كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    مجلس شؤون الأحزاب السياسية بالسودان يعلن بدء تجديد البيانات    ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يدون بلاغ في مواجهة زميله ويطالبه بتعويض 20 ألف دولار    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    زيارة تفقدية لوالي سنار إلى محلية سنجة    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نقدٌ جديدٌ للسوفيت
نشر في سودانيزاونلاين يوم 22 - 05 - 2011


سودانياتٌ قبلَ قرار ٍبقابل ِالأوْطاَن
"السودان الوطن الواحد"
من أناشيد الموسيقار محمد الأمين
*
السبت 7 مايو 2011
في فقه الدارسين علم الثورة والتغيير الإجتماعي أبحاثٌ مستمرة في تجربة الثورة الروسية (1917) التي أزالت قرونا من حكم القياصرة، أنشأت دولة صناعية إشتراكية حديثة لأول مرة في التاريخ، وخرجت إلي العالم بإقتصادٍ سياسي جديد المحتوي والأسلوب ممثلا في تركيبة السوفيتات القائمة علي فلسفة المشاركة الجماعية الناجزة في علاقات الإنتاج المحلية بمزارع الدولة ومصانعها، وتطويرالعلاقات الإقتصادية والسياسية الدولية بالتعايش السلمي مع بلدان العالم.
مارس السوفيت سياستهم مع التركيز الدائم علي توسيع الكتلة الإشتراكية الأوروبية-الآسيوية في تحالفٍ عريض نافس الغرب الرأسمالي المتقدم بتقنيته الصناعية والعسكرية، واستقطب قارتي إفريقيا وأمريكا اللاتينية الخارجتين من الإستعمار الأوروبي، المتطلعتين للإنتقال إلي التقدم الإجتماعي بالتحرر الفاعل من التبعية الإقتصادية والسياسية، والتقدم الصناعي والزراعي، من أجل اللحاق بالدول الناهضة.
دراسة ناقدة لمساهمات القانونيين السوفيت في القانون الدولي نشرتها الباحثة China Mieville في مؤلفها الهام Between Equal Rights ما بين حقوق متساوية – نظرية ماركسية في القانون الدولي (شيكاغو، 2005). وصف بروفسور بيتر قوان أستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن ميتروبوليتان كتابها بأنه "مرشد لا غني عنه لكل فرد يهتم بالقانون الدولي. فهو أشمل عرض بحثي للحوار النظري المركزي حول الأسس الجوهرية للقانون الدولي."
قال مارث كوسكانيمي مدير معهد اريك كاسترن للقانون الدولي في هلسنكي "إن المؤّلَف يعتبر أكثر نقد رفيع المستوي للقانون الدولي اليوم، مثلما إنه واحد من أهم المساهمات في نظرية القانون الدولي وتاريخه." فماذا رأت الباحثة في فكر السوفيت؟
تُعلِمنا باحثة اليسار الناقد لمعيبات النظرية السوفيتية الرسمية – أي الصادرة عن الدولة ومفكريها - في القانون الدولي: "إنه بُعيد الأعوام 1928-30، التي كُبِت خلالها الحوار النظري المفتوح، وأصبحت النظرية مجرد أداةٍ لإعتبارات السياسة الرسمية، مالت "المناقشات" في الإتحاد السوفيتي للتداول إلي الحد الذي يكون فيه مدار جديد ومنفصل من القانون الدولي الإشتراكي عمليا وحسب... أخرج كوروفين في كتابه عام 1924 القانون الدولي للفترة الإنتقالية نظرية "جمعية" مبنية علي تواجد "مجالاتٍ" ثلاث منفصلة من القانون الدولي تشمل القانون الدولي "لقوي الغرب العظمي"، وقانون دولي آخر للدول الرأسمالية الصغري ومستعمراتها، والقانون الدولي الإشتراكي" (60-61).
تعلق الباحثة هنا "أن هذه النظرية الرسمية لم تركن إلي التحليل تماما، ولم يُعمل بها إلي حين لأنها لم تتسق بشكل مريح مع المبدأ السوفيتي الرسمي بالتعايش السلمي لكل الدول، علي اختلاف نظمها الإجتماعية-الإقتصادية المختلفة. طبقا لهذا المبدأ، كان القانون الدولي بالضبط المؤسسة التي توسطت مابين الكتلة السوفيتية الإشتراكية من جهةٍ والغرب من جهةٍ أخري، وعليه لم يكن القانون "إشتراكيا" في نفسه. وبعد غزو السوفيت للمجر، ظهر للسطح مرة أخري مفهوم القانون الدولي الإشتراكي." أي أن علاقات القوة وما رآه السوفيت آنذاك من ضرورة للسيطرة بالقوة علي المجر كان المسوغ "القانوني الدولي" للغزو، ضمن عوامل أخري.
لا نري أن هذا المسوغ يختلف في شئ عن إجراءات تشاكله قامت بها قوي الغرب العظمي، والرأسماليات الصغري، بالقاسم المشترك الأعظم: القوة. نكتفي إلي هذا الحد بما أبرزته الباحثة في بحثها النظري العويص. لربما نعود له في قراءات لاحقة. وننتقل إلي أيامنا المعاشة تحت قبة الحقبة الثانية من القرن الجديد – بعد مضي قرن يكاد من نظرية كوروفين.
ما الفرق بين القانون الدولي الراهن الذي يدّعي في المبدأ إنطباقه علي كل الدول، كبيرها وصغيرها؛ بيد أنه في واقع الأمر يعالج بقوة الفيتو والتبادل الإقتصادي والدبلوماسي النفعي بين قوي الغرب الرأسمالي ودول العالم الأخري، مع شئ من الهامش لدول لا يزال لها وزن – مثل روسيا نفسها – وأخري فرضت وجودها بمعايير الحجم السكاني والنمو الإقتصادي أو التفوق العسكري والمهدد الذري، ومن أمثالها الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا؟
إلي هذا الحد، نري في تقسيم كوروفين صدقية واصلة لأن التقسيم "النظري" للقانون الدولي الفرد يناقضه علي طول الخط تطبيق عملي بعلاقات القوة لا غير، يجعل معظم بلدان العالم – خلاف قوي الغرب بوجه عام – " دولا رأسمالية صغري ومستعمراتها" - تماما كما نظر مفكر السوفيت في عشرينيات القرن الماضي.
إنتقادات فقهية
نشرنا في مؤلفنا موسوعة موجزة في العدل الجنائي الإسلامي (القاهرة:2005) رأيا للفقيه القانوني بوخيت يقول فيه: "إن المجتمع الدولي عليه ألا يمنح الدول رخصة مفتوحة تفرض تدابير الأمن بأي أسلوب وكيفما تشآء... إن أفضل حكم لذلك يبدو علي هذا النحو: حيثما لا تكون الجماعة المدعية غير مساقة لأن تلجأ للعنف، كوسيلة، لها مبرر للدفاع عن النفس، في مواجهة دولة قمعية... فإن الدولة يجوز لها أن تمارس صلاحياتها في محاولة قمع الإنفصال دون أن يصير الإقلاق الناتج عن ذلك القمع عاملا في هذا الحساب الخاص بالإضطراب الجاري. ومع ذلك، فإذا تورطت دولة حاكمة في هذه الحالة في حملةٍ وحشية مسببة بلا داع ضروري الأذي للأرواح، والممتلكات، والكرامة البشرية للمارقين عليها... فإن حقيقة هذه الأعمال التي تتميز بالفظاعة المتزايدة، خارج تلك التدابير التي يوجد لها مبرر بإعتبارها ضرورية إلي حد معقول لإحتواء الإنفصال، لا بد أن تدخل في دائرة المحاسبة" (197).
نريد أن نكرر هنا رأينا أن الإجراء المقترح من الفقيه الدولي بوخيت ثابر عليه في همة ونشاط مسلمون اتبعوا حقائق الشرع الإسلامي في دقةٍ ما استطاعوا، علي أيامهم، منذ الأيام الأولي للإسلام كيما يعالجوا الصراعات المسلحة في ظروف المجتمع المسلم، بدرجاتٍ متفاوتة من تعقد الأوضاع الريفية، والقبلية, والحضرية، والضغوط الخارجية. ولقد اقترح إجراءا مماثلا من البلدان العربية في محاولةٍ منها لتمنع حرب الخليج التي نشبت بين العراق وجيرانه العرب، ولم يفلحوا لإختلال ميزان القوي، وتغلب العنت السلطوي، وتنفذ الضغوط الخارجية.
يقول أستاذنا العالم المسلم مترجم القرآن الكريم، يوسف علي، رحمه الله: "إذا عقدت جماعة العزم علي أن تكون هي المعتدية، فإن كل القوة التي تكون متاحة لجماع المجتمع المسلم تسْتّحضر عليها. أما الشرط الضروري فهو بالطبع أن يتوفر إنصافٌ وعدل واحترام تام للمبادئ الاعلي؛ فالإسلام يضع الإعتبار لكل مصلحةٍ عادلة ومشروعة دونما تفريق للشئون الروحية عن الدنيوية. ولقد أخفقت عصبة الأمم [التي سبقت الأمم المتحدة] لأن هذه الشروط الحيوية كانت غائبة عنها" (ما قبله).
يكتب روبرت د. ماثيوز: "علي الرغم من أن الدول تعالج إختلافاتها دون إستعمال للعنف، فإن السياسات الممارسة دوليا تلعب دورا فعليا في الشبح المخيم بإستمرار للحرب. إن الدول مُجبرة لهذا السبب بالظروف نفسها التي تجعل الدول في موقفٍ لا بد أن تُبدي فيه إهتمامها بأمنها، والإستعداد بوجهٍ عام لرصد الموارد علي ضآلتها، لتطمين حاجاتها الأمنية... وبدون إيجاد آلية متقبلة للتوفيق ما بين المصالح المتصارعة، فإن كل واحدٍ من الممثلين في النظام العالمي يُترك علي عاتقه واجب حماية مصالحه الخاصة ودفعها... يقع العنف بالفعل... فالسياسات الدولية تحدث علي صعيد الواقع العملي في ظل ٍدائم من الحرب" (193).
نختم هذه الآراء بشأن تطبيقات القانون الدولي بتعليق لفقيهٍ مرموق في القانون الدولي هو فيليب ألسون يري فيه: "إن محكمة العدل الدولية بقيت من ناحيةٍ نسبية ممثلا هامشيا فيما يتعلق بمساعي الأمم المتحدة الشاملة في باب حقوق الإنسان... ولمجلس الأمن تاريخٌ طويل من رفض النظرة إليه كجهاز للإرتقاء بإحترام الإنسان، بإستثناء ما يشكله موقفٌ معين من تهديد لسلام العالم وأمنه" (194).
نقرأ هنا يا صاحبي عجبا في هذا الخضم المتلاطم من آراء الفقهاء والباحثين في كُنه القانون الدولي وعلاقاته، ودور المنظمة الدولية ومؤسساتها في خدمته. تعليقنا بادئ ذي بدء وقبل كل شئ"أنَّ القُوّة للهِ جَمِيعَا" [القرآن العظيم: البقرة، 165]. ثانيا: ميزان قوي البشر في أرض الرب متطرفان بينهما توسط، ولعل ذلك مما ألمح به كوروفين آنفا، ولم يخرج عليه باحثون كُثرٌ إلي اليوم، خلا الفراغ الدولي الهائل بإزاحة القانون الدولي الإشتراكي، لأن تركيبة الميزان الدولي لم تتغير بشكل ٍجذري عن صورتها الماثلة في العلاقات الدولية المعاصرة، دون خوض ٍمنا في التفاصيل:
هاهُنا قويً عظمي تتبادل المنفعة والضررعلي أخري تتوسطها، "ومستعمراتها" إما أنها تلتمس حلفها وتنال رضاءها فتصاحب أصحابها وتعادي خصومها، وإما أن تُمّثل "الدروة" التي تتخبط عليها قنابل القوي العظمي ومصالحها العجلي. في هذه الأوسط، نري الحرب الأهلية في ليبيا يشتد إوارها ويزداد معدل دمارها يوما إثر يوم، وغيظ الإيطاليين والبريطان وبدو الخليج من جماهيرية بدو المختار يعلو لهب الناتو، تتساقط من حولهم مزاعم "العون الإنساني" ونكتة "حماية المدنيين"، وإعلامهم يكذب بعضه بعضا بعرض الآلاف من الليبيين المدنيين يُسرعون الخطي باللجوء وهجر الديار المتحاربة بأكملها. فما أبأسها ثورة! وما أبغضه توسطا!
الأمم المتحدة في الجنوب
في القارديان (20/4/2011) تقريرٌ موجز عن الأمم المتحدة في "مجري النزاع جنوب السودان". المنظمة الدولية قلقة من "نهوض المليشيا التي تهدد حياة المدنيين". وفي رأي الموجز أن جدول إعلان الجنوب دولته المستقلة "يحفه القتال مع المتمردين ونصوصٌ لم تُنجز بعد بإتفاقية السلام الشامل ".
أعلن أتول خيري، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام،"إن إنجازات جنوب السودان الديمقراطية يمكن أن تقوضها مسائل في إتفاقية السلام الشامل غير محلولة أو غير مكتملة". ومضي قائلا إنه "عقب الإستفتاء، تصاعدت التوترات في الجنوب، وعلي وجه الخصوص النزاعات بين الجيش الشعبي وعدد من المتمردين والمليشيا التي عاودت نشاطها وشكّلت مهددا ذا شأن في ولايات جنقلي، أعالي النيل، والوحدة".
ثم حث الخبير الأممي الجنوب علي تبني تدابير محسوسة لمخاطبة "التوتر العرقي، وسوء الإدارة، والتهميش السياسي والإجتماعي، والتنمية الإقتصادية والحكم، لا سيما سيادة المؤسسات القانونية". أما الموقف في أبيي الغنية بالنفط فرآه "متقلبا"، لم يُطبق فيها إستفتاء كما الجنوب، "وقابله غامض". أكثر من ذلك، "لم يُسمح لدوريات حفظ السلام بلوغ بعض المناطق في أبيي التي تواتر فيها القتال وفقا لتقارير، ووُجِهَت الأمم المتحدة "بإعتداء مفتوح" من جماعاتٍ بها".
مسائل النزاع قومية
نضع خطين علي نصح المنطمة الدولية أهلنا في الجنوب علي اتخاذ "تدابير محسوسة" للسيطرة علي أكبر معوقات البناء الوطني (التوتر العرقي وما يتصل به من معوقات إدارية وسياسية وإقتصادية). بمعني آخر، يمكننا أن نقول إن معظم هذه العوامل بقدر متفاوت تشكل إلي مديً بعيد عقبات الوحدة الوطنية والإستقرار السياسي بعينها في مركز السودان ووسطه وبقية أقاليمه،غربا وشرقا. دلالة تلك الحقائق أن إمكانية حل إشكالات الوحدة والتنمية التي حث مسؤل المنظمة الدولية الجنوب علي مخاطبتها بحلول ناجزة، لا تتعلق بإقليم بعينه، مع تسليمنا بخصوصية الجنوب الثقافية بوجهٍ خاص.
يقول دستور التجمع الوطني الديمقراطي في المادة (10) "تحكم جمهورية السودان في الفترة الإنتقالية بنظام الحكم اللامركزي وفقا للقانون الملحق بهذا الدستور والذي يعتبر جزءا لا يتجزأ منه". وفي الباب الثالث – المبادئ والأهداف – الفصل الأول، المبادئ والأهداف الموجهة للدولة، تقرأ المادة (13) "1) جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم علي أساس الدين أو العقيدة أو العرق أو الثقافة أو النوع. 2) يمارس هذا الحق قبيل إنتهاء الفترة الإنتقالية في مناخ من الشرعية والديمقراطية، وتحت إشراف إقليمي ودولي وفق إجراءات يحددها القانون".
"3) ينظم القانون إستطلاع رأي مواطني منطقة أبيي حول رغبتهم في إطار الترتيبات الإدارية داخل جنوب كردفان أو الإنضمام لبحر الغزال عبر إستفتاء يتم خلال الفترة الإنتقالية. إذا ما أكد الإستفتاء أن رغبة الاغلبية هي الإنضمام لبحر الغزال، فإنه يصبح من حقهم ممارسة حق تقرير المصير كجزء من جنوب السودان".
"4) تقوم الحكومة الإنتقالية بإزالة كافة المظالم القائمة علي منطقتي جبال النوبة والإنقسنا، ويستتبع ذلك إجراء إستفتاءٍ يتم عبره حسم المستقبل السياسي والإداري لهما خلال الفترة الإنتقالية". وتعليقنا أنه بدلا عن هذه الموجهات الدستورية الحاسمة، خصص دستور السلطة الباب السادس عشر منه في حق تقرير المصير. لا نقرأ فيه شيئا عن أبيي. يماثل الأمر خطرا، تغافل السلطة عن حقوق السودانيين في منطقتي جبال النوبة والإنقسنا، مع بدء مسلسل جديد من حرص الإسلاميين الإنقلابيين علي التسيطر علي أقاليم السودان، دارفور، والشرق، والغرب. أفقدت السلطة دستورها معناه، ولم تلتزم صدقا بما أتاه.
التهديد بالحرب خطوة لإعلانها
تضع المادة (91) مهام الهيئة التشريعية القومية في دستور السودان الإنتقالي [دستور السلطة] "(و) التصديق علي إعلان الحرب" و "(ز) تأييد إعلان حالة الطوارئ أو إنهائها" في يد الهيئة التشريعية القومية التي "تمثل الإرادة الشعبية، وعليها ترسيخ الوحدة الوطنية، والقيام بمهام التشريع علي المستوي القومي ومراقبة السلطة التنفيذية القومية، وترقية نظام الحكم اللامركزي" (المادة 91-1). وهل يُرّسِخ إنفصاليٌ وحدة؟!
يمنع نفس الدستور رئيس الجمهورية في المادة (109) المراسيم المؤقتة من "أن يصدر مراسيم مؤقتة في المسائل التي تمس إتفاقية السلام الشامل أو وثيقة الحقوق أو نظام الحكم اللامركزي أو الإنتخابات العامة أو التخصيص السنوي للموارد والإيرادات المالية أو التشريعات الجنائية أو المعاهدات والإتفاقيات الدولية التي تُعّدل حدود الدولة". ظاهر النص حسن. ولكن هل يعمل الدستور في فراغ؟ أم أن للدستور أجواءٌ ومناخ وشروط للتطبيق لا تنفصل حقاً عن مادته وإمكانية تطبيقه، وإلا بقي حبراً علي ورق أو لطيفة سياسية لا غير؟
دستور السلطة حقيقة ًلا يمنع رئيس الجمهورية وهيئته التنفيذية بنص قطعي واضح من "إعلان الحرب". بل"أنعم" دستور السلطة علي صقور حرب الإسلاميين الإنقلابيين بنقمةٍ مستديمة من التمتع بإعلان الحرب علي السودانيين قبل أي أناس آخرين، بواقع إثنين وعشرين عاما من نظامهم الحربي المعتدي، وذلك بنص المادة (213) من دستور السلطة: "يقوم رئيس الجمهورية بموافقة النائب الأول، بإعلان الحرب متي ما قررا أن البلاد مواجهة بعدوان خارجي، ويكون ذلك القرار قابلا للتنفيذ قانونا عند موافقة الهيئة التشريعية القومية عليه".
ضمانات منع الحرب أو التهديد بها في دستورالسلطة ضعيفة للغاية. ولا توجد حقيقة واقعية لنفاذ الضمانات المذكورة علي سبيل الإختبار. فبعد إنتخابات أبريل 2010 المزيفة، وإستفتاء الجنوب الكاسح برغبته في الإنفصال، وخروج النواب الجنوبيين من برلمان السلطة وعدم عودتهم إليه إلي الآن، وتصاعد تهديدات رئيس الجمهورية بالحرب مرارا وتكرارا للإحتفاظ بأبيي، وتضمين قوي الجنوب دستوره المقترح منطقة أبيي، لم يعد للضمانات الدستورية بمنع الحرب أثراً يرتجي.
دور قوي الإجماع الوطني
لم نحس بعد بصوتٍ قوي للمعارضة السودانية يعالج بالحكمة والسلم ما يجري من صراع محموم مُنذر بكل دمار وتدخل أجنبي لا نهاية له ولا فكاك منه علي أبيي، بين طرفي إتفاقية السلام "المتخاصمين"، مالم ينهِ السودانيون بعقلهم السياسي الحكيم وإجماعهم القومي الرشيد هذه النُذر الوبيلة.
لقد كان أمرا خطيرا، وناتجا مريرا، إخراج إتفاقية السلام القوي الوطنية الديمقراطية من المشاركة الكاملة في عملية القرار الوطني. واليوم، يتساءل الكثيرون: ما رأي قوي الإجماع الوطني في عملية إستلاب دورهم للمرة الثانية علي هذا النحو المثير، بينا يتواصل تراشق الخصمين بعداوات الحرب، وتطل المليشيات بالحرب فعلا لا قولا. وهل الخرطوم حيث مقاعد الطغمة ومراكز السطوة آمنة من المليشيا والحرب؟!
السودان كله "قنبلة موقوتة" قالت وزيرة الخارجية الأمريكية عبارتها الشهيرة. أما شرعت قوي الإجماع بعد في إسماع العالم صوتها، وإعلاء موجهات دستور تجمعها الوطني الديمقراطي – المخرج الوحيد من الحلقة الشريرة؟!
وغداً يومٌ جديد.
*الأيام، متابعات: مايو 2011
ملحق**
في أقل من أسبوعين من تصعيد حكومة السودان عداواتها للجنوب، وتهديدها بالعنف المسلح لإمضاء ما تشاء علي حكومته، ومعاودة أجواء الحراب، وقعت الواقعة، ووجد سكان المنطقة أنفسهم مجددا أمام أخطار القتال علي أوسع نطاق. ستهلك الحرب الأبرياء. تدمر ما بلغه البناء علي شحه من منشآت لخدمة الشعب. وتفتح نيران الجحيم بعد خمس سنوات وحسب من سلام ناقص محفوف بالبغضاء والشحناء، وإقصاء أوسع جماهير الشعب عن المشاركة في صنعه وعمله. الحرب آخر ما يرجوه السودانيون لوطنهم الجريح. ودارفور لما تزل. والصراعات بكل أشكالها تحيط بالحياة وتنذر بالخراب.
العقل، العقل! الحكمة، الحكمة! والعمل، العمل بروح الشعب الواحد في الوطن الواحد، وإن أصبح من حق جنوبه الإنفراد بدولة منفصلة عن الشمال فليست هذه نهاية السودان ولا هي إخر يوم في تاريخ السودان. فليبني الشمال جنوبه المستقل، وليحمي الجنوب شماله. وسيعود السودان واحدا إذا أفسحت الحكومات المساحة لحركة الشعب وحرياته وأوفت حقوقه دون تمييز أو تحيز. ولا يزال بين ضلعي السودان أعلي روابط البشر في الأرض: علاقات التاريخ ، نضالات الحاضر، والقابل الواعد إن حرص الجميع علي السودان الكبير شعبا واحدا بحقوق المواطنة الواحدة في وطن واحد. فليجتمع السودانيون علي كلمة سواء في مؤتمر قومي شامل لكل بني السودان.
**سودانيزأونلاين: 22 مايو 2011


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.