربية، الجنوبية والشمالية من خلال الممالك النوبية المسيحية ليتجلى ذلك ثقافياً ولغوياً. كما، وعبر تمازج الطلائع العربية الوافدة مع النوبيين تكون لنا النسيج السكاني لوسط السودان، حتى جاز القول عنهم إنهم نوبيون استعربوا (يوسف فضل، 1873). فالحضارة النوبية ملك للإنسانية جمعاً، ولجميع السودانيين أصالة. بهذا لا يكون الاهتمام بها وترقيتها وقفاً على النوبيين فحسب، بل ينبغي أن يكون هماً إنسانياً في المقام الأول، ثم سودانياً في الثاني، ونوبياً في الثالث.
3. من هم النوبيون
النوبيون هم أولئك الذين يحملون وعياً نوبياً في إحساسهم بهويتهم السودانية (أو المصرية بالنسبة للنوبيين المصريين). فواقع العمل الثقافي النوبي شهد انكفاءً واكتفاءً بنوبيي الشريط النيلي، حارماً نفسه بذلك من مشاركة باقي المجموعات النوبية الأخرى. إن الإحساس بالهوية النوبية ملك لكل النوبيين بمختلف مشاربهم ومرجعياتهم الجغرافية دونما اعتبار للون أو خلافه. ينكر الكثير من النوبيين النيليين وأغلبهم من المتعلمين حقيقة أن الهوية النوبية تشمل مناطق جبال النوبة (دون أن نحصر تعريفنا للمنطقة بالجبال الستّة استناداً على الدالّة اللغوية فقط؛ راجع ذلك في ستيفنسن، 1984)، الحرازة (كردفان) والميدوب والبرقد (دارفور). ويجيء نكرانهم هذا، بكل أسف، تبرؤاً من معرة الانتماء إلى أي مجموعات سوداء. هذا في الوقت الذي انقضت عقود وعقود منذ أن توالت الكتابات العلمية في أمر هذه العلاقة دون أو يأبه لها القوم المكابرون (في ذلك أنظر المراجع التالية والتي تغطّي القرن العشرين كلّه: ماكمايكل، 1918؛ 1919؛ 1927؛ هيليلسون، 1930؛ هيندرسون، 1937؛ كيروان، 1937؛ هيرمان بيل، 1975؛ آدامز، 1977؛ ثيلوال، 1982). إن الواجب الملقي على عاتق النوبيين هو أنه في هذه الفترة العصيبة من تاريخ السودان حيث تتهدد وحدته، جراء عمليات القهر والاستتباع والاستيعاب الثقافية حتى يئست العديد من الهويات الصغرى من جدوى دعوى الوحدة، فنزعت بالتالي نحو الانفصالية كان ذلك على الأساس الإثني، أو اللون، أو الدين أو خلافه وكان أن انصرفت تماماً عن استشراف غد السودان الجديد، الأمر الذي كاد أن يدفعها نحو الانغلاق على هوياتها الصغرى؛ في هذا الظرف وهذه الفترة على النوبيين أن يكشفوا عن رصيدهم الحضاري الذي يزعمونه. على النوبيين أن يبرزوا، متجاوزين لتباين سحناتهم ومرجعياتهم الجغرافية، الإثنية والدينية، ليعملوا على تحقيق شعار الوحدة في التنوع. إنه لحقيق بالنوبيين مسنودين بكل إرثهم الحضاري أن يقدموا هذا المثال مؤكدين أنه يمكن أن نهتم بالثقافات المحلية دون أن يكون ذلك على حساب الوعي بالوحدة الوطنية والتكامل القومي، ودون أن يكون ذلك قائماً على الشوفينية العرقية الضيقة. إن الاهتمام بالثقافات لهو في حد ذاته ارتفاع عن دركات العرقية نحو درجات الحضارة.
هذا الدرس لا يمكن أن يتحقق إذا ما لم يستوعب النوبيون حقيقة انتمائهم لبعضهم البعض. ويأتي قولنا هذا إشارة للعنجهية العرقية والوهم الزائف بالعلو الذي يركب بعض النوبيين، على وجه التحقيق بعض الجماعات النوبية، في تعاملها مع أشقائها النوبيين الآخرين أو الجماعات النوبية الأخرى.
4. الإحياء الثقافي
ينبغي لأي برنامج إحيائي للثقافة النوبية أن يشمل جميع جوانب الثقافة، لا أن ينكفئ على جانب منها دون الجوانب الأخرى. فالمجتمع أي مجتمع كلّي الديناميكية في طبيعته. بالطبع يمكن لمشروع بعينه أن يستهدف جانباً بعينه، لكن حتى هذا المشروع لابد أن يكون ضمن رؤية شاملة.
أما عن جوانب الثقافة نفسها فنجد من الصعب حصرها في أقسام بعينها، إذ إن هذه “الجوانب” مجرّد كلمة إجرائية. فمثلاً “الجوانب” في منظور فلسفي معين، قد تختلف عنها في منظور آخر. هذا فيما يختص بالتراث النوبي نفسه. إن أقوى ما يحدد هذه “الجوانب” ويحصرها، هو الأولويات حسب اندراجها، ووفقاً للمنظور الذي يختطها. وهنا سنقوم بدورنا بتحديد بعض الأطر التي يمكن أن تلعب دوراً لدى اختطاط الأولويات.
1.4. التاريخ
تمثل السجلات الرسمية عموماً المصدر الأساسي لتاريخ السودان الحديث. في هذا المجال نشير إلى أن مكي شبيكة دعا في مؤلفاته الأخيرة لتلافي هذا الخطأ، مهيباً بلفيف المؤرخين الوطنيين للالتفات إلى المصادر الشفاهية لتاريخ السودان (مكي شبيكة، 1977، ص.ص. 1-5). كما تعرض الكثير من الأكاديميين السودانيين لمسألة إغفال المصادر الشفاهية لتاريخ السودان (أنظر: عبدالله علي إبراهيم، 1985: 117-130)، فراد منهم هذا الاتّجاه محمد إبراهيم أبو سليم (1970) إذ تصدى لتاريخ الدولة المهدية في مصادره الشفاهية، فأرسى من ذلك بنياناً ضخماً. ألقى هذا الانكفاء على الوثائق الرسمية، بكل ما يعرف عنها من تحيز، بظلاله على استقراء تاريخ السودان القديم نفسه. ونستطيع أن نقول إن اعتماد الروايات الشفهية كمصدر أساسي للتاريخ لم يتم إلا في إطار محدود (يوسف فضل، 1978). لكل هذا، ولأسباب أخرى، تنشط الآن الدعوى لإعادة كتابة تاريخ السودان والتي بدأت الدعوة إليه في الثمانينات من قبل العديد من الاتجاهات كلّ بدوافعه ورؤاه. وفي سنة 1995م أصدر رئيس الجمهورية قراراً بتكوين لجنة بهذا الصدد أسند رئاستها ليوسف فضل حسن وعضوية آخرين. ولعلّ من نافلة القول الإشارة إلى أن إعادة كتابة تاريخ السودان لا يمكن أن تتم بطريقة جيّدة إذا لم تنهض في أساسها على إعادة قراءة التاريخ النوبي قديماً وحديثاً.
لهذا ينبغي أن توظف الجهود لجمع وتسجيل الإفادات الشفاهية التي تتعلق بالتاريخ النوبي، هذا دون إغفال للوثائق والمستندات، والكشوف الأثرية. إن إعادة قراءة التاريخ النوبي من شأنها أن تجيب على الأسئلة والمعميات النوبية مثل: من هاجر أولاً إلى أين؟ كيف تم التحول الثقافي والديموغرافي من المسيحية إلى الإسلام؟ إلى أين تشتت شعب سوبا بعد سقوط دولتهم على يد العرب؟ ماذا عن الممالك النوبية المشيخية في الفترة الوسيطة التي أعقبت سقوط دنقلا وحتى التركية مثل مملكة أرقو وكوكّا والكشّاف … إلخ (أنظر: علي عثمان، 1982).
2.4. التنمية وحماية البيئة والصحة العامة
لا يجوز أن يأتي الاهتمام بالتراث النوبي بمعزل عن الإنسان النوبي، إذ لا ثقافة ولا تراث بلا إنسان. لهذا، فإن الارتقاء بالثقافة النوبية، ما هو إلا ارتقاء بالإنسان النوبي نفسه. إن التداعي الثقافي النوبي متمثلاً في تفكك بنيان التراث والفولكلور والتقاليد واللغة، يرتبط ارتباطاً طردياً مع التداعي النوبي تنموياً وبيئياً وصحياً. فمواطن النوبيين لعوامل عديدة أصبحت طاردة لسكانها، الأمر الذي عطل أي استغلال للموارد الطبيعية، وكرس بالتالي للفقر التنموي اقتصادياً واجتماعياً و(نفسياً). فاللواذ والفرار من الفقر التنموي، يستبطن في داخله فراراً من التراث فولكلوراً ولغة (أنظر في ذلك: أحمد عبد الرحيم نصر، 1980؛ سيّد حامد حريز، 1986؛ عزالدين بخيت، 1990).
لهذا، عندما تتساوق البرامج والمشاريع والخطط التنموية، البيئية والصحية مع مثيلاتها في مجالات الثقافة والفولكلور، فإن المردودات يمكن أن تكون أكثر جدوى وفاعلية في إحياء التراث النوبي بمجمله. هنا تأتي تنمية مثلث الحوض النوبي (حلفا دنقلا جبل عوينات) كهدف إستراتيجي (راجع: جلال هاشم، 1999ج).
3.4. الفولكلور
الفولكلور هو مستودع حكمة الشعوب ومن هنا تنبع أهميته. ويخطئ الكثيرون عندما يعتقدون أن الفولكلور هو مجمل الممارسات البعيدة عنا زماناً، أي المرتبطة بالطاعنين في السن، وذات الصلة بالماضي، وكذلك البعيدة عنا مكاناً، أي التي تمارس في القرية والأطراف النائية، بمعنى أنك كلما اقتربت من المدينة، كلما قل وضعف وجود الفولكلور (يوسف حسن مدني، 1985: 4). إذ لا يوجد شعب بلا فولكلور، وحتى المدينة لها فولكلورها، وكذلك خرافاتها (دورسون، 1972: 32-79).
يتكون الفولكلور من العديد من الأجناس Genres، مثل الحكاية، النكتة، الألغاز، الأغاني، التاريخ … إلخ. ومن شأن جمع وتوثيق، ومن ثم دراسة وتحليل هذه الأجناس الفولكلورية أن يحافظ على الهوية النوبية ضمن حدود ثقافية متعينة تتيح للنوبيين التفاعل مع غيرهم، بقدر ما تجعلهم متميزين في لونهم الخاص داخل اللوحة التشكيلية الثقافية ضمن رؤيا قومية سودانية.
1.3.4. تحريك الفولكلور النوبي
لا يتحرّك الفولكلور في فراغ بل عبر سياقاتٍ بعينها (راجع: دنديز، 1980: 20-32). ولا نعني بتحريك الفولكلور النوبي تنشيطه فحسب بل نعني أكثر من ذلك تحريكه عبر سياقات جديدة. فالسياق التقليدي كان وما زال جلوس الصغار في حضرة الحبوبة، على سبيل المثال، قبيل النوم حيث تسرد عليهم القصص والحكايات والألغاز التي توارثتها عن حبوبتها بدورها. كما إن هنالك سياقاً آخر هو جلسات تسامر الكبار فيما بينهم رجالاً ونساءً.
أما السياقات الجديدة التي نعنيها فهي تسجيل أجناس الفولكلور في أشرطة كاسيت مثلاً؛ كذلك تدوينه في كتب وإخراجه في شكل قصص أطفال يمكن أن يقرأها الكبار للصغار ريثما تعم القدرة القرائية بين الصغار. هذا فضلاً عن الإخراج الدرامي للمادة الفولكلورية. نقول هذا، وننبه لمحذور يشدد عليه الفولكلوريون وهو أن إعادة إنتاج الحكايات الفولكلورية يجب أن يتم دون تجريدها من فولكلوريتها.
4.4. اللغة النوبية
بحديثنا عن اللغة النوبية نعني جميع متفرعات أسرتها، تلك التي يتحدثها النوبة في الشمال، أو الجبال، أو في دارفور … إلخ. ويمكن لبعث اللغة النوبية أن يتم باتباع خطوات عملية قصيرة المدى وطويلة. عليه، لابد من برامج وخطط مدروسة، خاصة وأن بعض اللغات الآيلة للاندثار ليس بدعة في مجال اللسانيات وسوسيولوجيا اللغة. فهنالك مثال قريب يعكس تجربة إحياء لغة كادت أن تكون في عداد اللغات المكتوبة فقط، إلا وهي اللغة العبرية. فقد تم إحياؤها وتطويرها كلغة محلية، وكوسيلة للتعليم والأدب والثقافة والسياسة والعلم في دولة إسرائيل (أنظر في ذلك: قولد، 1989: 361-388؛ قيلنر وشيلهاف، 1991: 59-86). في هذا يخشى الكثير من المثقفين السودانيين أن يؤدّي ذلك إلى إضعاف موقف اللغة العربية، وفي رأينا أن هذا مجرّد إسقاط، إذ يمكن أن يحدث العكس فيما ترويه التجارب الأخرى في هذا المجال. فمثلاً، فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي تمّ إحياء العديد من اللغات القومية وتطويرها إلى لغات تعليم وأدب. ومع هذا لم تؤدّ هذه العملية إلى إضعاف وضع اللغة الروسية، بل أدى إلى ترسيخها (أنظر: هيرمان بيل، 1989: 189-195).
في مجال الخطوات التي يمكن اتّباعها نقترح المراحل التالية لتبيان هذه الكيفية، وعليه هي ليست حصريةً.
1.4.4. اللغة الوسيطة أو المستوى العالي
باللغة الوسيطة نعني إيجاد لغة وسط بين المتحدث بها محكياً وتلك التي تحدث بها النوبيون القدماء أي اللغة القديمة. في هذا نشير إلى أن تجربة اللغة النوبية فيها الكثير من عوامل الشبه مع تجربة اللغة اليونانية. فمثلاً كان هناك فرق كبير بين اللغة اليونانية القديمة، والأخرى المحكية التي درج اليونانيون على التحدث بها لقرون خلت، حتى صعب على عامة متعلميهم فهم اللغة القديمة. وفي سبيل الربط بينهما ظهر خلال قبل القرن الماضي ما عرف باسم: Katharevousa، وتعني حرفياً “تنقية” اللغة، أو اللغة “النقية”، ونعرّبها على النحو التالي: كَتْرَبُوسا. اعتمدت الكَتْرَبُوسا Katharevousa كليّاً على جذور الكلمات في الإغريقية القديمة، بينما مالت في نحوها وصرفها إلى الوسط من لغة العامة (Demotic) والأخرى الكلاسيكية. بهذا تمكن اليونانيون من الإطلاع والإلمام بتراث وكتابات الإغريق القدماء. وهكذا أصبحت هذه اللغة الوسيطة لغة التعليم فوق الأولى حتّى سبعينات القرن العشرين (راجع مادة: “اللغة الإغريقية” في الموسوعة البريطانية، المجلّد الثامن: 392-398).
في مجال اللغة النوبية بدأ الأمر عندما انتبه بعض الدارسين النوبيين في أخريات القرن العشرين إلى الإزاحة التي حدثت بين اللغة النوبية القديمة واللغة المتحدّث بها حالياً (راجع: جلال هاشم والهادي هاشم، 1995). بعد ذلك قام محمّد جلال هاشم (1999؛ 2001) بمحاولة للتقريب بين المستويين اللغويين، القديم والحالي، الأمر الذي دفع بعالم النوبيات هيرمان بيل (1998) إلى أن يُطلق على تلك التجربة مسمّى “الفصحى النوبية”. فيما بعد توالت البحوث والدراسات التي استندت على العديد من الدروس التجريبية للغة النوبية بالسودان وإنكلترا (جلال هاشم، 2004b). عند هذا تبلورت صورة واضحة لكيفية مقاربة المسألة من زاوية علمية بحتة تمثّلت في إعادة صياغة كتاب محمد متولّي بدر [بدون تاريخ] كنموذج لكتاب مطالعة باللغة النوبية العالية (Katharevousa).
قُصد من هذه التجربة فضلاً عن أن تشدّ النوبيين لماضيه أن تجعل فهم النصوص القديمة متاحاً لهم. وبهذا يتم وصل الفترة الزمنية التي انقطعت فيها تجربة الكتابة عند النوبيين (جلال هاشم وهيرمان بيل، 2004b).
2.4.4. إشكالية الأبجدية
عُرف النوبيون بالتعلّق بتاريخ حضارة وادي النيل والنظر إلي أنفسهم باعتبار أنهم امتداد لتلك الحضارة. وفي هذا نظروا برومانسية إلى أشكال الكتابة القديمة من هيروغليفية وخلافها على أنها تمثّل مراحل كتابة لغاتهم التي يتكلّمون بها الآن. ولهذا ظلّ عامة النوبيين يتشوفون ليوم يخرج فيه علماء الآثار واللغات بلغتهم التي كان يكتبها أجدادهم، حتى دفع هذا ببعض ظرفائهم إلى “فبركة” أبجدية مستوحاة من الحروف العربية والرومانية، فكان أن أقبل عليها ناشئة النوبيين بحماسة جديرة بالإعجاب، فخطوا بها على جدران منازلهم، وبعضهم حتى على ملابسهم على سبيل الموضة. هذه الفبركة قام بها شخص يدعي سمير عمر طه في أواخر السبعينات بالنوبة المصرية، وقد انتشرت بين أنصاف المتعلمين من النوبيين انتشار النار في الهشيم. ويرجع سبب انتشار هذه الأبجدية المفبركة إلي تقديمها عبر معلومة كاذبة فحواها أنها اكتشفت من قبل عالم الآثار السوداني نجم الدين محمد شريف في إحدى حفرياته. والموضوع “المُفبرك” عبارة عن خطاب أرسله ابن من مصر لأمه ببلاد النوبة في فترة ما قبل الميلاد. وتحفل الرسالة “المفبركة” على مجموعة من الأغلاط التاريخية، فضلاً عن إيراد بعض الألفاظ العربية ضمن رسالة ينبغي أن تكون قد كتبت قبل الميلاد بمئات السنين. ويكشف إقبال النوبيين عليها، بجانب جهلهم بتاريخ لغتهم، عن هذا الشوق الجامح ليومٍ يطلع عليهم فيه علماء الآثار واللغات القديمة بلغتهم التي كان يكتبها أجدادهم.
يمثل اختيار الأبجدية المناسبة لكتابة اللغة النوبية، أحد أعوص الإشكالات التي يحتد حولها نقاش الباحثين النوبيين. فمنهم من تبلغ لديهم الذرائعية حداً يرشحون معه الأبجدية الرومانية. إلا أن أغلب الذين عرفوا بهذا المنحي كانوا من الأكاديميين الغربيين، ونذكر منهم على سبيل المثال: رونالد فيرنر، ألفا لي هويلر وآخرين. وظهر أثر هؤلاء عندما تعاونوا مع بعض الباحثين النوبيين في إخراج كتيبات المطالعة باللغة النوبية (راجع: محي الدين شريف، 1995؛ الهادي هاشم وهويلر، 1996). وفي الحقيقة فإن أغلب ما كُتب باللغات النوبية كان بالحروف اللاتينية.
من جانب آخر ذهب بعض الباحثين النوبيين واقترحوا الأبجدية العربية مع كل مشاكل حروف التصويت فيها (التشكيل) (راجع جلال هاشم، 2004b). ومن أشهر الذين نادوا بكتابة اللغات النوبية مستخدمين حروف اللغة العربية الأستاذ الشاعر ميرغني ديشاب الذي جدَّ حتى اختطّ له منهجاً في كتابة اللغة النوبية بالحروف العربية. وقد شاركناه في إخضاع هذا المنهج للتجربة بأن كتبنا إحدى قصائده بالحروف النوبية، ثم بالحروف العربية، وبعد عام كامل عدنا كلانا للقصيدة ليقرأ هو بالحروف العربية، وأقوم بقراءة القصيدة بالحروف النوبية. كانت النتيجة فشلاً ذريعاً من جانبه، يوازيه نجاح ظاهر من جانب الكاتب، علماً بأن القصيدة من تأليفه. وهذا ما دفع بديشاب للتخلي عن منهجه إيماناً بعدم جدواه. بيد أن هذا لا ينبغي أن يُحسب على اللغة العربية إذ ربما ينبغي أن يُحسب على المنهج الذي اتّبعه ديشاب. فهناك باحثون نوبيون وضعوا مناهج لكتابة اللغات النوبية باستخدام الحروف العربية وافقها الكثير من التوفيق (راجع تجربة أحمد سوكارنو عبد الحافظ، 1998؛ وتجربة منيب فقير، 2000).
كما هنالك الكثير من الشعراء والمغنين النوبيين الذين درجوا على استعمال الحروف العربية لكتابة قصائدهم النوبية، مع إقرار منهم بأن هذا من قبيل جهد المقل والعاجز. نذكر منهم الفنان مكي علي إدريس والشاعر محمد مختار عابدون على سبيل المثال، ولكن أشهرهم هو شاعر الملحميات إبراهيم عبده. وقد تحول مكي علي إدريس إلى الحروف النوبية بحماسة يحسد عليها بعد إكماله لكورس الأبجدية النوبية الذي نظمته “جمعية نوباتيا” لأعضاء فرقتها الفنية بدارها بالكلاكلة قطعية (الخرطوم) خلال شهر أغسطس 1996م والذي قام كاتب هذه السطور بتدريس الكورس فيها.
إزاء هذا الاشتطاط العروبي قام تيّار آخر من المشتطين في رومانسية حالمة يطالبون بالأبجدية المروية، رغماً عن أن العلاقة بين اللغتين لم تحسم حتى الآن من حيث القرابة و/أو الغرابة. في الحقيقة هذه الدعوة بدأ بها الهادي حسن أحمد هاشم في بداية السبعينات، ثم عدل عنها للنوبية القديمة. وعموماً أغلب دعاة هذا الاتجاه اليوم من غير الملمين بالإشكالات اللغوية والتاريخية التي تكتنف مسألة علاقة اللغتين ببعضهما، فضلاً عن مشكلة حل طلاسم المروية. كما نلاحظ أنهم يجهلون الأبجدية النوبية القديمة جهلاً تاماً.
في مواجهة هذه التيارات برز اتّجاه جديد يقترح كتابة اللغات النوبية بالأبجدية النوبية القديمة التي استخدمت في كتابة اللغة إبان الممالك النبوية. هذه الدعوة انظلقت أوّل أمرها في بدايات تسعينات القرن العشرين من ثلاثة أماكن متباعدة ودونما تنسيق هي الخرطوم، القاهرة وأبو ظبي. إذ بدأت في الخرطوم من قبل الهادي حسن هاشم الذي درس النوبية القديمة على يد هيرمان بيل أوائل السبعينات، عبدالحليم صبّار، منال عثمان حسنين وكاتب هذه السطور؛ في القاهرة بدأت هذه الدعوة في نفس الفترة بريادة عدد من النوبيين نذكر منهم المرحوم مختار خليل كبّارة، المرحوم محي الدين شريف، محمد سليمان جدّوكاب ومحمد عبد القادر؛ في أبو ظبي بدأت الدعوة لاستخدام الحروف النوبية القديمة من عبد القادر شلبي، عبدالله صبّار وإبراهيم عبده وذلك عندما أسّسوا لهم جمعية باسم (Fāy) بمعنى “إقرأ” بالنوبية. بعد ذلك التقى عبد القادر شلبي بالمرحوم كبّارة حيث أبدى الأخير استعداده لوضع كتاب عن كيفية استخدام الأبجدية القديمة لكتابة اللغة النوبية الحديثة. عندها قطع عبد القادر شلبي عهدا على نفسه بأن يسعى إلى إنجاز برنامج أبجدي للنوبية القديمة يُتيح استخدامها كبيوتريّاً. أنجز كبّارة وعده فلحقه عبد القادر منجزاً ما وعد أيضاً (لمزيد من التفاصيل حول هذه المراحل يرجى مراجعة: جلال هاشم، 2004b). كان هذا الحوار يدور بين قطاعات الطبقة المثقفة النوبية دون أن يتنزّل إلى القواعد والجماهير النوبية في قراها ومدنها. بين الأعوام 1999م 2003م قام كاتب هذه السطور بإجراء مسح لغوي لمنطقة المحس ضمن فريق المسح الأثري بجامعة الخرطوم. وقام في عام 2003م بإجراء استبيان بين الطلبة والطالبات بالصف النهائي في أربع مدارس بوسط منطقة المحس (فرّيق، دلقو والترعة) حول أيّ الأبجديات ينبغي أن يقع عليها الاختيار. أظهرت نتائج ذلك الاستبيان أن غالبية النوبيين يريدون الحروف النوبية القديمة. وفي الحقيقة طالما أن الموضوع برمته بعث تراث، مما يعني شد الماضي إلى الحاضر استشرافاً للمستقبل الأفضل، عليه، يبدو من المنطقي أن آخر مرحلة من تاريخ الكتابة النوبية في الماضي ينبغي أن تبعث في الحاضر. بهذا حُسم أمر أيّ الأبجديات ينبغي للنوبيين أن يختاروا والآن لا يبدو أن هناك أي خلاف حول الأبجدية القديمة باستثناء موقفي سوكارنو ومنيب.
3.4.4. تدريس اللغة النوبية
تبدأ هذه المرحلة بإقامة فصول لتدريس اللغة النوبية، على أن تكون في البداية وقفاً على المهتمين والعاملين في مجال إحياء التراث النوبي. وسبب قف التعليم على هذه الفئة هو أنها بحكم انخراطها في هذا المجال تعتبر الأكثر مقدرة على تحمل مشاق التعلم، وبالتالي الأكثر التزاماً في تعليم الآخرين. ونشير هنا إلى أن أوّل تجربة لتدريس اللغة النوبية قام بها كاتب هذه السطور في عام 1996م. وقد استهدف ذلك الكورس القصير تدريس الشعراء والفنّانين والمغنّين النوبيين أبجديات الكتابة والقراءة بالحروف النوبية القديمة. وكان ضمن الدارسين بذلك الفصل عدد من أشهر الفنانين النوبيين النيليين (مكي على إدريس، وهبة ولولي، حسن عجاج، عماد أباظة، عاصم ختام وآخرين). ولا يقوم هذا التدريس على فقه اللغة، بل على أدبها في أساسه. عليه لابد من تأليف قراءات Readings كافية، يمكن للفولكلور أن يكون مصدراً لها، بجانب المواضيع الحديثة من اجتماعية، اقتصادية، سياسية وتاريخية فضلاً عن قضايا الساعة. فالأدب النوبي المتاح اليوم هو الشعر النوبي الوافر والرائج. أما في مجال القراءات الأدبية النوبية، فيأتي إسهام الهادي حسن أحمد هاشم رائداً ومتميزاً. فهو يعتمد في ذلك على الفولوكلور النوبي جامعاً له، وموظفاً حكاياته الشعبية بطرقة تُشبه ما قام به الإخوة قريمز في الأدب القومي الألماني (راجع: قريم وقريم، بدون تاريخ).
1.3.4.4. تدريس طلبة الجامعات
بعد هذا يمكن إقامة فصول لتدريس اللغة النوبية لطلبة الجامعات والمعاهد العليا من النوبيين. فهؤلاء الطلاب عادة ما يكونون من النشطاء في مجال إحياء التراث النوبي، وذلك عبر أنشطة جمعياتهم الثقافية وروابطهم الإقليمية. وتكمن الفائدة الكبرى في تدريس هؤلاء الطلاب، في أنهم يمكن أن يلعبوا دوراً كبيراً في إزالة الأمية الأبجدية وسط أهلهم عبر برامجهم الصيفية.
2.3.4.4. تدريس نوبيي الشتات
بأبناء الشتات نقصد المهاجرين أو بالأحرى أولئك النوبيين الذين نزحوا أو وُلدوا وتربَّوا بعيداً عن مواطنهم النوبية فنشأوا وهم يتحدثون اللغة العربية، بينما يتحدث الوالدان، أو الجد والحبوبة، باللغة النوبية، الأمر الذي نجم عنه فهمهم للنوبية دون التحدث بها، أو على أقل تقدير، اعتياد آذانهم على تصويتات النوبية، مع معرفة قد تقل وتزيد بها. و من قبل ذكرنا أن مواطن النوبيين أصبحت طاردة لسكانها، وذلك في إطار موجة الهجرة من الريف إلى المدينة. وقد ربط بعض الإحيائيين بين المحافظة على التراث النوبي والعودة إلى القرية؛ وهذا شرط يبدو أن لا أحد سيلتزم به. بينما، في المقابل، إذا نجحنا في تعليم أبناء المهاجر داخل السودان وخارجه لغتهم النوبية، فهذا يعني ألاّ خوف على هذه اللغة من الاندثار، طالما أن الحراك الديموغرافي للمجتمعات النوبية لن يؤدي بالضرورة إلى التخلي عن اللغة ونسيانها.
4.4.4. اللغة النوبية كلغة تعليم
يحلم الكثير من النوبيين باليوم الذي تصبح فيه اللغة النوبية هي لغة التعليم في المدارس بمختلف المراحل، وربما حتى في الجامعة (الجامعة النوبية). ولسنا هنا بصدد تقويم الحلم، فهذا شيء مشروع، ولكننا سنتكلم عن الجوانب العملية الأولية التي من شأنها أن تجعل هذا الحلم يتحقق.
1.4.4.4. المناخ الثقافي/الاجتماعي
نقصد بهذا مدى القبول النفسي للمجتمعات النوبية، من حيث تفاعلاتها الثقافية والاجتماعية لنقلة كهذه. فخطوة بهذا الحجم لا يمكن أن تفرضها أي جهة على المجموعات المستهدفة. فلو أنّا مثلاً اتخذنا قراراً بتعليم أبناء النوبيين بلغتهم، لربما فوجئنا ببعض الجماعات النوبية ترفض الفكرة لعددٍ من الأسباب، منها على سبيل المثال، عدم اقتناعها بجدواها.
فالنوبيون، مثلهم في ذلك كمثل باقي المجموعات الإثنية للأطراف السودانية، قد تعرضوا لعمليات مستمرة من الاستيعاب وإعادة الإنتاج التي توجت بمملكة الفونج ونموذج إنسان سنار. هذا فضلاً عما صاحب ذلك من قهر ثقافي واضطهاد عرقي. وكانت محصلة ذلك إنسان وسط السودان الذي تسيطر عليه الأيديولوجيا الإسلاموعروبية. ونعني بميكانيزم الاستعراب الآلية التي يتحول بها الكثيرون من أبناء الأطراف السودانوأفريقية عن ثقافاتهم ولغاتهم، ومن ثم يستعربون وفقاً لمعايير الثقافة الإسلاموعروبية بوسط السودان. وتلعب المراكز الحضرية دوراً حاسماً في هذه العملية، فيما يمكن أن نسميه بالمركزية الثقافية والتي تأتي المركزية السياسية كإحدى تجلياتها (للمزيد حول المفهوم يمكن مراجعة: عبدالله علي إبراهيم، 1989؛ أبو منقة وميلر، 1992؛ محمد جلال هاشم، 1999أ). والآن نجد الكثير من المجموعات النوبية على شفا عملية التحول هذه. ويستلزم استعصام هذه الجماعات بهويتها النوبية أولاً تحريك ميكانيزمات أيديولوجيا الهوية لديهم، الأمر الذي من شأنه أن يجعلهم يقبلون بنقلة في مستوى أن يتعلم أبناؤهم باللغة النوبية.
2.4.4.4. اللغة النوبية كمقرر دراسي
نقطة البداية يمكن أن تكون بإدخال اللغة النوبية كمادة دراسية مقررة على التلاميذ في المدارس النوبية أي تلك التي بالمواطن النوبية، وفي حالة المراكز الحضرية الكبرى، كالخرطوم مثلاً، في المدارس التي توجد بالأحياء المعروفة بنسبتها العالية من أبناء النوبيين مثل الكلاكلات، الحاج يوسف، دار السلام … إلخ، على أن تكون اختيارية، في الحالة الأخيرة.
لتقويم هذه المرحلة تقويماً مثمراً، قد نحتاج لإخضاعها للتجربة على مدى زمني يغطي -على أقل تقدير- المرحلة الأولية، وهي مدة بكل الأحوال لن تقل عن خمسة سنوات، مع احتمال أن تتضاعف، عليه فإن الاستعجال ربما لا يفيد، إن لم يكن ضاراً.
3.4.4.4. اللغة النوبية كلغة تعليم للمرحلة الأولية
تكمن جدوى أن يتم تعليم التلاميذ في المراحل الأولية باللغة الأم في أن ذلك من شأنه أن يجود تحصيلهم العلمي، لأن اللغة هي وعاء العلم الذي يتلقونه (جوزيف بوث، 1990: 51-54). وقد تنادت الكثير من المؤسسات والمنظمات العاملة في حقل التعليم والثقافة على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية، لإقامة المؤتمرات وورشات العمل بريادة لا تُنازع لليونيسكو بغية تنبيه المسئولين الرسميين بضرورة اتخاذ اللغات الوطنية كلغات تعليم في المرحلة الأولية خاصة (جوزيف بوث، 1988). في السودان اتّصفت السياسات اللغوية بثبات تُحسد عليه من حيث غلبة أيديولوجيا الهيمنة عليها مدعومة بمؤسسة الدولة التي يبدو أن لا همّ لها غير فرض اللغة العربية على غير الناطقين بها (راجع: محمد عبد الحي، 1977) حتى لو أدى ذلك إلى تدهور التعليم. في هذا كان العديد من المثقفين يقفون من خلف هذا المسعى الخطير مشجّعين الدولة ومزيّنين لها سياساتها غير الراشدة؛ من ذلك ما جاء على لسان عبدالله الطيب قوله: “تطبيق التعريب ضرورة حتى لو توقف التعليم نفسه” (صحيفة أخبار اليوم، 31/8/1994). في الحقيقة آلت الدولة على نفسها أن تتّبع سياسة التعريب منذ الاستقلال وإلى الآن (راجع: ناصر السيد، 1990: 203-244) بصرف النظر عمّا إذا كان ذلك سيدفع بمستوى التعليم إلى الأمام أم إلى الخلف.
فالنوبيون وغيرهم من أبناء الهوامش غير العربية ظلّوا يعانون طويلاً من عامل اللغة في مجال التعليم، الأولي منه خاصة، الأمر الذي دفع بالكثيرين من أذكيائهم ليتحولوا إلى فاقد تربوي لا لشيء إلا لاستعصاء اللغة العربية عليهم. فنظرة سريعة لإحصائيات الدخول للجامعات بالسودان تشير إلى أن أبناء وسط السودان هم الغالبية، راجع ترتيب الطلاب العشرين الأوائل 1960-1995م: وكذلك المدارس الأولى للفترة 1978-1995م، وذلك في جميع المساقات (المصدر: إحصائيات مكتب امتحانات السودان).
ولكن جعل اللغات المحلية وسيطا تعليميا ليس مجرّد قرار سياسي أو رغبة عارمة يطالب بها المتكلّمون بهذه اللغات. إذ يعتمد نجاح هذه التجربة قبل كل شيء على النجاح في وضع المقررات جميعها باللغة النوبية. هذا بدوره يحتاج إلى جهدٍ كبير في مجال التأليف التربوي/التعليمي، فضلاً عما يستلزم ذلك من إمكانات ضخمة. إذا تم هذا، يبقى هناك عامل آخر بتمامه يتكرس نجاح التجربة أكثر. هذا العامل هو ضرورة أن تتطور هذه اللغات (في حالتنا اللغة النوبية) من لغة محكٍ شفاهي، إلى لغة محكٍ قرائي. بمعنى آخر، لابد أن تكون قد مرت عدة سنين على اللغة النوبية وهي تقرأ وتكتب بين المثقفين النوبيين على الأقل، إن لم يكن بين عامة النوبيين. فهذا الأمر من شأنه أن يأتي بمردود Feedback حميد للمدرسة، فتعلم الوالدين يحسِّن من تعلم الأبناء.
5.4. الفن والإبداع النوبي
في الواقع عادةً ما ينشأ الإنسان النوبي مكتنفاً بالفن والجمال. إذ خلفت الحضارة النوبية آثاراً تعتبر آية في الفن والجمال. فهناك الرسومات الجدارية والمنحوتات، فضلاً عن أعمال المعادن والذهب والأحجار الكريمة. وفي مجال المعمار، تعتبر العمارة النوبية فناً متصلاً ذا لونية خاصة (أنظر: وينزيل [الآن: كافينديش]، 1972؛ حاكم، 1988)، ولا تزال حتى يومنا هذا بمثابة موتيف Motif جمالي يستلهم منه المعماريون المحدثون نماذجهم. الآن درج كثير من المعماريين على إدخال القوس arch كموتيف أساسي في تصاميمهم المعمارية، إلا أن المهندس المعماري النوبي عبدالله صبار يعتبر أشهرهم ورائدهم في هذا. وقد اختير عضواً في اللجنة الخاصة بالتقويم في منظمة أغا خان الإسلامية الدولية لما رأته فيه على أنه إسهام معماري إسلامي. وقد ذكر لي في لقاء شخصي به أنه ظل منذ بدئه ممارسة المعمار ينظر لموتيف التقويس باعتباره ممارسة معمارية نوبية بحتة.
عليه، فمن باب أحرى أن يشتمل أي برنامج لإحياء التراث النوبي على مناحي الفن والإبداع بمختلف ألوانه. وسنعمل هنا على أن نضرب أمثلة لذلك دون حصر.
1.5.4. جماليات الثقافية المادية
بهذا العنوان الجانبي نقصد العمران، تخطيط المدن، الملابس، الرسومات على جدران المنازل، والأجسام. فالبيت النوبي يمتاز بمثاليته من حيث توافقه مع الظروف البيئية المناخية التي يبني فيها، فنظام التهوية والتسقيف وعزل الحرارة، يشهد له فيها بالجودة، فضلاً عن الإبداع العمراني الذي يعرف به[راجع وينزيل، مرجع سابق]. الآن أصبح المنزل النوبي يختفي، ويتم استبداله بأنماط سكنية تقل كثيراً عن كفاءته من حيث التواؤم البيئي. إن النوبي يخسر جمالياً وتراثياً عندما يبني منزلاً خالياً من الموتيف النوبي.
من جانب آخر يتميز النوبيون بفن الرسومات الجسمانية (راجع: فاريس، 1972). وقد واجه هذا الموتيف الكثير من التيارات المحاربة، خاصة لارتباطه بالعرى. إننا لا نريد أن نخوض في مجال تصنيف الممارسات الفنية ومحاكمتها كعادة ضارة أو خلافه (علماً بأن الكثير من حملات ما يُسمّى بمحاربة العادات الضارّة يمكن تصنيفها ضمن دائرة العادات الضارّة نفسها). إلا أننا نعتقد أن فن الزخرفة الجسمانية يمكن أن يستقل عن بيئته المحلية، ليتمدد في بيئات اجتماعية أخرى كممارسة جمالية يقوم بها الصغار والكبار، في المهرجانات مثلاً محقّقاً بذلك أصالته ومعاصرته (عن مفهوم الإستقلالية والأصالة والمعاصرة، راجع: جلال هاشم، 1999ب).
4-5-2 الشعر والقصص الشعبي
خلفت لنا الحضارة النوبية العديد من قصص كرامات الأولياء والرسل المسيحيين، مثل كرامات القديس مينا باللغة النوبية القديمة (راجع ذلك في براون، 1989)، والتي جاءت طبقات ود ضيف الله (يوسف فضل، 1971) ونحت نحوها الأمر الذي يمكن النظر إليها باعتبارها امتداداً للأولى خاصة من حيث الاعتقاد بالكرامة والخوارق، ثم البنية القصصية. كما إن هناك بعض الأشعار الدينية باللغة النوبية القديمة كترنيمة الصليب [براون، مرجع سابق] وأخرى في الحماسة والفخر باللغة المحسية (راجع: ليبسيوس، 1880: 240).
ويشهد الواقع النوبي الحالي بكل هذه الأجناس الإبداعية. إذن، فالمسألة امتداد لإرث إبداعي ضارب في القدم. عليھ فإن الاهتمام بهذا المجال، وعقد حلقات الدراسة له وإقامة المهرجانات والمنافسات بغية تشجيعه لهو من أولى أولويات إحياء التراث النوبي.
3.5.4. الموسيقى والغناء والمسرح
يمكن القول عن أفريقيا بأنها قارة تضج بالإيقاعات والموسيقى والغناء. والنوبيون، بوصفهم أفارقة، لا يختلفون البتة في هذا. وعندما دخلت المسيحية إلى بلاد النوبة، قامت بإدخال الأغنية كلمةً ولحناً وموسيقى ضمن تراتيلها التعبدية. فالطقوس الدينية في أفريقيا عامة، وحضارات وادي النيل خاصة تشتمل على الغناء والموسيقى. وفي سودان اليوم، قام النيليون الصحراويون (قوام قبائل الجنوب، دارفور، كردفان والنيل شمالاً إلى الأنقسنا بالشرق) بدورٍ كبيرٍ في تشكيل التجربة الغنائية الحديثة وإثرائها.
اليوم تواجه الأغنية والموسيقى النوبية مثلُها في ذلك كمثل باقي إبداعات الهامش غير العربية في مجال الغناء العديد من المهددات، أولها إيداعها في جانبٍ ضيق من مساحة الإبداع السوداني، بتصنيفها كأغنية شعبية فولكلورية، ومن ثم سجنها داخل جدران هذا التصنيف الجائر. فهذه العملية من شأنها أن تضعف الأغنية النوبية، وذلك بحرمانها من استشراف أي تطور وانفتاح. وفي الواقع هذا ما دأبت ثقافة الوسط الإسلاموعروبي عليه إزاء إبداع الهامش السودانوأفريقي.
لذا ينبغي أن يتّجه الاهتمام إلى إمكانات تطوير الأغنية النوبية وفق منظور يزاوج ويصالح ما بين العلم والفولكلور على أن يأتي الناتج متّسقاً مع هويّة المجتمع المعني فيخدم التراث النوبي دون أن ينفصل عنه. إذن لابد أن ينهض هذا التطوير على أساس علم الموسيقى، وما يمكن أن يتيحه من ثراء إبداعي وتقني. وحريٌّ بنا أن نُنبّه إلى أن التطوير لا يعني بالضرورة التخلي عن الآلات النوبية مثل الطار، النقارة والطنبور وخلافه. فتطوير الأغنية النوبية يعني إثراءها، دون إفقادها أي عنصرٍ من عناصرها الأساسية. أي دون أن تفقد خصائصها التي بها يتم التعرف على جماعة ثقافية بعينها هم النوبيون في مجموعهم، وكلٍ منهم على حدة (راجع مفهوم الأغنية الفولكلورية كأداة لتعريف المجموعة عند علي الضو، 1983: 15). وتبدأ أولى مراحل التطوير بالانفتاح النوبي النوبي، وذلك من حيث الإيقاعات، والآلات، والرقص. بعد هذا يمكن أن نلتفت إلى الأغنية، ومسألة تكريس نوبيتها، وذلك بمراجعة كلماتها.
فالآن مثلا يمكن أن يقام مهرجان باسم “مهرجان الأغنية النوبية” كلّ عامين، يُخصّص لتكريم أحد الفنّانين على أن يأتي المغنّون الشباب من القرى النوبية ونجوعها فيغنّي الواحد منهم، أو منهنّ، أغنية للفنّان المحتفى به ثمّ أغنية خاصّة به/بها. ولتقليل التكاليف يمكن أن تساهم الجمعيات والاتحادات في تكلفة الترحيل والمواصلات ثمّ السكن بمكان الاحتفال لأبنائهم المشاركين في هذه الاحتفالات.
أما عن المسرح، فلا أقل من تحريكه من منظورٍ ثقافيٍ نوبيٍ، وذلك بجعل اللغة النوبية الوسيط المعتمد لنصوصه، ثم باعتماد الحكايات اليومية المعاشة داخل المجتمعات النوبية بكل ما تحفل من دراما وفكاهة وإنسانية. بعد ذلك يمكن الانتقال للمواضيع الأكثر تعقيداً. وفي هذا نُشير إلى أن الدراما السودانية، على حداثتها ومعاصرتها، قد وصمت نفسها بالبهلوانية والتهريج. وهذا في رأينا مجرد إنصرافية أوقعهم فيها التواطؤ الأيديولوجي. فبالرغم من أن الصراع الثقافي في السودان، وعلى قمته الحرب الأهلية، مشحون بالدراما، إلا أن الأعمال الدرامية السائدة غارقة في الإسفاف البلهواني، وجرائم القتل سيئة التأليف، سيئة الإخراج، سيئة التمثيل، فضلاً عن انحصارها في قضايا مجتمعات الطبقة الميسورة اقتصادياً، أو، في حال انفتاحها، قضايا الريف الإسلاموعروبي بوسط السودان. وهنا يتجلي التواطؤ الأيديولوجي.
4.5.4. المهرجانات الثقافية
كثيراً ما تصطبغ الأنشطة النوبية بالطابع المهرجاني/الاحتفالي ومرد هذا يمكن أن يعزى إلى المهرجانية التي يمكن النظر إليها كجنس من أجناس التراث النوبي، يرتبط بالطقوس الدينية القديمة لحضارات وادي النيل؛ لكن ربّما تكون هناك أسباب أخرى، كما سيرد أدناه. فالمواسم الثقافية، على غرار ما تقوم به الروابط الطلابية النوبية بمؤسسات التعليم العالي، يمكن تشكيلُها لتشمل العديد من الأنشطة التراثية والإبداعية والرياضية، وذلك في قالب مهرجاني يبعث على الإعجاب، ويكرس اهتمام النوبيين بتراثهم. وهنا ننبه، مرة أخرى، إلى أنه ينبغي للنوبيين أن يعترفوا ببعضهم بعضاً، وبانتمائهم إلى هوية واحدة تستظل بهوية أكبر منها هي السودان.
هنالك محذور لابد أن ننبه له، وهو أن الأنشطة الإحيائية في مجال التراث النوبي، جعلت من الاحتفالية والمهرجانية محوراً لكل منشط إحيائي. فإذا أرادوا أن يتفاكروا حول موضوع فني للغاية، مثل وضع منهج دراسي، تراهم قد دعوا إلى اجتماع عام يتحول بمجرد بدئه إلى مهرجان حماسة. هذا الأمر جعل هذه الأنشطة عامرة بالأضواء والضوضاء (glamour and clamour). ويمكن القول إنه ما أضرّ بالعمل النوبي شيء كالحماسة الجوفاء، تلك التي تسمع لها جعجعةً ولا ترى طحناً. فإحياء التراث النوبي ينهض أول ما ينهض على النجاح في أداء الواجبات المنزلية (Nubian homework) والتي لم تُنجز حتّى الآن. عليه، ينبغي للنوبيين أن يحذروا الانجراف وراء المهرجانية الجوفاء التي عادة ما تفتح أوسع الأبواب للمباجحة والشوفينية. كما عليهم، في المقابل، أن يجوّدوا من أداء واجباتهم المنزلية، والتي بطبيعة الحال لا يمكن أن تؤدي إلا في هدوء، أي بعيداً عن الأضواء والضوضاء، ثم بعد هذا يمكنهم أن ينظموا المهرجانات والاحتفالات الهادفة.
5. مؤسسات الإحياء الثقافي
يحتاج أي نشاط إنساني إلى إطار تنظيمي يعمل خلاله بما يضمن له بلوغ غاياته المرسومة. قد يكون النشاط جماً وافراً وتكون الغايات سهلة المنال، ومع هذا فقد لا يؤدي الأول إلى الثاني إذا كان التنظيم قاصراً. سنقوم هنا بالتعرض لمسألة التنظيم المؤسس الذي من شأنه أن يجعل النشاط الإحيائي يبلغ غاياته المنشودة.
1.5. الجمعيات والأندية الاجتماعية
عرف عن النوبيين نشاطهم الدؤوب في سبيل الارتقاء بمواطنهم الريفية والحضرية، وذلك متى ما بعدوا عنها داخل السودان أو خارجه. وقد طرقوا في ذلك سبلاً عديدة من حيث النشاط والتنظيم، وكان أكثر ما أثر عنهم الأندية والجمعيات الاجتماعية. تقوم هذه الجمعيات على أساس القرية، المدينة أو المنطقة. فتجد مثلاً “جمعية صاي الخيرية” بالقاهرة والتي تأسست بصورة أهلية عام 1866م ليتمّ تسجيلها بصورة رسمية في سنة 1918م، ولا تزال تعمل حتى اليوم (جلال هاشم، 1999ج). كما نجد “النادي النوبي” بالخرطوم والذي يعود تاريخه لما بعد الاستقلال عندما صادق السيد عبدالله خليل (أول رئيس وزراء للسودان) على تخصيص قطعة الأرض الحالية كمقر رسمي للنادي النوبي الذي تأسس سنة 1931م، وظل ينتقل من منطقة لأخرى، ولم يكتمل بناؤه وتأسيس هيكليته وعضويته إلا في سنة 1986م (راجع: مجلة إركي، 1996: 5-7). كما نجد بأمدرمان “الجمعية الخيرية لأبناء الميدوب”، مقرها بأم مبدة والتي تأسست مؤخراً، ولا تزال دارها تحت التشييد. هذا فضلاً عن الجمعيات والأندية العديدة التي يضيق المجال عن ذكر جزءٍ قليلٍ منها دع عنك الإحاطة بھا. وتنتشر هذه الجمعيات والأندية بانتشار النوبيين أينما كانوا في السودان أو خارجه. فمثلاً نجد في المملكة العربية السعودية (جدة والرياض) العديد من الجمعيات والأندية النوبية القائمة على أساس القرية و/ أو المنطقة كما كان حال النوبيين في القاهرة طيلة القرنين الماضيين.
تنهض هذه الجمعيات والأندية أساساً بغرض إتاحة أرضية للتواصل الاجتماعي بشد النوبيين بعضهم ببعض. وعادة ما يكون المنتمون لجمعيةٍ ما من أبناء منطقة واحدة، وقد يتسع صدرها لتستوعب العديد من أبناء المناطق الأخرى. ويأتي الهدف من هذا التواصل في إمكانية توحيد جهود أبناء المنطقة واستنفارهم متى ما واجهت منطقتهم الأم مشكلة ما. هذا وقد تضطلع هذه الجمعيات بالعديد من المهام في تخطيط وتمويل وتنفيذ مشاريع خدمية، و/أو تنموية بالمنطقة الأم.
وتشهد دور هذه الجمعيات والاتّحادات الكثير من الأنشطة الثقافية غير الدورية، والاحتفالات الثقافية عامة. ولكن بالرغم من هذا لا يُعرف لهذه الجمعيات والأندية أي التزام وضلوع مباشر في الأنشطة الثقافية ذات البرامج جيدة الإعداد وطويلة المدى. بالطبع لا يمكن أن نلومها في ذلك طالما أنها تنهض أساساً لأغراض عملية بعينها، وتوفيها حقها. لكن، بما أنها تستهدف عادةً الجوانب الخدمية/التنموية، فيمكن إذن أن يتم تجويد هذا المنحى، وذلك بإتباع أساليب ومداخل أكثر علمية، كعقد المؤتمرات العلمية وما يستتبعها من ورشات عمل فنية. فهذا من شأنه أن يزودها بالرؤية العلمية/الواقعية للحاضر وكيفية استشراف المستقبل عملياً. فكثيراً ما ترتبط برامجها الخدمية/التنموية بأزمات ومشاكل طارئة في المنطقة الأم، الأمر الذي يستلزم استنفاراً عاماً. والاستنفار متى ما كان ظرفياً، فإنه لا يعدو أن يكون حماسةً واندفاعاً. مثل هذا الحماس عبارة عن رغوة صابون.
شيء آخر يمكن أن نضيفه لها دون أن تفقد هذه الأندية خصائصها الاجتماعية الأساسية؛ فبما أن دورها عادة ما تشهد العديد من البرامج الثقافية، إذن يمكن لهذه البرامج أن تتم وفق رؤية إحيائية واضحة يقوم المختصون والمهتمون برسمها لھم. ونحن هنا لا نطالبُها بأن تعلن إلتزامها ببرنامج نشاطي بعينه، لكنّا نُطالب بأن يكون النشاط متى ما قام في إطار رؤية كلية وممنهجة لمسألة إحياء التراث النوبي.
2.5. الجمعيات والاتحادات التعاونية
الجمعيات التعاونية منشط اجتماعي، اقتصادي ينتشر في كل أقطار المعمورة، وللسودان حظه من هذا الانتشار. توجد في المجتمعات النوبية العديد من الجمعيات والاتحادات التعاونية التي تنشط في مجال توفير السلع الاستهلاكية وزراعة المحاصيل النقدية. وعادة ما تقوم هذه الجمعيات على أساس القرية، المدينة، المنطقة، والإقليم. وقد أصابت هذه الجمعيات نجاحات باهرة في عقد السبعينات (راجع: مان، 1978)، لينكمش دورها في الثمانينات، وتدخل دور الاحتضار فيما بعد تسعينات القرن العشرين فما بعد.
يعزى انكماش دور المؤسسات التعاونية واضمحلالها إلى العديد من الأسباب. فهناك مثلاً انعدام البنيات التحتية للإنتاج مثل الطرق والكباري ووسائل النقل الكفيلة بربط مواقع الإنتاج بالأسواق. هذا بدوره أدى إلى صعوبة إيصال مدخلات الإنتاج، فضلاً عما لعبه التضخم في زيادة التصعيب. وهناك أيضاً اشتداد وتيرة النزوح من الريف إلى المدينة، وهجران النوبيين لأراضيهم ومواطنهم. كل هذه العوامل يمكن إدراجها في إطار سياسات الدولة إزاء الاقتصاد التعاوني كخطة للنهوض بالريف السوداني عامة. فقد شاب هذه السياسات قصور في النظر والتقنين والأداء، فضلاً عن الفساد، ثم ما تبع ذلك من تنكب تام للاقتصاد التعاوني وتحجيمه بإلغاء وزارته. فوزارة التعاون والعمل تأسست في سنة 1965، ودمجت سنة 1977م مع وزارة التجارة والتموين (المرجع السابق: 47-51)، ليتم إلغاؤها في سنة 1981م.
ومع هذا كان بمقدور النوبيين أن يحولوا اضمحلال أثر تعاونياتهم وانحصار دورها إلى نجاح إذا ما فطنوا إلى العلاقة التي تربط بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبين مشاكل الثقافة والهوية والتراث. فالتدهور البيئي التنموي ذو علاقة طردية مع التدهور البيئي الثقافي. فالشاب النوبي الذي تسكنه الرغبة في الهجرة من موطنه باتجاه العاصمة تحرّكه في ذلك العديد من الأسباب الاقتصادية البادية للعيان، إلاّ أن من بينها سبباً قلما ينتبه إليه الناس لانكفائهم على الأسباب المادية الملموسة. فهذا الشاب تدفعه رغبة خفية للهروب وربما التبرؤ من مجمل ثقافته وهويته من عادات، لغة، فن وزي، وأشواق …إلخ. فالخرطوم باعتبارها مركزاً للوسط لا تتيح فرص عمالة مغرية فحسب، بل تتيح أيضاً ثقافة بديلة، وإشباعاً قد ينظر إليه البعض على أنه زائف لأشواق الحضارة والمدنية. فإن هي إلا أشهر، وقد تصعب مقاربة هذا الشاب من قبل الجمعية التعاونية لمنطقته. قياساً على هذا يمكننا أن نتصور حجم الدعم المادي والمعنوي الذي يحجب عن التعاونيات.
لكل هذا ينبغي للتعاونيات أن تضع المسألة الثقافية ضمن مشاريعها التنموية. هذا لا يعنى أن تتبنى مسائل الثقافة، فهذه لها مؤسساتها؛ لكن، يمكن أن تتساوق وتتكامل مشاريعها وبرامجها الخدمية/التنموية مع المشاريع الثقافية. ويأتي قولنا هذا مع بدء التفات النوبيين مثقّفين وعامة للإمكانات الهائلة التي تنطوي عليها خطّة تنمية مثلث الحوض النوبي (حلفا دنقلا جبل عوينات) (راجع: جلال هاشم، 1999ج).
3.5. الاتحادات والروابط الطلابية
تنبثق هذه الاتحادات والروابط عن التجمعات الإقليمية في الجامعات والمعاهد العليا للطلبة السودانيين داخل وخارج السودان. ويكون الغرض منها تنظيم الأنشطة الصيفية بما يخدم المنطقة المعينة. لهذا تشهد العطلات الصيفية لمؤسسات التعليم العالي العديد من القوافل المنشطية التي تسيرها هذه الروابط تحت مختلف الشعارات من ثقافية، صحية، تنموية، وخدمية…إلخ.
بالنسبة للطلبة النوبيين هناك العديد من الروابط والتجمعات التنظيمية، إلا أنها لا تشمل كل المجموعات النوبية. هذا فضلاً عن أن التنسيق غير موجود تماماً بين المجموعات النيلية من جانب، والمجموعات الأخرى (كردفان ودارفور) من جانب آخر. وفيما يختص بمجموعات كردفان (الجبال والحرازة) ودارفور (الميدوب والبرقد) نجد أن التنسيق ليس معدوماً فحسب بل مجرّد فكرة وشيجة القرابة اللغوية والثقافية ربمّا غائبة فعلاً أيضاً. بالإضافة إلى أن التنظيم نفسه ربّما يكون معدوماً (الحرازة مثلاً).
5-3-1 الروابط الطلابية النيلية
بالنسبة للنوبيين النيليين نجد الروابط أكثر تنظيماً وأوفر نشاطاً. فهناك رابطة لأبناء حلفا والسكوت وأخرى لأبناء المحس وأخيرة لأبناء دنقلا. تنضوي كل هذه الروابط في (تجمع الروابط النوبية). وهو جسم غير قوي، ويستعيد نشاطه لدى الضرورة وفي المناسبات التي تجمع الروابط. إلا أنه، على أي حال، سمة طيبة تشير إلى التنسيق.
يحسب لهذه الروابط في ميزان المحاسن والفوائد قيامها بالقوافل الصيفية العامرة بالمشاريع الخدمية. فمثلاً في مجال الصحة يمكن أن يشتمل برنامج ما على تحصين لأطفال منطقة بعينها. كما يمكن أن تشتمل القافلة على مشروع خدمي تنموي كبناء مدرسة، أو حفر ترعة لمشروع زراعي. وفي مجال الخدمات التعليمية، هناك الفصول الصيفية فضلاً عن العديد من الأنشطة الثقافية (ندوات تثقيفية، مسرح … إلخ). ويشهد لهذه الروابط بالفضل الكثير في الملمات والكوارث التي تضرب المنطقة، حيث تتداعى الاتحادات والروابط ويتم إرسال قوافل النجدة والإغاثة (حالات الكوارث الفيضانية).
ولكن، مع كل هذا، يؤخذ على هذه الروابط فقدانها لأي رؤية إحيائية للتراث تتصف بالعمق والشمول. ولعل هذا ما دفع بأنشطتهم لتأخذ طابع المهرجانية والاحتفالية، أي الأضواء والضوضاء glamour and glamour. فالبرغم من أن المنضوين تحت هذه الروابط كلهم من طلبة الجامعات والمعاهد العليا، الأمر الذي يعنى تسلحهم بالمناهج العلمية، والمقدرة على مقاربة الأشياء علمياً، وبالرغم من الجلبة الاحتفالية والمهرجانية التي يحدثونها في سبيل عكس اهتمامهم والتزاماتهم إزاء إحياء التراث النوبي، فإن أي حديث مع بعضهم قد يعكس لك جهلاً شائناً بأبجديات علم النوبيولوجيا، من تاريخ، لغة … إلخ. هذا فضلاً عن عنجهية وشوفينية بغيضة تتمثل في تحامي الكثيرين منهم للمجموعات النوبية الأخرى (كردفان ودارفور)، قد تصل أحياناً حد التمييز العرقي.
2.3.5. الروابط الطلابية بالجبال
يشتد الاستقطاب الأيديولوجي في منطقة جبال النوبة بين الثقافتين العربية من جهة والنوبية الأفريقية من جهة أخرى مع أن التفاعل والتلاقح الثقافي قد أرسى قواعد راسخة في المنطقة (الحوازمة والنوبة مثلاً) بحيث تتكامل المجموعات الثقافية دون أن تُذيب إحداها الأخرى. إلاّ أن المشكلة تعمّقت بالتّدخّل المتحيّز للدولة من حيث سعيها لتكريس الاستعراب. من ذلك مثلاً نجد حكومات ما بعد الاستقلال تتبني المرجعية الجغرافية في تسميتها للمنطقة بدلا من اسم (جبال النوبة) ذي المرجعية الثقافية والتاريخية وهكذا أصبح اسم المنطقة هو (جنوب كردفان).
علي هذا درجت التجمعات الإقليمية الطلابية لأبناء المنطقة في الجامعات والمعاهد العليا فأصبح لدينا في كل جامعة أو معهد عالي (رابطة أبناء جنوب كردفان). غنى عن القول إن هذه الروابط لم تلعب الدور المأمول فيها من حيث التوحيد عن طريق التذويب فقد انتقلت إليها أشكال الصراعات الثقافية والإثنية فضلا عن الاستقطابات المذهبية السياسية. هذا الوضع أدي إلى نفور العديد من الكوادر النشطة والمهمومة أساساً بالخطاب الثقافي فآثرت الابتعاد والعمل في أُطر ثقافية صغيرة خارج الإطار الطلابي الأمر الذي قعد بالروابط الطلابية عن أداء دور أكثر فعالية في المسألة الثقافية.
في المستقبل القريب قد يتغير الحال ويسمح بتكوين روابط طلابية بمرجعية جبالية نوبية. فقد أطل إلى السطح الحديث عن الحقوق الثقافية للقوميات بالجبال خاصة بعد توقيع إتفاقية السلام الشاملة بدءاً بمشاكوس ونيفاشا عام 2005م. فبروز روابط طلابية بمرجعيات نوبية في المنطقة سيعزز الضلوع المباشر في مسائل الإحياء الثقافي النوبي. هذا بالرّغم من أن الاستقطاب السياسي في المنطقة كاد في بعض الأحيان أن يؤدي إلى وأد بالسلام الوليد.
ونُشير إلى حقيقة العلاقة الطردية بين حالة الحرب والسلام في إقليم جبال النوبة وبين عمليات إحياء التراث النوبي ممثّلاً في الوضع اللغوي أساساً. فالوضع حاليّاً بالجبال وإن سكتت عنه البندقية إلاّ أنه لا يزال مشوباً بالكثير من الحذر الذي ينذر بالخطر وينبي باحتمالات الانفجار في أيّ لحظة. فمثلاً في أعقاب توقيع إتّفاق السلام عام 1997م نظرت العديد من المجموعات العربية التي كانت تتلقّى دعماً مباشراً من الحكومة باعتبارها كانت تحارب بالوكالة عنها إلى تلك الاتّفاقية التي طواها النسيان كما لو كانت مكافأة للمجموعات المتمرّدة. فتحديداً رأت مجموعات المسيرية التي كانت تساند النظام في حربه الأهلية ضد النوبيين المتمردين في ذلك الإتفاق طعنة في ظهرها جراء مساندتها للحكومة، ووصفته بجزاء سنمار. فقد قرأت بنود تلك الاتفاقية الميّتة بما اكتنفها من قصور على أنها مكافأة مجزية لمن يحمل السلاح، وتخلّي عمن وقف في وجه التمرد ضمن ما يعرف بقوات الدفاع الشعبي. عليه، فقد هددت بدورها بحمل السلاح إذا ما أمضت الحكومة اتفاقها مع قوات التمرد النوبية. فقاموا حينها برفع أربع مذكرات ذات فحوي واحدة بالرغم من أنها تبدو وكأنما أرسلتها جهات مختلفة جرت على النحو التالي:
(أ): “مذكرة برأي أبناء المسيرية حول اتفاقيتي السلام أبريل 1977م”. وحملت 14 توقيعاً بدأت بالفريق (م) مهدي بابو نمر وانتهت بالأستاذ نمر بابو نمر المحامي.
(ب) “مذكرة حول المسألة الأمنية في جنوب وغرب كردفان وأثر الإتفاقية المبرمة بين الحكومة وقطاع جبال النوبة على المنطقة”. وجاءت هذه بدون توقيعات، إلا أنها ممهورة باسم “أبناء المسيرية”. وقد عنونت إلى العديد من المسئولين الحكوميين بدءاً برئيس الجمهورية وانتهاءً بمحافظ أبيي.
(ج) “مذكرة نواب مناطق التماس مع الولايات الجنوبية حول اتفاقية السلام” وجاءت ممهورة بأسماء 47 من نواب المجلس الوطني لهذه المناطق حيث بدأت باسم عبدالله محمد رياس، وانتهت باسم الخير النعيم المكي.
(د) “مذكرة حول المسألة الأمنية في جنوب وغرب كردفان وأثر الاتفاقية المبرمة بين الحكومة وقطاع جبال النوبة على المنطقة مايو 1997م”. وتختلف هذه عن المذكرة (د) أعلاه في كونها أوردت تاريخ إصدارها، فضلاً عن كونها جاءت ممهورة باسم “أبناء ولايتي جنوب وغرب كردفان بالخرطوم”. وقد دارت مناقشات حادة حول النقاط المختلف عليها أعلاه في المجلس الوطني [في ذلك راجع: صحيفة ألوان، 219، 13أبريل 1997م؛ 234، 3 مايو 1997م؛ 244، 13 مايو 1997م].
الآن وفي ظلّ اتّفاقية السلام الموقّعة في نيفاشا لا تزال نفس هذه القوى على ذات وجهة نظرها التي ترى في أي اتّفاق سلام مدخلاً باطلاً لمكافأة من حمل السلام ومن ثمّ معاقبة وتعيير من ظلّ يُدافع عن البلاد ضد التمرّد وحمايةً لمؤسسات الدولة والشعب حسب وجهة نظرها.
3.3.5. الحرازة الميدوب البرقد والكنوز
لا يعرف لهذه المجموعات النوبية أي تنظيمات اجتماعية طلابية قائمة بذاتها فالحرازة إن وجدوا يندرجون ضمن طلاب شمال كردفان؛ أما الميدوب والبرقد فيندرجون ضمن روابط أبناء دارفور. وهذا هو الحال لدى الكنوز إذ يندرجون ضمن الأطر الجغرافية التي يعيشون بها دونما أيّ التزام إزاء العمل الثقافي النوبي باستثناء قلة منهم. بخصوص الميدوب والبرقد بدارفور تبدو الصورة أكثر قتامةً ليس باندياح دائرة الحرب التي اضطرّت فيها المجموعتان لحمل السلاح فحسب بل بعمليات الاستهداف المنظّمة من الدولة ضد المجموعات غير العربية بالإقليم الأمر الذي وصل إلى حد الإبادة الجماعية. في ظلّ وضعٍ كهذا قد يبدو الكلام عن التراث واللغة رفاهية مثقّفين لا قبل للعامة بها. بيد أن الأمر عكس ذلك؛ إذ حرّكت عمليات الإبادة المنظّمة كوامن الوعي الأيديولوجي لعموم مجموعات دارفور وهاتين المجموعتين خاصّة. ولعلّه من الجيّد أن قادة العمل العام بدارفور في جبهات النضال العسكرية أو المدنية قد أولوا هذه القضيّة ما تستحقّه من اهتمام.
4.3.5. الطلاب والالتزام المنهجي تجاه التراث النوبي
يقع الطالب الثّانوي والجامعي داخل أكفأ الفئات العمرية من حيث تدارس التاريخ النوبي وعلاقة المجموعات النوبية بعضها ببعض، ذلك لأن المرحلة الثّانوية هي المدخل للجامعة، والجامعة إنما تُدرّس مثل هذه القضايا، ولهذا سوف نركّز على الطّالب الجامعي بينما ننظر إلى نهائيي الثانوي على أنّهم جامعيون باعتبار ما سيكون. كما يدخل الطالب الجامعي أيضا ضمن أكفأ الفئات من حيث دراسة اللغة النوبية التي ينتمي إليها ومقارنتها مع شقيقاتها في أسرة اللغات النوبية (نيلية كردفانية دارفورية … إلخ). مسنوداً بكل هذه الكفاءات أعلاه يحتلّ الطالب الجامعي النوبي موقعاً متقدّماً ضمن أقدر الفئات وأنشطها في تدريس اللغة النوبية. وتشمل مجالات التأهيل لدى الروابط الطلابية النوبية دراسة التاريخ النوبي عامة وتاريخ المجموعات النوبية خاصة؛ ثمّ دراسة اللغات النوبية عامة واللغة التي تنتمي لها كل رابطة خاصة؛ ثم جعل تدريس اللغة النوبية منشطا أساسياً لبرامج العمل الصيفي.
في سبيل دراسة التاريخ النوبي العام والخاص لا مناص من دراسة التاريخ الشفاهي ذلك لأن أغلب التاريخ النوبي لا يزال شفاهياً. مثل هذه الدراسات تستدعي أولاً جمع هذا التراث الشفاهي الأمر الذي يتطلب إدراج العمل الحقلي الفلكلوري ضمن برامج العمل الصيفي. في هذا الشأن يمكن التنسيق مع الجهات المتخصصة، مثل شعبة الفلكلور بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، ومركز الفلكلور التابع لمصلحة الثقافة (سابقا) وكلّية التراث والتاريخ بجامعة دنقلا.
أما دراسة اللغات، فتتطلب عقد الفصول الدراسية بعد التنسيق مع المتخصصين في اللغةالنوبية. ويمكن لهذه الكورسات أن تتم في العطلات كجزء من برامج العمل الصيفى، علي أن يقوم الطلاب بتدريسها في عطلات قادمة. ونذكر من نافلة القول أن عملية عقد المقارنات بين هذه اللغات، تستدعى تحقيق درجة مقبولة من التنسيق والاعتراف بالآخر بين روابط المجموعات النوبية المختلفة إقليمياً (النيل، كردفان، دارفور) كحد أدنى.
أما عن تدريس هولاء الطلاب للغة فإنه يمكن أن يتم عبر الفصول الدراسية لتدريس الأساسيات، بعد ذلك عليه أن يعتمد علي بقية الأنشطة الثقافية من مسرح وغناء ومجلات حائطية باللغة النوبية، وكتابة الحكايات والأساطير الشعبية، وذلك بغية تحريك الفولكلور النوبي كما أشرنا سابقا.
4.5. الجمعيات الثقافية الإحيائية
هذه الجمعيات نشأت وهى تستهدف إنجاز الواجب المنزلى النوبى، بأسلوب يُفترض فيه أن يكون علمياً كما تدل علي ذلك دساتيرها ولوائحها المنظمة لعملها. ويبدو أن المثقفين النوبيين قد استهدوا لدى تأسيسهم لهذه الجمعيات بجمعية الدراسات النوبية، وهي جمعية علمية ومتخصّصة في الدراسات النوبية ومقرّها في هايدلبيرق بألمانيا. انتشرت هذه الجمعيات وتعددت بين الطبقة المثقفة النوبية والمتعلمة عموما والنوبيين بمصر والسودان بوجه أعمّ. ولكن العلامة الفارقة بين هذه الجمعيات النوبية مقارنةً بالجمعيات العلمية الأكاديمية في مختلف أنحاء العالم هو إلتزام الأولي بالموقف الأيديولوجى الواضح المتمثل في إحياء التراث النوبي بعد دراسته بينما الثانية تكتفي بدراسته كمساق علمي بحت غير آبهة إذا ما أدّى ذلك إلى إحياء التراث النوبي أم لا.
تميزت الجمعيات النوبية في غالبها الأعمّ بانحصارها علي النوبيين النيليين بمصر والسودان من جانب ثم بجبال النوبة من جانب آخر. ونجم عن هذا، جانباً عن غياب أيّ تنسيق بين المجموعتين، غياب باقى المجموعات النوبية الأخرى كأعضاء في هذه الجمعيات أو حتي كمنظمين لجمعيات أخرى موازية.
واكب قيام هذه الجمعيات الكثير من مظاهر الحماسة والاندفاع إن لم نقل الإحتفالية والخطابة. وقد أشبه النوبيون في هذا ما كان عليه روّاد الحركات القومية في أوربا في القرنين الماضيين فيما يعرف بالرومانسية القوميةRomantic Nationalism مع فارق جوهرى يكمن في عدم إلتفات النوبيين لواجبهم المنزلى وبالتالى عدم أدائه عن جهل بأهميته (عن الرومانسية القومية راجع: ويلسون، 1972: 819-835). فمثلا في الحالة النوبية نجد المطالبة المتشددة والمتعنتة بضرورة أن يتم تدريس أبناء النوبيين فى المدارس بلغتهم النوبية دون أن ينتبه الناس إلى أن هذه المسألة تحتاج أوّل ما تحتاج إلى أن يتصدّى واحدٌ من هؤلاء لأداء الواجب المنزلى المتعلق بهذا المطلب، وهو وضع المناهج نفسها، قبل المطالبة بتدريسها.
في فضاء عاطفي ذاتي كهذا، تفشت المواقف الذاتية المشحونة بالحساسيات النوبية. فالمتعلمون من كل منطقة يبدو وكأنهم تحوصلوا ذاتيا، ونظروا للمسألة النوبية باعتبارها شيئاً يخص المنطقة التي ينتمون إليها. فإذا جئت إلى متعلمي دنقلا، وجدت أن الدناقلة هم النوبيون الأصلاء، ومن عداهم فشيء آخر، أما إذا جئت إلى حلفا، فستكتشف عكس ذلك، وهذا هو الحال إذا ما جئت إلى السكوت أو المحس. إن مشكلة التحوصل الذاتي هذه تكمن في أنها كلما زاد إنكماشها زاد طردياً انقسامھا أميبياً على نفسها. فمثلاً إذا سلمنا لهم بأن أهل السكوت، أو أهل حلفا، هم قلب النوبيين، وأنهم الأكثر أصالة، تولدت مشكلة جديدة لهذا الإختزال النوبي. فالحلفايون شمال حلفا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم الأكثر أصالة نوبياً، وهكذا عكس ما يعتقده، مثلاً، الحلفاويون جنوب حلفا. وهكذا دواليك في باقي المناطق النوبية والتي هي أيضاً مصابة بدرجة أو بأخرى بهذه النظرة القاصرة للهوية النوبية. هذا دون أن نذكر شيئاً عن الذين يشتطون في شوفينيتهم فيقعون في العرقية والعنصرية.
ويجد المرءُ لزاماً عليه أن يُشير إلى أن الجمعيات النوبية النيلية خاصّةً قد عانت من هذه العلة، ولا تزال تعاني. فكم واجهني الكثير من متعلمة النوبيين النيليين باستنكار مغيظ في الندوات والسمنارات العلمية التي تقام حول أصل النوبيين، وذلك عند إشارتي وتركيزي على أن الهوية النوبية ليست وقفاً على النوبيين النيليين. وكان مناط استنكارهم اشتمال تعريفي للنوبيين إخوتنا بكردفان ودارفور محذّرين لي من مغبة إلذاق العبيد (كذا) بهم، ويقصدون بهم نوبيي كردفان ودارفور … فتصوروا!
في واقع كهذا، كان من الطبيعي لهذه الجمعيات أن تنشأ وهي تفتقر للرؤية العلمية والعملية لكيفية إحياء التراث النوبي. وبالفعل فقد جاء نشاطها في مجمله سنيّ حياتها طالت أم قصرت خالياً من أي مقاربات عملية من قبيل السمنارات، ورش العمل، الرحلات العلمية الحقلية، أللهم إلا حالات نادرة يمكن إدراجها في حكم الإستثناء مثل جمعية نوباتيا بالخرطوم. هذا بينما انصب نشاط أغلب ھذہ الجمعيات دورياً كان أو غير دوري على إقامة الندوات الثقافية العامة، والحفلات الغنائية، المشحونة بالخطابة والمباهاة بالتراث النوبي، وهي مباهاة تصل في كثير من الأحيان حد المباجحة كما أشرنا.
هناك محذور آخر فشل معظم المثقفين النوبيين الناشطين في مجال الجمعيات الثقافية في تجنبه، وهو عدم التمييز بين الخطاب الثقافي، والخطاب السياسي. فالمجتمعات النوبية مثلُها في ذلك كمثل العديد من مجموعات الهامش السودانوأفريقية ينطبق عليها التقسيم الظالم للسلطة والثروة. في هذا ينحو الكثير من المثقفين النوبيين لممارسة المعارضة من خلف لافتة الجمعيات الخيرية والثقافية إمّا عن قصور رؤية أو عن انتهازية وذلك بغية تجيير الالتفاف العام حول مؤسسات المجتمع المدنية لتحقيق طموحات شخصية. وبالفعل تأذّت الجمعيات النوبية الخيرية والثقافية من هذا الخلط الثقافي والآخر السياسي. فهذا الموقف لا يتطلب خياراً بين ضدين، ولكن، في المقابل، يتطلب ذكاءً وشجاعة وذلك بالجمع بينهما بوضوح ودون أي خلط للأوراق. فلھذہ میدانھا ولتلك میدانھا.
لكل هذه الأسباب والعوامل ظلت الجمعيات النوبية تظهر إلي الوجود بأضواء لا تقلّ عما يصاحبها من ضوضاء، مسرفةً في وعدها للناس بإحياء التراث النوبي، جامعةً في مسعاها ذلك ما أمكنها من مال يجود به أسخياء النوبيين ما ملكوا. فإن هي إلا سنوات، إن لم يكن أشهر، حتى تبدأ الجمعية إياها في التساقط والاضمحلال، ثم يلفّها النسيان. وهكذا أصبحت الجمعيات إلا القليل بمثابة شهب ونيازك في سماء المثقفين النوبيين أضاءت ثم انطفأت. وهنا يجيء حديثُنا عن هذه الجمعيات إجمالاً في مستوى ما وعدت به نفسها، وما منّت به الناس. في هذا جاء عطاؤها فقيراً بائساً. فأغلب هذه الجمعيات رادها أناسٌ تعوذهم المعرفة العلمية بمناهج علم اللسانيات وعلم التراث، والمدارس المذهبية لعلوم الفولكور، وطرائق البحث، والعمل الحقلي، وتكنيكات جمع المادة الفكلورية، والتعامل من الإخباريين. كل هذا ربّما كان السبب في أدائها البائس. لكن إنما لتأهيل الأعضاء في هذه المسائل كان ينبغي أن تنشأ هذه الجمعيات أصلاً.
صفوة القول، إن هذه الجمعيات، وتعددها وكثرتها، يمكن أن يمثل دفعاً كبيراً لإحياء التراث النوبي، وذلك إذا ما نهضت على رؤية علمية وعملية في آن واحد. الرؤية العلمية تتمثل في التأهيل العلمي لأعضائها من حيث ماهية التراث النوبي، أجناسه وتاريخه. فهذه الأهلية العلمية هي التي ستجعل أعضاء الجمعية المعنية قادرين على أداء الواجب المنزلي النوبي، أو تنظيم أدائه على أقل تقدير. أما عن الجانب العملي، فغنيٌّ عن القول إن التأهيل العلمي لا فائدة له إذا لم يقف على قدمين عمليتين. ليس بالضرورة أن ينحو التأهيل العلمي داخل الجمعية منحى أكاديمياً. فمثلاً تأهيل عضو أولي التعليم لإجراء تسجيل لحبوبة طاعنة في السن ومحاورتها بذكاء وكفاءة لاستخراج أكبر قدر من المادة الشفاهية في مجالات الفولكلور، التاريخ وخلافه، لا يحتاج لكبير جهد إذا ما توفرت الفطنة والذكاء، ثم الصبر والمثابرة في هذا العضو. ويعنى هذا بالضرورة ألاّ تنحصر هذه الجمعيات داخل الطبقة المثقفة والمتعلمة فقط. فالطبقات المثقفة في المجتمعات التي عانت من الإستعمار يعرف عنها موقفها النافر من التراث الثقافي لمجتمعاتها، ولهذا تجدها أكثر اغتراباً alienated، تعتمل في داخلها الكثير من العلل والأدواء الاجتماعية الثقافية وحالات الانفصام الحضاري (راجع مفهوم الطبقة المثقفة والأفندية في: حريز، 1988؛ خالد الكد، 1987). بالطبع هناك مشكلة الأنشطة ذات الطابع الأكاديمي التخصصي، وهي قضايا تصعب، بل قد يستحيل، مقاربتها من قبل العامة. لكننا نعرف أن عملية الإحياء الثقافي في مجملها تقوم على أنشطة محصورة أكاديمياً exclusively academic على أن تتم ترجمتها إلى مناشط شعبية عامية popular. هذا التبادل المنشطي يتطلب هيكلية خاصة به تسمح بهذا التكامل.
5.5. المؤسسات الأكاديمية
بجانب الحماس الموضوعي والالتزام تحتاج عملية إحياء التراث الثقافي واللغوي لمجموعة ما، لمكنة علمية راسخة، إن لم نقل أهلية أكاديمية. وقد أوضحنا كيف أن القصور وعدم التمكن العلمي في مجالات الفولكلور واللغة كانت سبباً في القعود بالعديد من الأنشطة والممارسات التي قامت بها الجمعيات والأفراد. إذن فقيام مؤسسة أكاديمية متخصصة في مجال علم النوبيولوجيا يعد مناسباً، ويلقى القبول النظري.
على الصعيد العلمي، فمن المتوقع أن يجد اقتراحنا هذا قبولاً نوبياً عاماً، الأمر الذي يُنبي بأنهم سيتبعون القول بالعمل، فيستنفروا جهودهم لإقامة صرح كهذا كما هو العهد بهم. فقط ظل النوبيون يحلمون باليوم الذي تصبح فيه اللغة النوبية وسيلة التعليم، وجمح بهم التمني لأكثر من ذلك، فتحدث بعضهم عن “الجامعة النوبية”.
تحظى النوبيولوجيا باهتمام الكثير من المؤسسات الأكاديمية في أوروبا، أمريكا، آسيا، فضلاً عن أفريقيا. ويجئ هذا الاهتمام من زوايا أكاديمية بحثية فقط. بيد أن طبيعة الاهتمام قد بدأت تتغير في السنوات الأخيرة، وذلك بفضل الجهود التي بذلتها اليونسكو للفت الأنظار إلي أن الاهتمام والمدارسة والمباحثة، بتاريخ وتراث شعب ما يجب ألا تنفصل عن الشعب نفسه (اليونسكو، 1988). بمعنى آخر، إن دراسة تاريخ وتراث ولغة المجموعات النوبية، ينبغي أن تتساوق مع اهتمام مماثل بالمجموعات نفسها. بطريقة عملية أكثر، إن دراسة اللغة النوبية، مثلاً، لا ينبغي أن تكون منشطاً أكاديمياً بحتاً، بل ينبغي أن تساعد وتمهد الطريق كي ما تستفيد المجموعات النوبية من هذه الجهود الأكاديمية، وتجنى ثمارها في ممارستها اللغوية اليومية. إذن، فيمكننا أن نتوقع مساعدة المؤسسات الأكاديمية البحتة في مختلف أنحاء العالم .
علي صعيد الحكومة (سودانية/مصرية، أو كل واحدة على حدة) وما يتبع من مؤسسات (وزارات، جامعات … إلخ)، لنا أن نتوقع كل الدعم حتّى لو من باب حسن الظن. ذلك لأن حرمان الشعوب من التمتع بهويتها يدخل في دائرة القهر الثقافي. وقد أهابت اليونسكو بالحكومات لمراعاة هذا (اليونسكو، المرجع السابق)، فضلاً عن أن هذا ليس تكرماً، بل حق ثقافي أصيل للنوبيين بحكم أنهم جزء من دافعي الضرائب (المورد الأساسي للحكومة)، ومن العاملين إنتاجاً وتنميةً لبلادهم مع باقي قطاعات المجتمع. هذا دون أن نذكر شيئاً عن أن هذه المؤسسة العلمية إذا ما قامت، لن تفعل أكثر من نشر معرفة متاحة من قبل العديد، أو بعض، جامعات الدولة بالبلدين. كل المطلوب إذن، هو إفراد وتخصيص مؤسسة لها.وبالطبع يأتي قولُنا هذا وليس غائباً عن بالنا التّهم التي يسوقها النوبيون عن حقّ بالبلدين والتي تحكي عن أبشع أنواع الاستهداف الثقافي والإثني. إذ علينا أن نتذكّر أن المجموعة النوبية النيلية هي المجموعة الأفريقية الوحيدة التي تمتدّ من سنّار وكوستي جنوباً نزولاً إلى أسوان. وهناك الكثير من الدلائل التي تُشير إلى أن إفراغ هذه المنطقة من المجموعة النوبية وإحلال مجموعات مستعربة بها بدلاً عن النوبيين يمثّل خطّة مدروسة من قبل النظامين المصري والسوداني.
على أيٍّ ليس هناك ما يمنعنا من التفكير الجاد في اقتراح مؤسسة علمية متخصصة، ذات استقلالية علمية وإدارية، تعنى بدراسة وتدريس المساقات الأكاديمية المختلفة التي تندرج تحت اسم (النوبيولوجيا) من تاريخ، آثار، فن، لغة، فولكلور، وآنثروبولوجيا … إلخ.
1.5.5. معهد الدراسات النوبية
هذه صورة تقريبية لما يمكن أن يتمحّض عنه هذا الاقتراح اسماً ومبنىً. هذا المعهد (أو الأكاديمية أو المركز) عبارة عن مؤسسة أكاديمية متخصصة للدراسات فوق الجامعية في مجالات علم النوبيولوجيا. ويمكن تحديد الأقسام المطلوبة لهذا العلم أولياً في الآتي:
1- اللغات النوبية.
2- الأنثربولوجيا والفولكلور.
3- التاريخ والآثار.
4- الدراسات التنموية والخدمية.
يمنح المعهد شهادات الدبلوم (لعام واحد)، الماجستير (لعامين بعد الدبلوم)، والدكتوراه في المساقات الموضحة أعلاه. ويكون هذا المعهد مؤسسة علمية ذات استقلالية، في قمة هرمه مجلس أمناء، ثم مجلس أساتذة، ثم لجنة أكاديمية استشارية، ثم مدير، فرؤساء شُعب وذلك على غرار نظام جامعة الخرطوم الوارد في تقويم 1985م.
ومن المهم أن يكون لهذا المعهد قسم خاص بالدراسات الإضافية Murals Extraوذلك بغية إتاحة العلم لمن فاتهم اللحاق بركبه الأكاديمي السلّمي. من المفترض أن تلعب هذه الوحدة دوراً كبيراً في تأهيل عامة النوبيين بما يخدم بلادهم ومناطقهم على الصعيدين الثقافي والتنموي. إذ سيكون في المقدور رسم كورسات صغيرة حسب الحاجة والطلب. ويمكن أن يكون للمعهد اتّحاد للطّلبة ليقوم بالتنسيق مع إدارة المعهد بتنظيم الرحلات والبرامج الموسمية التي م شأنها أن تزيد من ارتباطه بالمواطنين العاديين.
6. خاتمة
في هذه الورقة سعينا ما وسعنا ذلك إلي رسم الأبعاد العملية لميكانيزمات إحياء التراث السوداني، متّخذين من الثقافة النوبية حالةً دراسية. فقد سعينا إلى رسم منهج علمي ذي خطوات عملية لإنفاذ المشروع الإحيائي. هذه المحاولة ربّما تقع ضمن المحاولات الأولى من نوعها في هذا المجال. عليه، لا نزعم أبداً أنها كاملة، أو حتى قريبة من الكمال. فأي قراءة متأنية وفاحصة، قد تكشف للباحثين الكثير من جوانب القصور والنقص. وهذا عين ما نريده لهذا البحث، وهو تحفيز الباحثين لمقاربة مسألة التراث السوداني النوبي بطريقة ممنهجة عبر تجاوز هذه الورقة نفسها بكشف مناحي القصور فيها. وهذا ما نرجوه منهم.
البيبليوقرافيا
بيبليوقرافيا غير عربية
* Abu Manga, A. & Miller, C. 1992. Language Change and National Integration: Rural Migrant in Khartoum. Nice: University of Nice; Khartoum: University of Khartoum.
* Adams, W. Y. 1977. Outline History of Nubia and the Sudan. In: Hinkel, Friedrich (ed.). 1977. The Archaeological Map of the Sudan: a Guide to its Use and explanation of its Principles. Berlin.
* Adams, W. Y. 1984. Nubia: Corridor to Africa. Princeton: Allen Lane, Princeton University Press.
* Bakhit, Izzeldin. 1996. Mass Poverty in developing Countries: A Cultural Prospective. In: Bakhit, Izzeldin, etal. 1996. Attacking the Roots of Poverty. Marburg: Marburg Consult for Self Promotion.
* Bell, Herman. 1973. An Extinct Nubian Language in Kordofan. In: Sudan Notes & Records. Vol. 54.
* Bell, Herman. 1975. Documentary Evidence on the Haraza Nubian Language. In: Sudan Notes and Records. Vol. 56.
* Bell, Herman. 1989. Language and Ethnic Identity in the Sudan and the Soviet Union: A Comparative Study. In: Hurreiz, Sayyid H. & Abdel Salam, El Fatih A. (ed.). 1989. Ethnicity, Conflict and National Integration in the Sudan, Sudan Library Series (16), Khartoum: Institute of African and Asian Studies.
* Bell, Herman. 1998. A Nubian Landsmål. I Seminarromt, Senter for Midtausten-og islamske studior, 5th November, University of Bergen.
* Coffey, Carolic. 1984. Language: A Transformative Key. In: Language in Society. II, 1984, pp. 511-513.
* Browne, G.M. 1989. Literary Texts in Old Nubian. Vienna-Modling: Institute fur Afrikanistik.
* Dafalla, Hassan. 1975. The Nubian Exodus. Khartoum: Khartoum University Press.
* Deng, Francis M. 1973. Dynamics of Identification: A basis for National Integration. Khartoum: Khartoum University Press.
* Dorson, Richard M. 1972. Folklore: Selected Essays (Essay No. 2 “Is There a Folklore in the city?"). Bloomington: Indiana University Press.
* Dundes, Alan. 1980. Interpreting Folklore. Bloomington: Indiana University Press.
* Faris, J.C. 1972. Nuba Personal Art. London: Duckworth.
* Gilner, L. & Shilhav, Y. 1991. A Holy land, a Holy language: A Study of an Ultraorthodox Jewish Ideology. In: Language in Society, 20, 1991.
* Gold, D.L. 1989. A Sketch of the Linguistic Situation in Israel Today. In: Language in Society, 18, 1989.
* Greenberg, Joseph H. 1970. The Languages of Africa. Bloomington: Indiana University Press; The Hague: Mouton.
* Grimm, Jacob Ludwig Karl & Wilhelm Karl, Grimm (n.d.). Grimm's Fairy Tales. London: Ward Lock and Company.
* Hakem, Ahmed M. Ali. 1988. Meroitic Architecture: A Background of an African Civilization. Khartoum: Khartoum University Press.
* Hāshim, Al-Hādi H. & Wheeler, Alva Lee. 1997. Nobiinga Kull (Learn Nubian). Khartoum: Nobatia Society.
* Hāshim, M. Jalāl. 1999. Nubian Place-names: A Comparison Between ‘Dongola' and ‘tagali'. Khartoum: The 2nd National Conference on Geographical names, the National Committee for Geographical Names (Ministry of Survey & Buildings Promotion) in cooperation with Sudan University for Science & Technology, 6-8 April 1999, Sharjah Hall.
* Hāshim, M. Jalāl. 2001. An Orthography for Nobíin: A Contribution to the Debate. In: Sudan Studies, No. 26, 44-51.
* Hāshim, M. Jalāl. 2004b. Competing Orthographies for writing Nobíin Nubian. In: Gilly, Leoma G. (ed). 2004. Occasional Papers in the Study of Sudanese Languages. No. 9, Khartoum & Nairobi :Summer Institute of Linguistics (SIL).
* Hāshim, M. Jalāl & M. Al- Hādi H. A. Hāshim. 1995. From Old Nubian to Nobíin: An Approach Toward Synthesis. Khartoum: The 4th Conference of Languages in the Sudan, Institute of African and Asian Studies, University of Khartoum, 5-8 December 1995, Sharjah Hall.
* Hāshim, M. Jalāl & Herman Bell. 2004. Ideological Motives behind Nubian Writing Systems: Emblems of Shifting over Thirteen Centuries. Annual Colloquium of the Henry Sweet Society for the History of Linguistic Ideas. Oxford: Jesus College, Oxford University, 13-16 September 2004.
* Hassan, Yusuf Fadl. 1973. The Arabs and the Sudan: From the Seventh to the Early Sixteenth Century. Khartoum: Khartoum University Press.
* Hassan, Yusuf Fadl. 1987. Some Aspects of the Writing of History in Modern Sudan. Khartoum: Khartoum University Press.
* Henderson, K.D.D. 1937. Nubian Origins. In: Sudan Notes and Records. Vol. 14.
* Hillelson, S. 1930. Nubian Origins. In: Sudan Notes and Records. Vol. 13.
* Hurreiz, S.H. 1988. Studies in African Applied Folklore. Khartoum: Institute of African & Asian Studies, University of Khartoum.
* Ibrahim, Abdullahi Ali. 1985. Sudanese Historiography and Oral Tradition. In: History in Africa. 12, 1985.
* Kid (al-), Khalid H. Osman. 1987. The Effendiyya and the Concept of Nationalism in the Sudan. Ph.D. Dissertation, University of Reading.
* Kirwan, L.P. 1937. A Survey of Nubian Origins. In: Sudan Notes and Records. Vol. 20 (I).
* Lepsius, R. 1880. Nubiesche Grammatik. Berlin: Verlag Von Wilhelm Hertz..
* MacMichael, H. A. 1918. Nubian Elements in Darfur. In: Sudan Notes and Records. Vol. 1.
* MacMichael, H. A. 1919. A Seasonal Festival at Gebel Midob. In: Sudan Notes and Records. Vol. 2.
* MacMichael, H. A. 1927. Notes on Gebel Haraza. In: Sudan Notes and Records. Vol. 10.
* Madani, Yousuf Hassan. 1985. Boat Building in the Sudan: Material Culture and its Contribution to the Understanding of Sudanese Cultural Morphology. Ph. D. Thesis. Leeds: University of Leeds, Britain
* Mahmud, Ushari Ahmed. 1974. The Phonology of a Dying Nubian Language: Birgid. Unpublished M.A. Thesis. Khartoum: Institute of African and Asian Studies, University of Khartoum.
* Mann, W.S. 1978. Cooperation Movement in the Democratic Republic of Sudan. Khartoum.
* Nasr, A.A.R (ed.). 1980. Folklore and Development. Khartoum: Institute of African & Asian Studies, University of Khartoum.
* Osman, Ali .1982. The Post-Medieval Kingdom of Kokka: A Means for a better Understanding of the Administration of the Mediaeval Kingdom of Dongola. In: Plumley, Jack Martin (ed.). 1982. Nubian Studies: Proceedings of the Symposium for Nubian Studies. Warminster, Wiltshire: Aris and Philips.
* Poth, Joseeph. 1988. The Teaching of African Mother Tongues at School, How? An Operational Guide to the Implementation of Language Reform for Technical Officers and Teachers. Dakar: UNESCO, Regional Education Office for Africa.
* Poth, Joseeph. 1990. National Languages n Teaching. In: The Courier (Africa-Caribbean-Pacific-European Community). No. 119.
* Sherif. M. 1995. Fadijja Nubian Language Lessons: For English Speakers. Manuscript. Cairo.
* Spaulding, Jay. 1972. The Funj: A Reconsideration. Journal of African History, XII, 2.
* Spaulding, Jay. 1973. Three Court Titles from an Extinct Language of the Northern Sudan. In: Meroitic Newsletter. 12.
* Stevenson, Ronald C. 1984. The Nuba People of Kordofan Province: An Ethnographic Survey. Khartoum: University of Khartoum, Graduate College; London: Ithaca Press.
* Thelwall, R. 1982. A Note on the Nubian Homeland. In: Meroitica. 6.
* UNESCO. 1988. A practical Guide to the World Decade for Cultural Development: 1988-97. Paris.
* Wenzel, Marian. 1972. House Decoration in Nubia. London: Duckworth.
* Werner, Roland. 1994. Tidn-aal: A Study of Midob (Darfur Nubian). Berlin: Reimer.
* Wierzbicka, A. 1986. Does Language Reflect Culture? Evidence from Australian English. In: Language in Society. 15.
* Wilson, William A. 1972. Herders, Folklore and Romantic Nationalism. In: Journal of Popular Culture. 6.
بيبليوقرافيا عربية:
* أحمد سوكارنو عبد الحافظ. 1998. نحو منهج لكتابة اللغة النوبية، القاهرة.
* محمد إبراهيم أبو سليم. 1970. المصادر الأولية لفترة المهدية. الخرطوم: وحدة أبحاث السودان.
* محمد النور بن ضيف الله. 1971. كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان. تحقيق يوسف فضل حسن. ط1. الخرطوم: قسم التأليف والنشر، جامعة الخرطوم.
* محمد جلال أحمد هاشم. 1999أ. السودانوعروبية أو تحالف الهاربين: المشروع الثقافي لعبدالله علي إبراهيم في السودان”. بحث قُدّم في مؤتمر “السودان: الثقافة والتنمية الشاملة: نحو إستراتيجية ثقافية (مهداة للروائي الطيب صالح). القاهرة: مركز الدراسات السودانية. دار الأوبرا المصرية، الجزيرة، الاربعاء 4 أغسطس السبت 7 أغسطس 1999.
* محمد جلال أحمد هاشم. 1999ب. منهج التحليل الثقافي: القومية السودانية وظاهرة الثورة والديموقراطية في الثقافة السودانية، ط. 4. الخرطوم.
* محمد جلال أحمد هاشم. 1999ج. رسالة كجبار: الثقافة والتنمية في بلاد النوبة النيلية. ورقة قُدّمت في مؤتمر الحضارات الأفريقية على أعتاب القرن الحادي والعشرين: حالة البحث وآفاق المستقبل، جامعة الخرطوم، قاعة الشارقة، 29 نوفمبر 2 ديسمبر 1999.
* مكي شبيكة. 1977. السودان والثورة المهدية (الجزء الأول). الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر.
* محمد متولّي بدر. (بدون تاريخ). إقرأ بالنوبية (Nobiinnog Girey). الخرطوم: معهد الراسات الأفريقية والآسيوية.
* محمد عبد الحي. 1977. السياسات اللغوية في السودان. الخرطوم: مصلحة الثقافة.
* مركز الدراسات النوبية والتوثيق. 1996. مجلّة إركي. العدد الأوّل.
* منيب إبراهيم سيّد فقير.2000، 2001. صفحات من تاريخ وادي حلفا، ط. 2. الرياض.
* عبدالله علي إبراهيم. 1989. الآفروعربية أو تحالف الهاربين. في: المستقبل العربي. 119، 1.
* على الضوء. 1983. الموسيقي التقليدية في مجتمع البرتا. سلسلة دراسات في التراث السوداني (32)، الموسيقي الشعبية (2). الخرطوم: معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم.
* ناصر السيد. 1990. تاريخ السياسة والتعليم في السودان. الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، ط2.
مصادر أوّليّة غير عربية
* Encyclopedia Britanica, “Language as a means of thought itself", Vol. 10, pp. 60-662.
* ......................, “Greek Language”, Vol. 8, pp. 392-398.
مصادر أوّليّة عربية
الصحف
. صحيفة أخبار اليوم، الخرطوم، 31/8/1994م (مقابلة مع بروفيسور عبد الله الطيب).
. صحيفة ألوان، 219، 13أبريل 1997م؛ 234، 3 مايو 1997م؛ 244، 13 مايو 1997م.
التقارير والوثائق:
. إحصائيات مكتب امتحانات السودان”، الأعوام من 1960-1995.
. “مذكرة مجموعة العمل النوبي للسيّد السكرتير العام للأمم المتّحدة”، الخرطوم، 14 أبريل 2004.
§ قُدّم هذا البحث في منتدى الفولكلور بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، الخميس 30 أكتوبر 1997م بقاعة الشارقة، كما نُشر في مجلّة احترام الإلكترونيّة في العدد الثّاني 2006:


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.