موسم الحجاج السودانيين الحالي يتطلب تدخلاً عاجلاً من الجهات السيادية في الدولة    أكبر هجوم منسق واغتيال وزير الدفاع.. ما الذي يحدث في مالي؟    وفد تسيير المريخ يزور القنصل حازم    توتيل يحسم أكوبام بثنائية في مواجهة مثيرة    متأثّرًا بجراحه..مقتل وزير الدفاع في مالي    اجتماع في الخرطوم لبحث إمداد الوقود    شاهد بالفيديو.. بشة يتحدث بشفافية ووضوح: (ضربة جزاء نهضة بركان جاءت بسبب "بلادة" وعدم تصرف من لاعب الهلال)    شاهد بالفيديو.. شيبة ضرار يسخر من منح النور قبة سيارة الرئيس: (أي زول جاي من المليشيا يمنحوه عربية والوقفوا مع الجيش يهمشوهم) ورانيا الخضر تعلق: (بحبو حب شديد)    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة فهيمة عبد الله تشتبك مع أحد الشباب في حفل غنائي وتوبخه: (البتعمل فيها دي شغلة حريم اتكلم عديل وخليك راجل)    الفنانة إنصاف مدني تفاجئ متابعيها وتتراجع عن هجومها على مدير أعمال إيمان الشريف وتقول: (كل واحد يخلي ريستو في مريستو)    والي الخرطوم يقدم تنويرا لمسئولة الاتحاد الأوربي حول الأضرار التي لحقت بالمرافق الخدمية وجهود الولاية لإعادة إعمارها    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنان سجاد بحري "يُقبل" فتاة أمريكية والأخيرة تتوارى خجلاً وتطلب الزواج منه بعد اللقطة المثيرة    صمغ السودان يتآكل... 70% من الإنتاج يختفي وتهريب يغيّر خريطة التجارة    شيرين عبدالوهاب: ما زلت أريد الحياة والنجاح.. ومشهد من "تيتانك" أعادني    توجيهات بتشكيل لجان الزكاة القاعدية بعدد 186 حيا سكنيا بالخرطوم    راشد الماجد يحيى حفلا غنائيا فى أبو ظبى 30 أبريل    الزمالك يُنهي اليوم استعداداته لمواجهة إنبي غدا للاقتراب من درع الدورى    تطورات ملف تعديل عقد إمام عاشور فى الأهلى وحقيقة الغرامة المالية    حبيب متسلط يوشم اسمه عشرات المرات على وجه صديقته    كيف استفادت انستجرام من سناب شات وتفاصيل تطبيقها الجديد Instants للصور المختفية    أدوات رقابة أبوية جديدة بميتا لمتابعة تفاعل المراهقين مع الذكاء الاصطناعى    يوتيوب تى فى يطرح ترقية كبيرة لميزة "العرض المتعدد" (Multiview)    welcome back.. بهذه الطريقة هيفاء وهبى تعلن عودتها للعمل بعد وقف الحرب    ذكرى ميلاد هالة فؤاد.. أعرف قصة الفوازير التى جمعتها بصابرين ويحيى الفخرانى    ريهام عبد الغفور ومايان السيد ونجوم الفن يهنئون هشام ماجد بعيد ميلاده    كيف تنظم الساعة البيولوجية الداخلية للكبد إفراز الدهون اليومى؟    دراسة : كثرة القيلولة تُنذر بتدهور الصحة    قائد بقوات النور قبة يحسم جدل فيديو    نجاة ترامب من محاولة اغتيال    قضايا استراتيجية على طاولة الاجتماع الأول لمجلس الرومان الجديد    تطوّرات بشأن الميناء البري في الخرطوم    تفوق واضح للجراحة على المناظير في استبدال الصمامات الصناعية    معماري سوداني يفوز بالجائزة الكبرى لجمعية المعماريين اليابانيين والسفارة بطوكيو تحتفي بإنجازه    زيادة أسعار غاز الطهي بالخرطوم    الهلال في اختبار لا يقبل التعثر    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: السيد رئيس الأركان هناك راجمة (ضاربة) على السودان    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    أطباء بلا حدود : علي ظهور الجمال والحمير … اللقاحات تصل جبل مرة    ترامب: سنمدد وقف إطلاق النار مع إيران حتى تقدم طهران مقترحاتها وتكتمل المفاوضات    محافظ مشروع الجزيره :المليشيا نهبت ودمرت أصول المشروع بطريقة ممنهجة والخسائر بلغت 6 مليار دولار    الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»    إحباط محاولة تهريب في السودان    الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد    مصر.. قرار بشأن المنتقبات بعد تدخل شيخ الأزهر في عملية اختطاف هزت البلاد    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    السودان.. القبض على 4 ضباط    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التحالف الإيراني الأصولي; محاولات الهيمنة علي الشرق الأوسط!


New article
الفاضل عباس محمد علي أبوظبي
هنالك قواسم مشتركة عديدة وعميقة بين النظام الحاكم فى إيران....( منذ سرقة الثورة الشعبية التى أطاحت بنظام الشاه عام 1979...وتجييرها لصالح ملالي قم بزعامة آية الله روح الله الخميني ...واستبعاد وتحجيم العناصر الوطنية والراديكالية والعلمانية مثل حزب توده الشيوعي).....وأحزاب وجماعات الإسلام السياسي فى الشرق الأوسط...لا سيما تلك التى سرقت الإنتفاضات الشعبية التي أطاحت بنظام بن علي وحسنى مبارك...بغض النظر عن الخط الفاصل بين الشيعة والسنة...ولقد تجلّي ذلك فى أحداث الثلاثاء قبل يومين فى كل من القاهرة وبنغازى، أي الهجوم على السفارات الأمريكية وممارسة العنف والإرهاب فى حق الدبلوماسيين الموجودين كضيوف آمنين فى هذين البلدين المسلمين...مما أدى لمقتل السفير وثلاثة من طاقمه بالقنصلية الأمريكية فى بنغازى... وترويع الآخرين ... ليس فقط فى مصر وليبيا..إنما فى العالم العربي كله.
وفى هذا الإطار، يقفز للذهن مباشرة إقتحام السفارة الأمريكية فى طهران أول أيام الثورة الإيرانية (نوفمبر 1979) بواسطة الحرس الثوري...وحبس موظفى تلك السفارة كرهائن لمدة 444 يوماً...بالإضافة للمظاهرات الإيرانية الهستيرية المتشنجة التى اندلعت كرد فعل على كتاب (آيات شيطانية) لسلمان رشدى البريطاني ذي الأصل الهندي..والفتوى التى أصدرها آية الله الخميني بإهدار دمه.........مما أدى فيما أدى لرواج منقطع النظير للكتاب...كأنما تشنجات أولئك الرجرجة جزء من عمليات دعائية ترويجية من إبداعات شركات الإعلانات الأمريكية...وما كل هذه التشنجات في حقيقة الأمر إلا عبارة عن رسائل ماكرة تستهدف الخصوم المحليين والإقليميين...بغرض تخويفهم وإسكاتهم...علي سبيل التمكين والاستفراد بالأمر تماماً...أما الولايات المتحدة ..فهي ليست الخصم الأول..إذ أنها ملاذ الحسابات السرية الدولارية...وموئل كافة أنواع الأسلحة وقطع الغيار...ومربط التجارة الدولية...وقطب الرحى الوحيد الذى بقي بعد انهيار المعسكر الإشتراكي....وقبلة كل من يرغب في تحسين نموه الإقتصادي، مثل الصين التى ما فتئت تخطب ود الولايات المتحدة وتقرضها مليارات الدولارات...وأمريكا عموماً كالبعير الذى لا يلوى على نباح الكلاب...والكل يدرك هذه الحقيقة....فقد كان النظام السوداني الإخوانجي المتحالف مع النظام الإيراني يخرج المواكب المعادية للولايات المتحدة...ويصدح صبيته بالأناشيد ، مثل: (أمريكا وروسيا قد دنا عذابها!)..بينما يتكالب متنفذوه سراً على التعاون مع المخابرات المركزية الأمريكية.... ويفتحون لها مغاليق الدولة... ويطلعونها على أسرار الحركة الإسلامية.
وفى الحالتين – الإيرانية والمصرية/الليبية – ترك الثوار القضايا الأساسية التى قامت الثورة من أجلها....وتسربلوا بالهستيريا والعنتريات الوهمية.. والظهور بمظهر من امتشق الحسام وخرج لمحاربة الإمبريالية الأمريكية مثلما فعل تشى جيفارا... ومن قبله هوتشى منه والجنرال جياب...وغيرهم من الوطنيين الجادين الذين سجل التاريخ صحائفهم بمداد من نور، وهم يكافحون الإستعمار حتى ركّعوه وقضوا عليه، من أمثال المهاتما غاندى وجواهرلال نهرو وباتريس لوممبا وجومو كنياتا وأحمد سوكارنو وأحمد بن بيلا ونلسون مانديلا وسامورا ميشيل وأميلكار كابرال وأوغستينو نيتو.........بينما هم فى حقيقة الأمر دون كيشوات....لا يحاربون إلا الطواحين الهوائية...وإذا حلت ساعة الوغى الحقيقية تجدهم يولون الأدبار...فهاهو الحرس الثوري والجيش الإيراني بعد عام واحد من الثورة يدخل فى حرب مع الجيش العراقي (وليس الجيش الأمريكي) دامت لثمان سنوات كاملات.. ولم تجلب أي نصر..إنما ثمة صلح فرضته الأسرة الدولية...وقال عنه الخميني: (إنني أقبل هذا الصلح كمن يتجرع سماً زعافاً لا مفر من شربه).....أما الجيش المصري، فمنذ تأسيسه لم يكسب معركة واحدة ضد أي قوة أجنبية...ما عدا حرب أكتوبر 1973 التى باغت فيها الإسرائيليين ذات نهار قائظ من عطلة يوم كيبورYum Kipur..وهو نصر انتقصت منه كثيراً فتحة الدفرسوار التى تسلل منها الجنرال شارون بفيلقه واحتل المنطقة الواقعة بين القاهرة والسويس... وقطع طريق الإمدادات بالنسبة للجيش الثالث المصري..وعزله بصحراء سيناء...فكأنّا يابدر لا رحنا و لا جئنا..وأضحى الجيش المصرى تحت رحمة اليهودي هنرى كيسنجر المستشار الأمني للإدارة الأمريكية آنئذ ...حتى تمخضت رحلاته الماكوكية بين تل أبيب والقاهرة عن وقف لإطلاق النار....وفى نهاية الأمر خضع السادات بالكامل للإرادة الأمريكية/الإسرائيلية وأجرى صلحاً منفرداً مع الإسرائيليين وقلب ظهر المجن للقضية الفلسطينية وللعرب برمتهم...وخرجت الجامعة العربية من مصر إلى تونس..وتبادلت مصر التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل كأن شيئاً لم يكن... ووعد الرئيس السادات الإسرائيليين بنصيب من مياه النيل...وفى كل هذه الأثناء، لم تخرج مظاهرة إخوانجية أو سلفية واحدة بأي ركن من أركان مصر المحروسة تحتج على مواقف السادات الإنهزامية أمام العدو الصهيوني...(وهنا ربما يقول قائل إن السادات في النهاية لقي مصرعه علي أيدي هؤلاء الأصوليين...ولكن أسلوب الإغتيالات ليس بديلاً للعمل الثوري الجماهيري، ولكنه بدعة إخوانجية منذ مقتل القاضى الخازندار ومحمود باشا النقراشي رئيس الوزراء...مروراً بمحاولات إغتيال عبد الناصر...ولقد تناسل عن هذا الأسلوب ظاهرة اختطاف طائرات الركاب التى تخصص فيها الفلسطينيون في الستينات والسبعينات..وتفجير الطائرات المدنية التى أجادها الليبيون...وعمليات قتل المدنيين بالجملة التى نفذتها القاعدة...وكل ذلك يختلف عن حرب العصابات التى خاضها الرجال في كوبا وفيتنام وإفريقيا..الخ..التى كانت تستهدف جيش العدو المستعمر الحامل للسلاح).
والقضايا الأساسية التى تجاهلها الثوار فى الحالتين تتعلق بمسألة التغيير الإقتصادي والإجتماعي..أي أنها تتعلق بإعادة توزيع الثروة التى كان يحتكرها الشاه ورهطه فى إيران..وحسنى مبارك والمقربون منه فى مصر...وتتعلق بإعادة الأموال المنهوبة الموجودة بالخارج..وتحريك الإقتصاد بحيث يستقطب المستثمرين المحليين والدوليين..ورفع معدلات النمو...وتخفيض درجات الفقر...وإطعام الناس من جوع وتأمينهم من خوف......وذلك لن يتم إلا فى بيئة مشبّعة بالحرية والشفافية والحكم الرشيد...مع إمكانية النقد والإستنصار بالنقابات ومنظمات المجتمع المدني...وتتعلق بتقريب الشقة بين الأغنياء والفقراء...وإيجاد فرص العمل للشباب.. وإشراك المرأة فى دورة الإنتاج الإقتصادي...وكفالة حريتها الكاملة ومساواتها بالرجل فى مجالات العمل بقدر الإمكان...وإصلاح التعليم على جناح السرعة حتى تزول سحب الجهالة وبواعث الدجل والإتجار بالدين والهستيريا والديماقوقية السياسية ... وبحيث تلبي المؤسسات التربوية والتدريبية احتياجات التنمية من كوادر وسطية ومهنية وفنية متخصصة وعمالة ماهرة....ومن بعد ذلك، يستطيع الثوار أن يلتفتوا لقضايا التضامن مع الشعوب المستعمرة والمضطهدة مثل أهل فلسطين، ومثل الدول العربية والإسلامية التى تحتاج للعون والدعم الإقتصادي والإجتماعي...كالصومال.
ولكن من أين لهذه الجماهير المطوطمة والمتشنجة..التى تندلق للشوارع بسبب وبلا سبب متى ما طلب منها ذلك الحرس الثوري أو المنظمات السلفية فى الشرق الأوسط...من أين لها البوصلة المؤشرة للقضايا المركزية..لا لسفاسف الأمور والشنشنات الجانبية المهدرة للزمن والطاقات...والمنفّرة للمستثمرين والسواح...والتى تعطى فكرة خاطئة عن الإسلام والمسلمين؟؟؟! كيف تهتدى لبوصلة كهذه إذا كان الخميني نفسه لم يكن يدرى ماذا يفعل بعد ذهاب الشاهنشاه؟...فقد سئل فى تلك الأيام عن خطته الإقتصادية وكانت إجابته: (إن الثورة الإسلامية لم تقم لتحدد سعر البطيخ أو الفحم.).... وإذا قرأت أياً من كتبه ومنشوراته العديدة فإنك لن تجد بديلاً فى الإدارة والسياسة لنظام الشاهنشاه...و لا شرحاً لكيفية حل المشكلات الحياتية التى كان ولا زال الكادحون الإيرانيون يواجهونها...قضايا الصحة وتعليم الأبناء والسكن والضمان الإجتماعي والتقاعد...ولكنك ستجد عناوين مثل: (دعاء السحر...حديث رأس جالوت...كشف الأسرار...الرسائل العشر..)......وبالفعل، جاءت الخمينية للحكم عام 1979.... و لا زال معظم الشعب الإيراني يعاني من الفقر..بأكثر مما كان فى أيام محمد رضا بهلوي....وما زالت إيران دولة عالمثالثية لم تبلغ شأو سنغافورة أو ماليزيا أو إندونيسيا أو كوريا الجنوبية أو (مؤخراً) الصين و الهند...مع غياب للشفافية وحرية التعبير ...وتواجد مكثف فى أماكن الفتنة...فى الحرب بين شمال وجنوب السودان...وبطرف حزب الله فى لبنان..ومع الحوثيين في اليمن.. وفى سوريا والعراق...وفى الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبري وطنب الصغري وأبو موسي....الخ....عملاً بقول أولاد الريف: "إشتهر...ولو بضرطة!".
إن القاسم المشترك الأعظم بين نظام الثورة الإسلامية الإيرانية والنظام الإخوانجي الذى أتي للسلطة عن طريق إنقلاب عسكري في السودان والجماعات الإسلامية الحاكمة في مصر وتونس ...والموجودة بكثافة وزخم في الشارع الليبي... هو الفكر السلفي المحافظ الذى لا يفهم الإسلام فهماً صحيحاً...ويحاول أن يحيله إلى مجموعة من الشعارات السطحية التى تكرس الشمولية والدكتاتورية وخنق أنفاس الشعوب...تماماً كالأنظمة التى ثارت الجماهير ضدها وأرسلتها إلى مقبرة التاريخ.... ولقد سطع نجم هذه الإتجاهات الأصولية لأن القوى العلمانية في كل هذه الدول تعاني من الهزال والتفتيت بعد ليل طويل من الحصار والترهيب والترغيب والتعذيب والتدجين علي أيدي النظم الاستبدادية، فنجحت قوى الإسلام السياسي في تعبئة الفراغ...وقد نجحت بفضل تنظيمها المحكم المبني على الطاعة العمياء للمرشد...وبفضل "البر والإحسان" الذى قدمته لفقراء الريف خاصة...مما جاد عليهم به الأكرمون الإخوان في العقيدة المترعون بالثروات النفطية...والذين أدركوا مؤخراً أنهم قد فقأوا أعينهم بأصابعهم بدعمهم لهذه الجماعات المشبوهة.... (فقد دخل الحديث الحوش فى البحرين وشرق السعودية حيث تجلّي التنسيق والتآمر بين الإيرانيين والإخوانجية)...ولذلك نجح الإخوان في الإنتخابات المصرية والتونسية..رغم وعي تلك الشعوب التى أطاحت بالأنظمة القمعية الباطشة.....بيد أنه (وعي زائف) كذلك الذى تحدث عنه كارل ماركس...وهي (بروليتاريا رثة)... تلك التى أسلمت قيادها على طبق من فضة لطاقم جديد من الجلادين والأعداء الطبقيين.
إن القاسم المشترك هو المفهوم الثيوقراطي (الدولة الدينية) المؤسس علي الفكر الأصولي السلفي الضارب الجذور منذ الإمام أحمد بن حنبل في القرن الثالث الهجري...ذلك الإمام الذى دعا لقفل باب الإجتهاد، والذى جعل الخليفة "ظل الله في الأرض، تجب طاعته حتي لو ظلم، تأسيسأً على الآية الكريمة (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء)، والمال مال الله يتملكه الحاكم ويتصرف فيه كيف شاء"......مرورا بإبن تيمية الذى أغلق باب الاجتهاد كذلك، وحارب الفلسفة وعلم الكلام، وأنكر التراث العلمي والفكري الذى شهده العالم الإسلامي بعد الخلفاء الراشدين، باعتباره مخالفاً للشريعة،..... ومحمد عبد الوهاب الذى تأسى بابن تيمية .....وقاد الثورة الوهابية فى الجزيرة العربية........ حتى المصري محمد رضا رشيد في مطلع القرن العشرين الذى مهد لقيام جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 بزعامة حسن البنا...وكان رضا تلميذاً للإمام المجدد محمد عبده ولكنه تنكر له وهاجم العقلانية والتجديد والحداثة بضراوة شديدة..ودعا لإحياء الخلافة..وأصبحت مجلته (المنار) سبورةً للخطاب السفسطائي الهادف لتخليق كهنوت يحتكر الحقيقة ...وكما ذكر الدكتور محمود اسماعيل – ص 11 ملحق مجلة السياسة الدولية عدد يوليو 2012 – " فقد أصبح فكر رشاد رضا الحربائي المضطرب هو المرجعية الأولي لجماعة الإخوان المسلمين والجمعية السلفية وجمعية إحياء السنة..وكان رضا مبررًا للسلطان وموالياً للإحتلال البريطاني ..وكان على علاقة مريبة بالإنجليزي الجاسوس ولفرد بلنت.".....وعلى هذا النسق جاء فكر أبي الأعلى المودودي في شبه القارة الهندية في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين...رافداً للإتجاه السلفي التكفيري المحافظ في حركة الإسلام السياسي، وداعياً لقيام الخلافة الإسلامية عن طريق القوة والبطش و"الغلبة"، ورافضاً لمفهوم الدولة الوطنية والدولة القومية باعتبارهما بدعة وافدة من الغرب. ...هذا الفكر المتطرف هو المرجعية الأولى والأخيرة للإخوان المسلمين وجماعات السلفيين...ومنذ أول أيامها عمدت حركة الإخوان المسلمين للعنف والاغتيال السياسي كأسلوب للوصول للسلطة، ولم تجد حرجاً في ممالأة القصر أيام الملك فؤاد وإبنه الملك فاروق، والتعاون مع المخابرات البريطانية وأحزاب الأقلية ضد التيار الغالب للحركة الوطنية المتمثل في حزب الوفد، الذى حاولوا اغتيال زعيمه مصطفى النحاس عدة مرات، ورموا كل الإتجاهات الفكرية الأخرى بالكفر والإلحاد..... ولقد ندد حسن البنا بالشيخ علي عبد الرازق الذى فنّد خرافة الدولة الثيوقراطية في كتابه: "الإسلام وأصول الحكم"...كما حرض الإمام البنا ضد البحث العلمي من حيث هو...(لأنه يصرف العلماء عن العبادة).
وبحلول ستينات القرن العشرين، كان المنظّر الأول للإخوان هو سيد قطب، صاحب المانفستو (معالم في الطريق).... الذى استعار معظم أفكاره من المودودي...(الجاهلية والتكفير والإرهاب والحاكمية لله)..والذى أصبح إنجيلاًً للإخوان ولكل من جاء من رحم حركتهم، كجماعة التكفير والهجرة... وتنظيم الجهاد... والجماعة الإسلامية.. والقاعدة...وغيرها من الجماعات المتطرفة...كالتى تصول وتجول في ليبيا في محاولة دؤوبة لسد الفراغ الذى تركه نظام القذافي...وكالتى تسللت إلي شمال دولة مالي بعد سقوط القذافي وسيطرت على منطقة تمبكتو وقامت بهدم أضرحة العلماء وأولياء الله المسجين في تلك البقعة منذ أكثر من ألف عام...تماماً كما فعل الوهابيون بقبور الصحابة في الجزيرة العربية إبان ثورتهم في مطلع القرن العشرين...وقطعت أيدي وأرجل الأفارقة المساكين تنفيذاً للحدود بطريقتها الخاصة.
ولكن الإسلام ليس كذلك ، فقد كان فيه متسع لآيدلوجية المعارضة الإعتزالية – أهل العقل والنظر – والشيعة الإسماعيلية التى تبنت مبدأ العدالة الإجتماعية...وهو دين سيدنا عمر بن الخطاب الذى استعار نظم دولته من الفرس والروم...وكان فى الكثير من تشريعاته مجتهداً ومجدداً..عامداً إلى تحقيق "المصالح المرسلة"...ومتوخياً مقاصد الشريعة...وقال عليه رضوان الله: "جردوا القرآن وأقلوا فى الرواية عن محمد صلي الله عليه وسلم" لاختلاف ظروف العصر ومقتضيات الواقع الجديد...وهو دين الفلاسفة المجددين الذين أثّروا حتى فى الفكر التنويري الغربي..مثل ابن رشد ....والفيلسوف الكندي الذى قال: "ينبغي ألا نستحي من استحسان الحق من أين أتي، وإن أتي من الأجناس القاصية عنا، والأمم المباينة لنا فى الملة."
ولقد جاء فى القرن التاسع عشر مفكرون مجددون على نسق ابن رشد – مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورفاعة رافع الطهطاوى – وكان الفيلسوف السوداني محمود محمد طه إمتداداً لهم فى سودان القرن العشرين – ولكنهم تعرضوا للعنت والإضطهاد من قبل المستعمر والخديوية الحاكمة فى مصر، كما لقي محمود محمد طه حتفه شنقاً على يد الدكتاتور نميرى فى مطلع عام 1985، قبل الإنتفاضة الشعبية التى أطاحت به ببضع شهور.
وسيظل الأمر سجالاً بين القوى التكفيرية الظلامية التى يجسدها الإخوان المسلمون والسلفيون من جانب....وباقى الجسم المعافى للأمة الإسلامية والعربية من الجانب الآخر...ولن يستفيد الظلاميون كثيراً من المظاهرات الهمجية ضد الأمريكان وضد القضاء..وضد الإعلام والصحافة الحرة..وهلم جراً...لأنهم سيصطدمون بحقائق الحياة البسيطة التي لا مفر منها طال الزمن أم قصر:...أين رغيف الخبز؟؟...وكيف يستوى الميزان التجاري؟؟..ومتى سيعود السواح لتنتعش التجارة وسوق العقارات وخلافه؟؟...وكيف نجد بديلاً للقمح الأمريكي الذى ظل يطعم الشعب المصري منذ إتفاقية كامب ديفيد، كجزء من منحة البليوني دولار السنوية التى التزمت بها الحكومة الأمريكية منذ ذلك التاريخ؟؟؟؟؟؟
ومن حسن الطالع أن الأمر لم يستتب للإخوان فى مصر كما هو الحال فى السودان...فالجيش ليس معهم ...وهو أقرب للنموذج التركي، حارساً لعلمانية الدولة، إذ ظل الإخوان محرومين من ولوجه طوال حكم عبد الناصر والسادات وحسني مبارك......أما فى ليبيا، فقد تمت هزيمتهم فى الانتخابات..وهم الآن فلول وجماعات مسلحة فى بنغازى وطرابلس..تحاول أن تصطاد فى المياه الآسنة..ولكن توازن القوى الكلي ليس فى صالحهم........وفى السودان، صحيح أن الإسلاميين يجلسون على السلطة، ولكنهم كمن يجلس على سطح صفيح ساخن، فالحركة السياسية الوطنية كلها ضدهم..وهي الآن على وشك أن توحد صفوفها وتتفق على دستورها الإنتقالي وتنظم أنشطتها، مرفودة بالحركات الحاملة للسلاح فى دارفور وجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان..وفى بضع شهور سترسل نظام الإخوانجية إلي مقبرة التاريخ.
لذلك، فإن الغوغائية التى بدأها الحرس الثوري فى طهران، ولحق بها السلفيون فى مصر وليبيا يوم الثلاثاء...لن تجدى فتيلاً..ولن تحدد معالم الشرق الأوسط القادم..الذى يستشرف إستنارة جديدة فجرتها تقنية المعلومات ووعي الشعوب غير الزائف..فوق إرث راسخ من الإستنارة الإسلامية / العربية والمفاهيم الوطنية والقومية التى تؤسس لبناء المجتمع الوطني الديمقراطي المرتجي فى المنطقة..استشرافاً للتقدم الإقتصادي والتحول الإجتماعي الذى طال انتظار الكادحين له فى بلداننا.
إن النصر معقود لواؤه بالشعوب العربية الصامدة....................والسلام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.