"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غياب المشروع الوطنى و الازمة المستحكمة ، التنمية السياسية و الثورة (12 -3) .. بقلم: عبدالغفار سعيد *
نشر في سودانيل يوم 21 - 09 - 2018

لقد أكملت كتابة هذه الورقة فى اغسطس 2017 ، لكنى لم انشرها كسلسلة مقالات ، بل قدمتها فى سبيل نشر المعرفة والوعى وسط الشباب والمهتمين كمحاضرات بالفيديو عن طريق البث الحى المباشر من خلال وسيلة التواصل الاجتماعى ( الفيسبوك) ، وكنت قد قدمت المحاضرة الاولى يوم 6 سبتمبر 2017 ثم تلتها سلسة الحلقات.
مشكلة السودان فى الجنوب بين فرق تسد الاستعمارية ونكث السياسيين الشماليين بالوعود و العهود الوطنية.
سياسة المناطق المقفولة:
في المرحلة بعد ثورة 1919 المصرية، وحركة اللواء الابيض 1924 السودانية ، التى التحم فيها ابناء السودان من الجنوب و الشمال فى عمل ثورى تحررى متقدم عملت على بعث الوعى القومى.
شهدت الخرطوم وأم درمان عدة تظاهرات خلال شهرى يونيو ويوليو 1924 تندد بالاستعمار البريطانى وتطالب المحتلين بالرحيل عن البلاد وتدعوا للوحدة مع مصر. قادت المظاهرات تنظيمات صغيرة أخرى الى جانب اللواء الابيض، وكانت الشعارات تنادى بسقوط الحكم البريطانى و تهتف بحياة فؤاد الاول ملك مصر. كما تميزت التظاهرات التى كان المشاركون فيها من الموظفين وصغار التجار والحرفيين، بالجلبة والصخب والعنف رغماً عن عدم مشاركة قطاعات واسعة من المواطنين فيها. وفى الجانب الآخر قابلت الارستقراطية الدينية التظاهرات بقيام السيد عبد الرحمن المهدى عند بدء التظاهرات بتكوين تجمع (مضاد لجمعية اللواء الأبيض) حين اجتمع فى يونيو 1924 زعماء البلاد الطائفيين و كبار التجار أعلنوا فيه عدم اعترافهم باتفاقية الحكم الثنائى لعام 1899 على اساس ان السودان لم يكن طرفاً فيها، كما قرروا ان تكون بريطانيا وصية على السودان حتى يتحقق تطويره قبل منحه الحكم الذاتى. بلغت معاداة الارستقراطية للثوار قمتها فى الهجوم على قادة المظاهرات بأنهم ليسوا (كريمي المحتد)، ومن اجل توضيح ذلك نعرض هنا فقرة من مقال نشر بجريدة (حضارة السودان) جاء فيه الاتى :
(أهينت البلاد لما تظاهر أصغر وأوضع رجالها دون أن يكون لهم مركز فى المجتمع بأنهم المتصدون والمعبرون عن راى الامة...ان الشعب السودانى ينقسم الى قبائل وبطون وعشائر، ولكل منها رئيس او زعيم او شيخ ، وهؤلاء هم أصحاب الحق فى الحديث عن البلاد......من هو على عبد اللطيف الذى أصبح مشهوراً حديثاً والى أى قبيلة ينتمى)؟
وهكذا نرى ان الزعماء الدينيين و القبليين و الطائفيين يلجأون فى السودان منذ وقت مبكر لسلاح الولاءات الاثنية ، القبلية والطائفية لمحاربة القوى الوطنية الصاعدة ممثلة فى جمعية اللواء الابيض ، التنظيم المتقدم و الذى ااجتمعت فيه وانتمت له عناصر متقدمة منفتحة من السودانيين ذوى الاصول الاثنية المختلفة، وإنكار حقها فى التحدث باسم الشعب السودانى. وتنظيم وتوجيه العمل السياسى على اساس الفوارق الإثنية.
وكان ذلك ايذاناً ببدء استغلال القوى الاجتماعية المسيطرة و المسنودة بالسلطة الاستعمارية للاختلافات القبلية و العرقية فى الصراع الاجتماعى من اجل تزييف الوعى وفى سبيل وضع العراقيل امام نمو الوعى القومى و امام التوحد على اساس المطالب الفئوية و الطبقية بين مختلف السودانيين و اقصاء مجموعات اثنية بكاملها من السلطة والثروة.
قادت ثورة 1924 الى ظهور مرحلة جديدة من الخلاف المتفجر بين بريطانيا ومصر حول المسالة السودانية، التى سارعت فيها بريطانيا لحسم "المسالة السودانية" بشكل نهائى لصالحها. ففى 1924 بدأت حكومة الخرطوم تذكير مصر باولويتها على سيادة السودان، والاستعداد لاستبعادها من السودان. ففى 1924 أثار سير لى ستاك القائد العام لقوات الحكم الثنائى المشتركة (السردار) وحاكم عام السودان مسألة السيطرة المالية على السودان.
عمدت بريطانيا الى تعميق سياسة فرق تسد بين الشمال و الجنوب من اجل لجم المد الثورى التحررى الذى هدف لنشر الوعى القومى و وحد بين السودانيين بغض النظر عن خلفياتهم العرقية المتمثل فى ثورة 1924 ، ولعبت السلطة الاستعمارية دورا كبيرا فى تقسيم الوجدان السودانى، حيث رأت أن مصالحها الإستعمارية في السودان، وشرق أفريقيا، تقضي بأن تنتهج سياسة تهدف إلى فصل الجنوب عن الشمال أملاً في أن يتم ضمه في المستقبل لممتلكات بريطانيا في يوغندا، وشرق أفريقيا.. ولتحقيق هذا الغرض إتجهت السياسة الإنجليزية إلى عزل الجنوب عن الشمال ثم تصفية الوجود الشمالي في الجنوب بشتى الوسائل.
ويمكن تلخيص أهم معالم هذه السياسة فيما يلي:
منع مديري المديريات الجنوبية من حضور إجتماع مديري المديريات الذي كان يعقد سنوياً في الخرطوم، فكان عليهم أن يجتمعوا وحدهم في الجنوب وأن يكونوا على إتصال بزملائهم في يوغندا وكينيا.. ولقد وصلت إلى لجنة (ملنر) ثلاث مذكرات عن الوضع بالنسبة لجنوب السودان، كانت الأولى منها بتاريخ 15 فبرائر 1920 بعنوان (فصل السودان عن مصر)، هذا هو عنوان المذكرة ولكنها تبحث في "اللامركزية في حكومة السودان بهدف فصل الزنوج عن الأراضي العربية".
والمذكرة تقترح فصل السودان إلى شمالي وجنوبي وإقامة خط فاصل يمتد من الشرق إلى الغرب حددت مواقعه.. وبعد هذه المذكرة بعشرة أيام أعدت السلطات المسئولة في الخرطوم مذكرة جديدة ذات تصور أكثر تحديداً وقد جاء فيها:
أن حكومة السودان سوف تكون على إستعداد للإندماج في حكومات أملاك أفريقية أخرى مثل أوغندا وشرق أفريقيا إذا كان الأمر يخص الزنوج.. أما المديريات العربية فهي تحتاج إلى معاملة مختلفة وعلى ذلك فيجب أن تبحث مسألة إقامة إتحاد لوسط أفريقيا تحت الإدارة البريطانية يضم بالطبع زنوج السودان).
وفي مذكرة صدرت في 14 مارس 1920 جاء:
إن سياسة الحكومة هي الحفاظ على قدر الإمكان بجنوب السودان بعيداً عن التأثير الإسلامي ففيه يتم توظيف المآمير السود، وعندما يكون من الضروري إرسال كتيبة من المصريين فيختار الأقباط. وأصبح يوم الأحد هو يوم الإجازة بدلاً من يوم الجمعة كما في الشمال هذا بالإضافة إلى تشجيع المشاريع التبشيرية). وتواصل المذكرة:
(ينبغي أن يوقر في الأذهان إمكانية فصل مناطق الجنوب الأسود من السودان عن مناطق الشمال (العربي) وربطه بتنظيم لأواسط أفريقيا).
في سبتمبر 1922 صدر قانون المناطق المقفولة، والذي بمقتضاه جعل الجنوب منطقة مقفولة لا يجوز دخولها أو الخروج منها إلا بإذن خاص من السلطات ( سياسة فرق تسد ) ، وقد هدف هذا القانون إلى إبعاد الشماليين والمصريين من جنوب السودان وإستبدالهم بالأغاريق والسوريين المسيحيين، و تقليل أعداد الجنوبيين الراغبين في الإنتقال للعمل في الشمال. وصدر قانون آخر في سنة 1925 منع الشماليين من التجارة في الجنوب إلا بإذن خاص من السلطات) دكتور حسن أحمد إبراهيم (تاريخ السودان الحديث) صفحة 138.. وكان التاجر الذي يرفض الرحيل يجبر على ذلك ثم تنتحل أي أسباب لإبعاده فقد جاء في التوجيهات الإجبارية (وإن كان منهم من يرفضون الرحيل وترون ضرورة التخلص منهم يبيّن أسباب ذلك بقول أو بآخر مثل "المتجر خالي من البضائع" أو "لا يؤدي أي عمل" أو "شخصية رديئة " الخ
لتنفيذ سياستها إتجهت الحكومة إلى القضاء على اللغة العربية في الجنوب وإستبدالها باللغة الإنجليزية واللهجات المحلية وبذلت الحكومة مجهوداً كبيراً في هذا الصدد، فشجعت الموظفين الإنجليز على تعلم اللغات الجنوبية، ووصل بها الأمر حد تشجيع الجنوبيين على إستبدال أسمائهم العربية بأسماء قبلية، وأن يتركوا لبس الملابس العربية وإستبدلوها بالزي الأفرنجي.
عملت الحكومة على إبعاد الموظفين الشماليين العاملين بالجنوب، وإستبدالهم تدريجياً بموظفين جنوبيين، ولتحقيق هذا الغرض فتحت بالتعاون مع المبشرين عدداً من المدارس الأولية والوسطى.
وضعت الحكومة التعليم في الجنوب في يد الإرساليات المسيحية لنشرالمسيحية وربط الجنوب بالحضارة الغربية وتمكين العزلة الثقافية بينه وبين الشمال.. وقد كان يصرف على التعليم التبشيري من ميزانية الحكومة، التي تأتي أساساً من المديريات الشمالية (بلغت المعونة الحكومية لمدارس الإرساليات عام 1924 مائة وخمسين (150) جنيهاً فقط، زادت عام 1927 إلى 3800 جنيهاً، وقفزت بعد ذلك ثلاث سنوات لتبغل 7550 جنيهاً)
و لتوضيح حجم التعليم التبشيري بالجنوب نبين انه ظلت المدارس التبشيرية في إزدياد بالجنوب لتقفز عام 1934 إلى 368 مدرسة منها 310 من مدارس الشجر وخمسين مدرسة أولية للبنات والبنين وتزداد مدارس المعلمين لتصبح إثنتين، و بعد ذلك بعامين تزداد مدارس الشجر 83 مدرسة أخرى والمدارس الأولية خمسة مدارس كما تزداد مدارس المعلمين مدرسة واحدة).
و قد لعب المبشرون دوراً كبيراً في خلق مشكلة الجنوب، حتى بعد إستقلال السودان.. وقد كانت الجمعيات التبشيرية تعارض قيام (سودان موحد)، لأنها: (من ناحية ترى أن أبناء الشمال سيجعلون من الإسلام ديناً للسودان كله، وهي من ناحية أخرى تعتقد أن الشماليين سيفرضون القيود على الحرية الدينية، وثم أنها أخيراً تؤمن بأنه لن يمضي وقت طويل حتى يتم إخضاع التعليم في الجنوب للإشراف الحكومي)، وقد كان المبشرون أثناء عملهم التعليمي يحرصون على الحديث عن تجارة الرقيق بالجنوب مما أدى إلى إيغار صدور الجنوبيين على الشماليين وعمّق أسباب العداوة .
و في سنة 1930 أعلنت الحكومة رسمياً سياستها الإنفصالية في مذكرة أعدها السكرتير الإداري هارولد ماكمايكل وأرسلها إلى مديري المديريات الجنوبية الثلاث ورؤساء المصالح) ، وقد بلغت السياسة الإنفصالية ذروتها في منتصف الثلاثينات.
مؤتمر جوبا 1947
انعقد مؤتمر جوبا فى خريف 1947 ، واشترك فيه بعض السلاطين وصغار الموظفين، وضباط صف البوليس ممن كانوا يعتبرون طليعه الزعامه المثقفه و التقليدية فى الجنوب حينذاك ولقد اقترحوا انشاء هيئة تمثيلية بالجنوب، ترسل فى المستقبل ممثلين لها الى الخرطوم لينالوا مايحتاجون اليه من خبرة، ويناقشوا الامور التى تهم الجنوب والشمال. واكدوا ان الجنوب يحتاج الى ضمانات توفر له اسباب التقدم، والحفاظ على ذاتيته فى فى سودان المستقبل الموحد.
أما الاعضاء الشماليون ، بقيادة القاضى محمد صالح الشنقيطى، فقد عددوا الطيبات التى تنتظر الجنوب فى السودان الموحد. واشاروا فى هذا الصدد الى المرتبات والاجور التى يمكن مساواتها، والوظائف الكبرى التى يمكن ان يتقلدها ابناء الجنوب.
اسفرت المفاوضات السياسية بين الزعماء السياسين الشماليين والحكومة المصرية حول مقترح الحكم الذاتى عن اتفاق فى ياناير عام 1953 منح السودان بموجبه حق تقرير المصيرن ولم يشرك فى هذه المفاوضات اى شخص من الجنوب، ولم يخص الجنوب باى ضمانات، فى 12 فبراير 1953 وقعت فى القاهرة اتفاقية بين الحكومتين البيرطانية والمصرية بشأن الحكم الذاتى وتقرير المصير للسودان.
وبالنظر إلى خصوصية وضع الجنوب، وما تعرض له من عزله إبان الحكم البريطانى، طالب الجنوبيون قبل إعلان الاستقلال بالحكم الفيدرالى، والذى وعدوا بأن يتم النظر فيه عند وضع الدستور الدائم للسودان، الا أن اللجنة القومية للدستور التى مارست عملها فى الفترة 1956- 1958، رفضت مطلب " الحكم الفيدرالى" ، وتعللت بتخوفها من أن يشكل ذلك المطلب خطوة نحو انفصال الجنوب عن الشمال ، وكان ذلك بالطبع دليل واضح على فقر خيال السياسيين الشماليين السياسى ، قصر نظرم وعدم جديتهم فى التعامل مع قضايا الوطن و مطالب المواطنيين فى الجنوب ، وتسببهم بذلك فى اشتعال اطول حرب اهلية فى تاريخ العالم ، وفى اكمال المخطط الاستعمارى بإحداث الشرخ الغائر والدامى فى الوجدان الجمعى السودانى و الذى لم يعالج او يندمل ابدا.
الوزارة الوطنية الاولى :
فى اول ياناير 1954 حصل الحزب الاتحادى على اغلبيه 51 مقعدا من مجموع المقاعد وقدرها 97 ، بينما حصل منافسه حزب الامة على 22 مقعدا ، وانتخب السيد اسماعيل الازهرى رئيسا لاول وزارة سودانية وهو السكرتير والرئيس السابق لمؤتمر الخرجيين لعدة سنوات، وهو مؤسس حزب الاشقاء ورئيس الحزب الوطنى الاتحادى.
وشكلت فى 9 ياناير 1954 اول وزارة سودانية من اعضاء الحزب الوطنى الاتحادى.
فى اغسطس 1955 انهت لجنة السودنة أداء مهامها وفى نفس الشهر وافق البرلمان على تقريرها النهائى، نال الجنوب بموجبها (ست وظائف فقط) ، مقابل (ثمانمائية وظيفة) للشمال وفى نقس الشهر حدث التمرد الاول فى الجنوب فى 18 اغسطس 1955 ، تفجرت على إثره حرب أهلية استمرت لسبعة عشر عاماً 1955-1972، ولم تتوقف إلا بعد حصول الجنوب على الحُكم الذاتي إتفاقية أديس أبابا- 1972
اجتمع البرلمان فى التاسع عشر من ديسمبر 1955 ليتناول اقتراحا يرمى لاعلان الاستقلال، فتقدم الاعضاء الجنوبيون بشرط يلزم تحقيقه ثمنا لموافقتهم على الاقتراح، هو قيام نظام فدرالى للحكم، يساير روح مؤتمر جوبا، ولقد قبل الزعماء الشماليين هذا المطلب ، لكنهم كما اتضح بعد ذلك لم يكونوا جادين فى ذلك، ولقد قبل طلب الجنوبيين عند نظر اقتراح الاستفلال، كما قال زعيم المعارضه آنذاك السيد محمد احمد محجوب، لارضاء الجنوبيين، وحملهم على تاييد قرار الاستقلال ، وهذا يعنى فى المحصلة ان السياسيين الشماليين خدعوا السياسيين الجنوبيين وحنثوا بوعدهم ووضعوا حجر اساس لعدم الثقة الذى اشتد وقوى مع الايام ومن خلال سلوك مختلف الحكومات وانتهى الامر اخيرا بالانفصال الكامل يوم السبت التاسع من يوليو 2011.
ماهى الفيدرالية ، و ما الذى اخاف سياسى الغفلة منها ؟
الاتحادية أو الفدرالية (أو الفيدرالية) شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسمة دستوريا بين حكومة مركزية (أو حكومة فيدرالية او اتحادية) وووحدات حكومية أصغر (الأقاليم، الولايات)، ويكون كلا المستويين المذكورين من الحكومة معتمد أحدهما على الآخر وتتقاسمان السيادة في الدولة.
و هي واحدة من أهم أنواع أشكال الحكم على امتداد العالم أجمع؛ إذ إنّ السلطات في الدولة الّتي تتّبع هذا النظام في الحكم تكون مقسّمة بموجب الدستور إلى حكومة فيدراليّة تتسم بالمركزيّة وإلى حكومات صغيرة لكلّ ولاية من الولايات على حدى، أو لكلّ إقليم من الأقاليم؛ حيث إنّ كلا هذين القسمين يعتمدان على بعضهما البعض، ويتضافران ليحيطا بكافّة مفاصل الدولة.
الفيدراليّة هي نظام حكم منتشر في العالم أجمع؛ فالعديد من دول العالم أجمع تتّبع هذا النوع من أنواع الحكم. ومن أبرز دول العالم التي تتبع هذا النظام النّمسا، والأرجنتين، وأستراليا، والولايات المتّحدة الأمريكيّة، وبلجيكا، والبوسنة، والهرسك، وكندا، والبرازيل، وألمانيا، والهند ،وجزر القمر، وإثيوبيا، وماليزيا وغير هذه الدّول العديد من الدول الأخرى.
و السؤال الهام و الملح هنا ما الذى اخاف السياسيين الشماليين من الفيدرالية وهى نظام جيد و معروف ومنتشر فى الكثير من دول العالم ؟
*صحفى وباحث سودانى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.