ترددت كثيراً في كتابة هذا المقال لأنه مدعاة للتصنيف أما « تكسير « للثلج لمسؤول عام ونافذ أو يقع في حيز آخر الاستهداف الشخصي وهذا أبعد لأن ما يجمعني بالرجل الكثير من العلاقات تتسم بالود والاحترام ... ولذا سأخط طريقاً ثالثاً محايداً للغاية أتوخى فيه الموضوعية ما أمكن ذلك . بدأ سطوع نجم أسامة عبد الله في جامعة الخرطوم في أوائل الثمانينات من القرن الماضي ... حيث الظهور وسط كواكب عديدة أمر في غاية الصعوبة .... فالكل في ذلك الوقت يتمتعون بقدرات باهرة في الإدارة و التنظيم والخطابة غير المهارات الاستثنائية في الصحافة والإبداع الفني و الأكاديمي . في هذا المناخ الحيّ الصاخب بالحيوية وآمال الثورة المخبوء في عرق العاملين المخلصين من أعضاء الاتجاه الإسلامي بجامعة الخرطوم تولى منصب ( الأمين العام ) أرفع المسؤوليات التنظيمية وهو في العام الثاني من كلية الهندسة إثر ظروف خاصة مما أتاح له سعة في إخراج قدراته ومواهبه الإدارية . لا أريد الخوض في الظروف التي جعلت من ( أسامة ) أن يكون مسؤولاً من الطلاب ... الجهاز الخطير للاتجاه الإسلامي الذي يتميز بفاعلية وقدرة ( ذرية ) في التأثير، والحركة فأمسك بمفصل إستراتيجي يرتبط بقطاعات عديدة خطيرة خاصة قبل ثورة الإنقاذ ... فبات بعد هذا من أقرب الناس إلى ( شيخ حسن ) الذي من عبقريته القيادية فتح بابه على مصراعيه لتلاميذه إلى درجة تشعر المرء بالدنو من ( الشيخ ) الممسك بأطراف التنظيم كله، مما يشعر فيه المرء بأهميته و حريته في الحركة والتنظير والمشاركة ويمنحه ثقة عالية في النفس يضاهي بها المسؤولين كبارا خبروا السياسة زمناً ولهذا المنهج إشراقات وإخفقات . من غير ارتباط بنسق تاريخي حدث توسع كبير في مستوى التنظيم، حيث تضاعف عشرات المرات، وحدثت شراكة بين الاتجاه والجماعات الإسلامية والفئات الوطنية الأخرى التي تؤمن برابط الوطن من غير تمييز في الدين واللون والعرق، فتبلورت فكرة الجبهة الإسلامية القومية التي نافست في انتخابات الديمقراطية الثالثة, وأصبحت الكتلة الثالثة في البلاد ... واحتفظت بمقاعد القوى الحديثة في البرلمان عام 1986م .... في ذلك الوقت صعّد شيخ ( حسن ) الأستاذ علي عثمان محمد طه نائب الأمين زعيماً للمعارضة متخطياً بذلك عدداً من الشيوخ الذين أسبق منه, مما سبب امتعاضاً لم يصل إلى أية درجة من درجات الخلاف غير التململ الذي لا يجدي .... وبظهور شيخ ( علي ) الساطع على المسرح السياسي .... نشط شباب الحركة .... حيث كان التعويل في مهام الانتشار والدعوة والتحرك في المجتمع المدني إضافة للعمل الإعلامي المتميز على الشباب تماماً . (أسامة عبد الله ) وسط كل هؤلاء الأنداد المقتدرين وفي زمن الإيثار, وعدم التنافس الذي لا يورث الحسد الذي يخصم من الحسنات ما تأكله النار من الحطب, نهض وبقدرته الحركية والتنظيمية والإدارية, استطاع أن ينجز أعمالاً مهمة في قطاع الطلاب، وبدعم من القيادة كبير، فتوسع قطاع الطلاب وبإمكانات مالية معقولة وبإنجاز مهم من رئيس القطاع .... قدم فيه معينات لوجستية كبرى مع أنه لم يُعرف بأنه من القيادات الفكرية للحركة التي تحظى ببريق لامع إلا أنه وبمساحاته الحركية وقدرات استثنائية أخرى في المكاتب الخاصة، استطاع أن يجد له مكاناً مهماً . - 2 - وحين نجحت الثورة باستلام مقاليد السلطة في البلاد عام 1989م .... وظهور وجهها الحقيقي بعد عملية تمويه متقنة في الفترة الأولى ... بدأ العالم وعلى وجه الخصوص باستهداف السودان بفتح جبهات كثيرة حتى تنهار ثورة الإسلاميين الجديدة . برز أسامة بحكم وضعه التنظيمي السابق وأبلى بلاءً حسناً في حشد الطلاب الإسلاميين وغيرهم في سد الجبهات المفتوحة على مدى واسع .... وتلك فترة عصيبة جداً تجاوزتها الحركة الإسلامية بالكثير من الصبر والصلابة والاحتمال على الابتلاءات ... كان من الأساسيين في الدفع والبذل والعطاء والجهد على مستويات عديدة ... مما دفع القيادة في ذلك وبعد دفع أثمان باهظة ... سقتها دماء طاهرة من الإسلاميين أن تدفع به ليتولى قيادة الخدمة الوطنية في بدايتها كفكرة تحتاج إلى بسطها وتعميقها، في وقت كان يشعر به المجتمع بأن أبناؤه يموتون في حرب لا هوادة فيها، ومحرقة لا تُبقي ولا تذر برغم أن قادة الإنقاذ في تلك الفترة، ضربوا المثل الأعلى بدفع ( إخوانهم وأولادهم ووزرائهم ) في ساحات الجهاد بدءاً من الرئيس وشيخ ( حسن ) مروراً بشيخ ياسين عمر الإمام ... وإبراهيم السنوسي وغيرهم من كوكبة شهداء الحركة الإسلامية . الفترة الأولى من أقدار الخدمة الوطنية مرت بصعوبات جمة .... تصدى لها بجسارة لا يحسد عليها ... ورغم المرارات وتهكم قطاعات واسعة من المجتمع من تجربة الخدمة الوطنية الا انه استطاع بقوة ( براجماتية ) عالية وايمان عميق برسالة المشروع ان يتجاوز الازمات والمطبات الهوائية من اعداء المشروع أو محاولات انقاذه بالسرعة والاتقان والدقة اللازمة .... والتي أحدثت تجاوزات خطيرة .... ولكن هذا قدر البدايات الأولى التي خصمت منه الكثير إلا انها صقلته بما يكفي لأيام قادمات أكثر مسؤولية ورهقاً . هذه المشاريع المهمة والصعبة التي استطاع ان ينجزها بمهارة رغم ما لحقه من اذى بسبب الإقدام الباهر في تجاوز العقبات التي كانت تلف المشروع من كل جهات ورغم ما اصابه من صفات ونعوت أحاطت به أقلها أنه غير ( إنساني ) البتة . يبدو انه من العناصر التي ينطبق عليها شعار الاتجاه الإسلامي ( أصلب العناصر لأصعب المواقف )والتي يكرهها اليساريون حتى النخاع . لم يبلغ ( أسامة ) مداه تماما الا بعد المفاصلة التي حدثت ( 1999م ) والتي لم أكن شاهداً عليها ... برغم ان المعلومات الغزيرة والمتضاربة تجعل المرء لا يخوض في أحداث الفتنة التي حدثت إلا ان ثمة تعليقاً واحداً يخص ما نحن بصدده، ان ( أسامة ) كان إحدى العلامات الفارقة التي قلبت الطاولة على ( الشيخ ) بترجيح كفة مشروع الحركة في الدولة مما أثار حفيظة الكثيرين مما يعتقدون انه أقرب ( للشيخ ) من آخرين كثر ... هذه الأحداث العاصفة وسعت الهوة بينه وبين إخوة له وفي الوقت ذاته قرّبته من إخوة آخرين .... فخرج من هذه المفاصلة ( المفجعة ) برؤية اخرى لصالح مشروع ( الدولة ) ... وهذه قصة اخرى ... لها زمان آخر لم يأت وقتها لتطرح كل أبعادها سلباً وايجاباً عليه ... لان سفينه أسامة مخرت في البحر أشواطاً بعيدة . حول هذه القضية المفصلية التي أصابت الحركة الإسلامية أثار جدلاً أكثر من غيره في هذه المسألة, وذلك لاسباب كثيرة تخص علاقته بالشيخ وأخرى تتعلق بمهام التنظيم التي كان ممسكاً بها .... بعد هذه العاصفة الكبرى برز بروزاًُ كبيراً و نجح في المهام الموكلة في شأن الحشد والاستنفار وسد الثغرات في مرحلة الجهاد التي كان ضمن كوكبة, احدثت اختراقاً مهما وبات أقرب ( للبشير ), مما زاد الحنق عليه. فالبعض يرى أنه ذو حظ عظيم والبعض أسرف في الخصومة فسكب عليه جام غضبه إلا انه ذهب فيما رآه صحيحاً لا يلتفت للأقوال والشائعات . اسندت له مهمة وحدة السدود التي من المفترض في تخطيطها الأول ان تنجز انجازات باهرة تحسب في كتاب الانجاز الانقاذي فحمل خلصاءه من الحركة الإسلامية ليساندوه في مهمة تاريخية وهي القيام بإنشاء مشروع ( سد مروي ) او ما يسمى مشروع نهاية الفقر في السودان. انجز المشروع الضخم بكفاءة وبحنكة ادارية وتنظيمية مسؤولة للغاية ... يحسد عليها رغم ما افرزه المشروع من مشاكل لوجستية كبيرة تخص المواطنين المتأثرين بقيام المشروع, وهذه المشكلات تعامل معها على حسب كتابات كثيرة وأقوال بجسارة وجرأة غير مسبوقة, تحمل فيها كل النقد الجارح لشخصه غير آبه مهما كانت قراراته مصوباً نظره للمآلات النهائية لذلك المشروع الضخم الذي تباهت به الانقاذ كثيراً على المستوى المحلي والاقليمي والدولي . هذه الانجازات الواضحة والبينة لفها الكثير من الظنون والنقد اللاذع لمؤسسة السدود وصوّب أكثره على شخصه رغم التنمية الواسعة التي صاحبت تلك المناطق ( القفرة) سابقاً . جلبت تلك النهضة مشكلات حضارية تتعلق بارتباط الانسان بالمكان حتى ولو كان كالحاً غير ذي زرع, مما جعل تلك المشاريع تنتاشها سهام النقد والألسن ولن يشفع له جهده المبذول في ادارة السدود لتجاوز الغضب من بعض المتأثرين من المشاريع وعدم مراعاة الحالات النفسية, او عدم وجود مسوغات فكرية مصاحبة تعالج المشكلات الناجمة عن ذلك من قبل .... خرج منتصراً بانجازات شديدة البهاء تتضاءل معها تلك الصرخات المعارضة .... وبقدرة هائلة على التعامل مع سخط بعض الجماهير ( كمسألة المناصير المشهورة ). - 3 - صعد ( أسامة عبد الله ) على اثر تلك النجاحات في سلم المسؤولية و بات وجهاً واضحاً للمرات الاولى في ( الميديا ) كلها . فعمل وحدة السدود كان حاضراً في مناطق عديدة من السودان أسهم فيه أبناء مخلصون من مهندسين وفنيين وهو على قيادتهم يهيئ بيئة صالحة للعمل مع إمكانات كبيرة, وهذا في حد ذاته جلب له مساءلة ونقدا وحديثا طيبا وخبيثا في آن واحد, ولكن يبدو وكما يقولون إنه استند إلى تاريخ طويل وناصع مهد ان يكون رقماً صعباً في معادلة الحكم لا يمكن تجاوزه. تولى وزارة الكهرباء مع السدود كحمل ثقيل آخر يحمله على اكتافه إلا انه تصدى للمهمة بذات الجسارة التي عليها فالكهرباء وما كان بها من مشكلات وصعوبات و إحباطات تجعل من كل شخص داوم على النجاح ان ينفر منها ويستجير برمضائها بالنار التي أعلنها في مؤتمر صحفي لم يُعقب عليه أحد بعد ذلك . مسؤولية اخرى صنع منها « شربات « الغريب بعد كل هذا التعب فقد لاحقت اسامة شائعات عديدة ... أقلها تجنيب الأموال التي لم يسلم منها إلا إعلانه بالبراءة التي استحقها من النائب الأول بعد مراجعته للمراجع العام . حدثني صديق عزيز علىّ انه عاد لقريته في الشمالية وفوجئ تماماً بالتغيير الذي أحدثه سد مروي في تلك المناطق الشاحبة .... ومثلما تمنى الشاعر حميّد رحمه الله ( أمونة تحلم ببيوت بنور ودش ) ... صار الحلم واقعاً حيث اضيئت القرى وامتدت فيها الشوارع المسفلتة ومطار وتغيير شامل لحياة الانسان .... وهذا التحول لم يحدث في الولاية الشمالية انما في كل مكان امتدت له يد وحدة ( السدود ) ... حيث تتحول منطقة النيل الازرق بفضل تعلية خزان الروصيرص في تلك المنطقة المهمشة سنوات طويلة عمرانا وكهرباء ومدارس ووحدات صحيّة . يبدو انه و رغم صغر سنه مرّ بتجارب ( حامضة ) بعضها ( صعب ) ومؤلم في آن واحد, وبعضها ( سار ) ومتعب للغاية يحمل في جيناته بذور الرهق خاصة في وضع السودان المعقد و في السنوات العجاف السابقة والحالية . أدلى ( أسامة عبد الله ) بتصريحات صحفية قبل أيام أن ما طاله من نقد ناتج عن مسائل ( شخصية وسياسية ) .....وهذا إلى حد بعيد صحيح إلا ان هناك نقدا موضوعيا يخص المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تصاحبها أخطاء فادحة .... مثل الانتصارات العظيمة التي تأخذ مدى بعيداً مؤثراً . وأما أصحابه .... فيحفظ الود رغم اختلاف الرأي .... رغم ما يظهره من جدية وصرامة وجفاف يخبئ حالة استثنائية من ود عامر مع صحبه او من كان مسؤولاً عنهم يوماً ما أو صنع لهم معروفاً .... في اعتقادي انه و برغم إثارته جدلاً مشروعاً في مسيرته العامة إلا انه استطاع أن يحقق نهضة تنموية, بعزيمة قوية نتج عنها أعمال جديرة ( بالتصفيق ) وإن اختلف البعض في شخصيته الجدلية !!!!