الشرطة: المواطن المقتول بابوسعد قاوم تنفيذ أمر قبض    تدابير لمعالجة قطوعات الكهرباء لإنجاح الموسم الزراعي بمشروع الرهد    زيادة المساحات المزروعة بجنوب دارفور بنسبة 40%    15 مليون جنيه خسائر بمكاتب زراعة الخرطوم    والي الجزيرة: أمن المواطن خط أحمر    صبير يقف على صيانةطريق مدني- سنار    45 جنيهاً سعر شراء الدولار اليوم الثلاثاء    اهتمام اللجنة الاقتصادية بالعسكري بنهضة مشروع الجزيرة    البرهان يعود للبلاد قادماً من تشاد    رئيس اللجنة الاجتماعية ب"العسكري" يتعهد بصيانة دار "العجزة "    الزراعة تدشن نثر بذور أشجار المراعي بالنيل الأزرق    السلطات المصرية ترفض دفن مرسي بمسقط رأسه    فضيحة في حمامات النساء بمدمرة للبحرية الأميركية    ياسر عرمان: لسنا في جيب الأمارات ولن نعاديها    الغارديان: كيف يمكن مساعدة مضطهدي السودان في ثورتهم؟    قيادي بالمؤتمر الشعبي: قوش هو من قاد الانقلاب على البشير    أدبنا العربيّ في حضارة الغرب .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    النيابة المصرية تكشف تفاصيل وفاة الرئيس مرسي    وفاة الرئيس مرسي خلال جلسة محاكمته    1700 دولار سعر السمسم السوداني بالأسواق العالمية    مبادرة من "المهن الموسيقية" للمجلس العسكري    وكيل المعادن يزور ولايتي شمال وجنوب كردفان    الحوثيون يعلنون شن هجوم جديد على مطار أبها    اتحاد الكرة يصدر برمجة نهائية للدوري    للتذكير، التعبير عن الرأي مسؤولية ضمير .. بقلم: مصطفى منبغ/الخرطوم    الأندلس المفقود .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    أين يعيش الطيب مصطفى . . ؟ .. بقلم: الطيب الزين    مقتل (16) في تفجيرين لحركة الشباب بكينيا والصومال    عصيان وشهداء في الخرطوم وأم درمان .. بقلم: مصطفى منيغ/الخرطوم    عازة .. بقلم: سابل سلاطين – واشنطون    من الجزائر والسودان إلى هونغ كونغ وتيانانمين .. بقلم: مالك التريكي/كاتب تونسي    وفاة (3) أشخاص دهساً في حادث بمدينة أم درمان    تحديد موعد إنطلاق الدوري الإنجليزي    النفط يصعد بسبب المخاوف حول إمدادات الشرق الأوسط    أساطير البرازيل يرفعون الحصانة عن نيمار    اختراق علمي: تحويل جميع فصائل الدم إلى فصيلة واحدة    وفاة 5 أشخاص من أسرة واحدة في حادث مرور بكوبري حنتوب    ارتفاع الدهون الثلاثية يهدد بأزمة قلبية    البرتغال في القمة.. أول منتخب يحرز لقب دوري الأمم الأوروبية لكرة القدم    الصحة: 61 حالة وفاة بالعاصمة والولايات جراء الأحداث الأخيرة    61 قتيل الحصيلة الرسمية لضحايا فض الاعتصام والنيابة تبدأ التحقيق    رأي الدين في شماتة عبد الحي يوسف في الاعتصام .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    ليه مالُم؟ ما شعب وقاعد.. حارس الثورة! .. بقلم: احمد ابنعوف    عيدية حميدتي وبرهان لشعب السودان .. بقلم: الطيب محمد جاده    الثورة مقاسا مفصل... جبة ومركوب... ما بوت .. بقلم: احمد ابنعوف    دا الزيت فيما يختص بحميدتي .. بقلم: عبد العزيز بركة ساكن    الصادق المهدي والفريق عبدالخالق في فضائية "الشروق" في أيام العيد    تعميم من المكتب الصحفي للشرطة    الشرطة تقر بمقتل مواطن على يد أحد ضباطها    السودان يطلب مهلة لتسمية ممثليه في "سيكافا"        "الشروق" تكمل بث حلقات يوميات "فضيل"        نقل عدوى الأيدز لحوالى 700 مريض أغلبهم أطفال بباكستان    فنان ملخبط ...!    العلمانية والأسئلة البسيطة    الآن جاءوا ليحدثونا عن الإسلام    أمير تاج السر: الكذب الإبداعي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





"أولاد الريف" في دارفور: ملمح للتواصل الشعبي بين السودان ومصر .. بقلم: عمار محمد محمود
نشر في سودانيل يوم 18 - 01 - 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
من يزر مدينة الفاشر، الحاضرة التاريخية لإقليم دارفور في غرب السودان، يجد أن من بين ضواحيها وأحيائها ضاحيةً تُسمى "حي أولاد الريف". وأولاد الريف أو "الريّافة" هم مكوّن من المكوّنات السكانية والإجتماعية التي ارتبطت بالمدينة وتفاعلت مع مجتمعها المحلي منذ أكثر من قرن من الزمان وأصبحت جزءً من فسيفساء النسيج الاجتماعي والثقافي لدارفور بوجه عام ومدينة الفاشر بشكل أخص.
قد لا يعلم الكثيرون أن جذور "أولاد الريف" تعود إلى مصر، وأن وجودهم بدارفور هو دليل إضافي على عمق التواصل والإرتباط الشعبي بين شطري وداي النيل!
(2)
وفد "أولاد الريف" إلى دارفور من خلال طريقتين:
الطريقة الأولى عبر التجارة؛ فقد ارتبطت دارفور سابقاً بمصر عن طريق التبادلات التجارية لعدة قرون، وكان "درب الأربعين" هو الطريق الذي تعبره القوافل التجارية، وهو طريق يبدأ جنوباً في منطقة "كوبي" بالقرب من الفاشر في دارفور وينتهي بمدينة "أسيوط" كبرى مدن صعيد مصر، وسُمّي هذا الطريق بدرب الأربعين لأن القوافل كانت تستغرق أربعين يوماً لتبلغ وجهتها ذهاباً أو إياباً، وقد شكّلت دارفور في تلك الحقبة حلقة الوصل التجارية والثقافية بين مصر، ليبيا وتونس شمالاً والممالك والسلطنات في وسط وغرب أفريقيا، وتمثّلت أبرز صادراتها إلى أسيوط في الإبل والماشية والعسل وريش النعام وسن الفيل والعاج.. وغيرها، ووارداتها في الأقمشة والسجاد والأواني المعدنية، والتي يتم بيعها في دارفور أو يُعاد تصديرها للممالك والسلطنات المذكورة.
فضلاً عن ذلك، فقد كان سلاطين دارفور يبعثون بمحمل يحتوي على مواد عينية من الإقليم لأسواق أسيوط لبيعها ووهب ثمنها نقداً لخدمة الحرمين الشريفين في شكل كسوة للكعبة ودفع مرتبات الأئمة وحفظة القرآن ومن يقومون بخدمة الحرمين في مكة والمدينة.. هذا التفاعل والتواصل التجاري بين دارفور وصعيد مصر دفع ببعض أبناء صعيد مصر للقدوم إلى دارفور والاستقرار فيها بغرض ممارسة التجارة، وقد شكّل هؤلاء بعض "أولاد الريف"، فالريف المقصود هو الريف المصري.
الطريقة الثانية هي أن عدد كبير من "أولاد الريف" في دارفور هم في الواقع من الجنود الذين كانوا يخدمون في مدينة الفاشر عندما استسلمت لحكم المهدية في العام 1884م، فقد فضّل أولئك الجنود البقاء في دارفور والإقتران بزوجات من نساء المنطقة وممارسة بعض المهن التي كانوا يجيدونها من قبل والتي كان الطلب على خدماتها كبيراً ،سيما في مدينة الفاشر، كالنجارة والحدادة والزراعة والبناء وحفر الآبار، وبنوا منازلاً من الطين كانت تماثل بيوت الفلاحين في صعيد مصر، وبعد وصول السلطان علي دينار لحكم دارفور استعان بمقاولين من "أولاد الريف" ضمن من قاموا بتشييد "قصر السلطان علي دينار" في المدينة، وهو المقر الذي كان يتخذه لإدارة شئون سلطنته، ويُعد هذا القصر من أهم المعالم التاريخية والمعمارية بالمدينة، وقد تحوّل حالياً لمتحف يحوي بعض موروث سلطنة دارفور ومقتنيات السلطان دينار الذي حكم الاقليم بين عامي 1891 و1916م.
كما برع "أولاد الريف" أيضاً في الزراعة متخذين قديماً من ضفاف البحيرة الموسمية لمدينة الفاشر (الرهد) مزارعاً لإنتاج الخضروات والبقول، وقد أدخلوا لأول مرة في دارفور نظام الزراعة عن طريق الأحواض الزراعية، وهو نظام خبروه في صعيد مصير، وظلت هذه الأحواض ترفد بمنتجاتها مدينة الفاشر والمناطق القريبة لسنوات عديدة.
إلى جانب ذلك، فإن السلطان علي دينار حينما قرر وضع عملة لدارفور وظّف حدادين من "أولاد الريف" لصك عملته التي كانت تُسمى بال "رضينا"، وهي عملة معدنية من النحاس والفضة والصفيح أُستخدمت للتداول في المعاملات التجارية.
(3)
حالياً يبلغ تعداد "أولاد الريف" في دارفور حوالى الأربعين أسرة كبيرة يتوزع أفرادها بين مختلف المهن والحرف، فمنهم الأطباء والمهندسين والمدرّسين ومقاولي البناء، كما اشتهرت بعض هذه الأسر في مجال القضاء والعلم الشرعي، كأسرة حجر، أو التعليم والطرق الصوفية، مثل أسرة البنجاوي في الفاشر "نسبةً إلى قرية بنجا في سوهاج".
وقد إنصهر "أولاد الريف" إجتماعياً وثقافياً في مجتمع دارفور المعروف بتسامحه وقبوله للآخر، وذابت هويتهم في النسيج الكبير للإقليم حتى أصبح من العسير تمييزهم عن بقية سكان المنطقة، ولا يجد المرء دلالة على جذورهم إلا في أسماء تُطلق أحياناً على بعض الفتيات والتي تشبه أسماء النساء في صعيد مصر، مثل شفيقة، ناريمان، خضرة.. وما إلى ذلك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.