واحسرتاه أصبحنا مثل (حارة كل من إيد الو )! .. بقلم: نجيب عبدالرحيم أبوأحمد    حركة/جيش تحرير السودان المتحدة: بيان ترحيب المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية في السودان    سدوا الفرقة لحماية الديمقراطية .. بقلم: نورالدين مدني    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    المريخ يتصدر بعد تعثر الهلال.. والأبيض والأمل يضمنان الكونفيدرالية    ضيق الايدولوجيا وسعة البدائل .. بقلم: د. هشام مكي حنفي    شخصيات في الذاكرة: البروفيسور أودو شتاينباخ .. بقلم: د. حامد فضل الله /برلين    من كره لقاء الشارع كره الشارع بقاءه في منصبه!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    مفارقات أغرب بحث علمي!! .. بقلم: فيصل الدابي    تغييرات مرتقبة في ادارة الموارد البترولية بالجزيرة    117 مليون ديون مشروع الجزيرة على نافذين بالنظام البائد    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    الهلال يتعثر أمام هلال الأبيض والمريخ يكتسح الأمل عطبرة ويلحق به على صدارة الدوري الممتاز    مؤشرات بداية عصر ظهور الإرادة الشعبية العربية .. بقلم: د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    ظلموك يا حمدوك ... وما عرفوا يقدروك! .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    التحالف باليمن: وصول 15 أسيرًا سعوديًا و4 سودانيين آخرين إلى الرياض    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    تجديد الفكر الإسلامي _ د. حسن الترابي .. بقلم: فؤاد العجباني    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    تقرير البيئة نحو اقتصاد أخضر مكسى بلون السندس تزفه أنغام السلام للأمام .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    هيئة مياه الخرطوم تكشف عن تدابير لمعالجة ضائقة المياه    الحمي النزفية في الشمالية.. بقلم: د. زهير عامر محمد    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مفردات نقدية وفكرية : سميائية – نموذج سوسير
نشر في حريات يوم 29 - 07 - 2011


الفاتح مبارك عثمان ……..
مقدمة
1.1 ليست “السميائية” او “السميوطيقا” إختراعا حديثا. إنما تعود جذورها الي أزمنة الأغريق وفلسفات العصور الوسيطة. و يعود الجذر الاشتقاقي للمصطلح، في اعتقاد المؤرخين، الي الكلمة الاغريقية (sēme) وتعني اشارة او علامة. كما يعتبر الفيلسوف الاغريقي ابوقراط (370 – 460 ق م) هو أول من هيا لاستعمال المفردة بغرض حث العاملين بالطب الي اهمية تعلمهم معرفة قراءة الاعراض المرضية. فيما بعد طور الطبيب الاغريق جالين (131 – 201 ق م) اعمال ابوقراط وأسس ما عرف أنذاك بالسميوتكا (sēmeiōtikē) او فن العلامات، كممارسة تشخيصية طبية معنية برصد وتفسير العلامات او الاعراض الجسمية.
1.2 ورغم أن البحاثة الغربين، في معرض رصدهم لتاريخ هذه المرحلة المبكرة من نشوء السميائية، عادة ما يتجاهلون مساهمات الفلاسفة الاسلامين في العصر الوسيط في هذا المجال، لم تكن السميائية في شكلها القديم بغريبة علي العرب والمسلمين في ذلك العصر. فقد كان لهم، كما نعلم، اهتمام ملحوظ بعلوم او فنون استنطاق الاثار و الادلة مثل شغفهم بفنون الفراسة، او الابحاث المتعلقة بتفسير ظواهر المجال الجوي (Meteorology) عند ارسطو واخرين. وهي الابحاث التي عرفت عندهم بعلم الظواهر العلوية )تفسير الظواهر مثل الصواعق وغيرها بوصفها علامات او ايات لمعاني كامنة(. غني بالطبع، ذكر الاشارة الي مساهمات الفلاسفة الاسلاميين مثل الفارابي وابن سينا، في تطوير هذا الضرب من السميائية “الطبية”، التي اعتنت بتنمية مبادئ وطرائق التاويل الصحيح للاعراض او علامات الاجساد المعتلة.
1.3 أما النظرية السميائية المعاصرة فقد نشأت وتطورت ضمن مساريين متباينين في مطلع القرن العشرين. الاول ينتمي الي تقاليد الفلسفة الاوربية، وفضل تاسيسه يعود الي اللغوي الفرنسي- السويسري فرديناد دو سوسير(1857-1913). أما الثاني فقد صدر عن تقاليد الفلسفة الانغلوساسكونية علي يد الفيلسوف الامريكي شارلس ساندر بيرس (1839-1914) مؤسس الفلسفة الامريكية البراغماتية.
1.4 “سميولجيا” (Semiology) هو الاسم الذي اشتقه سوسير من الاغريقية لتسمية مشروعه اللغوي الجديد. بيرس، من ناحيته، فضل تسمية مشروعه “سميوطيقا” (Semiotics)، متابعا في ذلك الفيلسوف الانجليزي جون لوك (1632 – 1704).
1.5 سميوطيقا (والتي نفضل ترجمتها “السميائية”) باتت المصطلح الأكثر حظا في التدول. فهي اليوم مستعملة بمثابة تسمية إصطلاحية عامة لكافة المباحث المشغولة بدراسة العلامات. ومع تباين خلفياتهم الفكرية، توصل سوسير (لغوي) وبيرس (فيلسوف)، كل علي حدة وعلي طريقته، الي تصورات تكاد تكون متقاربة إن لم تكن متكاملة (في نظر البعض) الي حد كبير. فكلاهما راي السميائية مهمتها تكمن في وصف القواعد والاعراف المتحكمة في تنظيم وتشغيل انظمة انتاج المعنى، بأنماطها المتعددة والمتباينة، الطبيعي منها وغير الطبيعي.
ما هي السميائية
2.1 السميائية ليست نظاما اكاديميا مستقلا. إنما اطارا نظريا من الفرضيات والمفاهيم والمناهج لدراسة وفهم الانتاج الاجتماعي للمعنى : الانتاج الجماعي المشترك للمعنى، توصيله، فهمه، تفسيره واستعماله من خلال انظمة للعلامات – من خلال كلمات، رموز، صور الخ.
2.2 عموما، تدور السميائية حول ثلاثة مجالات رئيسية للدراسة:
أ) العلامة ( دراسة اي شئ منتج للمعنى بوسعه تمثيل غيره او الاشارة اليه مثل الكلمات، الصور، الايماءات… الخ).
ب) الكود او الشفرة ( دراسة منظمومة القواعد المعتمدة والاحكام المتعارف عليها، والتي تنظم كيفيات اختيارنا للعلامات وكيفيات ربطها بالمعاني او الدلالات).
ج) الثقافة ( دراسة المجال الرمزي المشترك الذي ضمنه العلامات وانظمة تشفيرها تعمل وتتداخل).
2.3 بعض التعريفات المبسطة والمتداولة للسميائية:
فرديناند دي سوسير:
” من الممكن، اذا، تصور علم لدرسة حياة العلامات كجزء من المجتمع…. سنطلق عليه “سميولجيا” (من الاغريقية sēmeion “علامة” ). السيميولوجيا ستتحرى طبيعة العلامات والقوانين التي تحكمها ”
(سوسير 1972، 16)
شارس ساندر بيرس:
” المنطق، في معناه العام، هو، كما اعتقد انني قد بينت، ليس إلا اسم اخر للسميائية – المذهب شبة الضروي او الشكلي للعلامات” (هوكس 1977، 123)
جوناثان كلر:
” تسعى السميائية لوصف النظام القاعدي للتمايزات والاعراف الذي يتيح للموضوعات والصفات حصولها علي المعنى” ( كلر 1976، 25)
ديفيد سلس:
” نستشير اللغويين لمعرفة اللغة، ؛ مؤرخي او نقاد الفن لمعرفة التلوين؛ الانثربولوجيين لنعرف كيف يتراسل الناس مع بعضهم البعض في المجتمعات المختلفة عبر الايماءات، والازياء والديكورات. اما اذا أردنا معرفة ما يجمع بين هذه الاشياء كلها، فعلينا أن نعثر علي شخص له زواية نظر سميائية: زاوية النظر المفضلة لمسح العالم” (سلس 1986، 1)
امبرتو ايكو:
” السميائية معنية بكل شئ يمكن اعتباره علامة. والعلامة هي كل شئ يمكن اعتباره بديلا فعليا لشئ اخر. هذا الشئ الاخر لا يشترط ان يكون بالضرورة موجودا، او حاضرا بالفعل في مكان ما، بينما تقف العلامة في ذات اللحظة بديلا عنه” (ايكو 1979، 7)
جون ديلي:
” السميائية لا توفر منهجا بقدر ما توفر وجهة نظر من خلالها يتاكد جليا أن الافكار ليست هي تمثلاتها الذاتية، بل علامات..” (ديلي 1990، 10)
2.4 تتحرك السميائية عموما، كما أشرنا، ضمن منحيين أرسي لبناتهما كل من سوسير وبيرس. غير أن معظم السميائين اليوم، يميلون وباضطراد، الي التوليف بين مقترحاتهم النظرية - بقناعة انها تنطوي، كما اسلفنا، علي اطروحات واضاءات تتكامل اكثر مما تتعارض. لكن، وتجنبا للتعقيد والالتباس، نفضل أن نتناول هنا أفكار سوسير وبيرس كل علي حدة. المداخلة هذه اذا ستقتصر علي تناول النموذج السميائي السوسيري: النموذج المسترشد بالفرضيات والمبادئ الاساسية التي اقترحها سوسير.
النموذج السوسيري
3.1 النموذج السوسيري، في الاساس، نموذج لغوي، بمعني أنه يعتمد اللغة مجازا او اطارا مفهوميا نموذجيا لمقاربة طرائق الاتصال المختلفة ( تلفزيون، سينما، شعائر يومية او رسمية، صحيفة، رواية…) بوصفها تعمل كما تعمل اللغة . يوجد ما يكفي من المبررات، في اعتقاد سوسير وانصاره، لاتخاذ اللغة الطبيعية او اللسانية نموذجا مرشدا لدراسة انظمة “التعنية” : انظمة المعني - الانظمة والاشكال المختلفة المستخدمة في انتاج المعني وتبادله . وعدا أنها بلا شك وسيلة الاتصال المفضلة والأكثر استخداما لتبادل وتوصيل المعاني في الحياة الاجتماعية، تتمتع اللغة اللسانية كذلك بمفاهيم وبنيات نظامية واليات منهجية، غنية ومرنة. كل هذا يجعلها مؤهلة، اكثر من اي نظام اتصالي اخر، للقيام بدور النموذج المرجعي والاطار الارشادي العام لدراسة انماط الاتصال المختلفة، اللسانية وغير اللسانية.
3.2 ولدت افكار سوسير في مجري تيار الفكر “العلائقي” الذي بداء يشكل ملامحه ويؤطد اقدامه في مطلع القرن العشرين بفضل مساهمات مفكرين مثل إميل دوركايم (1858 – 1917)، وسيغموند فرويد (1856 – 1939) ضد التصور العناصري للعالم الشائع انذاك. و “العناصرية” هي ذلك المنظور الذي كان يري الي العالم كتوليفة من عناصر، او وحدات (موضوعات، واشياء وافعال) مسبقة، لكل منها هوية وجودية مستقلة ومنفصلة. هذه الهوية “العنصرية” تتعين عبر ما يحظي به كل عنصر من سمات فردية، جوهرية، تخصة وتميزه عن سائر العناصر الاخري. اما التصور العلائقي للعالم، فيري بالعكس، أن “طبيعة” اي عنصر، من العناصر الداخلة في تشكلية اي وضع، هي في حد ذاتها لا قيمة لها. لان اي عنصر إنما يوجد دائما ضمن شبكة من العلاقات مع العناصر الاخري. ما يحدد او يعين طبيعة (هوية) هذا العنصر او ذاك ليست صفاته الداخلية الجوهرية، بل شبكة العلاقات التي يدخل فيها هذا العنصر مع العناصر الاخري. ما من سبيل، وفق المنظور العلائقي للاشياء، لادراك قيمة او وظيفة، او هوية اي عنصر او وحدة اجتماعية (دوركايم)؛ او سايكولوجية (فرويد)؛ او لغوية (سوسير)، حتي نري اليها، حتي نفكرها، ضمن بنية علائقية تكاملية تشملها، وتتعين فيها ومن خلالها.
3.3 في هذا السياق أحدث ما قدمه سوسير من تصور جديد للغة، بوصفها نظاما للعلاقات، ثورة جذرية في الابحاث اللغوية. فقة اللغة التقليدي ما قبل سوسير كان قد حصر مهمة البحث اللغوي في دراسة العناصر او الوحدات اللغوية المختلفة (اصوات، مفردات، جمل، قواعد، تراكيب، واساليب) برصد مساراتها التاريخية المنفردة والمستقلة، و باستجلاء خصائصها بمعزل عن ما يربطها من علاقات هيكلية مع العناصر الاخري. في المقابل، شدد سوسير علي أن مهمة البحث اللغوي ومستقبله تكمن، لا في الدراسة العناصرية والتاريخية للعناصر او للوحدات اللغوية، بل تكمن في دراسة اللغة بوصفها نظام علاقات مترابط وكلي. ضمن البنية العلائقية للنظام، وانسجاما مع منطق عمله، الوحدات اللغوية قيمتها تُكتسب، ووظيفتها تتعين.
3.4 النموذج السوسيري نموذج ثنائي – بمعني أن مبادئه القاعدية تعمل من خلال مجموعة من المفاهيم الثنائية، ابرزها: الدال والمدلول؛ اللغة والكلام؛ التزامن والتعاقب؛ البرادايم والسنتغام. هذه المفاهيم الزوجية الاربعة تشكل قوام الاطار النظري للمعالجة السميائية، مما يلزم، علي الاقل، التعريف بها تعريفا أوليا.
الدال والمدلول
4.1 العلامة هي الوحدة الاولية للتحليل السميائي. في تعريفها العام، العلامة هي اي شئ يستخدم لانتاج المعنى. سوسير قسم العلامة الي قسمين: الشكل الفيزيائي للعلامة كما تتصوره الحواس ( علي سبيل المثال الشكل الخطي الناتج من كتابه كلمة “حمار ” علي هذا السطر) . والصورة العقلية للعلامة ( الصورة العقلية المالوفة للحيوان الحمار، والتي يستدعيها هذا الشكل الخطي الي أذهاننا). القسم الاول للعلامة أصطلح سوسير تسميته بالدال والقسم الثاني لها بالمدلول. وحدة العلاقة بين طرفي العلامة، بين الدال والمدلول، تكون ما يسميه سوسير بالدلالة.
4.2 الجديد والثوري الذي قدمه سوسير لمفهوم العلامة لا نجده ، في الحقيقة، في تمييزه بين الدال والمدلول. لا نجده في تمييزه بين جانب العلامة الحسي او الشكلي وجانبها العقلي او المضموني. لان التمييز بين ما هو حسي وما هوعقلي (او معنوي) لم يكن من اكتشافات سوسير بل سبقه منذ وقت طويل، بل علي الدوام كان تمييزا شائعا منذ مهد الفلسفة. الجديد حقا الذي قدمه سوسير يتمثل في صياغته الجذرية للعلاقة بين هاذين المنحيين للغة – منحي الدال (الاشكال الفيزيائية او الحسية للكلمات او الصور) ومنحي المدلول ( ما تثيره الدوال من مفاهميم فكرية عقلية ومعنوية).
4.3 هذه الصياغة السوسيرية الجذرية للعلاقة بين الدال والمدلول يمكنا اختصارها في اطروحتين. الاطروحة الاولي: الدال والمدلول، رغم ما بينهما من تمايز، هما وجهان لشئ واحد هو العلامة. منهجيا يمكن التمييز بينهما (بين الدال والمدلول) كبعدين منفصلين من ابعاد عمل المعني لاغراض التحليل. لكن عمليا، علي مستوي الاستعمال الفعلي، يستحيل الفصم بينهما. الاطروحة الثانية: العلاقة بين الدال والمدلول هي، من حيث المبداء، علاقة اعتباطية واتفاقية.
الدال والمدلول لا يمكن الفصل بينها
5.1 العلامات، بوصفها وحدات معنى، لا توجد في الواقع الفعلي الحياتي منشطرة الي دوال ومدلولات. ليس هناك، في التصور السوسيري مدلول بلا دال، او دال بلا مدلول. بين الاثنين ارتباط لا انفصام فيه – الدال والمدلول وجهان لعملة واحدة هي العلامة.
5.2 ليس هنالك مدلول (فكرة، مفهوم، او صور عقلية) بلا دال (بلا وحدة حسية او فيزيائية صوتية مثل الكلمة او مرئية مثل الصورة) يمثل هذا المدلول ويقف نيابة عنه امام حواسنا الادراكية. بنفس القدر، ليس هنالك دال (كلمة او صورة ) بلا مدلول (مفهوم او صورة عقلية) يساعدنا علي تمييز التمظهرات الفيزيائية المتنوعة والمختلفة لهذا الدال ( لهذه الكلمة الصوتية او تلك الصورة المرئية)
5.3 مثلا، حين يكتب ثلاثة اشخاص، بخط اليد، كلمة “شجرة” ننتهي بثلاثة دوال مختلفة – ثلاثة صور فيزيائية مختلفة أملتها طبيعة الاختلافات النوعية في اشكال خطوط اليد. هذه الدوال (الشكلية الفيزيائية) الثلاثة تمثل او تشير الي نفس المدلول (نفس الصورة العقلية لموضوع الشجرة). ارتباط الدال بمدوله، يفسر لنا أذن، لماذا نستطيع ان نستجلي في اذهاننا مدلول او فكرة الشجرة، رغم التباين في الاشكال الفيزيائية (خطوط اليد) التي تولت، علي الورق، تمثيل مدلول او فكرة الشجرة. في النموذج السوسيري، الدال والمدلول (او الشكل والمضون في صياغة اخري) هما وجهان لا ينفصمان للعلامة - العلامة بوصفها اي شئ منتج للمعنى.
5.4 في السميائية السوسرية ليس ثمة تناقض بين القول إن الدال والمدلول هما (في نهاية التحليل) موضوعان عقليان متمايزان؛ وبين الاصرار علي استحالة الفصم بينهما. لان فصم العلاقة بينهما يعني بكل بساطة تجريدهما من القدرة السميائية علي انتاج المعنى. خذ مثلا اصوات الكلمة “شجرة”. للناطق بغير العربية اصوات الكلمة “شجرة” لا تمثل سوي همهمة بلا مدلول او معنى (اي لا معني لها خارج مجموعة الاصوات الخاص باللغة العربية و نظام توظيفها في توليد الكلمات او العلامات). الاطروحة السوسيرية المركزية التي يجب التشديد عليها: إن وظيفة او قيمة الدال او المدلول لا تعود لخصائص جوهرية يتميز بها الدال اوالمدلول كل علي حدة. بل تعود للعلاقة التي تجمع بينهما – العلاقة التي يتحكم في تشكيلها وتشغيلها نظام معين من القواعد والاعراف. وهي القواعد والاعراف، السائدة في محيطنا الفكري والثقافي، والتي تبعا لها تتكون العلامة وتعتمد كعلاقة له معنى بين دوال ومدلولات.
5.5 تقسيم العلامة الي دال ومدلول، هو في الاساس، تقسيم منهجي – تقسيم علي مستوي التحليل، ولا وجود له في الواقع المادي للعلامات. اهمية هذا التقسيم للتحليل السميائي أنه يلقي الضوء علي ما تنطوي عليه عملية انتاج الدلالة ومنطق عملها العلائقي من بعدين متميزين- بعد التصور الحسي للعلامة وبعد التصور الذهني او الادراكي لها.
العلاقة بين الدال والمدلول علاقة اعتباطية وعرفية
6.1 في الادب السميائي عموما، يمكن الحديث، علي سبيل التجريد ، عن نوعين للعلامة - العلامة الطبيعية والعلامة العرفية.
6.2 من الامثلة النموذجية للعلامات الطبيعية الاعراض الجسدية كالبقع المميزة او البقع الغريبة علي الجلد او أعراض الحمي. هذه الاعراض الطبيعية عادة ما تؤخذ بمثابة علامات اولية يشخص بها الاطباء بعض الامراض. مثال اخر للعلامة الطبيعة هو الدخان، الذي عادة ما يعتمد في معظم الثقافات دليلا او علامة علي وجود النار او الحريق. وتتميز العلامات الطبيعية، عموما، بأنها تنطوي علي صلة فيزيائية (او طبيعية ) بين الدال او الشكل الفيزيائي للعلامة (بقع جلدية الجلد، دخان الخ ) والمدلول او المضمون العقلي لها (مرض ، حريق الخ ).
6.3 اما العلامات العرفية فتتميز في المقابل، بانعدام الصلة الطبيعية بين دالها ومدلولها. الكلمات مثال نموذج للعلامات العرفية. خذ مثلا كلمة حمار. ليس هناك صلة طبيعية بين الدال “حمار” والمدلول (الصورة العقلية للحمار) الذي يثيره هذا الدال (الشكل الفيزيائي - الخطي لكلمة حمار) في اذهاننا او يشير اليه. في عبارة اخري، استعمال كلمة “حمار” للاشارة الي الحيوان “حمار” بدلا عن كلمة ” خمار” (علي سبيل المثال) لم تفرضه دواعي طبيعية او منطيقة بل عرفية واتفاقية. لا شئ يحول، من حيث المبداء، من استخدام كلمة “خمار”، عوضا عن كلمة “حمار”، للاشارة الي الحيوان الواقعي “حمار” .
6.4 العلامة الطبيعية، او تلك التي تنطوي علاقة دالها بمدلولها علي صله او تشابة فيزيائي (كمثل العلاقة بين الدخان والنار باعتبار الثاني سبب الاول) ، يصطلح عليها سميائيا بالعلامة المحضوضة – بالمعنى العام للحث او التاثير او التحريض الصادر من من عوامل طبيعية او فيزيائية. العلامة المحضوضة (او غير الاعتباطية) هي، اذن، اي علامة يلعب فيها مدلولها دورا مؤثرا في تشكيل دالها. وهو التاثير، الذي عادة منه ينجم تشابه او اشتراك بعض الملامح الفيزيائية لدال العلامة مع بعض الملامح الفيزيائية لمدلولها.
6.5 اما العلامة التي تنعدم فيها صلة التشابة او الاشتراك في المكونات الفيزيائية فيصطلح عليها سميائيا بالعلامة غير المحضوضة (او الاعتباطية). العلامة غير المحضوضة (او الاعتباطية) هي اي علامة لا يلعب فيها مدلولها دورا في في تشكيل دالها. بعبارة اخري، العلاقة بين دالها ومدلولها تشكلت استجابة، لا لدوافع طبيعية، بل لدوافع عقلانية منطقية. لطبائع واعراف وعادات لغوية خاصة بالنظام اللغوي المعني، متفق ومتعارف عليها.
6.6 الطبيعة الاعتباطية للعلامة، في نظر سوسير، تعني أن العلاقة بين دال العلامة ومدلولها، هي، في الاساس، علاقة غير جوهرية – علاقة غير طبيعية بالوراثة. تامل الكلمة او العلامة “حمار” مرة اخري. ليس لدي هذه الكلمة او العلامة من الخصائص الفيزيائية (الحمارية) ما يملي (ما يحث، ما يحض) بالضرورة علي استعمالها، هي دون غيرها، للتدليل علي مفهوم الحمار او الاشارة اليه. فلو هبط كائن من المريخ علي الارض لاستحال عليه، مهما بلغ ذكائه وتعددت محاولاته، ان يستنبط اي مدلول من المدلولات المتداولة للحمار ( صورة الحمار؛ الغباء؛ الكسل؛ الحزب الديمقراطي الامريكي، الخ) من خلال التحليل المحض والشكلي للخصائص الفيزيائية الصوتية او القرافية لكلمة حمار. يكمننا كذلك، هذه المرة من جهة المدلول، تمثيل الصورة العقلية ( الصورة العقلية للحيوان الحمار) بدوال اخري عديدة مثل “العمكس” او “العرد” كما كانت تفعل العربية القديمة، او حتي بالاستعانه بدوال من لغة اخري مثل دونكي من الانجليزية ..الخ
6.7 الاعتباطية، اذن، بمفهومها السميائي السوسيري ليست مرادفا للعشوائية بمعنى الاستخدام االجزافي او المزاجي للعلامات اللغوية. لاننا، في واقع الامر، لسنا مخييرين تماما بجعل اللغة تعني ما نريد لها ان تعني، متي، وكيف ما نحب. فلدي اي لغة مجموعة دوال معينة مفضلة اكثر من غيرها. هذه الدوال عادة ما تستخدم في ارتباط وثيق مع مدلولاتها. مثل هذه العلامات لا يخضع استخدمها لخيارات شخصية ومزاجية. وإنما تخضع لقرارات اصدرتها نيابة عنا اللغة التي نتكلمها، والاعراف وقواعد التمثيل التي ارتضينا التعارف عليها و “الإمتثال” الي احكامها. سميائيا اذا، اعتباطية العلامة تعني بايجاز: إن العلاقة بين الدال والمدلول هي، من حيث المبداء، علاقة لا جوهرية ولا حتمية. علاقة حادثة وعارضة تاريخيا. ولانها كذلك، كان بامكانها أن تاخذ شكلا مغايرا لما انتهت اليه اليوم – اي ليس هنالك من حيث المبداء ما كان يمنع اللغة العربية (مثلا)، لو اختلفت قليل عوارض التاريخ، من انتخاب الكلمة او العلامة “قطة”، عوضا عن الكلمة او العلامة “حمار” ممثلا معتمدا للحيوان “الحمار” في عالم التمثيل اللغوي.
6.8 معظم السيمائين اليوم، لا يشاركون سوسير اصراره علي تعميم مبداء اعتباطية العلامة علي كل اصناف العلامات. فمبداء إعتباطية العلامة السوسيري، في نظرهم، قد ينطبق علي العلامات اللفظية ( تلك الوحدات الرمزية التي لم يلعب العامل الطبيعي دورا في تشكليها، بل أملتها قوة الاعراف اللغوية الثقافية والاجتماعية). لكنه لا يفسر كيثرا طريقة تشكيل عدد غير قليل من اصناف العلامات غير اللغوية (تلك التي يلعب العامل الطبيعي دورا ما في تشكيلها). ففي هذا ا الضرب من العلامات غير اللغوية، والتي لم يتطرق اليها سوسير الا لماما، كالعلامات القرائنية ( حيث العلاقة السببية بين الدخان والنار)، والعلامات الايقونية ( حيث علاقة التشابة الفيزيائية بين وجه الشخص في الواقع وصورته الفتوغرافية) يتجلي لنا بوضوح اثر المدلولات في تكوين دوالها. ويذهب الاتجاه السائد اليوم عموما وسط السميايين، الي انه بدلا عن الحديث عن مبداء عام للعلامات، الحديث عنها بوصفها وحدات تترواح وتتباين، كثيرا او قليلا، في درجة تكوينها الاعتباطي اوالعرفي او معا. ولعل هذا ما يفسر ما نشهده من إجماع بين السميائين، انصار سوسير وبيرس علي السواء، علي التواضع علي ثلاثة انماط علامية رئيسية: نمط العلامة الرمزية، نمط العلامة الايقونية ونمط العلامة القرائنية – ما يعرف بالتنميط السميائي الثلاثي الذي يرجع الفضل في تاسيسه الي شارلس بيرس الذي اولي، خلافا لسوسير، اهتماما اكبر بالعلامات غير اللسانية.
6.9 في النمط الرمزي للعلامات، يتمايز الدال (الشكل الفيزيائي للعلامة)، في خصائصه الشكلية او الفيزيائية، عن المدلول ( الموضوع الذي يمثله الدال او يشير اليه). في العلاقة الرمزية، العلاقة بين الدال والمدلول، علاقة غير طبيعية، بل اعتباطية (علاقة غير محضوضة). في العلامة الرمزية، مصير العلاقة بين الدال والمدلول، يعتمد اولا واخيرا، علي الاتفاق العرفي من قبل افراد الجماعية اللغوية. الاعتماد الكلي للعلامات الرمزية علي الاعراف الثقافية واللغوية، يملي علي مستخدمي هذه العلامات تعلم هذه الاعراف، معرفتها واتقانها الي درجة التعود عليها. من امثلة العلامات الرمزية: الكلمات والارقام، شارات المرور والاعلام القومية، الايماءات الحركية في المحاكاة. وفقا لهذا التعريف، فان لغة الكلمات هي نظام سيمائي رمزي، مقارنة مثلا “بلغة” الصور.
6.10 في النمط الايقوني للعلامات نجد أن الدال يتبدي للحواس الادراكية مشابها او مقلدا للمدلول في بعض سماته الطبيعية - علي سبيل المثال التشابه او الاشتراك في بعض الخصائص الصوتية؛ او في بعض سمات المظهر الخارجي. من امثلة العلامات الايقونية: الصور الفوتوغرافية، اونوماتوبيا Onomatopoeia (الكلمات التي تحاكي تراكبيها الصوتية الاشياء التي تشير اليها – مثل وشوشة، هوهوة، عوعوة، شخشخة..)؛ المجاز، االمؤثرات الصوتية في الدراما الاذاعية، دبلجة الاصوات في الافلام السينمائية.
6.11 لفهم تمايز علاقة الدال والمدلول بين العلامات الايقونية، والعلامات الرمزية قارن مثلا العلامة الصوتية للحيوان قطة ((الكلمة “قطة” ) والعلامة البصرية لنفس الحيوان. شكليا، دال العلامة الرمزية قطة (الوحدة الصوتية للكلمة قطة) لا يمت بصلة، طبيعية او منطقية بالمدلول (بصورة القطة الواقعية كما تتجلي في الادراك). علاقة الدال والمدلول هنا علاقة اعتباطية – عرفية . في المقابل، الصورة الفوتوغرافية للقطة هي علامة بصرية (ايقونية) وليست اعتباطية تماما. لماذا؟ لان دال الصورة او العلامة (شكل القطة المطبوع علي الصورة والمتبدي للنظر) يعتمد في تعيينه، الي حد كبير، علي طبيعة المدلول (صورة القطة الواقعية كما تتجلي في الادراك. المدلول هنا يملي علي الدال ان يكون مشابها له في سماته الشكلية او الصورية – تصورنا العقلي للقطة الحقيقية خارج الصورة (المدلول) يجب ان ان يكون مشابها لصورة القطة (الدال) داخل الصورة الفوتوغرافية (العلامة).
6.12 غير ان العلاقة بين الدال والمدلول في الصورة الفوتوغرافية للقطة ليست مع ذلك علاقة طبيعية خالصة او خالية تماما من الاصطناع و الفبركة. ما علينا الا أن نتذكر الدور الكبير الذي يلعبه المصور الفوتوغرافي (تقنيا وجماليا) في اعداد وتصميم الصورة الفوتوغرافية، تبعا لقواعد محددة وتوقعات محتملة – تهيئة شروط واجواء معينة للتصوير، اختيار زاويا الكاميرا، المسافة، الظلال، التحرير الفني…الخ. يمكن القول، اذن، إن العلامة الايقونية (رغم ما بين دالها ومدول من تشابة فيزيائي) لا تخلو تماما من العرفية، لانها تعول، من جهة، علي قواعد واجراءات متعا رف عليها في عملية انتاجها. ومن جهة اخري، علي عادات وتوقعات نظر (او فرجة) مسبقة ورائجة، تؤطر وترشد، الي حد كبير، طريقة استعمالها كعلامة.
6.13 في النمط القرائني للعلامات، العلاقة بين الدال والمدلول علاقة غير اعتباطية لوجود رابطة فيزيائية (سببية) مباشرة بين الدال والمدلول. من امثلة العلامات القرائنية: العلامات الطبيعية ( دخان، صواعق، اثار اقدام، روائح، اعراض المرضية، علامات الثيروميتر، طرق علي الباب، ، جرس التلفون، اشارات لغوية مثل “هنا” “هناك”). في كل هذه الامثلة نلاحظ ارتباط فيزيائي وثيق بين الدال والمدلول.
6.14 القاعدة العامة اذا : كل ما ارتبط او زاد تقييد الدال بالمدلول (لعلة فيزيائية او طبيعية) كلما ضعفت اعتباطية العلامة. وكلما تحرر الدال من قيود المدلول (فيزيائيا) كلما قويت اعتباطية العلامة. العلامات الايقونية والقرائنية بالتالي اقل اعتباطا (اكثر محضوضية) في تكوينها من العلامات الرمزية. هذه الانماط الدلالية الثلاثة (الرمزية، الايقونية، والقرائنية) ينبغي تناولها، لا بوصفها تصنيفات صارمة علي ضوئها تتبوب العلامات. وإنما يجب تناولها بوصفها ابعاداً متميزة لعلاقة الدال والمدول. في الواقع الفعلي لحياة العلامات، هذه الانماط العلامية الثلاثة، غالبا ما نجدها، متداخلة ومتشابكة.
6.15 وعلي رغم تباين اراء السميائين حول طبيعة العلامة ( اعتباطية ام لا اعتباطية)؛ هناك اقرار عام بينهم علي الطابع الاتفاقي (التعاقدي او العرفي) للعلامة : ان العلامة هي، في الاساس، ارتفاكت (artefact)، مصنوع او منشئة اجتماعية. وجودها واستمرار عملها مرهون، في الاساس، بالاعراف والقواعد والاحكام المقبولة والمتعارف عليها، ثقافيا واجتماعيا، من قبل مستخدميها بوصفها علامة تمثل شئ ما غيرها.
البراديام والسنتغام
7.1 العلامات تعيش وتعمل دائما ضمن شبكة من العلامات الاخري. لا توجد لغة في عالمنا، قاموسها يتكون من كلمة او علامة واحدة. بوسع مثل هذه اللغة ذات المفردة اليتيمة أن توظف، طبعا، الكلمة الوحيدة التي بحوزتها للاشارة والتعبير عن كل الاشياء. لكنها، ستعجز، لا محالة، عن التفريق والتمييز بينها.لابد لهذه اللغة من مفردة ثانية، علي الاقل، حتي تتمكن المفردة الاولي من تعريف نفسها من خلالها. فاللغة، بالفهم السوسيري، تتالف، كما اشرنا، لا من وحدات (كلمات او علامات) ذرية منعزلة لكل منها معنى مستقل. لكل منها قيمة موروثه تحتكرها وحدها دون غيرها. بل تتعين قيمة اي وحدة من هذه الوحدات علائقيا: وفقا لما بينها كوحدة والوحدات الاخري من علاقات. هذه العلاقات تدور حول محورين. المحور الراسي (او البرادايمي) والمحور الافقي (او السنتيغامي).
7.2 تامل هذه العبارة: “الرجل يحب المزاح”. المحور الافقي لهذه العبارة يظهر علاقة الترابط الافقي بين “الرجل” و ” يحب” و ” المزاح”. بينما يظهر محورها الراسي علاقة التقابل بين البدائل والمتغايرات: بين كلمة “رجل “ وبدائلها مثل “إمراءة ” او “ولد” او “صبي” او “بنت” او “شخص”. او علاقة التضاد بين الفعل “يحب” او “يكره”. او بين “المزاح” و ” الصرامة” او ” الجدية” او “الغضب”. ضمن الافق السياقي للعبارة تحلق جملة من العلامات البديلة، والقابلة للحلول محل ما هو موجود فعليا من علامات. بهذا المعنى، تشير علاقات السنتغام (او المحور الافقي) الي ممكنات التربيط. بينما تشير علاقات البرادايم (او المحور الراسي) الي ممكنات التقابل او التعارض او التمايز. من جهة، اذا، يساعدنا مفهوم السنتغام او المحور الافقي، علي إبراز علاقات التداخل النصي بين دوال حاضرة ومتجاورة في متن النص. بينما يساعدنا، من الجهة الاخري، مفهوم البرادايم او المحور الراسي علي ابراز علاقات التداخل النصي بين العلامات الحاضرة في متن النص وبدائلها من العلامات الغائبه – تلك التي لم يقع عليها الاختيار.
7.3 علي مستوي المحور الراسي تسري علاقات الإختلاف (او التمايز او التباين او التغاير) علي الدوال، بقدر ما تسري علي المدلولات. كي نستخدم علامة مثل كلمة ” قطة” لا بد أن تتوفر لنا القدرة (الكفاءة اللغوية) علي تمييز كلمة “قطة” من كلمات مثل “بطة” او “محطة” او غيرها. هذا التمييز يحدث علي مستويين. مستوي التماييز الصوتي (مستوي الدال) العائد لاختلاف وحدة مكوناتها الصوتية عن الوحدات الصوتية للعلامات الاخري. ومستوي التماييز الدلالي (مستوي المدلول) الناجم مما قد تثيره كلمة “قطة” من صورة عقلية مغايرة للصورة العقلية التي قد تثيرها، في اذهاننا، كلمة مثل مثل بطة او محطة او كلب اوغيرها. خذ ايضا كلمة “غني” . يمكننا كما يقول السميائي الفرنسي غريماس (في معرض حديثة عن المربع السميائي) تحديد ملامح البنية “الفروقية” العامة لكلمة “غني” من خلال ابراز تعارضها علي مستوي علاقة التضاد الثنائي (“غني” مقابل “فقير”). اوعلي علي مستوي علاقة التناقض (“غني” في مقابل “ليس غني”، و “فقير” في مقابل “ليس فقير”). تعريفاً اذا، البرادايم السميائي لاي علامة هو المجموعة الاطارية، الاطار (العائلة) الذي ضمنه عادة ما تصنف او تنسب اليه علامة او كلمة ما ، لوجود صلة ما لها مع العلامات او الكلمات الاخري – غني، مقتدر، موسر، ثري، فقير، محتاج، معدم، مسكين…
7.4 من السهولة ايضا، ملاحظة التقاطع بين المحور الافقي والراسي في أنظمة سميائية غير لغوية (بالمفهوم الضيق للغة للفظية) مثل نظام قائمة الماكولات في المطاعم. في مثل هذه القوائم (بوصفها مجموعات اطارية او برادايم) نجد عدة خيارات او بدائل نتقي منها، مثلا، ما نعتقد أنه يشكل وجبة (عبارة) غذائية كاملة.
7.5 تامل، مثلا، تقاطع المحور الراسي مع المحور الافقي في طريقة ارتداء الملابس. علي المحور الراسي، الملابس تنتظم ضمن عدة مجموعات اطارية او براديمات: المجموعة الاطارية للوحدات المتعلقة بجزء الجسم الاعلي (قمصان، جلايب، بلوزات، بدل، كرفتات، فنايل، “تي شيرتات” الخ)؛ المجموعة الاطارية لوحدات الجزء الاسفل ( “بناطلين”، جلابيب، قفاطين، فساتين، “اسكيرتات”، سراويل الخ)؛ المجموعة الاطارية للوحدات المتعلقة بالاقدام ( صنادل، “شباطة”، احذية، مراكيب الخ) او الراس (طواقي، قبعات، عمائم، بواريك، تسريحات او تصفيفات مختلفة). من هذه القوائم الاطارية او البراديمات الثلاثة يمكننا إنتقاء وحدات معينة، ثم توليفها علي محور التوليف (التربيط) وفقا، بالطبع لعادات واحكام معينة. هذا الانتقاء والتوليف قد ينتهي بنا بلبسة تتماشي مع “الرسالة الثقافية” التي نسعي (بوعي منا او بدون وعي) الي ارسالها عبر ما نكونه من “عبارة” ثقافية سميائية مفرداتها او علاماتها وحدات (قطع) ملابس انطوت، او بالاحري تجسدت، في ثناياها معاني او دلالات متداولة.
7.6 قيمة اي علامة انما تتحدد، بالتالي، لا في سمات جوهرية باطنية خاصة بها، وإنما ضمن بنية سياق علائقية تشكلت، راسيا عبر علاقات التغاير؛ وافقيا علاقات الترابط او التوليف. هذا التكوين العلائقي التغايري للعلامة يمنعها - هي ومكوناتها – من الحصول، علي هوية كاملة ونهائية. ولان العلامة لا وجود لها خارج تغايرها او تمايزها عن غيرها، تظل، علي الداوم، محملة باثار ما يمكن ان يحل محلها من علامات اخري غائبة وبديلة – العلامات الحاضرة بغيابها كبدائل ممكنة.
اللغة والكلام
8.1 يستعمل الناس العلامات كوحدات دلالية وفق مبادئ وقواعد شكلية تتيح التحكم في اختيار هذه العلامات (علي محور التباين)، وتتيح تنضديها او توليفها (علي محور الترابط) . هذه المبادئ والقواعد الشكلية تمثل ما يطلق عليه سوسير “اللانغ”: “اللغة” او “النظام”.
8.2 أما مصطلح “الكلام” فقد اراد به سوسير الاشارة الي ما النشاط (المتميز) الخاص بوضع هذا النظام ( مبادئه وقواعده الشكلية) موضع الاستعمال. هذا التمييز السوسيري بين اللغة والكلام هو تمييز تحليلي اكثر منه حقيقة واقعية. لان اللغة لا توجد إلا داخل الكلام بوصفه استعمالا معينا للغة.
8.3 وظيفة مفهوم “النظام”، او اللغة، في النموذج السوسيري، تكمن في انه يضئ لنا البنيات والاليات الشكلية ( الكلية، العامة، او المجردة) التي تحكم عمل النظام العلامي، بوصفه نظام قواعدي لتكويد ( تشفير) الاشكال الي علامات منتجة للدلالة. اما مفهوم “الكلام”، فانه يتيح لنا مراقبة كيف يؤدي النظام عمله علي مستوي التوظيف الفعلي (المتبعض، الخاص او العيني) لقواعده وبنياته التشغيلية (الكلية ،العامة او المجردة).
التزامن والتعاقب
9.1 المقاربة التعاقبية او التاريخية للغة تهتم بتقصي اصول اللغة وخلفياتها التاريخية. بتعقب مراحل تطوراتها عبر حقب زمنية مختلفة، وبمقارنتها باللغات الاخري بما في ذلك رصد تاثرها بها و تاثيرها عليها.
9.2 المقاربة التزامنية، في المقابل، تعني بدارسة اللغة في واقع استعمالها الاجتماعي، الراهن والقائم، بمعزل عن مرجعياتها الاصولية وخلفياتها التاريخية.
9.3 وفقا لهذا التمييز، يمكن اعتبار السميائية السوسرية سميائية تزامنية. فهي لا تسعي لتقديم سيرة “شخصية” تاريخية للعناصر اللغوية المختلفة، او إعداد سجل وثائقي لمراحل نمو هذه العناصر وتقلباتها الوظيفية ضمن نظامها اللغوي عبر الحقب المختلفة. المقاربة التزامنية تستهدف، في الاساس، وصف ما قد ينشأ بين هذه العناصر اللغوية من علاقات في نقطة تاريخية محددة علي محور الزمن. بهذا التصور التزامني للغة، ساهم سوسير في ايقاف سيطرة الدراسات اللغوية التاريخية التي سادت اوربا في القرن التاسع عشر، وفي تعبيد الطريق لما سيعرف فيما بعد بالبنيوية – المذهب الذي ستتصدر طرائقه البحثية مجالات الدراسات الانسانية في اوربا (خاصة فرنسا) ما بعد الحرب العالمية الثانية.
9.4 النظام السميائي (اي نظام منتج للمعنى) هو نظام من الوحدات (العلامات) المتقابلة. هو شبكة علاقات بنيوية شكلية بين وحدات منتجة للدلالة. في النظام السميائي البنيوي، قيمة او وظيفة اي وحدة معطاة من وحداته إنما تتعين من خلال قيم او وظائف الوحدات الاخري – اي من خلال الوحدات الاخري: الوحدات الاخري التي تتعارض معها، راسيا، علي محور التباين، والوحدات الاخري التي تأتلف معها، افقيا، علي مستوي الترابط. الفرضية الاساسي للنموذج السميائي هي: إن قيمة او وظيفة او هوية او طبيعة اي علامة انما تتعين ضمن شبكة (او شبكات) الفروق والعلاقات التي تعيش ضمنها، وتتحول بتحولاتها.
السميائية: تطورات معاصرة
10.1 السميائية السوسيرية اليوم تترواح ، عموما، بين منحيين: منحي السميائية البنيوية ومنحي السميائية الاجتماعية.
10.2 تبلورت السميائية البنيوية علي ارضية التبني والتوظيف الخلاق لفرضيات واطروحات سوسير حول اللغة في العديد من المجالات من قبل ابرز منظري البنيوية، ابان هيمنتها مذهبا فكريا ومنهجا في اوربا (خاصة في فرنسا) ما بعد الحرب العالمية الثانية – علي راسهم ليفي اشتراوس (في الانثربولوجيا الثقافية)، جاك لاكان (في التحليل االنفسي) ورولان بارت (في الادب والثقافة “الشعبية”).
10.3 اما السميائية الاجتماعية، فقد برزت في أواخر ستينات القرن الماضي، استجابة لعاملين ريئسسين: ا) تراجع البنيوية اثر ما تعرضت له من نقد حاسم ومدمر من قبل من بات يطلق عليهم فلاسفة “ما بعد البنيوية” امثال دريدا، فوكو، وبارت (في كتاباتة المتاخرة). وهو النقد الذي كشف بوضوح قصور المنهج البنيوي وابرز ما ينطوي عليه مفهوم العلامة – في مفهومه السوسيري – من اشكالات منهجية و إبستمولوجية. ب) تصاعد الاهتمام بالطابع الاجتماعي للغة بوصفها، في الاساس، ممارسة رمزية اجتماعية، تجب دراستها ضمن سياقات استعمال اجتماعية- تاريخية، دائما متميزة وابدا ً ومتحولة.
10.4 ولئن كانت السميائية البنيوية جعلت مهمتها الاولي رصد البنيات الشكلية العميقة للنظام اللغوي في تمظهراتها النصية البرانية ؛ فان السميائية الاجتماعية سعت ، في المقابل، الي دراسة الابعاد والجوانب الادائية او الاستعمالية لهذه البنيات النظامية وتفسيرها. بعبارة اخري، بينما تميل السميائية البنيوية الي دراسة “نحو” نظام المعنى، بالتركيز علي رصد بنيات هذا النظام الشكلية والتزامنية بمعزل عن التجربة الاجتماعية والتاريخية لتوظيفاته. تميل السميائية الاجتماعية الي دراسة “نحو” الاستخدام (او طرائق الكلام او القول)، بالتركيز علي تقصي كيفيات استخدام، ممارسة، مزاولة النظام (اللغوي القواعدي المجرد) ضمن سياقات متعينة ومتاطرة وتاريخيا واجتماعيا.
10.5 دراسة المعنى، في منظور السيميائين الاجتماعيين، يجب أن لا تقتصر علي وصف العلاقات الداخلية الشكلية بين العناصر اللغوية التي يحتويها النظام اللغوي (البنيوية). إنما ينبغي توسيعها لتشمل دراسة دور العوامل “غير اللغوية” في تكوين وتوزيع المعنى، وتاطيره: عامل الوسائط (البصرية كالفيلم او الفيديو او التلفزيون، السردية كالقصة او الرواية، الادائية الجسدية الشعائرية كطقوس الاحتفاء الاحتفالي السياسية او الاجتماعية) في تشكليل المعاني المنتجة والمتداولة في انسجام مع الخصائص التقنية والجمالية المتميزة لهذه الوسائط. عامل العادات والاحكام المنظمة للفضاء الخطابي لسياق التواصل بين الافراد بوصفه فضاء محسوس لتوليد واعادة انتاج علاقات السلطة (من له الحق في الكلام، متي واين وكيف، ولماذا). عامل التداخل النصي او التناص ( بيئة النصوص والخطابات، المتابينة والمتعددة، الحائمة والمحلقة في الاجواء والافاق السياقية لاي نص، والتي تمول او تغذي هذا النص شكلا ومضونا) ودوره في تاطير و ترشيد وتوجية قراءة النص - تاويله واستعماله. عامل القارئ في انتاج النص من خلال قدرته علي انتاج تفاسير بديلة، وربما مضادة، لتلك التي يعتد بها مؤلف النص او يصر عليها الناقد الاكاديمي المتخصص. عامل الكفاءة اللغوية – كفاءة الاستخدام المتوفرة لدي المستخدمين لانظمة المعنى وانماط الاداءات الروتينية والمحبذه…. الخ
السميائية: نقاط الضعف والقوة
في كتابه ” السميائية الاساسيات” تناول دانيال شالندر بعض مثالب ومناقب التحليل السميائي نلخص هنا أهمها:
نقاط الضعف:
11.1 لم تصبح السميائية جزءا من العلوم الاجتماعية كما أراد لها سوسير. فلم تتوصل السميائية الي ارساء نظرية او منهجية متحدة، ومتماسكة. وقلما كان للسميائين اتفاق بشان ما يميز بوضوح صعيد عملهم البحثي، من حيث حدوده وقسماته وطبيعة موضوعاته. إنما سادتهم نزعة إمبريالية، شمولية وتوسعية، لتخطي وانتهاك حدود شتي المساقات والانظمة الاكاديمية؛ ولدراسة اي شئ وكل شئ. الامر الذي اسفر عن اتسام التحليل السميائي، الي حد كبير، بالتسيب المنهجي والانطباعية.
11.2 الدراسات السميائية غلب عليها، وما يزال، إنهماك وولع مفرط ببناء وتفصيل النماذج، والمبوبات النظرية المعممة. فهي نادرا ما تسعي الي اختبار نماذجها ومقاربتها النظرية المجردة عمليا في محيط التجربة. فقد افتقرت السميائية الي منهجية اثنوغرافية او ظاهراتية تموضع قراءة الناس للنصوص ضمن سياقات تاريخية متعينة ومتبعضة، مما قصر بها عن توفير معرفة مفيدة بالكيفية العملية التي بها يتناول الناس حقا النصوص ويفسرونها.
11.3 في دراستها لمسائل المعنى، السمائية البنيوية تركز علي الانساق الشكلية بدلا من الممارسات الاجتماعية؛ وتنحو الي اعتبار النظام الشكلي العامل الحاسم في تعيين طبيعة المعنى، باعطائه الاسبقية في التحليل. ولعل هذه النزعة الشكلانية المغلقة والمغرقة في تجريديتها، مسؤولة الي حد كبير عن فشل السميائية البنيوية البحتة في تقدير الاطر و السياقات غير اللغوية (الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتقنية) المحيطة بانظمة المعنى والتي تعلب دورا مؤثرا في تاطير وتشيكل عمليات انتاج المعنى وتبادله.
11.4 تجنح السميائية البنيوية الي التقليل من دور القارئ في المراحل المختلفة لعمل المعنى؛ ومن ثم الفشل في تقدير قابلية النصوص لتاويلات مختلفة بل ومتناقضة، علي افتراض ان التحليلات البنائية من قبل خبراء التشخيص السميائي كفيلة باستخلاص معاني مستوطنة، عامة ولا خلاق حولها، عن البني الشكلية المجردة للنصوص.
نقاط القوة:
12.1 صحيح أن السميائية لم تنجح، كما حلم سوسير، في تاسيس نفسها كنظام اكاديمي مستقل ومجمع عليه لدارسة اللغات او أنظمة المعني. فهي اليوم لا تعد اليوم سوي واحدة من بين عدة اطر تحليلية لمقاربة مسائل الانتاج الاجتماعي للمعنى. مع ذلك، لم تفقد السميائية بعد اهميتها كاداة بحثية. فهي ما تزال، الي اليوم، تزود مشاريع البحث الثقافي والاجتماعي المختلفة، باطر مفهومية وطرائق للتحري والتحليل النصي قابلة للتطبيق علي مدي واسع من انواع الممارسات الاجتماعية المنتجة للمعنى، بالذات تلك المهتمة بدراسة منتجات الثقافة الحضرية الشعبية والشبابية، والتي عادة ما تترفع عنها المسارات الاكاديمية وتتعامل معها علي أنها هامشية. إن من الافضل، كما يشير الكثير من المنظرين الثقافين المعاصرين، التعامل بتواضع مع النموذج السميائي، واعتباره صالح لبعض الاغراض وغير صالح لغيرها. وإن السميائية (او بعض مفاهيمها او اطروحاتها علي الاقل) تنتج احسن ثمارها متي ما وظفت بالتضافر او التخاصب مع اطر نظرية وفلسفية اخري.
12.2 السميائية مشروع متجدد ومتطور. بدليل أن معظم ما تعرضت له من نقد، هو، في الحقيقة، نقد ذاتي مصدره عادة باحثون في الحقل السميائي . ويكشف تاريخ الادب النظري السميائي بجلاء ان السميائين ما فتوا يعملون علي تنمية التحليل السميائي بمراجعته واعادة تاطيره علي ضوء ما تطرحه النظريات الجديدة من تحديات ومضاعفات.. بل يمكن القول إن ما تعرضت له السميائية من نقد (خاصة من مفكري ما بعد البنيوية مثل بارت وفوكو ودريدا) ساهم لحد كبير في تجديد كفائتها التحليلة والتفسيرية، ومن ثم صلاحيتها الراهنة كادة بحثية معاصرة ضمن ادوات منهجية اخري لا تقل عنها اهمية. ففي سعيها لتقدير افضل للدور الذي تعلبه عوامل (عادة لايراعيها المنهج البنيوي) مثل التاريخ، التغيير الاجتماعي، الفرد، ودور السلطة في الانتاج الاجتماعي، نجد ان السميائية المعاصرة – في توجهها الاجتماعي الراهن - قد نزعت الي الي تبني افكار ومفاهميم تطورت تحت مظلة تقاليد نظرية مغايرة مثل “الماركسية الجديدة ” والتحليل النفسي ونظرية السلطة والخطاب عند مايكل فوكو، او التفكيك عند جاك دريدا.
12.3 ولعل المساهمة الهامة والباقية للسيمائية في العلوم الانسانية أنها أظهرت قصور التصور الواقعي الوضعي للغة (الذائع الصيت في الثقافة اليومية). وهو التصور الذي يري العالم بموضوعات المادية او العقلية، الواقعية او المتخيلة انما يوجد ويتكون خارج اللغة وفي استقلال تام عنها. وأن اللغة ليست سوي وسيلة محايدة لتسمية موضوعات العالم غير اللغوية او الاشارة اليها. ضد هذا هذا التصور الوسائلي المحدود لطبيعة اللغة، طرحت السميائية تصورا اكثر تعقيدا للعلاقة بين اللغة (انظمة العلامات) والعالم. هذا التصور يشدد علي الاتي:
- السيمائية لا تنكر حقيقة الواقع ووجوده المستقل خارج اللغة والعلامات كما يذهب بعض نقادها. بل تؤكد بكل بساطة أن ما يوجد، ما يقع خارج العلامات من واقع مرجعي ملموس او متخيل، لا يتاتي او يتجلي لنا (لا “يوجد” كوجود له معني) إلا بواسطة العلامات ومن خلالها. فنحن لا نري سوي ما تييح لنا العلامات رؤيته. بعبارة اخري ان الواقع (مادي او متخيل) لا يتوفر لنا الا كواقع وسائطي غير مباشر- واقع ندركه، نفكره، نعيشه ونمارسه من خلال التمثلات التي انتخبناها عنه، من خلال هذه الوسائط التمثيلية مثل الكلمات او العلامات. إن الواقع بموضوعاته ووقائعه وعلاقاته انما يوجد دائما ضمن ما نكونه عنه من تمثلات او تصورات بواسطة العلامات. بين هذا الواقع وتمثلاته علاقة غير مباشرة وغير فورية، بل وسائطية من خلال الرموز او العلامات.
- ان العلامات مهمتها لا تنحصر فقط في تسمية الموضوعات والاشارة اليها. إنما تتدخل كذلك، ومنذ البداية في تكوين هذا الواقع. تكوين الواقع لا بمعني تجريده من من ماديته وجعله واقعا لغويا صرفا ، ولكن بمعني فهرسته ( في تنظيم وترتيب موضوعاته، علاقاته ووقائعة تبعا لنظام تصنيف وتبويب القيم والمضامين الدلالية المعمتمد)؛ بمعني ترسيمه (في تعين الحدود والتخوم بين اقاليمه المعرفية والسلوكية)؛ بمعني تخريطه ( في انتاج الخرائط الرمزية المرشدة لادراكه ومزاولة اشكال الحياة والحركة فيه) – باختصار بمعني تشفيره ( اي تمثيله رمزيا من خلال العلامات).
- هذه المدولوات او التصنيفات، التي من خلالها يترتب العالم وينظم، لا تمليها دائما الواقائع الفيزيائية. وانما هي ، الي حد كبير، تصنيفات ثقافية خاصة بالمجموعة اللغوية-الثقافية المعنية. في هذا الصدد تنسجم السميائية او تتماشي، الي حد كبير، مع فرضية سابير- وورف للنسبية للغوية (Sapir-Worf) القائلة بوجود صلة وثيقة بين الطريقة التي تنتظم بها اللغة والكيفية التي يتصور بها مستخدم هذه اللغة عالمه الذي يعيش فيه. وظيفة العلامات، اذا، لا تقتصر علي مجرد الارجاع او الاحالة الي موضوعات الواقع الخارجي في حياد وشفافية، بل تدخل منذ البداية في تصنيفها.
- الطبيعة الاجتماعية العرفية او التواضعية للانظمة العلامية من حيث أنها أنظمة تشفيريه تعمل وفق اعراف اجتماعية معتمدة ومتواضع عليها من قبل اعضاء الجماعة اللغوية-الثقافية. هذه الانظمة التشفيرية لا تعكس الواقع كما هو بتجرد وشفافية – انما تقترحه من خلال منطق نظامي له قواعد متواضع عليها قليلا او كثيرا. وهو منطق في وجوده وطريقه عمله إنما يختلف عن تماما عن “منطق” الاشياء علي صعيد وجودها الواقع الفيزيائي المحض. منطق العلامات منطق يقوم علي مبداء التمثيل (تمثيل الموضوعات بالوقوف نيابة عنها علي مسر ح المعني كما اشار بيرس) او علي مبداء الاختلاف (منطق الاختلاف او التغاير الداخلي بين العلامات كما اشار سوسير). أن اللغة، ليست، كما تؤكد التجربة اليومية، مجردة اداة تقريرية لوصف الاشياء بحياد وموضوعية، وانما هي في الاساس، ادة بلاغية للحث والاستمالة.
12.4 فمن خلال التشديد علي الدور التكويني للوسيط اللغوي في خلق وتشكليل المعنى (البنيوية)؛ علي دور القارئ في التفسير بوصفة قوة ايجابية منتجة للدلالة، اكثر من كونه مستهلكا سلبيا للعلامات (السميائية الاجتماعية)؛ علي نقد فكرة المصدر او المؤلف الاصلي والاصيل، المرجعي والمتعالي، فكرة الذات المركزية التقليدية المنتجة للمعني (ما بعد البنيوية) ساهمت السمائية، عبر مراحلها ووجوهها المختلفة في تحرير علم الاتصالات من هيمنة نموذج البث الاتصالي. وهو الذي لا يري في عملية الاتصال سوي كونها عملية بسيطة لترحيل المعنى بوصفه رسالة يتم نقلها علي المحور الخطي للاتصال بين محطة المرسل ومحطة المرسل اليه. وأن الوسيط اللغوي ليس سوي اداة محايدة تستعمل من قبل مستخدميها “لتظريف” او تعبئة معاني مسبقة وجاهزة ولدت وتشكلت قبل عملية التعبير عنها وتوصيلها، ومن ثم لا دور يذكر للوسيط اللغوي في خلق وتشكيل المعني. اوضح النقد السميائي، بجلاء، ضعف هذا النموذح البثي كنموذج خطي واختزالي من جهة مساواته بين موقع المرسل والمرسل الية (موقع المؤلف والقارئ)، ومطابقته بين الرسالة والمعني – بين العمليات الداخلة في صياغة العلامات وترسيلها كرسالة، و بين العمليات الداخلة في تفسير مكونات الرسالة باعتبارها رسالة لها معني.
12.5 ولما كانت انظمة العلامات هي بمثابة مدخلنا الوحيد للواقع، او الوسائط التي من خلالها نتصور هذا الواقع ونعيشه كواقع له معني، فان الذين يتحكمون في انتاج وتوزيع واستعمال العلامات، يتحكمون من ثم في تشكيل هذا الواقع علي نحو ينسجم مع رؤاهم ومصالحهم. ليس غريبا اذا أن اصبحت السميائية اداة هامة في الادب المعني بنقد الايدلوجيا: بالكتابات المعنية بتفكير فحوي العلاقة بين “اقتصاد” المعني (اشكال الانتاج الاجتماعي للقيم الفكرية والثقافية المشتركة، بانظمتها ووسائطها الاتصالية المتنوعة و المختلفة – صحف، تلفزيون، اذاعة، سينما، انترنت، سلفون، كتب ومنشورات، شعائرالتواصل والتخاطب الشفاهية او الجسدية، اليومية او الاحتفالية…) واقتصاد السلطة (بنيات السيطرة والهيمنة والاستغلال القائمة ضمن تشكلية اجتماعية معينة). بعبارة اكثر دقة ، يهتم التحليل النقدي للايدولوجيا بتقصي وظيفة انماط التصور والتفكير المسيطرة (المنتجة والمتداولة عبر هذه الانظمة السميائية) في تبرير وتكريس شروط اجتماعية سائدة. في هذا السياق، تزود السميائية نقد الايدلوجيا باطر تحليلية واجرائية فعالة لكشف كيف توظف الاليات الداخلية للنظام السميائي في تثبيت المعاني الاجتماعية وتطبيعها باجراءات تحد من قابلية الرموز او العلامات غير المحدودة علي توليد معاني جديدة متعددة ومتنوعة.
12.6 من الاسهامات الهامة والبارزة للسيمائية في عصر الاتصالي البصري المتطرد منذ رولان بارت الي وقتنا الحالي اهتمامها المتزايد بانظمة العلامات البصرية واستخدماتها في الفوتوغرافيا،في الفيلم السينمائي، في الاعلانات، التلفزيون وغيرها من انماط الميديا البصرية-الصوتية. قدمت السميائية في هذا الصعيد وما تزال اطر وادوات تحليلة فعالة اصبحت لاغني هنا في تحليل وفهم الدور المتعاظم الذي تلعبه الصورة في الحياة الاجتماعية المعاصرة.
مراجع
1. Daniel Chandler, “Semiotics for Beginners”, http://www.aber.ac.uk/media/Documents/S4B/
2. Tim O'Sullivan et al., Key Concepts in Communication And Cultural Studies ( New York: Routledge,1994), 138, 161-6, 188, 281-90.
3. Ferdinand de Saussure, Course in General Linguistics (Illinois: Open Court, 1972) 15-18, 65-187.
4. Marcel Danesi, Encyclopaedic Dictionary of Semiotics, Media, and Communications (Toronto: University of Toronto Press,2000), 170, 197-8, 203-11.
5. Marcel Danesi, The Quest For Meaning (Toronto: University of Toronto Press,2007), 3-25, 28-50, 52-73.
6. Marcel Danesi, Messages and Meanings (Toronto: Canadian Scholars' Press Inc,1993), 1-21,23—40.
7. Umerto Eco, A Theory of Semiotics (Bloomington: Indiana University Press,1979), 3-83, 32-6, 48-66, 172-191
8. Umberto Eco, “Producing Signs," in On Signs , ed. Marshal Blonsky (Baltimore: The Johns Hopkins University Press,1985), 176-183
9. 5. Umberto Eco, “How Culture Conditions the Colours We see," in On Signs , ed. Marshal Blonsky (Baltimore: The Johns Hopkins University Press,1985), 157-175
10. John Storey, Cultural Theory and Popular Culture (Toronto: Pearson Prentice Hall, 2006), 87-103
11. John Deely, Basics of Semiotics (Bloomington: Indiana University Press,1990) 1-32
12. Stuart Hall. “The Work of Representation" in Representation Cultural Representations and Signifying Practices, ed Stuart Hall ( London: Sage Publications, 1997), 15-37.
13. Terence Hawkes, Structuralism and Semiotics (California: University of California Press, 1977), 11-18, 19-28, 123-150.
14. Kaja Silverman, The Subject of Semiotics (New York: Oxford University Press, 1984) , 3-53.
15. John Hartley, Communication, Culture and Media Studies The Key concepts (London: Routledge, 2002) , 202-210
16. Jonathan Culler, Saussure (London: Fontana Press, 1976)18-52,70-8990-106
17. James Hoppes, ed., Peirce on Signs (North Carolina: The University of North Carolina Press, 1991), 141-142
18. Robert Hodge, and Gunther Kress, Social Semiotics (New York: Cornell University Press, 1988), 1-12, 13-36, 37-78, 79-84
19. Robert Stam et al., New Vocabularies in Film Semiotics (New York: Routledge, 1992), 1-2
20. Fernade Saint-Martin, Semiotics of Visual Language (Indianapolis: Indiana University Press1987)
x-xiv,1-15.
21. Jørgen Dines Johansen, and Svend Erik Larsen, Signs in Use: An Introduction to Semiotics (London: Routledge, 2002) 24-52
22. Leo Pap, “Semotics: An Integrative Survey”, Monograph series of the Toronto Semiotics Circle 7 (Toronto: University of Toronto, 1991) : 18-48.
23. Mark Dooley, and Liam Kavanagh, The Philosophy of Derrida (Montreal & Kingston: McGill-Queens's University Press: 2007), 31-34
24. Tony Thwaites et al., Introducing Cultural and Media Studies (New York: Palgrave, 2002), 9-27, 29-73
25. John Preotevi, ed., A Dictionary of Continental Philosophy ( New Haven and London: Yale University Press, 2006), 526-529
26. Hugh J.Silverman, “French Structuralism and after: de Saussure, Levi-Strauss, Barthes, Lacan, Foucault" Continental Philosophy in the 20th Century, ed. Richard Kearney (New York: Routledge,199), 390-398
27. David Sles, In Search of Semiotics (London: Croom Helm, 1986), 1-9
28. Daniel Chandler, Semotics: The Basics (London: Routledge, 2002), 207- 219
الموضوعات السابقة او ذات الصلة تنشر تباعا في هذا الموقع:
http://www.naqdy.org/texts_new.htm
* تحت هذه اللافتة ” مفردات نقدية وفكرية” نتناول، بالشرح والتفسير، بعض المفردات ( المصطلحات او المفاهيم) التي صارت في صلب خطابات التنظير والمقاربات النقدية المعاصرة في مجالات الفلسفة والعلوم الانسانية والاجتماعية – بمنحدراتها، ومساراتها و تياراتها العديدة و المتباينة.
الفاتح مبارك عثمان
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.