أسر الشهداء ولجان المقاومة يؤجلون مليونية السادس من أبريل ويوقعون ميثاقاً اليوم .. لجنة العمل الميداني بقوى الحرية والتغيير تعتذر عن الاحتفال بذكرى ابريل    الشيوعي التهاون في مواجهة الفلول تسبب في تمدد نشاط الثورة المضادة    المالية تنفي دفع الحكومة تعويضات المدمرة كول من أموال الضمان الاجتماعي    الجيش السوداني يستولي على مركز دراسات ووزير الرى يرفض ويصفه ب"التصرف غير المسبوق"    وزارة التجارة السودانية تلغي نظام الوكلاء وتتدخل بشكل مباشر في توزيع الدقيق    الجيش الإسرائيلي يريد تولي إدارة أزمة كورونا    صوت يمني يدعو الحوثيين لإطلاق سراح جميع الأسرى: كورونا لا يستثني أحدا    ترامب يشد من أزر جونسون ويؤكد أنه شخص يقوى على مواجهة كورونا    الكويت تعلن شفاء 4 حالات جديدة من فيروس كورونا    ملك الأردن يوجه بدراسة إمكانية التدرج في استئناف عمل القطاعات الإنتاجية    تحميل المُحوِّل الخاص للوحدة الأولى من مشروع "قرِّي 3"    حميدتي يفتتح مركز العزل الصحي لقوات "الدعم السريع"    ضبط أكثر من (47) كيلو هيروين بولاية البحر الأحمر    اطهر الطاهر يقدم نصائح تتعلق بالحجر الصحي    لجنة المنتخبات تهنئ لاعب الهلال وليد الشعلة    شداد: حديثي حول عمومية المريخ وفق قرار مجلس الإدارة    تجمع المهنيين يرجع عدم الاحتفال بالسادس من أبريل بسبب كورونا    اللجنة العليا للطوارئ تدرس فرض حظر التجوال الكامل    مزارعون بالجزيرة يغلقون أمس الطريق القومي بسبب حرائق القمح    الصحة : ارتفاع حالات الاصابة بكورونا الى 12    منفذ هجوم فرنسا سوداني "طلب من الشرطة أن تقتله عند اعتقاله"    الوراق والكهرمان .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    الرأسمالية الطُفيلية والتكسُّب الرخيص في زمن الأزمات !! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    رسالة من شفت وكنداكة عنوانا (القومة ليك يا وطن) .. بقلم: د. ابوبكر يوسف ابراهيم    الثوار لا ينسون جرائمك او جهلك!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    تفاصيل جديدة حول مصرع وإصابة (5) أشخاص على يد سوداني بفرنسا    السجن والغرامة لشابين واجنبية ضبطت بحوزتهم خمور بلدية    تجار مجهولون يغزون سوق العملة وهجمة شرسة على الدولار    محجوب شريف ، مات مقتولا !وبقي خالدا في ضمير شعبنا، أغنية وراية وسيرة في النضال لأجل الحياة .. بقلم: جابر حسين    وصول جثمان الطبيب السوداني من لندن    على هامش الحدث (25) .. بقلم: عبدالله علقم    عندما تحرك الكوارث والأمراض كوامن الإبداع .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    جائحة الكورونا في أفريقيا جنوب الصحراء والسودان: فرضيات لاتغير استراتيجيات منع الانتشار .. بقلم: د. عمرو محمد عباس محجوب*    سفاه الشيخ لا حلم بعده .. بقلم: د. عادل العفيف مختار    (التوبة) .. هي (الحل)!! .. بقلم: احمد دهب(جدة)    مساجد الخرطوم تكسر حظر التجوال وتقيم صلاة العشاء في جماعة    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    السودان وخارطة الطريق للتعامل مع إسرائيل .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    سامح راشد : أخلاقيات كورونا    الموت في شوارع نيويورك..! .. بقلم: عثمان محمد حسن    أمير تاج السر:أيام العزلة    شذرات مضيئة وكثير منقصات .. بقلم: عواطف عبداللطيف    مقتل 18 تاجراً سودانياً رمياً بالرصاص بدولة افريقيا الوسطى    حكاية .. بقلم: حسن عباس    والي الخرطوم : تنوع السودان عامل لنهضة البلاد    محمد محمد خير :غابت مفردات الأدب الندية والاستشهادات بالكندي وصعد (البل والردم وزط)    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حمى التطبيع .. غزل إسرائيلي وتمنع سوداني خجول .. بقلم: د. خالد التيجاني النور
نشر في سودانيل يوم 30 - 11 - 2018


(1)
عاد إلى الواجهة جدل إمكانية التطبيع بين الخرطوم وتل أبيب إثر زيارة الرئيس التشادي إدريس دبي إتنو المفاجئة إلى إسرائيل منهياً قطيعة بين البلدين دامت 46 عاماً، فقد سارعت وسائل إعلام هناك على تقديم تحليلات لإشارات وردت في ثنايا تصريحات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نوّه فيها بالخطوة التي أقدم فيها رئيس الدولة الأفريقية المسلمة واعتبرها بمثابة فاتحة لمد العلاقات مع دول أخرى في هذه المنطقة من القارة.
(2)
وكان لافتاً تركيز وسائل الإعلام الإسرائيلية على الإشارة للسودان بالإسم، وكثافة تواتر هذه المسألة من قبل تل أبيب تشير إلى أحد احتمالين أولهما أن الأمر لا يعدو أن يكون غزلاً من باب رمي الشباك حول الصيدة القادمة لدولة الكيان الصهيوني، أما الاحتمال الثاني فهو يستبطن ممارسة ضغوط على الخرطوم من خلال رسائل موجهة إلى طرف، أو أطرف بعينها في الحكومة السودانية، قد تكون دخلت في "حوار وتعهدات" ما مع طرف إسرائيلي، ولعل الأخيرة استبطأت خطوة متوقعة من الخرطوم مما دفعها لممارسة هذا الضغط الإعلامي على الخرطوم.
(3)
نأت الحكومة السودانية بنفسها حتى كتابة هذا المقال عن إصدار بيان يتضمن موقف رسمي مكتَب تعليقاً على هذه التسريبات الإسرائيلية، فيما خلا تعليق شفهي لوزير الإعلام وتصريحات خجولة عن حزب المؤتمر الوطني اكتفت بنفي حدوث نقاش في دوائر الحزب حول هذه المسألة، وخلت هذه التصريحات من إعلان أي موقف حاسم رافض لإيحاءات الإعلام الإسرائيلي، واكتفت بتعليقات مبهمة تتجنب الكشف عن حقيقة موقف النظام الحاكم، فيما انطلقت وسائط التواصل الاجتماعي السوداني في تداول محموم حول هذه التطورات لتجدد جدلا قديماً حول جدوى تطبيع العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب، لم تخلو من بعض الأصوات الداعية صراحة لتشجيع هذا المنحى، وسط تحفظ غالب يرفضها لأسباب دينية وقومية وتشكيك في جدواها.
(4)
ويأتي الجدل هذه المرة بعد عام واحد من جدل مماثل رافق رفع قضية العقوبات الأميركية على السودان في أكتوبر من العام الماضي وما إذا كان لحكومة نتنياهو دور فيها، فقد تواترت حينها تقارير في الصحافة الإسرائيلية، قبل ستة أشهر من بدء المفاوضات السرية بين الخرطوم وواشنطن فيما ما يعرف بخطة المسارات الخمسة لرفع العقوبات الأمريكية على السودان، تتحدث عن دور لعبته تل أبيب وذلك بحثها واشنطن على مكافأة الخرطوم بتخفيف الضغوط عليها بعد قطع علاقاتها مع إيران، وتشجيع دول الاتحاد الأوروبي كذلك على تخفيف أعباء الديون التي تثقل كاهل السودان.
(5)
وقد أثارت هذه العروض الإسرائيلية حينها تساؤلات كثيرة حول دوافعها وملابساتها، وكان لافتاً تغاضي الحكومة السودانية الردَّ عليها، ومما أثار التساؤلات حينها أن الجدل لم يأت من تلقاء تل أبيب فحسب، بل إن الخرطوم شهدت أنذاك مواقف سياسية من أطراف مشاركة في الحكومة، تدعو علانية للتطبيع بين السودان وإسرائيل، وكان لافتاً أنها مثار جدل مفتوح في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، مما كسر "التابو" الذي كان يحيط بموقف سوداني صارم من إسرائيل، لم يكن متاحاً فيه ابتداءً ترفُ طرح موضوع للحوار يتعلق بالتصالح مع "الكيان الغاصب"، دعك من أن يكون قفزة إلى حد نقاش مسألة التطبيع.
(6)
ويأتي الغزل من تل أبيب تجاه الخرطوم هذه المرة، وقد بدأت للتو محادثات لإطلاق المرحلة الثانية من الحوار الأمريكي السوداني الهادفة بشكل أساسي إلى شطب إسم السودان من اللائحة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب المدرج فيها منذ العام 1993 بتهمة تقديمها الدعم لمنظمات إرهابية دولية في مطلع التسعينيات حين بدت الخرطوم أكثر ثورية وأممية بعد استيلاء "الحركة الإسلامية السودانية" إلى السلطة في 1989- حيث تحوّلت أنذاك إلى موئل لحركات المقاومة، والكيانات الإسلامية والقومية العربية المناوئة لإسرائيل وللغرب، التي تجمعت تحت مظلة "المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي" الذي أسسه الدكتور حسن الترابي في أعقاب حرب الخليج الثانية، التي انحازت فيها هذه القوى ضد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
(7)
وسرعان ما تبين أن الضغوط الأميركية/الإسرائيلية المتزايدة على السودان لتغيير سلوكه ووجهته بدأ مفعولها في السريان، بعد إضافته للائحة الدول الراعية للإرهاب، فقد سارعت الحكومة السودانية -ذات التوجه الإسلامي- بالتراجع تدريجياً عن تبني "النهج الثوري"، وعن التطلع للعب دوري قيادي ل"أممية إسلامية" بالتحالف مع "القوميين العرب"، وسرعان ما أدركت أن تلك مغامرة ستقودها إلى مواجهة غير متكافئة مع الغرب وحلفائه في المنطقة، كما وعت أن الحفاظ على السلطة يقتضي التعامل ب"عقلانية" مع حقائق موازين القوى الدولية، بعيداً عن الشعارات الحماسية. وهكذا بدأت الخرطوم في تقديم عروض لنسج نهج علاقات جديدة مع الغرب.
(8)
وإثر تطور آخر بدأ ظهور تحوّل في الموقف الإسرائيلي تجاه السودان بعد أسابيع قليلة من قطع الخرطوم لعلاقاتها الدبلوماسية مع طهران في 4 يناير 2016، في إطار انتقال محوري في سياسات السودان الخارجية بدأ في سبتمبر 2014 بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية -بعد أكثر من عشرين عاماً من وجودها- بدعوى نشرها للمذهب الشيعي، ثم ما لبث أن أعلن الرئيس عمر البشير انخراط الجيش السوداني في تحالف عاصمة الحزم في مارس 2015.
(9)
وكانت صحيفة هآرتس الإسرائيلية – كشفت في تقرير لها يوم 26 يناير 2016- أن مسؤولين كبار في الخارجية الإسرائيلية أبلغوا توماس شانون (وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية آنذاك) في محادثات أجراها في تل أبيب ضرورة تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والسودان، وعزوا ذلك إلى أهمية مكافأة الخرطوم على قطعها علاقاتها مع طهران، ولفتوا إلى أن تهريب السلاح إلى غزة قد توقف منذ بدء التدهور في علاقاتهما، وكذلك برروا مكافأة السودان بانضمامه إلى معسكر "الاعتدال العربي"، وكان لافتا طلب المسؤولين الإسرائيليين من شانون أن تقدم بلاده حافزاً للسودان بالاستجابة لطلبه الملحّ بشطبه من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.
(10)
ومع الإشارة إلى أن السودان أصبح -منذ عام 2002- جزءاً من الموقف العربي الرسمي الذي تبنى المبادرة السعودية للتطبيع والسلام مقابل إقامة دولة فلسطينية في حدود عام 1967، وهو ما يعني أنه مستعدّ نظرياً للتطبيع مع إسرائيل في إطار موقف عربي جماعي، وما من شئ يؤخر حدوثها إلا تعنت إسرائيل في القبول بمعادلة الأرض مقابل السلام، إلا أنه مع ذلك ستكون خطوة باهظة الثمن لنظام الحكم في السودان الذي يؤسس مشروعية سلطته على شعارات الإسلام السياسي المناوئة للكيان الصهيوني.
(11)
بيد أن المسألة الأكثر أهمية في حسابات السياسة والمصالح الوطنية تنصب حول ما الذي يمكن أن يجنيه السودان من مثل هذه العلاقة، خاصة في ظل اكتساب المطالبين بالتطبيع مع إسرائيل مواقع قدم جديدة في السودان لا سيما، وللمفارقة، وسط عدد مقدر من "الإسلاميين" الذين باتوا لا يرون حرجاً ليس في التساؤل أو النقاش حول المسألة بل أخذوا يدعون علانية، أو بالأحرى يدفعون بإتجاه التطبيع مع الذي كان "عدوا عقدياً" بالأمس، وهو إتجاه يجد له سنداً في تراجع الارتباط بين الحركة الإسلامية السودانية ونظيرتها الفلسطينية حماس، لدرجة تجنب دعوة قادتها للمشاركة في مؤتمر الحركة الإسلامية الذي انعقد الشهر الماضي، بعد أن كان قادة المقاومة نجوم منابرها.
(12)
هذا التحول "الدرامي" في أوساط بعض دعاة "الإسلام السياسي" من الموقف المبدئي تجاه الاحتلال الصهيوني، إلى الرجاء في أن تمنح "إسرائيل" قبلة الحياة لنظام الحركة الإسلامية الطامع في نيل رضاء "عواصم القرار الدولي" لا يخلو من تهافت، ربما لم يكن هناك ما يشين لو كانت هذا التحول نتيجة تطور طبيعي ونضوج عميق في الفكرة والرؤية، ولكنه في واقع الأمر لا يعدو أن يكون نوع من "الانتهازية السياسية" لكسب وقت إضافي في مقاعد السلطة، وبعض من السذاجة في فهم آليات السياسة الدولية، فالدول المطبّعة مع الكيان الصهيوني على نحو أو آخر لم تنجو بذلك من غوائل الصراعات والضغوط ودفع ثمن باهظ، كما أن الانخراط في المشروع الأمريكي في حربه ضد الإرهاب، نحو ما فعل السودان منذ العام 2001 لم يجد عنه فتيلاً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.