شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"فيديو المنشية" والتحولات في بنى الوعي من خلال نظريات الصورة والعالم (1/5) .. بقلم: عماد البليك
نشر في سودانيل يوم 21 - 07 - 2018

"ما كان ممنوعًا في جنة عدن كان مسموحًا به خارجها"
بول فريشاور – الجنس في العالم القديم
استهلال لبنية الدراسة:
أكاد أزعم بأن هذه أول دراسة من نوعها في الفكر السوداني تتجه لفهم الواقع من خلال تحليل "الواقع" نفسه متمثلًا في الإطار الحركي له المقيّد من خلال تقنية الكاميرا/الفيديو. في محاولة لإدراك البني المستترة من هذا الواقع وتقييد هذه اللحظة "التاريخية" في مستوياتها ذات التشعب، التي تأخذ من مسائل الدين والأخلاق والجنس والقيم الاجتماعية، ومجمل تصورات الإنسان السوداني "الأكثر حداثة" لمأزق وجوده. مع الوضع في الاعتبار أن هذا "الإنسان" قد لا يعي حجم التأزم الذي يعيشه، وإن كان يمثله في تصرفاته وسلوكه اليومي، ومن هنا فإن الدراسة التفكيكية والتحليلية لبنى الواقع/ الأزمة من داخل منتج الحضارة الجديدة/ الصورة/الحركة وهما يشتغلان في معادل الزمن، يعمل ذلك على إحتمالية بناء أفق جديد للتنوير وبناء الحياة الأفضل. حيث أن أي مظهر أو سلوك أو صورة أو قيمة متجلية في التعامل اليومي، ما هي إلا متردف ومتشكل متراكم للوعي عبر تأريخ الكائن وجدليته مع الحياة والواقع.
ومن المفارقات أن هذه الصورة/الواقع/الأزمة/حركة الزمن محور هذه الدراسة، تتضمن مجموعة من الأشياء المتناقصة ما بين العنف والبساطة والبداوة والترييف والمدنية الشكلانية، والآلة الأكثر حداثة والطبائع الصعبة الراسخة في صلب الجمود وعدم القدرة على استنساخ صورة أكثر تأطيرًا لفهم تجليات الحياة الإنسانية في قوالبها المستحثة للنهوض والابتكار. وحتى عندما يحدث مثل هذا الشيء، فهو يندفع باتجاه التغريب الذاتي وتعزيز الثقة السلبية بالذات ويعمل في الآن نفسه على تحييد الخاصية الإنسانية، ليصبح مجاز الإنسان، الفعل والفاعل والمفعول، والمكان كلهم يدورون في زخرف الحقيقة، التي لا تشير إلا إلى مجاز محدد، أن الحقيقة دائما هي صورة لا تتبدل حتى لو تزخرفت، بإشارة باراك أوباما في حفل مئوية نلسون مانديلا وهو يتكلم عن فوز المنتخب الفرنسي بكأس العالم في روسيا 2018 .
إن الوظيفة البنائية التي من خلالها يمكن أن نفهم الواقع، لا تقوم على مجرد التحليل الخطابي الشكلي ولا الفنون المباشرة، بل دراسة كافة الاحتمالات التي تقود إلى أن ثمة متخفيات دائمًا ومتعلقات في أستار الوعي البراني، وبالنسبة لبلد كالسودان فخلال أكثر من ثلاثين سنة خلت تمزقت الكثير من حجب الغيب ليصبح المرئي غيبًا بحد ذاته وهنا تكمن أهمية البحث عن تصورات جديدة لوعي أنساق الحياة، من خلال فنون غير تقليدية أو تصور بدائي ومقالات سياسية جوفاء عابرة، أو خطاب يقوم على التوجيه المباشر، وخلف ذلك تأتي مهام عمليات الفلسفة والفكر والتحليل العميق للواقع من الأنساق من خلال النسق غير الشكلي أو التصورات التي تقود إلى النتائج المطلوبة أو المرئية سلفًا، وهذا يعني أننا لسنا أمام اكتشاف بل تصور مسبق وقائم وهنا الخلل.
الإطار العام لبنية الصورة والحدث/ الزمان والمكان:
في عصر يوم الأحد 15 يوليو 2018، وهو اليوم الذي لعبت فيه المباراة النهائية لكأس العالم بين منتخبي فرنسا وكرواتيا، وانتهت بفوز فرنسا 4 مقابل 2 (راجع إشارة أوباما أعلاه)، وفي تمام الساعة 17:00 أي الخامسة مساء بتوقيت السودان، مع انطلاقة المباراة جرت حادثة اغتصاب امرأة في واحد من شوارع الخرطوم بحي المنشية ليس بعيدًا عن السفارة الصينية، - وحيث يبدو أن الزمن كان متخيرًا بدقة - بحسب الفيديو الذي تم تناقله عبر وسائل التواصل الاجتماعي وانتشر بشكل سريع، وهو الفيديو الذي يشكل نقطة انقلاب في بنية الصورة بوسائل السوشلميديا في الفضاء السيبراني السوداني، حيث لأول مرة يتاح للسودانيين في مختلف الأعمار ومن الجنسين الإطلاع على عملية ممارسة جنسية "اغتصابية" تامة. هذا يعني ببساطة أننا أمام تحول مركزي في مفهوم التلقي في الصورة، فحتى لو كان هناك من يشاهد أو يتعرف على العنف والجنس والإغتصاب الخ.. فهي المرة الأولى – سودانيًا التي يتم فيها هذا على المستوى الجمعي ولحادثة محلية، كما أنها المرة الأولى التي يكاد يكون فيها توثيق لحدث مثل هذا النوع بمفهوم الجرم المشهود وفق معايير "الشريعة الإسلامية"، في إطار المركز الحضري، الخرطوم التي لها دلالات مرتبطة بفكرة السودانيين عن هرم "التحضر" في السودان.
وبعيدًا عن القصة المتعلقة بالفيديو وتفاعلاته من حيث التشكيك فيه أولًا ومن ثم مغامرات الشباب التي أدت إلى كشف المكان وتحديده بالضبط، ومن ثم وضوح الحقيقة كاملة من حيث المكان والكاميرا التي تم التصوير بها الخ.. أيضا بعيدًا عن الدور الاستكشافي والتحقيقي الذي قام فيه المواطنون بعمل جهات الشرطة، التي أتخذت مبدأ التشكيك في تصريحاتها للصحافة من أن الفيديو لا ينتمي لجغرافية السودان، إنما لدولة الصومال ما نفاه السفير الصومالي لاحقًا وقبلها نفته اجتهادات "المواطن/الصحفي/المحقق" بتصوير مكان الواقعة، فإن هذه الصورة برمتها تكشف عن العديد من التحولات في بنى متعددة ومتراكبة من حيث بناء طبقات جديدة من الوعي الجماهيري المترتب عن عصر الميديا الحديثة، كما يكشف ذلك عن خطين متوازيين يعبران عن أزمة الانفصال بين الدولة والمجتمع، وهي مسألة أكثر عمقًا وشرخًا من حيث التحليل المتسع لها.
وفي هذا الإطار الواسع يشار لتصريحات مسؤول أن الفيديو مفبرك وأن كاميرا المراقبة تكون في العادة ثابتة ولا تتحرك إلخ.. من الأمور في هذا الجانب. وهي جميعها تكشف عن بناء هشّ لأنظمة العدالة في مقابل الهزة والشرخ في المجتمع الذي ترتب عن تراكمات سنين عددًا بالإضافة إلى تحولات الوعي وأنساقه التي قادت في المقابل أن يقود السودانيون عبر الوسائط الحملة الإعلامية التي طغت على ما يمكن أن تطرح وسائل الإعلام الرسمي والذي بات باهتًا ومسارًا للسخرية أكثر من كونه مصدرًا للمعرفة والحقيقة، لكنه يقدم فقط "الحقيقة المزخرفة" وفق المنظور المطروح سلفًا.
جملة الحقائق سواء المزخرفة أو الواضحة، في حين تتداخل الحقائق في ظل واقع غير مدروس أو مهيأ للفهم من خلال الضخ الهائل للمعلومات غير المفلترة، فإن مقطع الفيديو الذي كان زمنه دقيقة و46 ثانية، تضمن "مشاهد لشاب يقود دراجة نارية (موتر)، يقوم بإيقاف امرأة تعبر الطريق ويشهر لها السكين ويأخذها إلى جوار إحدى السيارات ليمارسان الفاحشة بصورة كاملة، دون أدنى مقاومة أو اعتراض من جانب المرأة، مع ملاحظة مرور سيارة بالقرب من مكان الحادثة" – هذا التلخيص كما هو مأخوذ عن صحيفة المجهر السودانية - إذ يمكن رواية الصورة والفيديو بأكثر من قصة - وقد نقلت الدراسة هذا التصور اللفظي لأنه يكشف العديد من محمولات الوعي العام، التي تبرز من وراء اللغة، وهو موضوع آخر لا تتم مناقشته هنا، من حيث كيفية تعاطي وسائل الإعلام الرسمية مع حدث كهذا .
الصورة وتأطير الزمن/ الواقعية الجديدة:
يشكل نشر فيديو حادثة "اغتصاب المنشية" نقلة في مفهوم وعي الواقع وأزماته من خلال الانتقال إلى الصورة وتأطير الزمن فيما يمكن أن يُشكِّل نهاية للواقعية القديمة وبداية لما يمكن الاصطلاح عليه بالواقعية الجديدة، المتأتية من وسائل السوشلميديا وانفتاح فضاءات التلقي وقبل ذلك وسائل التخزين والذاكرة والأرشفة الإلكترونية وأجهزتها ككاميرات المراقبة التي كانت وسيط توثيق الحدث.
والمعني بالواقع هنا – بالإشارة إلى مفاهيم الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز وتنظيراته حول عصر الصورة، أن الواقع هنا "لم يتم تمثيله أو إعادة إنتاجه إنما أصبح مستهدفًا" ، وينطبق هذا التصور على فيديو المنشية من خلال أن الحدث واقعي تمامًا من حيث بنية الحدث، ولا يخضع لأي إطار درامي أو سينمائي أو عملية تمثيل، كما حاول بعض الناس في بداية الأمر تعريف "الفيديو" على أنه يصب في إطار الفيديوهات التوعوية التي تقوم بعض الدول بطرحها في سبيل تعريف المجتمع بقضايا معينة وتدعيم ذخيرته المعرفية والانتباه في هذا الموضوع المحدد، كقضايا اختطاف الأطفال والسرقات المنزلية وغيرها. وقد تمت الإِشارة من البعض إلى أن الفيديو يصب في هذا الإطار ومأخوذ من إحدى الدول الأفريقية – لم تحدد – لكن ذلك لم يكن صحيحًا لأنه حتى في الفيديوهات التوعوية لا يتم تمثيلاً بهذا الشكل من الوضوح في الجرم المشهود.
وفي إطار قراءة الواقع من خلال الصورة، أي الواقع الجديد للصور والأشياء كما تتبدى جريئة دون حذف إو إضافة أو مونتاج، أو توظيف للخيال كما في المحكيات عندما يعاد رواية القصص أو حكايتها في أمور كهذه؛ فإن الصورة الحركية في معادل الزمن الخاص بها تلعب دورًا كبيرًا في كشف الكثير من الأمور المستترة، إننا أمام نمط من الاكتشاف المباشر بالتفاعل أو الاحتكاك اللحظي المباشر للوعي مع الصورة دون الحاجة إلى تحفيز التخييل الذهني في المرويات.
إن ميزة الصورة والحركية بالتحديد التي تسجل الزمن، في حين الصورة الفوتوغرافية الثابتة لا تحفل بالزمن، تقوم على أنها تعبر عن "نمط جديد للوجود" وهي تعيد إنتاج الواقع القديم في تصور جديد يعاد استنطاقه عبر القراءة والتأويل والانفتاح المباشر لقراءة النص البصري. بالتالي فالمخيال سوف ينفتح هنا من خلال الاحتكاك وليس التخييل، وكما قال دولوز فالصورة هنا تصبح "جسدًا يخاطب جسد آخر".
لقد تشارك السودانيون في إنتاج تصور جديد لواقعهم في لحظة جمعية عبّر كل منهم فيها بشكل أو بآخر عن "الأزمة/الواقع/الوجود" ليتاح اكتشاف محمولات مختلفة لرؤية الكائن والحياة في قضايا تبدو متباعدة، لكن هذا الفيديو أعطاها كلية في اصطلاحه المرتبط ب "الواقعية الجديدة" هذا الإطار الذي أوجده. وحصل تأطير الصورة أو زمنها الحركي في مقابل الانفتاح الذي تمّ في استحداث التصورات والأفكار وهو ما يحدث عادة مع أي حدث أو واقع تتم مناقشته، غير أن الاختلاف المركزي هنا جاء بمنظور الإطار الذي تم من خلال التلقي كما وُضِّحت المسألة أعلاه.
ويجب أن نضع في الاعتبار أن التلقي للصورة الحركية، ذات الطابع الزمني، قد حدث في عدد من حوادث سبقت "فيديو المنشية" مثل قصة فيديو المطار التي جرى فيها خلاف ومشاكسة بين مواطن أمريكي/سوداني ورجال الأمن بالمطار، أو كتصوير لمشاهد ما بعد حدث معين، في جرائم قتل أو غيره كحادثة شقة شمبات التي قتل فيها ثلاثة شبات في عملية تبديل العملة، لكن الجديد هنا، أن الموضوع بحد ذاته مثيرًا ومستفزًا. فهو قبل كل شيء، يتلصق ب "الجسد" مباشرة" – نعني الجسد كدالة للصورة كما ورد في التعريف السابق - "جسدًا يخاطب جسد آخر" – أي محمول الحدث ودواله المباشرة، كذلك فإن "جسد الصورة" يعبر عن اللحظة وليس ما تبعها أي ما بعد وقوع الحدث كما في جرائم القتل أو تصوير الحوادث أو عملية القبض على الضحايا الخ...، كذلك فهو وهذا هو الجانب الأهم يرتبط بواحدة من التابوهات العميقة في المجتمع. وحتى لو أن الواقع القديم تدور فيه هذه الصور غير الموثقة، فالواقع الجديد أو الواقعية الجديدة تعني أننا ننتقل لمرحلة المشاهدة والعيان وهذا يحدث الفارق العميق في إمكانية الوعي وتبدلاته الإيجابية الممكنة، بخلاف ما قد يزعم المتشددون في أن التلقي التصويري هذا قد يكون مدعاة للخلاعة.
مترادفات الوعي المتراكم/ الخدع الكامنة:
دائمًا يكون الوعي إطارًا وليس حقيقة بحد ذاته، فهو يكشف لحظة معينة ومن ثم يترتب عن مزيد منه/ أي الوعي، استبدال طبقة الواقع إلى غيره بالمزيد من التحليل والقراءة الحاصلة، أي الوعي المتجدد أو خلع جلد الوعي المستمر. فبالتالي يكون الإنسان أمام حضور لتناسل الخدع التي تعمل على تغييب مستمر للحقيقة وهذا يعني أزمة مستمرة ما لم يتم انتهاج متلازمات يتم الاتفاق عليها لإيقاف الوعي في درجة تكافئية لحظية وتاريخية، يكون عندها ممكنًا الإحساس بالخطر بشكل جمعي ومن ثم ترتيب فرص الأفضل.
إن مفهوم الخدعة المستمرة يعني بشكل مباشر درجات متفاوتة من مجتمع لآخر بحسب تطور الحياة والحداثة والتحضر، لأن من الصعب القول بأن الخدعة تتوقف. لهذا فإن الصورة بشكل ما هي بداية لوعي جديد من انتباه "الواقعية الجديدة" التي تتيح للناس توثيق الحياة بطريقة مختلفة ووقحة؛ كذلك تساهم في تشاركية جمعية للوعي والمطارحات والحلول الممكنة عبر السياق الكلي للمجتمع وهي إحدى رهانات التحفيز التي أوجدها فيديو المنشية، برغم صورته القاتمة والقبح الذي كشف عنه في تلافيف المستتر والمرئي في المسكوت عنه.
يكشف التاريخ الإنساني في مجازاته وأساطيره الكبرى كيف أن الإنسان واجه الحقيقة في طبقات متتالية ولم يكشفها مرة واحدة ويبدو ذلك جليًا في قصة آدم وحواء، وكيف أن خيار الصورة أو "الواقع الجديد/ العري" لم يكن منذ البدء، وكأنما الترميز الذي تتضمنه القصة هنا يشير إلى أن الذات الإلهية العليا أرادت أن تعلم الإنسان كيف أن الزهرة لا تأتي من اللحظة الأولى وأن الازدهار الكلي لحقيقة الإنسان والوعي لا يكون من مجرد الخلق بل لابد من الاختبار والتحميص والرحلة، بمعنى محاولات الإنسان للرؤية عبر الإطار الزمني المتحرك، وبمجرد أن ينكشف عالم ثان وثالث تبدأ الإنسانية في تلمس ملامح جديدة لاختبار الظروف ومراهنة الحوادث بحيث تزيل الأثقال شيئًا فشيئًا.
وإذا كانت القصة قد مثلت أولى تجليات ازاحة الخدع ومحاولة دحرها بأن يكون الإنسان ابن الوعي الأبدي وهو في كل الظروف أمر مستحيل إلا في بعض التصورات الصوفية العميقة، والاختبارات التي تزعم بأن يتمكن الإنسان من الوصول إلى ألواحه الإكاشية ليتحكم في المصائر ويخل ببنية الوعي من حيث الحاجة له أساسًا، فإن الصورة أو عصر التوثيق المصور الذي بدأ في القرن العشرين، هو لحظة كونية كبيرة في التاريخ الإنساني، مكنت من الانتقال بالوعي من درجة التفكير التخييلي المتعلق بالصور الذهنية إلى الخدع المصورة مباشرة في إطار المكان أولًا عبر الصورة الفوتوغرافية ومن ثم عبر إطاري الزمان والمكان في الفيديوهات الحركية.
لهذا فإن اللحظة التي تشير لفيديو المنشية هي استباق للحظة جديدة سوف يكون لها تأثيرها في أنماط واستكشافات قد لا يشعر بها المجتمع راهنًا، بيد أن التأثير بدأ فعليًا مع اختراق التابو نفسه منذ البدء في إمكانية التحرك لحوار حول مداليل الحدث المصوّر دون حاجة للحياء أو الخجل وفي الوقت نفسه استدعاء التاريخ المتراكم في الوعي واللاوعي من الأنقاض اللانهائية لأزمات السودان.
مصادر وهوامش:
- أشار أوباما إلى أن الحقيقة الأساسية لا تتجزأ، وهي تقع في قلب كل دين عالمي، وأننا نرى أنفسنا من خلال الآخرين، المصدر:
Obama celebrates diversity of French World Cup team
https://www.connexionfrance.com/French-news/president-obama-celebrates-French-World-Cup-2018-winning-team-for-racial-diversity
تاريخ النشر: 18 يوليو 2018
- يحمل ورود اسم حي المنشية بجوار حدث الفيديو تصورًا ذهنيًا ربما لم ينتبه له عامة الناس برغم أنه معروف، وهي أن المنشية تشكل ذاكرة لمعقل الصراع الذي حصل مع مطلع الألفية بين القصر والمنشية، حيث يسكن زعيم التيار الإسلامي الدكتور حسن الترابي. وكأنما ثمة رمزية "قدرية" في هذا الإطار من ارتباط فيديو "الاغتصاب" بحي ارتبط بتصورات الوعي الديني الراديكالي.
- https://www.sudaress.com/alsudani/113919 الشرطة تحقق في مزاعم اغتصاب سيدة في الشارع العام، نشر بصحيفة السوداني، يوم 17 يوليو 2017.
- صحيفة المجهر السياسي، 18 يوليو 2018، منى ميرغني - الشرطة تُلقي القبض على الشاب الذي أنتج وبث فيلم الاغتصاب بالمنشية، http://www.almeghar.com/archives/65243
- ص 270، جيل دولوز – سياسات الرغبة، تحرير: د.أحمد عبد الحليم عطية، الفارابي - بيروت، الطبعة الأولى، 2011.
- ص 274، جيل دولوز، المرجع السابق.
- السجلات أو الألواح الأكاشية Akashic records يفترض أنها عبارة عن مكتبة ضخمة هائلة توثق كافة الأحداث في حياة الشخص بل للكون كله تعرف تلك السجلات أيضا باسم كتاب الحياة ويفترض أن الأثير هو من قام بانشاءها،أن لفظ أكاشا لفظة سنسكريتية معناها السماء أو الأثير، ويشير بعض العلماء المسلمين إلى أنها توازي "اللوح المحفوظ" وهي في كل الأحوال عبارة عن إطار نظري لا دليل علمي عليه. – ويكيبيديا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.