القوات المسلحة السودانية: فتح طريق كادقلي    والي الخرطوم يخاطب اليوم العالمي للجمارك ويشيد بدورها في حماية الاقتصاد من التخريب والتهريب    جبريل إبراهيم يهنئ بفكّ حصار كادوقلي ويحمّل المجتمع الدولي مسؤولية الصمت على "جرائم المليشيا"    المريخ يتخطى هلال كريمة بثلاثية ويؤمن الصدارة    بعد تهديده بالرحيل.. الدوري السعودي يرد على اتهامات رونالدو    البرهان يتفقد الهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون ويقف على جهود إستئناف البث من داخل استديوهات الهيئة    شاهد بالصور.. زوجة الحرس الشخصي لقائد الدعم السريع تخطف الأضواء بإطلالة جميلة من شواطئ لبنان    شاهد بالصورة والفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز تصيب المطربة هدى عربي بحالة من الذهول والانبهار وردة فعل السلطانة تخطف الأضواء    شاهد بالصورة والفيديو.. بسبب تدافع أصدقاء العريس.. انهيار المسرح في حفل زواج سوداني بالقاهرة أحياه الفنان محمد بشير وحضره المئات من الشباب    بالصورة.. تعرف على قصة زواج الأسطورة "الحوت" من المطربة حنان بلوبلو (قال لي "يا حنان انتي متزوجة؟" قلت ليه "لا" وفعلاً اتزوجنا خلال عشرة أيام فقط)    شاهد بالصورة والفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز تصيب المطربة هدى عربي بحالة من الذهول والانبهار وردة فعل السلطانة تخطف الأضواء    تطوير تقنية سريرية لعلاج أورام الدماغ لدى الأطفال    دراسة تربط بين فيتامين B1 وتسارع حركة الأمعاء    "فايرفوكس" يضيف زرًا واحدًا لتعطيل ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي    والي البحر الأحمر يؤكد أهمية قطاع السياحة في دعم الاقتصاد الوطني    وفاة الفنانة التونسية سهام قريرة فى القاهرة بعد حادث سير    "تيك توك" تستعيد مواصلة خدماتها بالولايات المتحدة    مانشستر سيتي يهزم أندية أوروبا ويحسم معركة بقاء عمر مرموش    عدة عوامل وأسباب تقف وراء حالة التشظي والتفكك التي تعيشها مليشيات وعصابات التمرد بكردفان الكبرى    جوجل تتيح ميزة جديدة لإدارة تسجيلات Google Assistant    دينا الشربينى تواجه صعوبات بعد الاتجاه للتمثيل ضمن أحداث "اتنين غيرنا"    مولودية إيه... وجمهور إيه؟!    كورة سودانية) تتابع الاحداث الكروية:..مواجهتان في اطار الاسبوع الاول بالدورة الثانية للدوري الرواندي غدا وبعد غد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    اتحاد الكرة يثمن دور الشرطة ويؤكد شراكة استراتيجية لدعم النشاط الرياضي    بند سري يدفع رونالدو لفسخ عقده مع النصر    ترتيبات لتمليك 2400 أسرة بالجزيرة لوسائل إنتاج زراعي وحيواني وإستزراع سمكي ودواجن    عثمان ميرغني يكتب: وصول "سودانير" إلى مطار الخرطوم..    3 مكونات مضادة للالتهاب لتخفيف آلام المفاصل ونزلات البرد فى الشتاء    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    الجيش في السودان يقترب من إنهاء الحصار المشدّد    سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف التعاملات    برشلونة يعلن تعاقده مع حمزة عبد الكريم خلال ساعات    استقرار سعر الذهب في مصر اليوم السبت 31 يناير 2026    مصر.. القبض على أصحاب تريند "صلي على النبي"    تحويلات المغتربين الأفارقة.. شريان اقتصادي لحاضر الدولة ومستقبلها    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    إحباط محاولة تهريب ذخيرة في السودان    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حمد السيد الأخرق .. بقلم: عثمان يوسف
نشر في سودانيل يوم 08 - 07 - 2018

كان الجو ما يزال يغلي ببقية من سموم تشوي الوجوه .. في ذلك الأثناء ظهر شبح أحدهم وهو يثير الأرض ويترك خلفه غباراً نتيجة مشيته التي تبدو كأنها أقرب للعدو .. وكان يردد كلام أقرب للهضربة كأنه مجنون. ..
"وحات سيدي الشيخ حسن، حمد السيد اللخرق ده ظنيته جنّ جِناً راسه عدييل"..
هكذا صاح فضل النور من بعيد وهو يتجه صوب عَوَج وقد ملا شفته بسفة صعوط مدنكله أما صاحبه فقد كان راقد على قفاه ينتظر بقية الرفقة الكرام الذين عادة يأتون واحداً واحداً ثم تحلو القعدة ويبدأ الليل يشاركهم في ونستهم وكان في ذلك اليوم هادئا لا يزعجه إلا صوت ود العقيل لاحقا عندما تسري في عقله نشوة الكاس والطرب..
فضل النور شاب به بسطة في الجسم ورجاحة عقل اكتسبها من جدوده لأمه التي تنحدر من بوادي البطانة لكنه رغم ذلك كان سريع الحركة وكان صاحب شخصية مرحة وما تواجد في مكان إلا والتف حوله الصغار والكبار يستحثونه ان يحكي بعض من نوادره الكثيرة، المكررة منها والمصطنعة. . حتى البنات ختّن قلوبِن عليه خاصة سوريبه بت عمه تلك القمرية والندفة حسب تسميات شباب الحلة وقد أحبته وكانت تحلف به قائلة "وحاتِك إت وحات ضو ودعمي الغالي وما بحلف بغيره" ان غالطوها في شيء ما ..أما فضل فلم يكن يبالي بهذا الحب رغم أنه كان يفهم ما في قلب بنت عمه ويعتبر ذلك ضربا من السفه لا غير..
وقد تداول بنات الفريق خبارات أشاعن فيها أن فضل فيه هبشه وهذا ما أطلقته النويرة بت الهرمة ولمن لا يعرفونها هي فتاة تجاوزت الأربعين من عمرها وفاتها قطار الزواج فأصبحت حاسده حتى أنها تبدو لمن يشاهدها انها مسترجلة وقد حلفت السكات بت النفر أنها شاهدت النويرة وهي تربط في تكتها فوق حواشة القطن قِدامها زي رجال الحلة...
العوض ود الكبسو هو الشخص الوحيد الذي يعرف تماماً أنه الإنسان الوحيد الذي يحمل ضغينة على فضل النور في كل القرية هو حَمد السِيد فقد كانت بينهما عداوة قديمة منذ أيام الجهل لذلك كان فضل النور يتحين أي فرصه يجدها لإثارته والاستهانة به ولكن بحذر. أما حمد السيد فقد كادت تقتله الغبينة من صديقه اللدود على الرغم من أنه كان يمتلك مراحاً من الأغنام وعدداً لا بأس به من الأبقار، كان يراعاها بنفسه ورغم ذلك فهو يحسد فضل النور على روقة باله وحب الناس له، وقد حاول مرات عدة التحرش به لأتفه الأسباب لكن فضل النور بدا أعقل منه.
وكان دائماً يلعن الغيرة ويقول إن للغيرة نار يعرفها الواطيها...إلى أن كان يوم حدثت فيه مفاجأة تحدثت فيها كل القرية والفرقان المحيطة بها وكان لهذه الحادثة ما لها...
فجأةً تنبه عوج الي نقنقة صاحبه فضل النور الذي كان ينادينه ب (فضله) لزوم دلع ورد عليه بصوته التريان: "اخرق كيفَن اآ جنا؟ والكلام ده دحين مو أعوج؟"
تنحنح عَوَج ونظر الي رفيقه وهو يرد عليه في استنكار مبطن وهو يعرف كل شيء لكن بينه وبين نفسه يود أن يجرجر صاحبه في الكلام، وأهو مويضيع يتسلى به إلى أن تكتمل القعدة خاصةً وأن مزاجه كان رائقاً عصرئذٍ لسبب ما يعرفه هو.
"الزول ده ما كُلّ الناس بتقول ليه اللخرق انت ظاااطك ظنيطك بتقوللو اللخرق"..
بس إنت بالذات أعمل حسابك تري أنا غايتو كلمتك وِتَّ مخير.. أقعد إتبوله كدي وقولُّو اللخرق لمن إخرقك.
"إخرقو البلا اللِخرقو حت إت إمِّميسك قعدت تتعولق زيه وتحابيلو"..
ِ"اتعولق كيفن ااخوي؟" سأله عوج بعد أن رمى السفة والتي مكثت في فمه إلى حين وأحالت فمه الي مخزن من الروائح الكريهة، فلم يعقب عليه فضل النور..
تلك الحكاوي تبدأ من شيء وتنتهي للا شيء وظهر الترعة شهد ذلك الحوار بين فضل النور وعوج اللذَين سبقا بقية الشلة في القعدة اليومية، وكادا أن يُفرِغا حقق الصعوط ولم يظهر أحد من جماعة جَلَك، هذا الاسم أطلقه عليهم ود متفَّنة وسار عليهم.
هؤلاء الناس هم أبناء عمومة وأهل كما صورهم الزنادي ذلك الرجل المسكين مضيفاً أن رجالهم يجمعهم الليل والفاقة وتشهد لهم الترعة نيح عُزَّابهم وحكايات من تزوج منهم الذين كانوا لا يتورعون حتى في الحديث عن تفاصيل فحولتهم وعلاقاتهم الخاصة جدا.
هم ثلة تلتقي مساء كل يوم وتمارس نفس الروتين الممل عند بداية المساء ويصدف ان يترك بعضهم نائماً في مكانه إلى أن تشرق الشمس.
مفتش مكتب حشرات صالح نور الدين تحدث مرة مع صديقه دكتور فاروق أخصائي علم الأمراض المستوطنة وقد طلب منه أن يزوره هناك ليشاهد بنفسه كيف يعيش الناس في قرى الجزيرة على هامش الحياة. شرح صالح نورالدين كيف أنهم يقطنون في بيوت شيدوها من الطين اللبِِن المائل لونه إلي السواد والمتماسك حتى أنك لتحسبه بُني من الأسمنت، ولكنك إن دخلت بيتاً من تلك البيوت فستندهش من تماسك ساكنيه تماسكاً نفسيا ومعنوياً، ولم لا وأصاحبه ينامون وليس في وجوههم مزعة هم لهم ولا غم، وغاية ما يتمناه الواحد فيهم هو أن يصبح الصباح ليبدأ يوماً روتينياً ولذلك فهو في قرارة نفسه يحسب أنه أسعد إنسان في هذا الكوكب.
-يا دكتور الناس ديل لو قعد فيهم واحد جنبك تشتم فيه روائح المارقوت والبعوض والقمل وكلها تشاركه في دمه وكذلك الذباب وبقيه الهوام".. هكذا انبرى في وصفهم. وأضاف أن القرى تراها هي الاخرى موزعة بدون تناسق ولا ترتيب، مترامية الأطراف وبلا أبواب ولا حيشان وممكن أن تجد بالقرية الواحدة عدد قليل جداً من السكان خاصة في فصل الصيف والجفاف، وما إن يبدأ الرشاش وتعود الحياة من جديد فتسمع الضفادع تتصايح وهي عائدة بياتها الطويل. وترى الحيوانات تغازل بعضها البعض في غير ما خوف ولا استحياء، وعند ذلك تضج القرية بالحياة مع وصول عدد من العمال الموسميين الذين يأتون في جماعات؛ بعضهم راجلين وأكثرهم يتبعون الركب مشياً على الاقدام يمرون بالقرى تسبقهم أجسامهم الهزيلة، أما حميرهم فتكاد تنهار من الهزال ولكنها تؤدي دورها كرهاً وطوعاً وهي تعرف أنها مملوكة وليس لها الخيار.
الوافدون الجدد من العمال تراهم وهم قادمون الي تلك المناطق يحملون خرتاياتهم وغيرها من أدوات الزراعة والحصاد وحضورهم يعلن بدأيه موسم الزراعة....
-تعرف يا دكتور أحياناً أحس بفقد وأنا ذاهب الي مرتع الصبا والشباب في الإجازة لأنني تعلقت بهذه المنطقة حيث البداوة والبراءة.
- تعرف يا صالح إنُّو حكومة أكتوبر شارفت على انقضاء فترتها الانتقالية المتفق عليها بين كافة الأطراف وقد كلفني السيد وزير الصحة بعمل تقرير شامل عن الوضع الصحي في جميع مستشفيات مديرية الخرطوم"، هكذا اعتذر دكتور فاروق لصاحبه واعداً إياه بتلبية دعوته في أقرب فرصة.
فكَّر صالح نور الدين وقال لنفسه وكأنَّه يحدِّث جمعاً من الناس عن هذه المنطقة التي ترقد في أقاصي النواحي الشمالية الغربية من مشروع الجزيرة وتتبع لتفاتيش عبد الجليل:
"كدى قولوا بسم الله وتعالوا معاي نشوف كيف تسير الحياة هناك وأتوقع انكم سترون فيها العجب العجاب وأتمنى ليكم وقت طيب مع ناس حمد السيد اللخرق وجماعته. الناس على فكرة عندهم مُِلَح وطُرَف بتعجبكم بالحيل. كدى قوموا تعالوا. هكذا تحدث السيد صالح وذات مرَّة
وصفهم في تقريرٍ له بأن البشر في المناطق تشكلت حيواتهم وأمزجتهم لتتلاءم مع بيئتهم، والإنسان حيوان يتكيف على البيئة التي ينشأ فيها. قال إنَّ أعجب ما رأي في هؤلاء البشر هو روتين حياتهم وتشابههم في كل شيء، أشكالهم وخرقهم التي لاتشبه الملابس سمِّها أسمال إن شئت وإن سميناها ملابس فنكون قد ظلمناها، وهي بالكاد تستر عورتهم وفي أطرافها مُزِّقت شر مُمَزق ولو رأيتهم لحسبتهم أمواتاً عائدون من قبورهم، فسحناتهم تشي بالبؤس والفقر وزوال النعم، أما جلودهم وأجسامهم فهي لجلود التماسيح أقرب منها لجلود البشر...
أما فيما يتعلق بموضوع النظافة فقد قال:
"المحيرني فيهم أن الماء متوفر عندهم ولهم من الحفائر والترع المترعة بالماء حتى لتكاد تلفظه في تلك الجلود رغما عن أنفهم ولكنها الغشامة يا سادتي والتي قتلت صاحبها.
هؤلاء القوم قد يأتي عليهم العام والاعوام ولا ترى لهذه الجلود أيٍ تحسين، أما ملابسهم فهي الأخرى متصالحة مع تراب أرضهم" وقد اشتهروا بالجلافة والبخل والصرامة في الوجوه. يا أخي ديل الواحد فيهم (صاري وشه تقول خايف اجري منُّه) ذلك تعليق أحد شباب قرية الدكينات؛ تلك القرية التي يمتاز أهلها بحب التعليم والنظافة والنظام، على عكس تلك القرى التي تبعد عنها مسيرة ساعات بالحمير والكارو، والعجيب أن قريه الدكينات تقع في نفس الخارطة الجغرافية لقرى العشيرات وكانوا يعيرونهم بالبوم.
في زمن الفاقة الشديدة والعطالة وعند حلول فصل الصيف لا يجد سكان قرية البلوله شيئاً يمكن أن يقتلوا به وقتهم غير لعب السيجة، والنميمة وتتبع أخبار القرية والقرى المجاورة لها بمنطقة العشيرات التي تنتشر على طول ترعة المقابلي. وللترع أسماء كما للناس والبهائم والفرقان.
تجرأ العوض خير السيد الذي تعلم في الكتاب وهاجر إلى مدني وعمل كاتب كمبيالات في سوق المحاصيل، أن سأل ذات مره أهله في قريه العشرات عن معنى أسماء القرى والترع فلم يجد إجابة شافية ولا أحداً يعرف مصدر هذه الأسماء العجيبة.
أمَّا ود الهبشو (المِسِيّخ) كما يلقبونه رد عليه عندما سمعه يسأل عتمان ود الضقيل:
"هوي الجنا آب رويساً متل الدقل ده (إشارة الي شعر رأسه الذي كان كثيفاً) فلفستك دي خَلّنا منَّها
أما العوض فإن تأدبه وتربيته المحافظة لم تسمح له بالرد على ذاك المميسيخ فقط نظر إليه نظرة استنكار وابتسامة ساخرة لا يبدو أنه قد فهم معناهما.
وفي القرية ما يعرف ببيوت العرب وهم مجموعة من رعاة البقر والماشية التي اتخذت الجزيرة سكناً لها. يقولون إن أصولهم من كردفان وقد أتاهم محل في سنة من السنين وضربوا في أرض الجزيرة قبل أن تطأها أرجل البريطانيين ليعمروها وتكون مصدراً رئيساً من مصادر اقتصادهم. تظاهرت مجموعة العرب بأنَّهم من أهل المنطقة ولكن تصرفاتهم تختلف كثيراً عن ثقافات المنطقة...
جلس ود الزاكي اللكيرت العصير عند الطيحة يجاوره قريبه اللدود أُمحمَّد أحمد أب سفَّة
-داكي الليلة آ ود الزاكي أخوي ما اديتك ربع ملوة الليت فتريتة؟
-إت آ أُمحمَّد أحمد أخوي بدُّور تسويني ملعبة؟
الكلام ده مو أعوج منك يا زول.. متين ادَّينت منك ما تخاف الله؟..
-أعوج كيفنو يا الزاكي الكلام ده؟ كان داكي الليلة القرييبه دي. بعدين اا ود أعمي بقولو اللعوج أعوج والعديل عديل.
_داكي الليلة متين آآ زول..
_أول عما نوّال دي وحات أب حِسونة..
سمح وكت جابتلها حليفتاً فوق أبونا الشيخ حسن ود حسونه صدقتك عِلّا اصبر على النّدُق عيشي ده وبديك مليوتك دي السويتا دوداي.
ثم فجأة غير أُمحُمّد الموضوع حتى يخرج من ملامة ود الزاكي له:..
-إت يا ود الزاكي اخوي مسعول من الخير السرة بت العوض صحي عنيزتا طرحت؟
-والله آاجنا سعلتني لكن إن ما اخاف من الكضب اقولك شفت سخليتا جارنها الجنوي لا تالا الترعة الورانية ظنيتا هي الطرحت.
عند العصير انضم ود الزاكي وصديقه اللدود أب سفة إلى شلة ضهر ترعة اللقي. وكانت الأرض ماتزال توِح من الرمضاء وعند ذاك الوقت تخورالأبقار وتثغي الماعز ومن بعيد وعلى الطرف الآخر للترعة تأتي أصوات فتيات وهن يردن الماء بصفائحهن وترى الماء ينساب على صدورهن وتكاد ترى تلك التكويرات المشدودة والتي ينزل عليها الماء يزيدها عطشاً.. وكان سليم ود الحويج قد رأى طرفا من تلك الفواكه النضرة من محبوبته حليمه وطار قلبه وأنشد::
ليمون الجناين اللخدر كيف مدور
داك ياهو المدردم ألفي قلبي كور
سيدو مضارفو وانا جنِّي دور
يا فقرا انجدوني انا نومي ودر
وفي هدا الأثناء انضم الي تلك الثلة حمد السيد ..و المجلس بق والحكاية اتحمّست..
_هِع جابتلها خرقاناً كُتُر آناس..
حمد السيد اللخرق دخل الحلقة بدون سلام وهو يلعن ويسخط..
-الله يعلن السعاية ويلعن اليوم الجاب الغنمايه المسخوتة دي اديتها فرد لفخه هاديك بين الحياة والموت
-شن سوت لك آ حمده؟
سأله الجيلي وكان قد انضمّ هو ورهط من شباب وشيبة من الحلة في جلستهم المسائية فوق ضهر الترعة.
الغنمايه المكاجره دي خلها ساي -
_مالا.. ساله الحسن ود اللولايه وهو مستلقي على قفاه يتطلع الي سماء القرية التي كادت ان تكتسي بحلة سوداء خجلا من ذاك النهار الغائظ..
_الغنمايه بت الحرام دي سوت فيني فِعله الله لا تكسبها ولا ترحمها..
_شن سوتلك آ العوقة؟ اوع تكون بس خوزقتك يا الخملة: سأله البدين ود عمه. والبدين هو الشخص الوحيد الذي يتحمل حمد السيد هظاره فقد عاشا في بيتٍ واحد هو بيت جدهما حمد السيد الكبير..
_ والله يا البدين ود عمي مشيت على الكريته أحلبها.. وقول كدى مسكتها ليك من كراعها وهجرتها النصيحة الضرع كان مليان طب وبديت اعصر فيه..
ِِ_اها اا اللخرق عُبُق شن سويت؟..
-البدين ود أعمي متخليني أتم حديسي!
-سمِح تِم يا المبودل
_مقصوفة الرقبة قدُر ما عصرت ضرعها أبت تحلب..
قاطعه طه اللحيمِر كاتماً ضحكته:
-كان ترضعها
ترضع الشيطانة يا اللحيمر قالولك أنا كديس؟..
رد عليه آلعوض ود ضوينا:
الرسول اا حمده تقول وخللهم العولّق ديل...
_عِلا الخملة ده بقاطعني شِن خباره..
_قول ساااي خلو..قاطعه البدين ضاحكاً
_ اها يا جماعة الله وكت زهجت تب اديتها خبته فوق صُلبها وما اشوف ليك عِلا اللبن أنزل براه اسوي جوووو..
مديت قرعتي ورجعت احلب فوقها ومن مغستي مصرتها مصر ماخليت فيها شي..قمت فيكتها لكن قالولك خلتني؟ ديك الساعة القلت اتغبش ومديها ضهري أشعر ليك بي نهزة فوق ضهري ولمن أتلفت القاها غنمايتي ألما بتغباني محمره لي ومتحدياني. أها قول أنا قمت اتفولحت ومسكت القرعة وبوووش تدفقت ليها اللبن فوك رأسها وقبلت داير اجفل علا اشعر ليك بى شيتاً مغزوز في فرقات صلبي وتشيلني فوووق وتخبت بى الدلجه وحاتك ات بديت احبى احبى لامن وصلتها وقمت اتنغض واديتها فِرِد ام كف لمن لفت وبردلب وقعت..وجيتكم جاري احدسكم...
وفجأة ظهرت في الأفق غنماية حمد السيد اللخرق وهي تترنح..
"انا حدستكم وقلت ليكم خبر الحيوانه دي اها ابقوا رجال وامسكوها مني".
منظر الغنمايه آثار الرعب في قلوب الشلة التي ما إن رأت تلك الغنمايه في مشيتها وهي تجرجر رجليها ومن عينيها يتطاير الشرر وحتى ظنه كل من رآه أنه يكاد أن يصل إلى السماء عندها أطلق الجميع سيقانهم للريح تاركين صاحبهم حمد السيد ليواجه قدره المحتوم. ..
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.