رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: جرد الحساب في إحالة العميد طبيب طارق كجاب    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    مقربون من محمد صلاح يرجحون وجهته القادمة.. إيطاليا أو أميركا؟    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مختصر كتاب (الفتنة الكبرى) للمفكر طه حسين بقلم

= يقول طه حسين ( هذا حديث أريد أن أخلصه للحق و أحمل نفسي فيه على الإنصاف لا أحيد عنه و لا أمالي فيه حزبا على حزب ) . و على هذا الأساس كتب كتابه القيم (الفتنة الكبرى .. عثمان و على و بنوه) عام 1952 و نشرته ( دار المعارف ) المصرية .. و ما بين يدينا الآن هو الطبعة الثالثة عشر منه . و فيما يلي مختصر ما ورد بالكتاب من ذكر الأحداث الكبرى التي أبتلي بها الإسلام .
يقول طه حسين :
= لقد كان نظام الحكم في الخلافة الراشدة نظاما إسلاميا , و لكنه الى ذلك تأثر بالدين الى حد بعيد جدا . كما تميز بالضمير الحي الذي يرى الرسول أمامه في كل خطوة . و تميز من ناحية أخري بكون القائمين عليه هم طبقة من الناس الذين قربهم الرسول اليه و الذين أحبهم الناس و وثقوا فيهم لحسن سيرتهم بين الناس . فنظام الحكم في الخلافة الراشدة نظام إسلامي تديره تلك الطبقة المتميزة دون غيرها . كما تم تحديد إطار تلك الطبقة بدقة تامة بحيث يكون الأئمة من قريش و يكون المستشارين من الأنصار .. و فجأة نشأت أرستقراطية قرشية بين الناس .. و ما لبثت قريش أن حرفتها بإتجاه مصلحتها و منافعها . و لكن هذه الأرستقراطية الممتازة كانت بطبيعة الحال الى زوال و كان لابد من نشوء أجيال جديدة ليس لها ما كان لهذا الجيل من الإمتياز .
= كانت القاعدة الأساسية التي أقام عمر و أبوبكر عليها نظام حكمهما هي أن يسيرا سيرة النبي في المسلمين .. و كان قوام هذه السيرة تحقيق العدل الخالص المطلق بين الناس . و قد سار أبوبكر سيرة النبي في نفسه فتحرج أن يموت و عنده من أموال المسلمين شئ فرد أهله هنات أوصي بردها الى عمر .. فبكى عمر. و عمر أيضا سار في الناس سيرة النبي .. فعمر في عام الرمادة عرف أن عامة الناس من حوله لا يجدون السمن فحرم السمن على نفسه و صبرها على الخبز الجاف و الزيت .
= حكم عثمان الستة أعوام الأولى لا يكاد يجد معارضة . ثم حكم الأعوام الأربعة التي تليها فصار يجد الكثير من المعارضين . و في العام الأخير بلغ إحتجاج المعارضين لسياسته ذروتها . و كان عثمان قد إحتج عليه الناس أنه يختار الولاة من ذوي قرابته , و أنه كثير الإنفاق على قرابته من بيت مال المسلمين أيضا . فالشئ الذي ليس فيه شك أن عصر عثمان قد شهد معارضة لم يشهدها عصر عمر . و كانت هذه المعارضة في الأمصار البعيدة كما كانت في المدينة مقر الحكومة . و هذه المعارضة ظاهرة طبيعية محتومة دعت اليها ظروف الحياة الإحتماعية و السياسية و الدينية المستجدة . و ما كان لعثمان أن يقاوم الظروف أو يقهر طبيعة الحياة . و لقد كان من بين زعماء المعارضة لعثمان في المدينة ثلة من الصحابة الكرام هم : عبدالرحمن بن عوف / سعد بن أبي وقاص / الزبير بن العوام / طلحة بن عبدالله / علي بن أبي طالب / عبدالله بن مسعود الهذلي / أبوذر الغفاري / عمار بن ياسر / ينصحونه فيلينون حينا و يشتدون معظم الأحيان .
= إنطلقت شرارة الثورة من الكوفة حيث ثار الكوفييون مطالبين بتغيير الوالي عليهم فاضطر عثمان أن يفعل ذلك و كانت تلك بداية الفتنة حيث أدرك الناس أن الثورة هي طريق التغيير . و ما هي الا أشهر قليلة بعد ثورة الكوفة حتى يخرج الكوفيون مرة أخرى مع المصريين و البصريين و يسيروا حتى يدخلوا المدينة يحتلونها و ينادي مناديهم ( من دخل داره فهو آمن ) ثم يضربون الحصار حول دار عثمان . و قد كان الحصار في أول أمره يسيرا و كان الخليفة في البداية يخرج من داره يصلي بالناس و من بينهم الثائرين أنفسهم و يخطب فيهم و يسعى بينهم السفراء المصلحون . كان الثائرون يريدون من الخليفة أن يخلع نفسه (يرحل) .. وكان الخليفة عثمان يأبى أن ينزع قميصا قد كساه الله عز و جل إياه . و لكن الأمور تتعقد فجأة ,, فالجند مقبلون من الأمصار لنصرة الخليفة . و هنا تتغير خطط الثوار . ففي أثناء خطبة لعثمان في المسجد يهجم عليه أحد الثوار و يأخذ من عثمان العصا التي كان يخطب عليها و يكسرها (العصا التي كان يخطب عليها النبي و أبوبكر و عمر) .. ثم ثار الناس و حصبوا عثمان حتى صرع فأحتملوه مغشيا عليه الى داره لم يخرج منها بعد ذلك .. فقد حبسوه و منعو عليه الصلاة في المسجد و منعوا عليه الماء . و لزم أكثر الصحابة بيوتهم و أقام الناس في بيوتهم لا يخرج أحدهم الا و معه سيفه . و حينما أوشك الإمداد أن يصل المدينة لنصرة الخليفة أنفذ الثوار نفرا منهم عليهم محمد بن أبي بكر فتسوروا الدار و أحرقو أبوابها و إنتهوا الى عثمان فقتلوه . قتل عثمان و كان الثائرون قد ملؤوا المدينة رعبا و خوفا , فلم يكن دفن الخليفة المقتول ممكنا إلا بليل و على إستخفاء شديد من الناس . و لقد ظلت المدينة أياما و ليس للناس فيها خليفة و إنما يدير أمورهم فيها الثوار . و كانت أهواء الثوار فيمن يكون الخليفة مختلفة : فأهل مصر مع علي .. و أهل الكوفة مع الزبير .. و أهل البصرة مع طلحة . الا أن المهاجرين و الأنصار قد مالوا الى علي فأصبح علي هو الخليفة الرابع .
= و كان أول ما واجهه علي بن أبي طالب من الناس قضية القصاص من قتلة عثمان . و لكنه طلب أن يمهل ريثما يثبت أركان حكمه . فخلق هذا الأمر معارضة قوية له و لما يبدأ حكمه بعد . ثم إنه أراد أن يسوس الناس بسيرة عمر (شدة في غير عنف و لين في غير ضعف) .. الأمر الذي لم يحتمله كثير من الناس خصوصا بعدما ألفوه من لين عثمان و دفعه اليهم بالعطايا و المنح من بيت مال المسلمين . و من ناحية ثالثة فقد بدأ في تنحية الولاة الذين طالما شكا منهم الناس في الكوفة و البصرة و مصر .. و هذا جعله مبغوضا من من كانوا يعتاشون على الوضع السياسي القديم . الا أن أس البلاء قد جاءه من الشام و التي كان عليها معاوية بن أبي سفيان . فقد رفض معاوية إعطاء البيعة للخليفة الجديد و أعلن العداء في غير إستخفاء . فمعاوية و أهل الشام يريدون أن يثأروا لعثمان و نصبوا قميصه للناس و جعلوا يلتفون حوله و يبكون . و حينئذ علم علي أنها الحرب و قرر أن يخرج بجيشه للقضاء على تلك الفتنة . و أثناء تجهيزه لجيشه جاءته الأنباء غير السارة من مكة حيث تجمع عمال عثمان المبعدون و تجمع الساخطون على مقتل عثمان و تجمع الزبير و طلحة و عائشة زوجة رسول الله و جعلوا من مكة معقل المعارضة الأكبر لدرجة أنهم رفضوا تعيين الوالي خالد بن العاص بن المغيرة الذي عينه علي على مكة . و تشاورت المعارضة المكية و قررت الرحيل الى البصرة لمحاربة علي بن أبي طالب من هناك . فجاءت أخبار تحرك المعارضين المكيين الى علي فتحول عن قتال أهل الشام ليرد هؤلاء الثائرين مما قصدوا اليه . و يخرج علي من المدينة يريد البصرة و ما كان يقدر أنه سيترك المدينة الى غير رجعة .
= و هناك في الكوفة يلتقي الجيشان .. جيش علي و جيش عائشة .. و أقتتل الفريقان قتالا شدسدا منكرا . و رأى المسلمون يوما لم يروا مثله شناعة و لا بشاعة و لا نكرا . سل المسلمون فيه سيوفهم على المسلمين . فقتل من هؤلاء و أولئك جماعة من أفضل أصحاب النبي و من خيرة فقهاء المسلمين و قرائهم . و بلغ عدد القتلى ما يتجاوز العشرة آلاف و إن كثيرا من دور البصرة و الكوفة قد سكنها الحزن و الثكل و الحداد . و بعد أن إنتهت الحرب في البصرة أمر علي على البصرة عبدالله بن عباس و رجع الى الكوفة يريد أن يستعد لحرب معاوية في الشام .
= و قد إجتمع حول معاوية أهل مشورته و هم رؤوس الأجناد و شيوخ القبائل و أهل بيته من بني أبي سفيان و بنو عمومته من بني أمية .. و إنضم اليه عمرو بن العاص . و بعد فشل كل محاولات الصلح يلتقي الجيشان في صفين . و هناك تزاحف الجيشان العظيمان و تقاتلوا أشد قتال و أعظمه نكرا . و بينما الرجال في إقتتال إذ بالمصاحف قد نشرت و إذ بالتحكيم يطلب من قبل معاوية و يقبله على . و تكون لجنة تحكيم ثنائية لوقف نزيف الدم المسلم بعد أن وصل قتلى أهل الشام ما فوق الأريعين ألفا و قتلى أهل العراق ما فوق الخمسة و العشرين ألفا . و ضمت اللجنة عمرو بن العاص من طرف معاوية و أبو موسي الأشعري من طرف علي . و إنتهت اللجنة الى خلاف مشهود على المنبر أخفي وراءه مكيدة كبرى . لقد كان أصل الإتفاق هو خلع الرجلين .. معاوية و على .. و يترك الناس ليختاروا أميرا جديدا عليهم . الا أن ما حصل أن الأشعري صعد المنبر في براءة و أعلن خلعه لعلي و نزل .. ثم جاء بعده العاص معلنا من ذات المنبر أنه قد أثبت معاوية . و كان لابد للحرب أن تعود من جديد . فنهض علي بأصحابه يريد الشام . لكنه لم يمض بهم الا قليلا حتى جاءته أنباء قلبت خطته رأسا على عقب . فالخوارج قد تجمعوا في النهروان يرفضون التحكيم و لا يريدون عليا و لا يريدون معاوية معا . يرسل علي اليهم مفاوضا فيقتلوه . فيتحول جيش علي من سيره الى معاوية ليسير الى النهروان لقتال الخوارج . و كان عديد الخوارج الثلاثة آلاف .. و ما هي الا ساعة حتي قتلوا عن آخرهم . و مرة أخري تراق دماء المسلمين بسيوف المسلمين . و ظن على أن الأمور قد إستقامت بهذه الإبادة الجماعية . و ما لم يخطر على باله أن هؤلاء الثلاثة آلاف كانوا كلهم من أهل العراق و جلهم من الكوفة تحديدا . و عشائرهم و أقرباؤهم جميعهم في جيش على . فالجند في نهاية المطاف ناسا من الناس يحزنون لفقدان الأحبة و الأهل . و لذا فما أن عاد الجيش من معركة النهروان الى الكوفة حتي تسلل من معسكره و عاد أفراده الى البيوت و قد كرهت نفوسهم القتال . و إشتدت المحنة على علي .
= ألا أن محنة على تشتد أكثر عندما يعلم أن نصره في النهروان لم يغن عنه شيئا . فقد بقي من الخوارج جماعة ظلت تكيد له المكايد . ثم تأتيه الأنباء من مصر بأن معاوية قد دخلها بجيش يقوده عمرو بن العاص و أن محمد بن أبي بكر الصديق قد قتل هناك . و منذ ذلك اليوم إنقسمت الدولة الإسلامية الى قسمين : قسمها الشرقي تحت قبضة معاوية .. و قسمها الغربي تحت إمرة على بن أبي طالب . و تاتي الى علي الأنباء بأن عمه عبدالله بن عباس الذي كان عامله في البصرة قد إختلس أموال بيت المال و عاد أدراجه الى مكة . و أما الجيش .. فقد إشتد عصيان الجيش على الخليفة الذي تعب من محاولاته المستميتة أن يعبئهم لقتال معاوية من جديد حتى أنه قال فيهم ( يا أشباه الرجال و لا رجال .. و يا عقول ربات الحجال ) .. يضاف الى ذلك أن معاوية يشن الغارات المتوالية على أطراف ولايات على .. بينما يشعل بقايا الخوارج حروبا متقطعة هنا و هناك في الداخل . و فيما كان علي يعالج هذه المشاكل يتفق الخوارج على خطة دموية فاصلة يرتاحوا يريحوا بها الأمة من الثلاثة الذين هم أصل الإختلاف في ذلك الوقت : علي في الكوفة و معاوية في الشام و عمرو بن العاص في مصر . و كان عبدالرحمن بن ملجم موكلا بإعتيال علي . و في فجر ذلك اليوم خرج على مناديا للصلاة كعادته فإذا بسيف عبدالرحمن بن ملجم قد أصابه في رأسه حتى بلغ دماغه .. فخر علي حين أصابته الضربة و هو يقول (لا يفوتنكم الرجل ) . و حمل الناس عليا الى داره حيث مات فيها في ليلة اليوم الثاني . و لأن الناس في وجع ما بعده وجع لموت من كان حبيب المصطفى فقد دفعوا فورا بالبيعة لإبنه الحسن . و كان الحسن رجل صدق قد كره الفرقة و آثر إجتماع الكلمة .
= و قد مكث الحسن قريبا من شهرين لا يذكر الحرب التي كان يعد لها أبوه علي حتي الحوا عليه الحاحا و حرضوه تحريضا فخرج أخيرا في جيشه الى المدائن . الا أن معاوية بعث اليه يريد السلم و الصلح . و يقول الناس أن تحول معاوية للسلم مع الحسن سببه معرفته بأن الحسن كان عثماني النزعة كارها للفتنة . و تم الصلح في نهاية المطاف ببيعة الحسن لمعاوية . و كان الحسن يريد بهذا الصلح حقن الدماء . أما و قد تم الصلح فقد حمل الحسن أشياءه و أرتحل عائدا الى المدينة . لكنه بدأ من هناك يدير أمور أحد أكبر الطوائف الإسلامية .. الشيعة .. وأول حزب سياسي إسلامي . لكنه ما لبث أن توفى عام خمسين للهجرة .. فصارت رئاسة الشيعة الى أخيه الحسين بن على . و كان في الحسين شدة و عزم أشبه شئ بشدة و عزم عمر بن الخطاب .
= و قد شدد معاوية من قبضته على الرعية خصوصا بعد استلحافه زيادا أخا له و توليته البصرة و الكوفة . كما إشتد الشيعة مع رئاسة الحسين في معارضتهم . و كان رأس المعارضين الشيعة حجر بن عدي الكندي ذلك الرجل الصالح الذي القي في السجن و أشهد ضده الشهود زورا فأمر معاوية عامله على البصرة بأن يدفن حجر حيا .. ففعل . و قد ذعر المسلمون في أطراف الأرض لهذا الحدث . ثم أتبعه معاوية بطوافه على الأقاليم يأخذ البيعة جبرا أو إختيارا على ولاية العهد لإبنه يزيد المعروف بالخلاعة و المجون . فإستقر في الإسلام ملك يقوم على البأس و البطش و الخوف . و قد تم ذلك سنة 56 هجرية .
= ثم يموت معاوية و يجئ بعده إبنه يزيد الماجن الذي لم يكن يحتمل أن يلتوي أحد عليه بطاعة . وأما الحسين فقد أقام بمكة رافضا بيعة يزيد . و لكنه أرسل ابن عمه مسلم بن عقيل الى الكوفة لتعبئة الناس ضد يزيد . فيعلم يزيد بأمرهم . و ذات يوم يخرج مسلم من مخبئه و معه الألوف متجهين ناحية مسجد الكوفة . و لكن الليل يجئ فيجد الفتي نفسه وحيدا فيقبض عليه و يرسل ليزيد فيقتله في أعلى القصر و من هناك يلقي برأسه ثم جثته أرضا . فيقرر الحسين المسير الى الكوفة و الناس يخوفونه بطش يزيد .. و قد إحتمل معه أهل بيته و فيهم النساء و الصبيان . مضى مع الحسين نفر من بني أبيه و من بني أخيه الحسن و إثنان من بني عبدالله بن جعفر و نفر من بني عمه عقيل و رجال آخرون . و أنضم اليهم فيما بعد خلق كثير . و عند أبواب البصرة كان جيش عمر بن سعد بن أبي وقاص متأهبا . فدارت الحرب . و فيها رأى الحسين المحنة كأشنع ما تكون المحن .. رأى إخوته و أهل بيته يقتلون بين يديه و فيهم أبناؤه و أبناء أخيه الحسن و أبناء عمه .. و كان هو آخر من قتل منهم بعد أن تجرع مرارة المحنة فلم يبق منها شيئا . يومذاك نظر المسلمون فإذا مسلمون مثلهم بينهم القرشي عمر بن سعد بن أبي وقاص يقتلون أبناء فاطمة بنت رسول الله و يقتلون أبناء علي و يسلبون الحسين حتي يتركوه متجردا بالعراء و يصنعون به ما لا يصنع المسلمون بالمسلمين .. ثم يسبون النساء كما يسبي الرقيق و فيهم زينب بنت فاطمة بنت رسول الله .. ثم تحمل رؤوس القتلى و فيهم رأس الحسين لتوضع أمام يزيد بن معاوية بن أبي سفيان . و كأن الشر يدعو الى الشر و الدماء تدعو الى الدماء .
= و تتلاحق الأحداث .. فيثور أهل المدينة إنتقاما لمقتل آل البيت و يخرجون عامل يزيد لديهم و يؤمرون منهم رجلا عليهم . فيضطر يزيد أخر الأمر أن يرسل اليهم جيشا بقيادة مسلم بن عقبة المري . فيصل الجيش المدينة و يقتل منها خلق كثير .. ثم أباح المدينة ثلاثة أيام لجنده يفعلون فيها بالرجال و بالنساء ما يشاؤون . ثم يأخذ البيعة على من بقي منهم , لا على كتاب الله و السنة , و لكن على أنهم (خول ليزيد) .. أي عبيد ليزيد . ثم يتحول الجيش من المدينة الى مكة فيحاصر فيها إبن الزبير و أهلها ثم يرمي مكة بالمنجنيق و تحترق الكعبة .. ثم تستباح مكة لجنود الجيش الغازي يفعلون بالرجال و النساء فيها ما يشاؤون . لتتحول منذ ذلك التاريخ مدينة الرسول الى مدينة مثل باقي المدن و تصبح مكة مكانا مثل باقي الأمكنة يسود عليهم جميعا ملك عضوض فتاك .
=(( و لله حكمة أجرى عليها أمور الناس , و الله بالغ أمره , قد جعل لكل شئ قدرا . ))
= و كان ذلك آخر ما سطره المفكر / طه حسين في كتابه القيم (الفتنة الكبرى) .
مختصر كتاب (الفتنة الكبرى) للمفكر طه حسين
بقلم / نوري حمدون – الأبيض – السودان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.