التقيت بمحمود أبو ناصر لأول مرة في زيارة له لمستشفى الشعبية بالخرطوم بحري في العام 1996م حيث كانت زوجته تعمل زميلة لنا في المستشفى، ورغم ان اللقاء كان قصيراً إلا أنني انتبهت إلى أن الرجل يتمتع بحس عالٍ وسماحة نفس تنفذ إلى قلبك بسرعة وفي يسر وطمأنينة. منذ ذلك الوقت جمعتني صلة كبيرة بالأستاذ محمود أبو ناصر عبر سنوات قضاها في السودان فربطت بيننا صداقة عريضة ومحبة كنت أراها واحدة من مئات الصداقات الحقة التي جمعت بين أشقاء وادي النيل. رحم الله الأستاذ أبو ناصر رحمة واسعة فقد رحل عنا في الأيام القلائل الماضية بالخرطوم وسط أهله وأحبابه. بحكم عملي كمدير لمركز طب الأسنان الوقائي بالخرطوم في أواخر التسعينيات المنصرمة كان من مهامي ان أنظم ندوات تثقيفية وتنويرية في إطار عمل المركز. وكانت المحاضرات في معظمها تتناول تقنيات الطب الوقائي بشكل عام في مجال الطفولة والتنشئة. ورغم أن الموضوع كان مهنياً صرفاً متعلقاً بطب الاسنان إلا أن ذلك العمل كان مدخلاً لتعاون كبير جمعني بالأستاذ أبو ناصر لسنوات من خلال مساعدته لي في الاعداد لذلك المنتدى الأسبوعي من اختيار للموضوع والمتحدثين واجراء الاتصالات بهم. وبالحق بهرني الأستاذ أبو ناصر في تطويعه فكرة المنتدى التخصصية إلى بعض القضايا العامة المتصلة بفلسفة علم الاجتماع الوقائي بالتاريخ وعلاقة الطب بعلم الجمال والثقافة والفنون مما ألهمنا جميعاً مناخاً فكرياً رائعاً ورفيعاً. كان الأستاذ أبو ناصر زينة ذلك المنتدى وقد تعرفت في تلك الفترة أيضاً على صلات وثيقة للأستاذ أبو ناصر بعدد كبير من المفكرين والصحافيين السودانيين والود الذي جمعهم به مما دل على إخائه الصادق وكريم معدنه. نعم كان من حسن طالعي ان تعرفت في تلك الفترة على فكر وارادة الأستاذ أبو ناصر في معالجة قضايا المجتمع من منظور التزامه الشخصي وصدقه مع نفسه وأمانته، وهكذا كان أبو ناصر شجاعاً في كلماته، عنيفاً في مواجهة الظلم، سمحاً في تشجيع من يحسنون العمل، حنوناً في نصحه وكريماً في سعيه لجمع الكلمة ولكن كانت نعله حاضرة ولكل عقرب. على المستوى الشخصي كان أبو ناصر صديقاً حبيباً للنفس جمعت بين أسرتينا المودة والرحمة، وكنت أركن إليه في ساعات الضيق لاستمع إليه في ساعات صفاء يتحدث عن قضايا الوحدة العربية والإسلامية، فما كان إلاَّ داعياً إلى الالتفاف على مبدأ التضامن الإسلامي العربي في عالم لا يعرف سوى الكيانات الكبيرة، وكان يفترض أننا لم نحسن التعامل مع الحضارة الانسانية الجديدة بما كان ينبغي علينا ان نفعل، بل كان رأيه أننا عجزنا عن نقل أفكار القادة الأوائل للقارة الافريقية ودول عدم الانحياز كما عبروا عنها. رحل الاستاذ ابو ناصر مبكراً وكان بيننا ميعاد لم يتم، ورغم ان رحيله المفاجئ قد أحزنني كثيراً إلا أن عزائي كان في أنه ارتحل في أكتوبر ذلك الشهر الذي أحبه وما فتئ يتغنى بأمجاد مصر فيه، مصر التي أحبها وسكن حبها فيه حتى رحيله. دعوت النفس لتسكن فمحمود الآن في رحاب مليك مقتدر يرفع الذين آمنوا درجات وليلهمنا الله الصبر ويجعل البركة في ذريته إنه نعم المولى ونعم النصير. د. بابكر عمر الحاج موسى الخرطوم بحري أكتوبر 2010م