مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سقوط الأخوان المسلمين !!(1-2)


د. عمر القراي
(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) صدق الله العظيم
عندما قام الشباب المصري بثورة 25 يناير 2011م، ضد نظام حسني مبارك الدكتاتوري، ونزلوا الى ميدان التحرير بوسط القاهرة، لم يشارك الاخوان المسلمون في الثورة، من أول لحظة. ولم يعانوا مواجهة عنف الشرطة، في بداية عنفوانها، وأكتفوا بالمتابعة، والتربص لعدة أيام، حتى استجاب الشعب المصري، وملأ الميادين، وتم كسر حاجز الخوف، الذي بناه نظام مبارك لعشرات السنين.. لقد شعروا ان الثورة توشك ان تنجح، من دونهم، فسارعوا للحاق بها، وحاولوا ما امكن، ان يظهروا بمختلف مظاهرهم، حتى لا يستطيع أحد ان يعزلهم عن ثمرة اسقاط النظام، التي كانت لديهم الأهم مما سواها. ولقد قبلوا شعارات الثورة، التي رفعها الشباب في كافة مدن مصر، على مضض. وقبلوا التلاحم الذي تم بين المسلمين والاقباط، وظهور بوادر الوحدة الوطنية، مع أنه خلاف ما جرى عليه تاريخهم الدامي. وكان من الممكن ان تكون مرحلة مابعد حكم مبارك، مرحلة جديدة، تقوم فيها حكومة انتقالية، وطنية، ترسي قواعد الديمقراطية. ثم تضع دستوراً يعبر عن آمال وتطلعات كافة المصريين، تعقبه انتخابات حرة، ونزيهة، تأتي بحكومة منتخبة بصورة سليمة، تضع مصر على الطريق الصاعد.
وبسقوط نظام مبارك، آلت الأمور الى مرحلة انتقالية، تولت فيها المؤسسة العسكرية، إدارة شؤون البلاد الى حين إجراء الانتخابات. ولقد كان من رأي القوى السياسية، ان يوضع الدستور الدائم، قبل قيام الانتخابات، حتى يضمن الجميع، تحقق متطلبات الثورة الشعبية ..ولكن الاخوان المسلمين، أصروا على الدستور المؤقت، وإجراء الانتخابات قبل وضع الدستور النهائي. وكانت أول جرائم الأخوان المسلمين السياسية، هي ترتيباتهم المنفردة مع المجلس العسكري، وتنسيقهم الثنائي معه، في مواقف عدة، منها عملية الإستفتاء على الدستور المؤقت (الإعلان الدستوري)، واشتراك ممثل عنهم، دون باقي القوى في لجنة إعداد الدستور، وهو الدكتور صبحي حسن. ثم تحول ذلك الوفاق والإنسجام الى تبادل الإتهامات، بين المجلس العسكري والإخوان، ليتهمهم المجلس بأنهم لم يفوا بالتزامات تم الاتفاق عليها.. وأنهم يسعون للتفرد بالمشهد السياسي، وأنهم يريدون إسقاط حكومة الجنزوري التي أيدوها، بعد إقالة حكومة عصام شرف.
ولقد صرح الأخوان المسلمون قبيل الإنتخابات البرلمانية، بأن في مقدورهم الحصول على ثلثي مقاعد البرلمان، ومع ذلك سيكتفوا بالمنافسة على ثلث المقاعد فقط، مما يؤهلهم لقيادة الكتلة المعطلة، وإعطاء فرصة لغيرهم من الكيانات السياسية. ولكنهم في الحقيقة، نافسوا وبقوة، على كل المقاعد البرلمانية، ولم يشركوا في قوائمهم قوى أخرى، أو شخصيات لا تنتمي اليهم والى فكرهم، سوى عدد من المرشحين لا يزيدون عن عدد اصابع اليد الواحدة، منهم النائب المسيحي أمين اسكندر. وبمجرد ما أعلنوا عن وجههم الجديد، حزب " الحرية والعدالة" دخلوا الإنتخابات بحملة مكثفة، وخطب في جميع المساجد، ووعود للشعب المسلم بتطبيق شرع الله !! فحصلوا على عدد 235 من اصل 508مقعداً بنسبة 47%، وحصلوا على 107 مقعدا في مجلس الشورى بنسبة 59%، من إجمالي180مقعداً تم إنتخابهم بالإقتراع المباشر من الشعب و90 مقعدا تم تعينهم من المجلس العسكري، وكانت النتيجة حصول الإسلاميين في مجلس الشعب على نسبة 65% الاخوان بما فيهم حزب النور(سلفيين) وحزب الوسط، وحزب البناء والتنمية، وحزب الأصالة. ونسبة85% في مجلس الشورى للإخوان بما فيهم حزب النور. وكانت عدد الأصوات التي صوتت للإخوان من مجموع الناخبين وصلت الى 11 مليون صوت في إنتخابات البرلمان. وتقريبا 7مليون صوت في انتخابات مجلس الشورى. وتشكلت هيئة رئاسة مجلس الشعب برئاسة القيادي الإخواني الدكتور سعد الكتاتني، واستأثروا برئاسة أغلبية لجان المجلس، خلافاً لما اشاعوا من قبل.
وحتى يطمئن الأخوان المجلس العسكري، وبقية القوى السياسية، ويكسبوا دعم البسطاء والمحبين للدين، الذين يرون فيهم حركة دينية تربوية، لا تطمع في المكاسب السياسية، أعلنوا انهم لن يقدموا مرشح لرئاسة الجمهورية !! وأكدوا ذلك مراراً على لسان قادتهم، ومنهم الدكتور سعد الكتاتني أمين عام حزبهم، فقد قال في مقابلة تلفزيونية بقناة النهار يوم14/1/2012 م،(لن ترشح جماعة الاخوان أحداً للرئاسة وعلى مسؤوليتي وذلك قرار الجماعة) ، ونفى الدكتور جمال حشمت، أحد قياديهم وهو وكيل لجنة العلاقات بمجلس الشعب حينها، ما يتردد من إشاعات حول عزم الإخوان ترشيح أحداً منهم لرئآسة الجمهورية، كما صرح مرشد الإخوان الأسبق مهدي عاكف، بعدم نيتهم ترشيح أحداً للرئاسة، وأكد ذلك الموقف الكثير من قياداتهم .. ولكنهم فاجئوا الجميع، بمن فيهم المقربين منهم، والمناصرين لهم، بقرار ترشيحهم المهندس خيرت الشاطر للرئاسة. ولما تم رفض ترشيحه قانونياً، استبدلوه بالدكتور محمد مرسي، ما أثار حفيظة جميع القوى من الإخوان، واعتبروه تراجعاً عن موقفهم السابق، وتأكيداً لما يتردد عن رغبة الإخوان الوصول للحكم، وإستئثارهم بالحياة السياسية في كافة أدواتها.
وكما فازوا في انتخابات مجلس الشعب، فاز الاخوان المسلمون في انتخابات الرئاسة.. ولكنه لم يكن فوزاً كاسحاً، وإنما فوزاً ضئيلاً، يدل على ضآلة شعبيتهم، وسط الشعب المصري، رغم ما يقومون به، من خداع واستغلال للدين، وتضليل به، وحركة تنظيمية نشطة، واتصالات واسعة داخل وخارج مصر. ورغم أن مرشح الاخوان الدكتور محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة، قد حصل على أعلى الأصوات، إلا أنه فعل ذلك، بفارق ضئيل، بينه ومنافسه الفريق أحمد شفيق، المحسوب على النظام السابق، الذي ينعته شباب الثورة بمرشح (الفلول). فقد حصل شفيق على 24%من اجمالي اصوات الناخبين، ولم يزد عليه مرسي إلا ب 1% !! ولعل عدم فوز شفيق يعزى الى دخول عمرو موسى، الذي حصل على نسبة 11%، فلو انه تنازل لشفيق وهما محسوبان على النظام السابق، لما كان هنالك فرصة للاخوان المسلمين في الفوز. أما الأصوات الباقية، فإنها توزعت على بقية المرشحين، وهي محسوبة على الثورة، ولو كان هناك إتفاق على مرشح واحد لقوى الثورة وشبابها، لكانت النتيجة محسومة. ولكن تعدد المرشحين شتت الأصوات، ليفسح المجال، كما أسلفنا، لوصول الفريق أحمد شفيق، الذي تخشاه جميع قوى الثورة، وترى أن وصوله لكرسي الرئاسة خطراً حقيقياً، وانتكاسة كبرى للثورة. لهذا فضل كثير من الثوار، ممن هم ليسوا اخوان مسلمين، ان يصوتوا لمرسي، بدلاً من ان يعيدوا نظام مبارك في صورة رئيس وزرائه أحمد شفيق. يضاف الى ذلك، ان الشعب المصري رغم حبه للشباب الذي كسر حاجز الخوف، وفجر الثورة، يعلم انهم لا خبرة لهم في السياسة، وان الرموز التي التفوا حولها مثل د. البرادعي، تنقصهم التجربة السياسية، التي لا يغني عنها التعليم أو التجارب الاخرى. اما الاحزاب التقليدية القديمة، فقد اتسمت بالعجز، وعرفت بعدم المقاومة للنظام السابق، مما افقدها البريق التاريخي، الذي صاحبها فترة من الزمان. ولقد كان من اسباب قبول التيار الاسلامي في الشارع المصري، أنه كان باستمرار في موقع المعارضة، ولم يعرف الشعب على وجه اليقين، كيف سيفعل الاسلاميون إذا وصلوا السلطة. ولكن بمجرد ظهور طمعهم، واستغلالهم لنفوذهم في السيطرة على مجلس الشعب، بدأت شعبيتهم تتناقص، فقد تراجعت الكتلة التصويتية للإخوان من 11 مليون صوت في انتخابات مجلس الشعب، الى 5 مليون ونصف صوت في انتخابات الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية. ولو كان الاخوان المسلمون عقلاء، لساقهم نجاحهم في الانتخابات للتواضع، لأنه في حد ذاته، فوز متواضع .. ولكنه ضاعف من غرورهم، وعنجهيتهم، الى درجة أن يقول أحد قادتهم، وهو الدكتور صبحي حسن (لو رشح الإخوان كلباً ميتاً لانتخبه الناس) !! وقد انتشرت تلك المقولة عنهم، ولم يقوموا بنفيها، أو الإعتذار عنها، ولقد قال الدكتور ابراهيم الزعفراني، أحد قيادات الإخوان التاريخية، والذي انفصل عنهم لاحقاً، في لقاء مع صحيفة المصري اليوم، بتاريخ 3/4/2011م "سمعت صبحى يقول إن الجماعة لو رشحت «كلب ميت»هينجح، ولم يخرج أحد يلومه أو يكذب هذا التصريح".
ولم يكتف الاخوان المسلمون بحجمهم الطبيعي، الذي كشفت عنه الانتخابات، بل سعوا الى استغلال ما لديهم من سلطة لاقصاء الآخرين، وتمكين أنفسهم، ووضع كافة مؤسسات الدولة تحت سيطرة تنظيمهم، مما أدخل مصر في أزمة. بدأت المشكلة في يوم 22 نوفمبر 2012م، حينما أصدر الرئيس مرسي إعلاناً دستورياً مكملاً، يتضمن ما أسماه قرارات ثورية منها: جعل قرارات رئيس الجمهورية قرارات نهائية، غير قابلة للطعن من أي جهة، بما في ذلك المحكمة الدستورية العليا!! ومنها إقالة النائب العام، المستشارعبد المجيد محمود، واستبداله بالمستشار طلعت ابراهيم. ومنها امداد مجلس الشورى والجمعية التأسيسية بالحصانة، التي تمنع حلهما، مع اطالة عمر الجمعية التأسيسية لشهرين، حتى تنتهي من كتابة الدستور الدائم. ولقد قوبل الاعلان الدستوري بالرفض الحاسم، من كافة القوى السياسية، والمثقفين، والاعلاميين، وحملة الرأي في مصر. فرفضته كل الاحزاب السياسية، وحركة 6 أبريل، واصدر اتحاد كتاب مصر بياناً يعلن فيه رفضه للإعلان الدستوري. واستقال كافة مستشاري الرئيس، من غير الاخوان من مؤسسة الرئاسة، وهم: سمير مرقص، سكينة فؤاد، سيف الدين عبد الفتاح، عمرو الليثي، فاروق جويدة، محمد عصمت سيف الدولة. وأصدر المجمع الأعلى، للكنيسة الانجيلبة، المشيخية، بياناً أكد فيه رفضه للإعلان الدستوري، الذي اعتبره معارضاً لكل المبادئ والقيم السياسية، ومحرضاً على الشقاق بين ابناء الوطن الواحد. ولم يؤيد الاعلان الدستوري الا الاخوان المسلمون، وحزب النور المعبر عن التيار السلفي الحليف للاخوان المسلمين. ولم يلبث الخلاف ان انعكس على الشارع، فتجمع مؤيدي مرسي أمام قصر الاتحادية، بينما تجمع الاضعاف من معارضيه في ميدان التحرير. وأعلنت الموفوضية السامية لحقوق الانسان بجنيف، ان بعض مواد الاعلان الدستوري تتعارض مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وتتنافى مع العدالة واستقلال القضاء. كما ابدت دول أجنبية منها الولايات المتحدة الأمريكية قلقها. مما اضطر الرئيس مرسي، نتيجة لكل هذه الضغوط، ان يتراجع عن الإعلان الدستوري. وهكذا نجح التيار المستنير، والذي يوجهه إعلام واعي، حر، في احباط أولى مؤامرات الاخوان المسلمين، للسيطرة على مفاصل الدولة المصرية، بالوسائل غير الشرعية.
ولكن كعادة الاخوان المسلمين، في الخداع، والإلتفاف حول القضايا، كونوا لجنة لوضع الدستور الدائم، ابعدوا منها كل مخالفيهم، مما أثار أزمة عاصفة، على إثرها انسحب ربع أعضاء اللجنة. ورفع الاعضاء قضية للمحكمة الدستورية ضد لجنة الدستور. وقد عبر عن ذلك رفعت السعيد رئيس حزب التجمع بقوله (إننا نواجه محاولة لاحتكار كل شيء لكن احتكار الدستور هو اخطرها الدستور لا ينبغي ان يكون انعكاسا لرأي الاغلبية وانما انعكاسا لكل قوى المجتمع)، وتدخل المجلس العسكري، وحث مجلس الشعب على إعادة النظر في تشكيل اللجنة، وحمله مسؤولية التأخير في الإعلان عنها.
وبالاضافة الى موضوع الدستور، سعى الاخوان المسلمون للسيطرة على القضاء، باخضاعه وكسر هيبته. ففي 8 يوليو 2012 أصدر الرئيس مرسي قراراً بعودة مجلس الشعب، الذي كان قد صدر قرار بحله، مما يعتبر أولى خطواته في مسيرة تحدي أحكام القضاء، وانتهاك سيادة القانون، وكان بذلك، يدشن أولى معاركه مع السلطة القضائية، ممثلة في المحكمة الدستورية العليا .. وعلى الرغم من تبدي ضعف موقفه، الذي أظهرته قوة انتفاضة القضاة، ورضوخه لحكم المحكمة الدستورية، بوقف تنفيذ قراره الخاص بعودة مجلس الشعب، الذي لم يتجاوز ثلاثة أيام، فإن مواجهته للسلطة القضائية، كانت جزءا أصيلا، من خطة الجماعة للسيطرة على الدولة، ومؤسساتها، وتطويعها، حتى تسهل وتقصر عملية التمكين . ثم قام الرئيس مرسي وجماعته بمواجهة السلطة القضائية في ميدان آخر، إذ أعدوا دستوراً مشوهاً، في محاولة سافرة لتحجيم القضاء، والسيطرة عليه عبر نصوص دستورية، فانتفض القضاة لما اعتبروه تعدي من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، يعتبر إعتداء على مبدأ اساسي من مبادئ الديمقراطية، هو الفصل بين السلطات، الذي يجب ان يقوم عليه أي دستور. وزاد الأمر سوءاً بإقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود دون رغبته، في 11 أكتوبر 2012، مما أثار غضب واحتجاج القضاة، خاصة بعد تصريح النائب العام، بأنه لم يستقل من منصبه، وأنه تلقى تهديدات بصورة مباشرة، وغير مباشرة، من جانب المستشارين، أحمد مكي وزير العدل، وحسام الغرياني، رئيس محكمة النقض السابق، المحسوبين على جماعة الإخوان، من أجل ترك منصبه!! ومع تصعيد القضاة وتهديد النيابة العامة بتعليق العمل، قرر الرئيس إبقاء النائب العام في منصبه، بعد أقل من يومين على قرار إقالته. ولقد أدى تراجع الرئيس من قراراته، واضطرابه، وتردده، الى اهتزاز هيبة الحكومة، مما بعث الى الشعب من مؤيديه ومعارضيه، برسالتين.أولهما أن الرئيس ليس قامة دينية رفيعة، صادقة، ومتأكدة مما تقول وتفعل. وثانيهما أنه قيادة ضعيفة، يمكن ان تتنازل بالضغط الشعبي، لأنها لا تحترم المبادئ، ولكنها تخاف السقوط. ولم يكتف حزب الحرية والعدالة بهذه الهزائم، بل سعى الى إجراء إدخال تعديلات على قانون المحكمة الدستورية، وإعادة النظر فى تشكيلها، فى وقت، كانت فيه المحكمة دستورية، تنظر في مدى قانونية تشكيل مجلس الشعب، الذى يشغل فيه حزب الحرية والعدالة الأكثرية النيابية .. مما يترتب عليه أيضًا، إعادة النظر فى تشكيل لجنة انتخابات الرئاسة، التى يرأسها رئيس المحكمة الدستورية. وهكذا سعى الاخوان المسلمون وحلفاؤهم، الى استغلال اكثريتهم فى مجلس الشعب، وسيطرتهم عليه، لتصفية استقلال القضاء، واستخدام السلطة التشريعية، لتحقيق مكاسب حزبية ذاتية، تطلق يدهم فيما اسماه معارضوهم " أخونة" الدولة، خاصة في ظل ما تردد، حول ما سوف يترتب على القانون، من استبعاد 3500 قاض من العمل القضائي، بينما يجري الحديث عن تعيين جهات شرعية كقضاة تابعين ل«الإخوان (الشرق الاوسط 21/5/2013م). وفي أثناء تدافع تداعيات الأزمة، استخدم الإخوان القوة، كأداة لتعطيل القضاء، وترهيب القضاة، ولأول مرة في تاريخ مصر، في خطوة صعدت من الأزمة الدستورية والقانونية والسياسية، التي مرت بها البلاد، أرسلوا أنصارهم لحصار المحكمة الدستورية العليا، في الثاني من ديسمبر 2012، وللمرة الأولى علقت جلسات المحكمة الدستورية، ومنع الغوغاء الذين يحملون العصي وفروع الأشجار القضاة، من الوصول الى مكاتبهم، مما اعتبر أكبر إهانة للقضاء المصري، عبر تاريخه الطويل.
ومع وضوح المخطط الأخواني، تصاعدت المعارضة ضده، وتراجعت شعبية الاخوان المسلمين. وتوحد رأي معارضيهم حول شعار إجراء انتخابات مبكرة، حتى لا يجد الاخوان الوقت اللازم، لتصفية خصومهم في القضاء، وفي الإعلام، وفي كافة المرافق العامة. ولكن حكومة مرسي رفضت الإنتخابات المبكرة، واصرت على إكمال مرسي لمدته. وبدلاً من اعتبار آراء المعارضة، استمر الاخوان المسلمون في " أخونة" الدولة، فتم إقصاء عدد من محافظي المحافظات، واستبدالهم بكوادر من الاخوان المسلمين، أو حلفائهم من السلفيين .. ولعل من ابرز هذه الاخطاء، محافظ الاقصر السلفي، الذي هاجم الآثار، التي يعتمد عليها أهل المنطقة في السياحة، على اساس أنها أصنام !! وتصاعدت المعارضة لحكومة مرسي، بسبب الهجوم، والإساءات، التي كان يمارسها الأخوان المسلمون، من قنواتهم العديدة، ضد رموز المجتمع المصري، من المثقفين والفنانين والفنانات، والاعلاميين غير الموالين لهم. ولقد أرعبت الخطب الحماسية، التي تشيعها القنوات الاسلامية، والتي تحرم السينما، والمسرح، والفنون، كافة المثقفين المصريين، واشعرتهم بخطورة الزحف المتخلف، الذي يهدد حضارتهم العريقة، وحداثة مجتمعهم، وبل ويهدد وجودهم نفسه. ولقد هاجم الرئيس مرسي الاعلاميين المصريين، الذين انتقدوا آداء حكومته، ووصفهم ب(منتهكي القانون والمتهربين من الضرائب) كما هاجم المسيرات، والاعتصامات السلمية، والذين ملأوا ميدان التحرير، ووصفهم ب(فلول النظام السابق ومن ينفذون مخططاً تخريبياً بدعم من الخارج)!!
وأدى إنشغال حكومة الأخوان بالسيطرة السياسية، واقصاء الآخر، الى إغفال حياة الناس.. وتردى الوضع الاقتصادي، وتدهور الجنيه المصري امام العملات الأجنبية، وتراجعت معدلات العمالة والاستثمار، وحدثت أزمة حادة في البترول والكهرباء، ارجعها الشعب الى الوزراء الجدد الذين تولوا المناصب، دون خبرة، لمجرد انهم من جماعة الأخوان، ولم يقدروا، بل لم ينشغلوا بحل الازمات. ولقد تبنى العقلاء، الدعوة لحوار وطني، يخرج مصر من الاستقطاب، والصراع، ولكن حكومة مرسي رفضت الحوار.
لقد بنى الأخوان المسلمون استراتيجيتهم، على استحالة تدخل الجيش، وعلى مقدرتهم على التضليل بأنهم مع الشرعية، رغم ما فعلوا بالدستور !! ثم انكار وجود سخط شعبي، والاستهانة بالجموع التي نزلت الى الشارع ضدهم، وظنهم انهم بالتخطيط والتنظيم، يمكن ان يحشدوا حشود مثلها !! ثم اظهار التماسك، والثبات، بتعيين المزيد من الاخوان في وظائف كبيرة، وابعاد المختلفين معهم. وتوسيع عملهم الاعلامي، وايقاف بعض القنوات التلفزونية، التي تخصصت في نقد مفارقاتهم، كقناة " الفراعين" . كما انتهجوا سياسة الإرهاب ضد المسيحيين، ومن سموهم العلمانيين، وحرضوا الناس عليهم، في خطاب تكفيري، وتهديد بالعنف، تحت سمع وبصر حكومتهم !!
ولقد دعا الجيش الفرقاء للجلوس على طاولة المفاوضات، فلم يجد من النظام أذناً صاغية. ونتج عن التحريض، والعنف، قتل عدد من المواطنين، في الاشتباكات التي جرت بين انصار مرسي ومعارضوه .. كما قامت جماعات متطرفة، بقتل جنود مصريين في سيناء.
وفي وقت متأخر جداً، وبعد نزول الملايين الى الشارع، وبداية بوادر ثورة تصحيحية جديدة، ادرك الاخوان المسلمون حجم المشكلة !!فخرج الرئيس مرسي للشعب بخطاب ضعيف. فقد كان الشعب ينتظر منه تنازلات، واعتراف بأخطاء، حدثت طول العام، ولكن الخطاب جاء محبطاً، فكانت نتائجه عكسية .. ولم يقدم الخطاب اي حلول للأزمة الاقتصادية، وذكر ان وزارة التموين توفر الكميات المطلوبة، كما بالغ في مدح وزارة الداخلية !! ومع اضطراب الأوضاع، والخوف من نشوب حرب أهلية، أمهل الجيش السياسيين فترة ليحلوا الخلافات فيما بينهم، ولم يحدث شئ حتى انتهاء الوقت، فقام الجيش بمنحهم فرصة أخيرة مدة 48 ساعة. ولقد استطاعت القوى المعارضة، بخاصة حركة " تمرد" الشبابية، ان تحشد في 30 يونيو، ما قدر باكثر من 20مليون شخص، في ثورة شعبية عارمة، أذهلت المراقبين.. ولم يستطع الجيش المصري إلا ان يستجيب لها، كما استجاب لثورة 25 يناير، فاطاح بنظام مرسي وجماعته، وأوكل الى رئيس المحكمة الدستورية ادارة شؤون البلاد، حتى إجازة الدستور الجديد، وقيام الانتخابات العامة. ولو أن الاخوان المسلمين قبلوا الشرعية الثورية، التي انحاز لها الجيش، على انفسهم، كما قبلوها من قبل على حسني مبارك، وانصرفوا للاستعداد للانتخابات المقبلة، لجنبوا مصر كثير من الدماء والدموع .. ولكن طمعهم في السلطة الفانية، وضعف التربية الدينية داخل تنظيمهم، ساقهم الى اخطاء جسيمة، ما كان لهم ان يقعوا فيها لو كان منهم رجل رشيد.
د. عمر القراي
هناك اعترافات متعددة مؤخراً من بعض قيادات الإخوان بالأخطاء التي وقعوا فيها حيث قال محمد مهدي عاكف المرشد السابق للجماعة في مقابلة تلفزيونية مع قناة العربية يوم الأحد27/5/2012 (ان الإخوان المسلمين ارتكبوا جملة أخطاء انعكست في تراجع ملحوظ لشعبيتهم في الشارع المصري.. ومنها أداءهم في البرلمان (مأرب برس 23/8/2013م)).
.
في تسلسل دقيق ومتتبع لمواقف كافة الأطراف، يأتي رصد معهد العربية للدراسات، لكل محطات التأزم التي عانى منها القضاء المصري إبان عهد الرئيس المخلوع محمد مرسي، بعد أن تحولت المعركة عقب الإعلان الدستوري إلى صدام معلن، وتحد سافر، وعناد وإصرار على اعتبار المؤسسة القضائية خصما للحاكم ، وعقبة في طريق جماعته الساعية إلى السيطرة على كل هيئات ومفاصل ومؤسسات الدولة المصرية، لكن قضاة مصر واجهوا، وتشبثوا بما انبروا يدافعون عنه، وهو سيادة القانون وقوته وعدم خضوع القائمين عليه لسيف الحاكم أو ذهبه.( معهد العربية للدراسات 22 يوليو 2013م)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.