كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النوبة المرتزقة واثرهم فى تدمير الشعب النوبى على مر التاريخ(2-4)


بسم الله وبأسم الوطن
مقدمة:
بعد تتبعنا لاحداث التاريخ فى السودان على مر العصور والحقب، وجدنا ان النوبة لا يهزمهم الا النوبة، فالعدو الخارجى بمفرده مهما كانت قوته لا يهزم النوبة، لذا كان العدو الخارجى يعتمد دائما على المرتزقة من ابناء النوبة، وخاصة الصفوة ذات المراكز الاجتماعية الرفيعة، وتجنيدهم فى قواته والاغداق عليهم بالمال والسلطان حتى يستطيعوا ان يهزموا او يضعفوا الشعب النوبى ، وبعدها يأتى العدو ويبسط سيطرته، بعد اقصاء هولاء المرتزقة المدفعوعى الاجر، بعد ان يكونوا قد ادوا مهمتم ومهدوا الطريق للعدو، للسيطرة الكاملة على النوبة.
وهذه الظاهرة قد تكررت كثيرا على مر التأريخ، ففى السودان القديم والسودان المسيحى والسودان العروبى الاسلامى واخيرا فى السودان الحديث حتى هذه اللحظة التى نكتب فيها هذا المقال نجد كثيرا من النمازج التى تنطبق على ما سنذكره فى هذا المقال، لذا رأينا لفت نظر المهتمين من الشعب النوبى لهذه الظاهرة الخطيرة، وتسليط الضوء عليها، للتعامل معها بمسئولية، والقضاء عليها تماما، والا، فان الشعب النوبى، سينتظره مصير اسود فى السودان الشمالى المتبقى لا محالة، وسيسوقهم ذلك فى نهاية المطاف الى الانقراض، ان هم تركوا المرتزقة من ابناءهم، ينخرون فيهم كالسوس، ويقومون بنفس الدور، الذى قام به الذين سبقوهم من المرتزقة فى السابق، مما ادى الى انهيار المماللك النوبية القديمة، واحتلال النوبة للمقاعد الخلفية، فى عهد انحطاطهم، فى السودان العروبى الاسلامى والسودان الحديث.
سنقوم فى هذه العجالة، بتسليط الضوء على هذه الظاهرة، وتتبعها تأريخيا، والوقوف على خطورتها، ومن ثم العمل على ازالتها او تقليلها للحد الادنى على الاقل، بوعينا بهذا الخطر الذى يحدق بنا. واننا قد راينا كيف استطاع العدو السيطرة على النخب من ابنائنا، بشراء ذممهم بالاغداق عليهم بالسلطة والمال والنساء، ومن ثم اطلاق اياديهم لكى تنخر فى مجتمعاتنا كالسوس. كم من ابنائنا من اساتذة الجامعات ومن الموظفين الكبار فى الدولة فى الخدمة المدنية وفى الجيش وفى الشرطة، بدلا من قيادة شعوبهم كما تفعل النخب فى كل الدنيا، الا انهم فى المواقع التى زكرناها، قد فضلوا الجلوس فى المقاعد الخلفية، واستمراء الخنوع والخضوع للعدو، فهم لم يظهروا الندية، بل تم استلابهم وتم تخويفهم بفقدانهم لمواقعهم القيادية، وافراغهم من محتواهم، واصبحوا يتوارون خجلا كالنساء، ويتم تحريكهم كالدومى او قطع الشطرنج، ليتم تسليطهم على رقابنا بعد هذا الاستلاب والادلجة المخجل والمميت فى نفس الوقت!!.
ان هذه الظاهرة لجد خطيرة، ويجب الالتفات اليها، والقيام بكثير من البحوث والدراسات التاريخية والاجتماعية والفلسفية والسايكلوجية والسياسية، للوقوف على هذه الخصلة المشينة والمذلة، واجتثاثها تماما من المجتمع النوبى، حتى يقوى هذا المجتمع، ويستعيد امجاده ليقود السودان، فهم اهل قوة وسلطان وحكم وادارة، لما تتوفر فيهم من هذه الصفات بالسجية، والتى قلما توجد عند غيرهم من الشعوب السودانية. فالذين يحكمون الان، ليست لهم اى خبرة فى ادرة الشعوب او الحكم، فقد لعبت الصدفة وحدها فى ان يصل هؤلاء الى مقاليد الحكم فى السودان. فذهنية هؤلاء لا تصلح الا لادارة مشايخ تكون مسئولة عن اثنيات متقاربة او خشوم بيوت ذات اثنية واحدة، ولكن ان يحكموا شعوبا وممللا مثل الشعب السودانى، فلا تجارب لهم فى ذلك بل قد فشلوا فى ادارة التنوع، والايام قد اثبتت ذلك من خلال اكثر من خمسين عاما من التجربة فى الحكم، واتوقع ان تسبقهم دولة السودان الجنوبى الوليدة فى ادارة الدولة. والا ان تركنا النخب منا ليتم اسطيادهم بواسطة هؤلاء وتحويلهم الى مرتزقة، ومن ثم توجيههم كسهام قاتلة على صدورنا، سينقرض العنصر النوبى العظيم من على الارض، كأقدم مجموعة اثنية حضارية مازالت تحتفظ بملامحها القديمة، اذ ان كل الحضارات القديمة قد اختفت تماما من الوجود، واصبحت تأريخا، كما وان اللاعبين الاساسيين فى تلك الحضارات قد اختفوا من الوجود ايضا، ولم يبق منهم الا النوبة، الذين هم اللاعبون الاساسيون فى الحضارة الكوشية، والذين مازالوا يحتفظون بكامل الملامح والاشكال الكوشية. فاللاعبون الاساسيون للحضارات الاشورية والفينيقية والفارسية والاغريقية والرومانية والفرعونية ليس هم نفس اللاعبون بنفس تلك الملامح والاشكال القديمة فى دولهم الحالية، بل قد حدثت فى تللك الحضارات تغييرات جزرية، وجاء لاعبون جدد بالتصاهر، ربما معظمهم من خارج الحدود، ليرثوا تلك الحضارات وينسبوها الى انفسهم.
2-النوبة المرتزقة فى السودان المسيحى والاسلامى.
أ-النوبة المرتزقة فى السودان المسيحى.
ولد المسيح عليه السلام فى بلدة الناصرة بفلسطين فى عهد الامبراطور الرومانى اغسطس. وقد كانت فلسطين حينذاك جزءا من الامبراطورية الرومانية. وقد بدأ المسيح ينشر تعاليمه بين اليهود اولا لانهم بنى جلدته الا انه قد لاقى مقاومة عنيفة منهم كما لاقى مقاومة من الحكام الرومان الاولون لانهم كانوا يخشون على سلطانهم. وقد وجد المسيح من اليهود والحكام الرومان الاوائل اضطهادا منقطع النظير انتهى الامر برفعه الى السماء كما جاء فى القران الكريم.
الا ان الرسالة المسيحية حملها الحواريون وهم اتباع وانصار المسيح وقد تم نشرها سرا فى اسيا الصغرى ومصر واليونان وفى روما قلب الامبراطورية نفسها. اما فى مصر، وهو ما يهمنا لان كل المصائب والبلاوى قد اتتنا منها، فقد كانت تعلم المسيحية سرا على يد القديس مرقس صاحب انجيل مرقس والذى بنى اول كنيسة له فى الاسكندرية عام (69م). وقد وجدت هذه الديانة معتنقين لها من اليهود ومن سكان البلاد الوثنيين ومن الاغريق الذين كانوا فى مصر. فبالرغم من ان الاباطرة الرومان كانوا يعذبون المسيحيين ويلقون بهم فى السجون ويقتلوهم، الا ان عدد المسيحيين كان فى ازدياد مستمر فى مصر. وقد بلغ اضطهاد المسيحيين اوجه فى عهد الامبراطور دقلد يانوس (284-305م) الذى بالغ فى ذبح المسيحيين وخاصة اقباط مصر وهدم الكنائس، الا ان ذلك لم يمنع انتشار المسيحية وسط اقباط مصر. وعلى ضوء هذا الاضطهاد هاجر عدد كبير من المصريين الى الجنوب هربا بدينهم واستقر كثير منهم فى بلاد النوبة، فقد كانت ومازالت بلاد النوبة هى الملاذ الاخير الامن للمصريين عبر التاريخ.
فقد اعترف الامبراطور قسطنطين (323-337م) بالمسيحية مع الديانتات الاخرى المعترف بها فى الامبراطورية. وفى عام (385م) اصدر الابراطور ثيو دوسيوس (378-395م) مرسوما يفضى بان يعتنق المسيحية جميع سكان الامبراطورية فاصبحت بذلك المسيحية دينا اجباريا، اى الديانة الرسمية للامبراطورية الرومانية.
دخلت المسيحية الى بلاد النوبة عن طريق مصر منذ القرن الميلادى الاول بواسطة الذين هربوا من الاضطهاد خاصة فى عهدى تارجيان ودقلد يانوس. لكن المسيحية لم تنتشر وسط افراد النوبة بغزارة كما فى مصر لانه لم يتم اصدار مرسوم يفضى بان يعتنق المسيحية جميع سكان المملكة كما فى مصر التى كانت تتبع للامبراطورية الرومانية. فقد كان البجا والنوبيون حتى عام (452م) فى عهد الامبراطور مرقيانوس على الوثنية. وقد ذهب فى ذلك العام الى بلاد النوبة فى حملة غزو الرومانى مكسيمنيوس، انتهت بعقد معاهدة اهل البلاد تعهدوا بان يدفعوا للامبراطور الرومانى جزية كبيرة وان يحافطوا على السلام لمدة مائة عام وان يطلقوا جميع الاسرى الذين وقعوا فى ايديهم فى غزوات سابقة. بل على ان يحتفظ الرومان برهائن من الاسر النبيلة للبجة لضمان تنفيذ هذا العهد وبذلك تكون البلاوى قد دخلت عمق السودان عن طريق مصر مباشرة بواسطة الاجنبى الخارجى لاول مرة.
وقد ارسلت الامبراطورة ثيو دورا القس جو ليان اليعقوبى لبلاد النوبة للتبشير وقد نجح فى ان يقابل الملك سلكو وينصره ويعمده هو واعيانه ويدخلهم المسيحية ولم يجىء النصف الثانى من القرن السادس الميلادى حتى صارت بلاد النوبة رسميا مسيحية تحت حكم الملك سلكو. كما ارسلت الامبراطورة الاسقف لونجينوس الى بلاد النوبة واستطاع ان يبنى كنيسة فى دنقلا العجوز تابعة لكنيسة الاسكندرية. وقد دخلت المسيحية الى بلاد النوبة فى عهد الملك سلكو وصار الدين المسيحى هو الدين الرسمى للدولة وقد شجع الرومان الملك سلكو على القضاء على سلطة البجا وبتاييد القوات الرومانية استطاع ان يهزم البجا ويفرقهم فى الصحراء وبذلك انتهت قوتهم كشعب وانتهوا من ذلك الوقت واختفوا من ضمن الصفحات التى تعتبر امتدادا للحضارة السودانية القديمة. وبذلك يكون سلكو قد اتفق مع العدو الخارجى للقضاء على ابناء عمومته البلميين لتدور الدائرة على النوبة عند دخول العرب نتيجة لارتزاق سلكو ووقوفه مع الاجنبى ضد حليف استراتيجى وقف معه فى مواقف كثيرة فى السابق وكان سيقف معه لا محالة عند دخول العرب.
دخول المسيحة فى السودان لم يضف جديدا بل اضعف النوبة نفسيا وهز مراكزهم الاجتماعية والاقتصادية لان المسيحية هذه لم تنتشر وسط العامة بل كانت ديانة خاصة بالصفوة الحاكمة كما وان تعاليمها قد كانت مسالمة وقد استمر النوبة خاصة فى دولة المقرة على تلك الحالة المتردية الى ان دخل العرب المسلمون السودان فوجدوا النوبة فى اضعف حالاتهم.
ب-النوبة المرتزقة فى فترة دخول العرب والاسلام السودان.
يعتبر الملك قليدور من اكبر المرتزقة النوبة على مر التأريخ وعلى يديه دمر النسيج الاجتماعى للنوبة تماما وتم اضعافهم واوصلهم الى ادنى درجة من الانحطاط وتفرقوا على طول البلاد وعرضها نتيجة لقبوله باتفاقية البقط البغيضة. فعندما كان عبدالله بن ابى السرح اميرا على مصر غزى النوبة سنة ( 31ه -652م )، وحاصرهم حصارا شديدا بمدينة دنقلا وطلب منه الملك قليدور الصلح وخرج الى عبدالله وابدى ضعفا ومسكنة وتواضعا فتلقاه عبدالله ورفعه وقربه ثم قرر الصلح معه وكتب معه عهدا والذى جاء فيه ما يلى:
" عهد من الامير عبدالله بن سعد بن ابى السرح لعظيم النوبة وجميع اهل مملكته -عقد عقد على الكبير والصغير من حد ارض اسوان الى حد ارض علوة – ان عبدالله بن سعد جعل لهم امانا وصدقة جارية بينهم وبين المسلمين ممن جاوروهم من اهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين واهل النوبة – انكم معاشر النوبة امنون بامان الله وامان رسوله محمد النبى (صلى الله عليه وسلم) ان لا نحاربكم وننصب لكم حربا، ولا نغزوكم ما انتم على الشرائط التى بيينا وبينكم، على ان تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم او بطرفكم من مسلم او معاهد حتى يخرج عنكم – وان عليكم رد كل ابق خرج اليكم من عبيد المسلمين حتى تردوه الى ارض الاسلام ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه، ولا تتعرضوا لمسلم قصده وجاوره الى ان ينصرف عنه – وعليكم حفظ المسجد الذى ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم (دنقله) ولا تمنعوا منه مصليا – وعليكم كنسه واسراجه وتكريمه وعليكم فى كل سنة ثلثمائة وستون رأس تدفعونها الى امام المسلمين من اواسط رقيق بلدكم غير المعيب – يكون فيها ذكران واناث، ليس منها شيخ هرم ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك الى اسوان، وليس على مسلم وقع عدو عرض لكم ولا منعه عنكم، من حد ارض علوة الى ارض اسوان،
فان انتم اويتم عبدا لمسلم او قتلتم مسلما او معاهدا – او تعرضتم للمسجد الذى ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم او منعتم شيئا من الثلثمائة رأس والستين رأسا فقد برئت منكم هذه الهدنة والامان، وعدنا نحن وانتم على سواء حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين – ذلك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولذا عليكم بذلك اعظم ما تدينون به من ذمة المسيح وذمة الحواريين وذمة من يعظمونه من اهل دينكم وملتكم الله الشاهد بيننا وبياكم على ذلك."
" كتبه عمر بن شرهبيل فى رمضان 31ه."
انتهى.
فقد قال المسعودى فى كلامه عن البقط:(( وعدد ذلك ثلاثمائة راس وخمسة وستون راسا واراه رسم على عدد ايام السنة هذا الى بيت مال المسلمين بشرط الهدنة بينهم وبين النوبة وللامير فى مصر غيرما زكرنا من عدد السبى اربعون راسا ولخليفته المقيم فى بلاد اسوان المجاورة لارض النوبة وهوالمتولى لقبض هذا البقط وهو السبى عشرون راسا غير الاربعين وللحاكم المقيم فى اسوان الذى يحضر مع امير اسوان لقبض البقط خمسة رؤوس غير العشرين التى يقبضها الامير، وللاثنى عشر شاهدا عدولا مع اهل اسوان يحضرون مع الحاكم حين قبض البقط اثنا عشر راسا من السبى على حسب ما جرى به الرسم فى صدر الاسلام فى بدء ابقاع الهدنة بين المسلمين والنوبة. والموضع الذى يتسلم فيه هذا البقط ويحضره من سميناه وغيرهم من النوبة من ثقافة الملك يعرف بالقصر وهو على ستة اميال من مدينة اسوان بالقرب من جزيرة بلاوا أ.ه))
، انتهى.
من حديث المسعودى هذا يكون العدد الكلى للبقط( 442) راسا فى السنة وليس( 360) كما جاء فى كثير من الكتب. ان من اكبر عيوب هذا العهد انه تم بواسطة شخص تم هدر دمه بواسطة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) فى صدرالاسلام لذا كانت عيوب هذه الاتفاقية اكثر من محاسنها وهى لم تك فى صالح الاسلام فى السودان باية حال من الاحوال. فالاتفاقية لم تدعوالنوبة صراحة للاسلام ولم ترغبهم فيه، مما يشير الى النية المبيتة للاعراب الغازين بواسطة المهدر دمه عبدالله بن ابى السرح حتى ولو تعلق باسوار الكعبة. قد كان استرقاق النوبة وليس دعوتهم للدخول فى الاسلام هدف المسلمين الغازين، لان دخول النوبة الاسلام يفقدههم شرعية استرقاق النوبة. وقد استمرت هذه الاتفاقية من سنة (641م) حتى قيام الدولة المملوكية الاولى فى مصر عام (1273م)، اى ان الاتفاقية انتظرت (677 عاما) ليدخل النوبة الاسلام وفى خلال هذه الفترة تم رسميا تصدير حوالى (299234) من خيرة شباب النوبة الى خارج الوطن ليكونوا عبيدا ناهيك من الذين تم استرقاقهم فى الداخل مما ادى ذلك الى هجرات اعداد غفيرة من النوبة وانتشارهم جنوبا وغربا وشرقا من البلاد والى عمق ادغال افريقيا هربا من نتيجة هذه العملية القاسية التى ظل يقوم بها المرتزقة من ابناء النوبة الذين تعاقبوا على الحكم لصالح امير المسلمين فى العراق ومن بعده فى الشام، وقد انتهت الى هجرة كثير من النوبة الاحرار الى كل من جبال النوبة وجنوب النيل الازرق ودارفور.
ومن الملوك المرتزقة الذين قاموا بالتواطؤ مع العرب الغازين واشهرهم هو الملك شكندة ابن اخت الملك داؤد الذى ارسل له الظاهر بيبرس جيشا جرارا تحت قيادة اثنين من امراء المماليك هما الامير شمس الدين سنقر الفرقانى والامير عزالدين الارقم، وبهذا الجيش هزم النوبيون بالقرب من دنقلا وفر الملك داؤد ونصب الامير شكندة ملكا للنوبة وتعهد بدفع ثلاث فيلة وثلاث زرافات وخمسة فهود ومائة جمل اصهب واربعمائة راس من البقر كما قبل شكندة ان يقسم خراج بلاده الى قسمين، قسم يذهب للظاهر بيبرس والاخر ينفقه فى اصلاح بلاده كما وافق ان يدفع دينارا ذهبيا عن كل ذكر بالغ من اهل بلاده مقابل بقائه وأهل بلاده على مسيحيتهم ويمكن ان نشير هنا الى نص اليمين الذى حلف عليه الملك المرتزق شكندة للظاهر بيبرس بعد فتح المماليك لبلاد النوبة سنة (675ه)، (1275م).
" والله والله والله – وحق الثالوث المقدس والانجيل الطاهر والسيدة الطاهرة العذراء ام النور والمعمودية والانبياء والمرسلين والحواريين والمقدسيين والشهداء الابرار والا اجحد بالمسيح كما جحده يودس واقول فيه ما يقول اليهود واعتقد ما يعتقدونه - والا اكون يودس الذى طعن المسيح بالحربة. انى اخلصت نيتى وطويتى ابذل جهدى وطاقتى فى تحصيل مرضاته وانى مادمت نائبه لا اقطع ما قرر على فى كل سنة تمضى ... وهو ما يفضل من مشاطرة البلادعلى ما كان يتحصل لمن تقدم من ملوك النوبة، وان يكون النصف من المتحصل للسلكان مخلصا من كل حق والنصف الاخر ارصده لعمارة البلاد وحفظها من عدو يطرقها وان يكون على كل سنة من الافيلة ثلاث ومن الزرافات ثلاث ومن اناث الفهود خمس ومن الصهب الجياد مائة ومن الابقار الجياد المنتجة اربعمائة.
واننى اقرر على كل نفر من الرعية الذين تحت يدى من البالغين دينارا عينا بفرد بلاد العلا والجبل خالصا للسلطان. وانه مهما كان (الداود) ملك النوبةاو اخيه (سنكوا) ولامه واقاربه، زمن قتل من عسكره بسيوف العساكر المنصورة احمله الى الباب العالى مع من يرصد لذلك. واننى لا اترك شيئا منه ولا اخفيه ولا امكن احدا من اخفائه.
ومتى خرجت عن جميع ما قررته او شىء من هذا المذكور اعلاه كنت بريئا من الله تعالى ومن المسيح ومن السيدة الطاهرة واقر دين النصرانية واصلى الى غير المشرق، واكفر بالصليب واعتقد ما يعتقد اليهود – وانى لا اترك احدا من العربان ببلاد النوبة ومن وجدته ارسلته الى الباب السلطانى – ومهما سمعت من الاخبار السارة والنافعة طالعت به السلطان فى وقته وساعته، ولا انفراد بشىء من الاشياء اذا لم تك مصلحة واننى ولى من ولى السلطان وعدو من عاداه والله على ما اقول الوكيل."
" انتهى."
هذه قمة الارتزاق والانبطاحة والانحطاط يصلها فرد من افراد النوبة وهو الذى كان يمثل نائب السلطان كما كان نائب الملك فى العصر الفرعونى تماما. وهو لم يوقع تلك الاتفاقية لشىء الا لكى يحفظ حياته، حياة الذل والهوان!!!. كما ان هذه الاتفاقية لم تك احسن حالا من سابقتها ان لم تك اسوا منها. ليس فى هذه الاتفاقية اى اشارة الى دعوة النوبة الى الاسلام، بل تركزت الاتفاقية على اشياء مادية دنيوية. فهذا الشكل من الاتفاقيات الضعيفة ليست فى صالح الاسلام باية حال من الاحوال مهما كابر الغلاة، بل فى الواقع قد كانت ضد الاسلام وتصب فقط فى صالح موقعيها لمنفعتهم الشخصية، فهى بذلك قد عطلت انتشار الاسلام فى السودان وسط النوبة، حيث ان النوبة قد ربطوا الاسلام بالرق، اى بالتحديد بأسترقاق العنصر الزنجى الاسود، لزا فروا الى الجبال والكهوف والادغال والمستنقعات محتمين بها من جور المسلمين العرب.
وكما ان ذلك قد عطل انتشار الاسلام فى القارة الافريقية جنوب الصحراء. وقد كان ذلك نتيجة لضعف القادة النوبة ووصولهم الى قاع الانحطاط لقبولهم بتلك الاتفاقيات المهينة والمزلة لكرامة الانسان. فتلك الاتفاقيات لم تدعو الى اعتناق النوبة صراحة للاسلام كما زكرنا، اذا فهى كانت غير جديرة بالاحترام. ونلاحظ من تلك الاتفاقيات انها كانت تهتم بنشر العروبة وتوطين المسلمين اكثر من نشر الاسلام لذا ابقو النوبة على ديانتهم دون السعى لاى جهود لاسلمتهم. فالاسلام الذى انتشر فى وسط السود فى السودان وفى بعض اجزاء من افريقيا السوداء قد اتى عن طريق الغرب بعيد قيام الدولة الاسلامية المرابطية الافريقة بواسطة ابى بكر بن على والتى حكمت حتى الاندلس. فقد نشرت تلك الدولة الاسلام فى مالى وغانا ومملكة وداى وبرنو وكما ساعدت فى انتشار الاسلام فى كل من دارفور وجبال النوبة والفونج، وقد انتشر الاسلام اكثر وسط السود بعد سقوط الاندلس عام 1492م، اما المسلمين القادمين عن طريق مصر، فقد اهتموا فقط بتوطين العرب فى بلاد النوبة، فهم لم يكونوا حريصين على اسلمة السكان الاصليين من النوبة بل تركوهم للزمن، وقد اسلم اكثرهم خوفا من ان يتم استرقاقه فقط لا غير، ومع ذلك لم ينجو الكثيرين منهم.
هناك امير نوبى اخر مرتزق يدعى تشلى فى عهد الناصر محمد بن قلاوون قد فر الى مصر واسلم وتسمى باسم عبدالله. لما تاخر الملك كرمبس المرتزق الاخر والذى كان نائبا للسلطان عن دفع الجزية، ارسل قلاوون جيشا عام (716ه)، (1316م) وهزم كرمبس ونصب المرتزق عبدالله مكانه ابنا للسلطان. وبذلك تكون هذه الحملة قد انهت الحكم النوبى المسيحى فى دولة المقرة او دنقلا. الا ان كرمبس نفسه قد اسلم ونصب ملكا مكان الملك عبدالله بعد ان خرج عليه النوبيون وقتلوه. وقد دخل الجيش المملوكى دنقلا فى 20 ربيع الاول سنة 717ه، 9 يونيو سنة 1318م، وبذلك تكون قد وضعت اخر فصول الممالك النوبية فى الشمال اى دنقلا. ونلاحظ ان هؤلاء المرتزقة قد عرفوا فى النهاية انه باسلامهم يمكنهم الوصول الى عرش الحكم مما جعلهم يتسابقون الى ذلك ويكيدون لبعضهم البعض لذا لم يك اسلامهم عن قناعة ورضى وانما كانت تحركه دوافع المنفعة الشخصية المربوطة بالمال والسلطان. فاسلام النوبة فى السودان كان نتيجة للخوف من الاسترقاق. فقد احتفظ العرب المسلمين القادمين من مصر بالنوبة مسيحيين او على ديانتهم الوثنية لضمان الحصول على الرقيق، اذ كان هذا هو هدفهم الاساسى فى غزو السودان، وقد بقى هذا الهدف مستمرا الى ان تم الغائه نهائيا بواسطة الانجليز فى القرن العشرين بالرغم من المقاومة الشرسة التى ووجهوا بها.
بقيت علوة وحدها تصارع الامواج. وهى نفسها لم تسلم من طيش الامراء المتشاكسين ومن ابناءها المرتزقة ومن الفونج القادمين من الجنوب والتحالف مع عرب الكواهلة للقضاء على اخوتهم وايضا القضاء نهائيا على مملكة علوة العظيمة فى العام 1504م وتدمير عاصمتها سوبا تدميرا تاما. وبعد هزيمة النوبة فى علوة تفرقوا الى جبال النوبة وجبال فازوغلى وكردفان.
فقد كانت الخلافات الكبيرة بين افراد الاسرة المالكة النوبية وارتزاق البعض منهم بالتحالف مع العدو سببا مباشرا فى سقوط الممالك النوبية القديمة، حتى ان ممالك النوبة فى الشمال والجنوب لم تتعاضض وتتضامن لدرء خطر العدو الذى كان يحدق بهم وظلت كل مملكة تعمل على حدى وتحفر للاخرى نتيجة لفساد كثير من الملوك النوبة وضعفهم وارتزاق اغلبهم والتعامل مع العدو الغازى لهزيمة الاخر وينتهى المقام فى النهاية بنهايته بعد ان يكون قد قضى على اخيه.
وهكذا نجد ان النوبة يهزمون انفسهم وينزلون الى الحضيض بعد ان كانوا سادة وملوك لارتزاق مجموعة منهم والتحالف مع الاجنبى للقضاء على بنى جلدتهم وفى النهاية ينتهى المرتزقة بعد ان يكون قد قوى الاجنبى وتمكن فيهم وامتلك زمام السلطة فى البلاد.
نواصل،
المراجع:
1-د. شوقى الجمل،تأريخ سودان وادى النيل، حضاراته وعلاقاته بمصر منذ اقدم العصور الى الوقت الحاضر، مكتبة الانجلو المصرية، 2008م.
2-عبدالمحمود ابوشامة، المسيحية من نبتة الى المهدية، الطبعة الاولى، مطبعة الحرية، 2002م.
3-نعوم شقير، جغرافية وتأريخ السودان، تقديم فدوى عبدالرحمن على طه- (ط1)، الخرطوم، دار عزة للنشر والتوزيع، 2007م.
4-Cheikh Anta Diopو The African Origin of Civilization, Myth or Reality, Edited and Translated by Mercer Cook, Lawrence Hill& Co., 1974.
5-الاب: القمص فيلوثاوث فرج،النوبة ملوكا وشعبا، 2006م.
6-محمد بن عمر التونسى، تشحيذ الاذهان بسيرة بلاد العرب والسودان، حققه وكتب حواشيه دكتور خليل محمود عساكر ودكتور مصطفى محمد مسعد وراجعه دكتور محمد مصطفى زيادة، مكتبة الاسرة،2007م.
7-عبدالله العربى، مجمل تأريخ المغرب، المركز الثقافى العربى، الطبعة الثانية، 2009م.
طالب تية،
الاراضى المحررة،
12 فبراير 2012م.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.