وزارة الصحة: (215) إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجد، وتسجيل (19) وفاة    في نصف قرن مع منصور خالد .. بقلم: فاروق عبد الرحمن عيسى/ دبلوماسي سابق/ لندن    كيف واجهت مؤسسة الطب السوداني اول وباء لمرض الايبولا (1976) الموت تحت ظلال الغابات الاستوائية .. ترجمة واعداد/ بروفيسور عوض محمد احمد    مسألة في البلاغة: تجري الرياحُ بما لا تشتهي السّفُنُ .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    حريّة سلام وعدالة: ساحة القيادة "الطّامة" .. ليلة الخِسّة، الغدر، الخيانة، وعار البّزة العسكرية السودانيّة .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن    فض الإعتصام: ليس من رأى كمن سمع!! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله    سر اللاهوت والناسوت في النفس البشرية (دكتور علي بلدو نموذجا) .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    قرارت مرتقبة لتنظيم عمل المخابز بالخرطوم تتضمن عقوبات صارمة    ترامب لا يحمي الأمريكيين.. لكن السوريين ممكن! .. بقلم: د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب صحفي مصري    قصة قصيرة: صدفة نافرة .. بقلم: د. عمر عباس الطيب    الزكاة .. بقلم: الطيب النقر    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    تفشى فيروس كرونا كمؤشر جديد لانهيار النظام الاقتصادى الراسمالى العالمى .. بقلم: د. صبرى محمد خليل/ استاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم    إيقاف مشروع تقنية الحشرة العقيمة جريمة كبرى .. بقلم: د.هجو إدريس محمد    غضبة الفهد الأسود .. بقلم: إسماعيل عبد الله    الإسلام دين ودولة .. بقلم: الطيب النقر    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    رسالة لوزير الصحة الاتحادي .. بقلم: إسماعيل الشريف/تكساس    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





العلمانية .. اشكالية مفهوم ام مصطلح؟! .. بقلم: سمير محمد علي
نشر في سودانيل يوم 17 - 12 - 2019

من اشكاليات الصراع السياسي في السودان: ان الإيديولوجيا تعلو فوق فكرة الوطن، وفشل النخب السياسية في تكييف فكرها نزولاً الي ارضية وطنية مشتركة، ونزوعها الدائم لإخضاع الوطن الي فكرتها، فضلاً عن عجزها مقارعة الفكر بالفكر ولجؤها الي الخطاب العاطفي الهتافي، مما حول صراع الفكرة الي صراع المصطلح. فمثلا رغم تعدد الرؤي واتساعها حول مفهوم العلمانية في ادبيات الفكر السياسي الراهن بين تضادها مع الدين في جانب واتفاقها معه في الجانب الاخر، الا انها اُختُزِلت في معناها الاصطلاحي الضيق كمفهوم مضاد للدين ليصبح المصطلح نفسه اشكالية وبات احد اسلحة الصراع الأيديولوجي بين اليمين واليسار، ويصبح هذا السلاح اكثر فعالية عند ربطه بالإلحاد وجعله كأحد اوجهه.
رؤي متعددة حول مفهوم العلمانية
مفهوم العَلمانية نشأ في الغرب كنتيجة للصراع بين رجال الدين ورواد الفكر. والمقابل للعَلمانية في اللغة الانجليزية هو المصطلح (Secularism) وحسب قاموس The Merriam-Webster [1] استخدم هذا المصطلح لأول مرة في العام 1851م بالتعريف التالي:
"indifference to or rejection or exclusion of religion and religious considerations"
ويورد نفس القاموس تعريف اخر لنفس المصطلح كما يلي:
"the belief that religion should not play a role in government, education, or other public parts of society".
واورد الشيخ يوسف القرضاوي في [2] "ان الترجمة الصحيحة لكلمة العلمانية Secularism) ) بالإنجليزية او (Laique) بالفرنسية هي : هو ما لا صلة له بالدين او ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد". ويري القرضاوي "ان العلمانية بضاعة غريبة لم تنبت في ارضنا ولا تستقيم مع عقائدنا ومسلماتنا الفكرية". ويقول المفكر الاسلامي محمد عمارة "العلمانية عدوان علي العقيدة الاسلامية كما انها عزل لشريعة الاسلام عن عرش التدبير لحياة الناس". ويقول في وصف العلاقة بين الدين والدولة [3] " للدين مدخل في الدولة لكنه لا يرقي مستوي الوحدة، كما ان علاقتهما لا تنزل الي مستوي الفصل بينهما وانما هو التمييز بين الدين والدولة، فالتمييز هو المصطلح الاصح الادق للتعبير عن نوع هذه العلاقة بينهما". وواضح هنا ان القرضاوي يجعل ان العلمانية لا تستقيم مع الدين كما يراها محمد عمارة عدوان علي العقيدة الاسلامية في حين يري ان علاقة الدين بالدولة علاقة "تمييز" وليس "فصل". فإذاً العلمانية لدي كل من القرضاوي ومحمد عمارة تنحصر في مفهومها المضاد للدين.
من جانب اخر يقول المفكر محمد اركون "ان العلمنة بالنسبة لي هي موقف للروح وهي تناضل من اجل امتلاك الحقيقة والتوصل الي الحقيقة". أي ان العلمانية عند اركون موقف روحي او فكري وليست مسالة تتعلق حصرا علي فصل الظاهرة الدينية عن الحداثة السياسية [4]. ويري اركون ان العلمانية ستعانق الحرية وتحارب كل شكل من اشكال العنف والاقصاء او المحو. وهذه رؤية اكثر شمولا للعلمانية. "فالعلمنة عند اركون ترتبط بأنسنة الدين والسياسة معا، في اعادة تشكيل العلاقة بينهما، وارسائها على المبادئ والاسس الانسانية القائمة على الحرية والعقلانية" [4].
و يري المفكر ناصيف نصار ان العلمانية عنوانا لرقي الثقافة السياسية والدينية وهي تعبر عن نفسها في ثلاث اشكال [5]:
 العلمانية السياسية: وهي ضمن المعنى الضيق للعلمانية، وتعني فصل الدين عن الدولة، أي تحررها من هيمنته والاستقلال عنه. وهذا الاستقلال هو ما عبرت الكنيسة عن تقبله استناداً إلى القولة الإنجيلية المشهورة القائمة على دعوة المسيح للتمييز بين ما لقيصر، وبين ما لله.
 والعلمانية التنويرية: التي يصفها ناصيف نصار بالعلمانية الموسعة، لأنّها لم تحصر اهتمامها بالعلاقة بين الدين والسياسة، بل تعدته إلى التفكير في علاقة الدين بالحقيقة.
 والعلمانية الليبرالية الديمقراطية. يقول ناصيف نصار أنّ المجتمع العلماني "يضع الأساس للديموقراطية حتى تضمن للدين، كدين للخلاص، حقه في الوجود وحريته في الحياة، ولأعضائه كمؤمنين، حريتهم الدينية التامة "
العلمانية عند عبد الوهاب المسيري علمانيتان جزئية وشاملة :[6]
 الجزئية وهي كما يري المسيري " ... رؤية جزئية للواقع لا تتعامل مع ابعاده الكلية والنهائية ومن ثم لا تتسم بالشمول وتذهب هذه الرؤية الي وجوب فصل الدين عن عالم السياسة وربما الاقتصاد وهو ما يعبر عنه بعبارة (فصل الدين عن الدولة) ...".
 العلمانية الشاملة وهي " ... رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين بالمطلقات الماورائية بكل مجالات الحياة."
ويختلف المفكر السوداني محمد او القاسم حاج حمد مع مفهوم العلمانية التي تنفي الدين وتجعل الدولة مضادة للدين لأنه يري ان الدين الاسلامي لا يفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي. ولكنه لا يرفض العلمانية كممارسة تتيح تعدد مصادر السلطة والمشروعية لضمان الحريات والحقوق [7].
ومن جانب اخر يري المفكر السوداني عبد الله النعيم "أن تطبيق الدولة للشريعة كقوانين وسياسة رسمية هي فكرة مختلة مفهومياً ومستحدثة"، وأن مجال الشريعة الإسلامية تكون في إطار المجتمع، وليس في أجهزة الدولة السياسية والتشريعية. ويعتقد ان العلمانية مفهوم اصيل في تراثنا وتجربتنا التاريخية مشترطا أن تُفهم العلمانية بأنها تجربة كل مجتمع في موازنة العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع. كما يري ان مفهوم "الدولة الإسلامية" مفهوم متناقض، لأنه لا يمكن أن تكون الدولة إسلامية، لأن الدولة مؤسسة سياسية لا تقوم على المعتقد، ولا يجب أن يكون لها معتقد، وإنما المعتقد يكون لدى القائمين على الدولة [8].
فالعلمانية عند محمد اركون وناصيف نصار وعبد الوهاب المسيري ومحمد ابو القاسم حاج حمد في معناها الاعمق والشامل بعيدا عن مفهوم فصل الدين والدولة، لا تتنافي مع الدين بل ان نصار يري ان العلمانية في معناها الليبرالي تحقق للدين حقه في الوجود وحريته في الحياة. بينما يري عبد الله النعيم ان العلمانية مفهوم اسلامي اصيل.
مما تقدم اعلاه يتضح ان هنالك خلاف واسع في تناول مفهوم العلمانية بين مفكري العالم العربي والاسلامي فبينما وقف البعض عند مفهوم العلمانية القاضي بفصل الدين عن الدولة، بل منهم من جعل العلمانية مرادف للإلحاد، ذهب البعض الاخر الي مفهوم فلسفي شامل للعلاقة بين الدين والدولة وعدم انتفاء الدين مع العلمانية.
والجدير بالتوقف عنده رؤية المفكر الاسلامي محمد عمارة في ان جعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة "تمييز" وليس علاقة "فصل" واورد الادلة التالية للاستشهاد فيما ذهب اليه، ولكنها في اعتقادي توضح بجلاء ان الرسول (ص) قد "فصل" بين ما هو ديني وما هو دنيوي في بعض الممارسات على الواقع العملي [3]:
 ان صحابة الرسول (ص) كانوا يسألونه لإبداء رايه في كثير من المواقف بالسؤال: "يا رسول الله، اهو الوحي؟ ام انه الراي والمشورة؟" فان قال لهم: انه الوحي، كان منهم السمع والطاعة، واسلام الوجه لله، لأنه الدين الخالص والبلاغ عن الله. وان قال لهم: انه الراي، كانت منهم الشوري، والاخذ والرد، والنقد والتصويب، لأنها السياسة والدنيا. (وهذا فصل بين ما هوي ديني وما هو دنيوي).
 في غزوة بدر وبعد ان عسكر الرسول (ص) بجيش المسلمين استعدادا للقتال، سأله المسلمون بلسان الصحابي الحباب بن المنذر عن طبيعة قراره هذا؟ هل هو دين فله الطاعة والتسليم ام هو سياسة وراي فيخضع للشوري والبحث والتعديل؟ سأله الحباب بن المنذر: "يا رسول الله: أراءيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله، فليس لنا ان نتقدم او نتأخر عنه؟ ام هو الراي والحرب والمكيدة؟" فقال (ص): "بل هو الراي والحرب والمكيدة". فقال الحباب: " ان هذا ليس لك بمنزل، فانهض بنا حتي نأتي ادني ماء من القوم فننزله، ونغور ما وراءه من القُلب ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء، فنشرب ولا يشربون". فاستحسن الرسول (ص) راي الحباب وفعله. (اوضح الرسول (ص) لأصحابه ان الامر ليس امر دين حتي يتناقشوا في الامر كمسالة تحتاج لراي وحنكة بعيدا عن الدين).
 وفي غزوة الخندق عندما اشتد الامر علي المسلمين في المدينة المحاصرة، سعي الرسول (ص) الي عقد معاهدة مع قادة غطفان واهل نجد، يتخلون بموجبها عن حلفهم مع قريش، ويفكون حصارهم عن المدينة لقاء حصولهم علي ثلث ثمار المدينة. وبعد ان تمت المفاوضات واعد مشروع المعاهدة وقبل توقيعه، استشار الرسول (ص) قائدي الانصار: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فدار بينهم هذا الحوار الذي بدأه سعد بن معاذ: "أهذا امر تحبه فنصنعه لك؟ ام شيء امرك الله به فنسمع ونطيع؟ او امر تصنعه لنا؟ فقال رسول الله (ص): "بل امر اصنعه لكم. والله ما صنعته الا لأنني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة". فقال معاذ: "والله لقد كنا وهؤلاء القوم علي الشرك بالله وعبادة الاوثان. وما طمعوا قط ان ينالوا منا ثمرة الا بشراء او قرِى. فحين الله اكرمنا بالإسلام وهدانا له واعزنا بك، نعطيهم اموالنا؟ والله لا نعطيهم الا السيف حتي يحكم الله بيننا وبينهم". فنزل الرسول مسرورا علي راي اصحابه وعدل عن الراي الذي كان قد ارتاه وقال لقادة غطفان ونجد: "انصرفوا فليس لكم عندنا الا السيف". وتناول الصحيفة ومحاها (تخلي عن مشروع المعاهدة نزولا علي راي اصحابه لان الامر دنيوي وليس امر دين وهذا فصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي).
 كانت تعرض علي الرسول (ص) المنازعات، فيستوضح البينات، ويستوفي الايمان، ثم يقضي بالراي لا بالوحي الديني، الذي لا ينطق فيه عن الهوي. لذلك فقد تحدث الي الصحابة منبها لهم ان قضاءه ليس وحياً حتي يصادف الصواب مهما خفي فقال: "انكم تختصمون الي ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض، وانما اقضي له بما يقول. فانا بشر اقضي له علي نحو ما اسمع، فمن قضيت له بشيء من حق اخيه بقوله، فأظنه صادقاً، فإنما اقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها ". (وهنا يوضح الرسول (ص) ان قضاءه في المنازعات بين اصحابه تقدير بشري وفق الحيثيات المتوفرة وليس وحيا حتي لا يخلط الناس بين ما هو وحي وما هو تقدير بشري).
 وقصة الرسول (ص) تأبير نخل المدينة، فبعد هجرته الي المدينة وجد اهلها يلقحون نخلها، فقال: "ما يصنع هؤلاء؟" قالوا: "يأخذون من الذكر فيجعلونه في الانثى". قال: "ما اظن ذلك يغني شيئاً". فبلغهم فتركوه، فصار الثمر شيصاً. فلما راجعوه في الامر، قال: "انما هو الظن، ان كان يغني شيئا فاصنعوه، فإنما انا بشر مثلكم، وان الظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله، فلن اكذب علي الله، فان كان من امر دينكم فالي، وان كان شأناً من امر دنياكم فشأنكم به. انتم اعلم بأمر دنياكم". (وهنا ايضا فصل في تناول ما هو ديني وما هو امر مرتبط بالخبرة والعلم الدنيوي).
 روي عن الرسول (ص) انه كان اذا امّر اميرا علي جيش او سرية اوصاه: "اذا حاصرت اهل حصن، فأرادوك ان تنزلهم علي حكم الله فلا تنزلهم علي حكم الله، ولكن انزلهم علي حكمك، فانك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم ام لا؟". وهنا فصل بين احكام الله القطعية وبين حكم الناس وسياستهم. والحديث مهم حتي لا يضفي البشر قدسية الهية دينية علي احكامهم الاجتهادية ويقفل الباب علي من يستغلون قدسية الدين في تحقيق أي مكاسب سياسية او اقتصادية او اجتماعية او غيرها من خلال اكساب الاجتهادات البشرية صفة القداسة وتصويرها وكأنها احكام الهية [3].
الامثلة اعلاه من السيرة النبوية والتي اوردها المفكر الاسلامي محمد عمارة في [3] كأدلة لتمييز الديني عن الدنيوي، الا انها تفصل بينهما وتوضح بجلاء ان هنالك ما هو ديني واجب الاتباع وما هو دنيوي مثل كثير من شئون السياسة والحكم والمجتمع والاقتصاد والزراعة والتخطيط والتعليم وكل ما لم تنزل فيه احكام الله تعالي القطعية وهذه خاضعة لإعمال العقل والتجربة الانسانية استهداءً بمقاصد الدين الكلية.
مفهوم الدولة المدنية
المدنية هي المفردة التي نستخدمها لتعبر عما هو حضري او كمقابل لما هو عسكري فنقول "خدمة مدنية" او "مجتمع مدني" كما يتم استخدام مصطلح "دولة المدنية" ايضا كمقابل "للدولة الثيوقراطية"، فالمدنية عند محمد عمارة مثلاً تعني انتفاء الكهانة والثيوقراطية ((Theocracy عن طبيعة الدولة والسياسة في الاسلام، ولا تعني العلمانية التي تفصل الدولة عن الدين [3]. اما مصطلح الدولة المدنية الدال علي مفهوم سياسي للدولة فلم يكن متداولا في ادبيات السياسة او القاموس السياسي كما هو الحال بالنسبة لمصطلح العلمانية، ولكنه بدأ يتبلور حديثا ويتخذ موقعة كمصطلح سياسي له مدلول محدد في الاوساط العربية. وقد نشأ هذا المفهوم كحل توفيقي بين الدولة العلمانية في مفهومها المتطرف التي تفصل الدين عن الدولة ومفهوم الدولة الدينية. وكان للفكر السوداني قصب السبق في بلورة هذا المفهوم من خلال اطروحات الاستاذ محمد ابراهيم نقد.
فالدولة المدنية وفق مفهومها السياسي هي تلك الدولة التي تحترم الأديان ، ويتم فيها فصل السلطات وتداول السلطة سلمياً وبصورة ديمقراطية والقبول بالتعايش والتنوّع والتعدّدية واحترام حقوق وحريات الأفراد والمجموعات الثقافية، حتى لا يتغوّل أحد على الآخر بسبب معتقده، سواء كان في السلطة أو خارجها، ووجود مؤسسات حامية وضامنة للتطوّر في إطار احترام حقوق الإنسان [9].
الدين كأحد ادوات الصراع
يتفق اهل السنة ان الدولة الاسلامية لا قدسية فيها لرجال الدين ولا سلطة لهم باسم الدين، الا ان واقعنا السوداني يحفل بشواهد تدحض ذلك، وقد كان الدين حاضرا في الصراع السياسي السوداني وكوسيلة للكسب في مختلف الاوجه. فقدسية الدين في المجتمع السوداني تجعل منه عامل ذو تأثير فعال في الصراع سياسيا كان او غيره. فاستغلال الدين لتحقيق مكاسب أياً كانت احد عوامل تخلفنا السياسي كما تبين الامثلة التالية:
 كان من المؤمل ان تفضي تجربة مؤتمر الخريجين والذي تكون في العام 1938م الي احزاب سياسية ذات رؤي حداثية وبناء ديمقراطي بعيدا عن الطائفية ولكنها فشلت في ذلك وارتمي مثقفوها في احضان الطائفية التي تملك قواعد تقدس زعاماتها الدينية ولا تعصي لها امرا. فادراك هذه الزعامات الطائفية لقوتها النابعة من مكانتها الدينية وسط العامة، عمدت الي استمالة مثقفي مؤتمر الخريجين الي حظيرتها الطائفية مستندة الي كيانها الديني الكبير. بالتالي ارتبط وجود اكبر الاحزاب السودانية وهيمنتها علي الساحة السياسية السودانية لعقود طويلة علي كيانات دينية تدين بالولاء التام لزعيم الطائفة الدينية وتأتمر بأمره في أي استحقاق سياسي او وطني مما افرغ العملية الديمقراطية في السودان من مضمونها وقد ساهم المثقفون في ذلك. واصبحت الديمقراطية لدي هذه الاحزاب مجرد شعار لا يلامس واقعها.
 دأبت احزاب اليمين في السودان علي استخدام الدين واثارة المشاعر الدينية في صراعها السياسي مع قوي اليسار مستغلة في ذلك حساسية العامل الديني لدي اغلب اهل السودان. واوضح مثال لذلك حادثة حل الحزب الشيوعي السوداني وطرده من برلمان الديمقراطية الثانية في العام 1965م مما اضر بالممارسة الديمقراطية في السودان كثيراً.
 في حادثة اسوأ من حادثة الحزب الشيوعي وتوضح بجلاء استخدام الدين في الصراع السياسي، تمكن الاسلام السياسي في السودان باستخدام الدين من استمالة نظام مايو والايعاز لرئيسه بانه حامل لواء الاسلام ومن ثم استغلاله في التخلص من الحزب الجمهوري الي حين، ذلك بإعدام زعيم الحزب وتشريد عضويته.
 استغل الاسلام السياسي في السودان الدين لمكاسب اقتصادية وسياسية. حيث تم استغلال الدين في انشاء مؤسسات ظاهرها خيري او دعوي او اجتماعي ولكن باطنها يئن من اثقال الفساد. كما وفر الاسلام السياسي في فترة سيطرته المطلقة علي الحكم (1989 – 2019م) المنابر لمؤسسات دينية اصبحت لها سلطات ونفوذ، واتخذها كمرجعية دينية لنظامه، تقدم له المشورة والتبرير الديني لممارساته الفاسدة في مقابل ما تحظي به من امتيازات ومخصصات وتسهيلات لمنسوبيها من رجال الدين. وظلت هذه المؤسسات الدينية تنظر الي الدولة وعلاقاتها مع المحيط الخارجي من داخل مفهوم قاصر للدين مما افسد الدين والدولة معا وقاد في نهاية الامر الي انهيار النظام وخلف دولة منهكة علي حافة الانهيار.
 ظلت الحرب الاهلية في جنوب السودان في اطارها السياسي المطلبي منذ العام 1955م الي 1990م. ولما استولت جماعة الاسلام السياسي على السلطة استخدمت قدسية الدين في الحرب لا قناع الراي العام بمشروعية وقدسية حربها بزعم انها تدافع عن الاسلام. وكانت النتيجة ملايين الضحايا وانقسام السودان.
مسألة الدين والشريعة في الدساتير السودانية:
لم تكن مسالة علاقة الدين بالدولة موضع خلاف اساسي في بدايات الحكم الوطني بين الاحزاب الكبرى ذات الثقل السياسي، فبدءاّ من قانون الحكم الذاتي لعام 1953م مروراً بدستور السودان المؤقت لعام 1956م و1964م وحتي صدور دستور 1973م من قبل نظام مايو او ما سمي بالدستور الدائم للسودان، لم يبرز خلاف واضح في هذه المسالة علي مواد هذه الدساتير، وان كانت هنالك محاولات فاشلة من الجماعات الاسلامية لاستصدار دستور اسلامي. الخلاف الاساسي بين الاحزاب السودانية ابان تكون لجنة الدستور الدائم عقب الاستقلال كان يتعلق بنظام الحكم والمفاضلة بين النظام الرئاسي والبرلماني. كانت الدساتير الاربعة اعلاه والتي حُكِم بموجبها السودان في الفترة 1953م الي 1983م اضافة المراسيم العسكرية في فترات الحكم العسكري، محايدة فيما يتعلق بالدين وكانت اقرب الي العلمانية بمعناها الليبرالي واتاحت الحريات الدينية.
اول تغيير جذري في النظم الدستورية السودانية هو تعديل دستور 1973م واضافة فقرة تشير الي ان الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع [10]، وصدرت بموجب هذا التعديل قوانين سبتمبر 1983م والتي كانت من اسباب تفاقم مشكلة جنوب السودان. وعقب انتفاضة 1985م تم الغاء دستور 1973م واستبداله بدستور 1985م مع وجود مواد تشير الي ان الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وعدم الغاء قوانين سبتمبر 1983م. اول قانون تضمن مواد تنص علي اسلامية الدولة صراحة هو ما عرف بقانون التوالي والذي صدر عام 1998م، فقد نصت بعض مواده على: "ان الحاكمية في الدولة لله خالق البشر، والسيادة فيها لشعب السودان المستخلف، ويمارسها عبادة لله" ومادة اخري نصت على: "يستصحب العاملون في الدولة والحياة العامة تسخيرها لعبادة الله، يلازم المسلمون فيها الكتاب والسنة، ويحفظ الجميع نيات التدين، ويراعون تلك الروح في الخطط والقوانين والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، توجها نحو رضوان الله في الدار الاخرة" كما اشتمل هذا الدستور على مادة تعطي حق تقرير المصير لجنوب السودان [10]. ما مهد لانفصال جنوب السودان لاحقاً. ولكن بعض الاسلاميين انتقدوا دستور 1998م وحكموا بانه دستور غير اسلامي بحجة انه لم ينص علي دين الدولة الرسمي ولم ينص علي ان الشريعة الاسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع، ولم ينص علي شرط الاسلام في شاغلي المناصب الدستورية، كما لم ينص علي ان رئيس الجمهورية يجب ان يكون رجلا باعتبار ان ذلك ما اجمع عليه المسلمون في الامامة العظمي، ولم ينص علي ان اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة [11]. وجاء دستور 2005م كنتيجة لاتفاقية السلام الشامل والتي افضت لانفصال جنوب السودان. واشتمل هذا الدستور علي وثيقة للحقوق تكفل حريات واسعة بما فيها الحريات الدينية كما يتضمن مواد تنص علي مصادر التشريع هي الشريعة الاسلامية والاعراف واُنتقِد ايضا من قبل بعض الاسلاميين ووصف بانه دستور علماني [12].
يلاحظ من السرد اعلاه ان السودان في ظل الحكم الوطني، ظل يُحكم لفترة 30 سنة (1953 – 1983م) تحت مظلة دساتير لا تنص علي ان الشريعة الاسلامية مصدر من مصادر التشريع. خلال هذه الفترة كان الخلاف الابرز فيما يتعلق بالدستور هو هل يكون نظام الحكم رئاسي ام برلماني؟ وتم طرح مسالة الدستور الاسلامي لأول مرة عندما كون عبد الله خليل عقب الاستفلال لجنة لوضع الدستور الدائم للسودان فتقدم الاسلاميون بوثيقة دستور اسلامي ولكنها رفضت من معظم الاحزاب الشمالية والجنوبيين. وبعد ثورة 1964م تكونت لجنة اخري لوضع الدستور وكان الدكتور حسن الترابي هو رئيس اللجنة الفنية للجنة الدستور القومية وقد وضع امام اللجنة ثلاث خيارات لاختيار واحد للجمعية التأسيسية وهي: (1) دستور اسلامي كامل، او (2) دستور ذو ملامح اسلامية، او (3) دستور لا ديني. وقد سقط اقتراح الدستور الاسلامي بالأغلبية (وقف بجانبه اعضاء جبهة الميثاق الثلاثة واعضاء حزب الامة الستة فقط)، فتم تقديم الخيار الثاني للجمعية التأسيسية ولكنه ايضا لم يجاز لعدم الاتفاق علي معظم مواده [13].
واضح ان طرح الدستور الاسلامي لم يجد القبول من معظم القوي السياسية السودانية في كل الفترات الديمقراطية. والمواد التي تنص صراحة ان مصادر التشريع هي الشريعة الاسلامية قد ادخلت لأول مرة في دستور 1983م كتعديلات علي دستور 1973م ابان فترة نظام مايو بعد تحالفه مع الاسلاميين. وكان هذا التوجه الجديد من اسباب نسف اتفاقية اديس ابابا وتجدد التمرد الجنوبي وتوسعه ليشمل مناطق جديدة خارج حدود الجنوب. وبعد استيلاء الجبهة الاسلامية علي الحكم في السودان في 1989م حولت الصراع مع التمرد الي حرب دينية ادت الي انفصال الجنوب ونشوب حروب جديدة في مناطق اخري من السودان. كما ان طرح دستور لا ديني ايضا لم يجد القبول.
الاحزاب السودانية ما بين الديني والعلماني
في بدايات الحكم الوطني عقب الاستقلال رفضت معظم المكونات السياسية السودانية وثيقة الدستور الاسلامي التي تقدمت بها جبهة الميثاق الاسلامي (الجماعات السلفية والاخوان والطريقة التجانية). وبعد ثورة 1964م تكرر الرفض مرة اخري لخيار الدستور الاسلامي الكامل [13] الذي تبنته جبهة الميثاق ولم يدعمها الا حزب الامة، وتوافقت الاغلبية بما فيها الحزب الاتحادي علي دستور ذو ملامح اسلامية. واستطاعت الحركة الاسلامية في 1983م ان تحقق بعض من تطلعاتها في انزال رؤيتها علي الدستور من خلال تحالفها مع نظام نميري وتعديل الدستور وسن ما عرف بالقوانين الاسلامية. وبعد اكثر من ستين عاما من الصراع في ظل الحكم الوطني ايقن الجميع استحالة فرض رؤية احادية في وطن متعدد الاعراق والمعتقدات، فعندما فرضت الجبهة الاسلامية رؤيتها عليه انفصل الي دولتين. فيما يلي نحاول تلمس رؤي بعض القوي السياسية السودانية في مسألة علاقة الدين بالدولة.
الجبهة الاسلامية (المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي) والجماعات السلفية: فخلال الثلاثين السنة الاولي من الحكم الوطني (1953م – 1983م) كانت الحركات والجماعات الاسلامية في اقصي اليمين تنادي بدولة اسلامية كاملة بينما الحزب الشيوعي مع الاحزاب الجنوبية في اقصي اليسار تنادي بالعلمانية التي تفصل الدين عن الدولة. وتقف الاحزاب الطائفية في منطقة وسطية وان كان حزب الامة اكثر ميلا الي موقف الحركات الاسلامية. بعد حل الحزب الشيوعي في 1965م انفض التحالف بين الاخوان (لاحقا الجبهة الاسلامية) وتمايزت رؤاهما حول مسألة طبيعة الدولة. في 1983م برزت الحركة الشعبية لتحرير السودان كقوة جديدة لها تأثير علي الساحة السياسية وبعد انقلاب الجبهة الاسلامية في 1989م توحدت المعارضة السياسية والمسلحة ضد النظام. ومع تزايد الصراع بين المعارضة والنظام واشتداد اوار الحرب في الجنوب بدأت تتبلور رؤي جديدة للأحزاب في مسالة الدستور ونظام الحكم. يمكن اعتبار دستور 1998م الصادر عن حكومة الجبهة الاسلامية ذات السلطة المطلقة حينها في السودان هي رؤية الحركة الاسلامية السودانية فقد خرج هذا الدستور وهي موحدة وتمتلك السلطة، اما دستور 2005 فقد كان نتاج اتفاقية نيفاشا ولا يعبر عن كل رؤاها. افصحت مواد دستور 1998م عن تحركا طفيفا في ثوابت الحركة الاسلامية نحو الوسط مجسرةً الهوة مع اليسار وظهر ذلك في ان هذا الدستور لم ينص، حسب نقد بعض الاسلامين له، علي:
 دين الدولة الرسمي.
 ان الشريعة الاسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع.
 شرط الاسلام في شاغلي المناصب الدستورية.
 ان رئيس الجمهورية يجب ان يكون رجلا.
 ان اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة.
من جانب اخر فان الجماعات الاسلامية السلفية ظلت في موقفها الذي ينادي بدستور اسلامي كامل.
الحزب الشيوعي: تيقن الحزب الشيوعي ان مألات صراعه مع اليمين في مجتمع ديني لا يتقبل مفهوم العلمانية، لن يكون في صالحه، فمصطلح العلمانية نفسه ارتبط لدي العامة بالإلحاد وبالتالي اصبح احد ادوات الصراع الفعالة التي يشهرها اليمين في وجه الحزب واليسار عموما. فبدأ الحزب في تطوير مفهوم للدولة بعيدا عن هذا المصطلح يستوعب الدين في اطار ديمقراطي يضمن الحقوق ويتيح الحريات. فطرح الاستاذ محمد ابراهيم نقد لأول مرة مفهوم "الدولة المدنية" في العام 1988م وصاغ رؤيته في ورقة ضمنها لاحقا كتابه " حوار حول الدولة المدنية، 2012م " والتي تقوم علي المبادئ التالية:[14]
 المساواة في المواطنة وحرية العقيدة والضمير بصرف النظر عن المعتقد الديني
 المساواة في الأديان.
 الشعب مصدر السلطات ويعتمد الحكم شرعيته من الدستور.
 سيادة حكم القانون واستقلال القضاء ومساواة المواطنين أمام القانون بصرف النظر عن المعتقد أو العنصر أو الجنس.
 ضمان الحقوق والحريات الأساسية السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية الثقافية وضمان حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية.
 كفالة حرية البحث العلمي والفلسفي وحق الاجتهاد الديني.
 الالتزام التام بما اجمعت عليه الحركة السياسية السودانية في إعلان نيروبي بالنسبة للتشريع ووفق هذه المبادئ يمكن أن تتسع الاجتهادات لكي يشمل مصادر التشريع الدين وعطاء الفكر الإنساني وسوابق القضاء السوداني.
وخلص الأستاذ نقد في ورقته حول مفهوم الدولة المدنية أنه: "على خلفية هذا الواقع الموضوعي وتأسيساً عليه تستند الديمقراطية السياسية في علاقتها بالدين على مبادئ النظام السياسي المدني الديمقراطي التعددي، والتي هي في نفس الوقت تشكل فهمنا لمعنى العلمانية. فمصطلح النظام المدني أقرب لواقعنا من مصطلح النظام العلماني ذي الدلالات الأكثر ارتباطاً بالتجربة الأوروبية".
فبهذا الطرح المتقدم يتخلى الحزب الشيوعي عن "الدولة العلمانية" كمصطلح مع تبني مفهوم لها لا يتضاد مع الدين، سماه "الدولة المدنية"، اكثر قبولا مما يقلص الفجوة مع اليمين ويجعله يتزحزح عن موقعه في اقصي اليسار صوب التقارب مع اليمين في منطقة وسطي.
حزب الامة القومي: وقف حزب الامة الي جانب جبهة الميثاق في تأييده لخيار "الدستور الاسلامي الكامل" عند طرحه بعد ثورة 1964م، خلافاً لأغلب القوي السياسية. لاحقا تميزت مواقف الحزب بالوسطية في تناولها لمسألة العلاقة بين الدين والدولة. ويمكن استقراء موقف الحزب الراهن في هذه المسألة من خلال رؤية الاستاذ عبد المحمود ابو القيادي بالحزب التي طرحها في ورقته "الإسلام والدولة المدنية، اغسطس 2019م". فهو يري "إنّ مُصْطَلَحَيْ الثِّيُوقْرَاطية والعلمانية، ولدا في ظروفٍ تختلف عن ظروفنا، وفي ظلِّ مفاهيم دينية تتصادم مع العلم والعقل"، وان "الأسباب التي أدت إلى ظهورهما في الغرب غير موجودة في قطعيات الإسلام ... وإنهما يُغَذِّيان الحرب الباردة بين العلمانيين والإسلاميين، وبين دعاة الحداثة ودعاة التأصيل" [15]. ولخص اركان الدولة المدنية والتي يري انها اقرب الي المبادئ الإسلامية السياسية، ولا تتناقض مع الفكر الإسلامي المستنير حول مفهوم الدولة في الإسلام، في:
 إقامة دستور يعبر عن قيم ومعتقدات وأعراف المواطنين؛ باختلاف انتماءاتهم الدينية والثقافية والعرقية.
 الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
 المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات.
 عدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو الثقافة أو العرق.
 كفالة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
 الاعتراف بالتعددية واحترامها.
 الالتزام بالتداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات الحرة القائمة على الأسس الديمقراطية الصحيحة.
 أن تستمد السلطة شرعيتها من اختيار الجماهير وتخضع للمحاسبة من قبل نواب الشعب.
وهذه المبادئ لا تختلف كثيرا عن طرح الحزب الشيوعي عن الدولة المدنية.
الحزب الاتحادي الديمقراطي: الحزب الاتحادي الديمقراطي كان دائما وسطيا في رؤاه فقد وقف مع خيار "دستور ذو ملامح اسلامية" ورفض "الدستور الاسلامي الكامل" كما انه يرفض علمانية الدولة الداعية لفصل الدين عن الدولة. ورؤية الحزب الراهنة حسب ما جاء علي لسان رئيسه بأمريكا الاستاذ أحمد السنجك تتفق جوهريا مع اطروحتي الحزب الشيوعي وحزب الامة. فقد اعلن الاستاذ السنجك رفض حزبه القاطع لقيام الدولة العلمانية التي لا تعترف بالدين وقال ان حزبه يؤمن بمدنية الدولة التي لا تتعارض مع الديانات السماوية ولا تمس عقائد المسلمين والمسيحيين وكافة الديانات الأخرى ، مبينا ان الحزب يأمل في قيام دولة المواطنة التي تقوم على أساس المساواة التامة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون ادني تمييز بينهم بسبب اللون والجنس والثقافة او العرق [16].
الحركة الشعبية لتحرير السودان: ظلت الحركة الشعبية لتحرير السودان بجناحيها من المنادين بالعلمانية. وأقر الأمين العام للحركة الشعبية عمار أموم جناح عبد العزيز الحلو في تصريحات خلال مفاوضات السلام مع وفد الحكومة الانتقالية بجوبا في ديسمبر 2019م، أن حق تقرير المصير سقف تفاوضي تقدمت به حركته حال رفض علمانية الدولة، وتابع: "إذا اتفقنا على علمانية الدولة، لن تكون هناك مطالبة بحق تقرير المصير". وشدد أموم على مطلب حركته في "دولة علمانية"، تعترف بالتنوع الثقافي والاجتماعي وتتيح حرية التدين، وتعامل المواطنين وفقاً لمبادئ ثورة ديسمبر في الحرية والعدالة والمساواة، و"دون تمييز ديني أو عرقي أو ثقافي أو جغرافي".[17] وهو موقف لا يبعد عن طرح الحزب الشيوعي.
الخلاصة
مما سبق نلحظ ان:
 مفهوم "العلمانية" يمتد ضمن طيف واسع من الرؤي التي نتجت عن سجالات المفكرين ولا يتوقف عند مسألة فصل الدين عن الدولة.
 الاطروحات المعلنة للقوي اليسار والوسط والحركة الشعبية تتقارب في اتجاه مفهوم "الدولة المدنية".
 الممارسة الفعلية في نظم الحكم السودانية من خلال الدساتير 1953م و1956م و1964م و1973م قبل تعديله في 1983م، خلال فترة الثلاثين عاما الاولي للحكم الوطني كانت دساتير مدنية واتاحت الحريات الدينية. وكان السودان في ظل هذه الدساتير اكثر استقرار وموحدا، في حين تصاعدت الحرب الاهلية وتوسعت ولم تتوقف حتي الان حين حاولت بعض القوي فرض رؤيتها.
 توافق حزب المؤتمر الوطني الحاكم والجماعات الاسلامية المتحالفة معه علي دستور 2005م (مع وثيقة الحقوق الملحقة) وهو اقرب الي مفهوم "الدولة المدنية" منه الي "الدولة الاسلامية الكاملة"، يجعل الهوة قابلة للتجسير بين مختلف القوي السياسية السودانية ذات الثقل السياسي.
 توافق طيف واسع من الاحزاب السياسية والجبهة الثورية ومنظمات المجتمع المدني علي اعلان قوي الحرية والتغيير والذي افضي الي الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية مؤشر علي توافق هذه القوي علي مفهوم "الدولة المدنية".
 كل القوي السياسية السودانية اسقطت مصطلح العلمانية باستثناء الحركة الشعبية.
نخلص من ذلك، اذا استثنينا الجماعات السلفية، ان القوي السياسية السودانية في حالة تقارب نحو مفهوم "الدولة المدنية".
سمير محمد علي
14 ديسمبر 2019م
المراجع:
[1] https://www.merriam-webster.com/dictionary/secularism#h1
[2] د. يوسف القرضاوي، " الاسلام والعلمانية وجها لوجه"
[3] د. محمد عمارة، "نهضتنا الحديثة بين العلمانية والاسلام"، 1996م.
[4] محمد بكاي، "اركون وقضايا العلمنة: اشكالية الدين ورهانات العلمنة"، الفصل الثاني في: "العلمانية والسجالات الكبرى في الفكر العربي المعاصر"، تقديم البشير ربوح.
[5] محمد بنحماني، "الدين والسلطة من منظور ناصيف نصار" ، في: "الدولة والدين في الفكر العربي المعاصر"، تقديم د. الطيب بوعزة ود. يوسف بن عدي.
[6] محمد الشريف الطاهر ،"نقد عبد الوهاب المسيري للعلمانية"، الفصل السابع في: "العلمانية والسجالات الكبري في الفكر العربي المعاصر"، تقديم البشير ربوح.
[7] د. فيصل حصيد، "العلمانية في الفكر الديني، دراسة في فكر محمد ابو القاسم حاج حمد"، الفصل الثامن في: "العلمانية والسجالات الكبري في الفكر العربي المعاصر"، تقديم البشير ربوح.
[8] https://cihrs.org/%D8%A3%D9%8A-
د. عبد الله النعيم، الأستاذ بكلية الحقوق جامعة إموري بالولايات المتحدة "أي مستقبل للشريعة الإسلامية علمانية الدولة من منظور إسلامي".
[9] https://www.mominoun.com/articles/
عبد المحسن شعبان، " الدّولة المدنيّة: مشكلة أم حلّ؟! "
[10] د. سلمان محمد احمد سلمان، "ثمانية وخمسون عاما من الفشل في التوافق علي دستور دائم للسودان"، الراكوبة، 31/12/2013م.
[11] حسن عبد الحميد، "الدستور الاسلامي صراع الامس واليوم"، الصحافة، 01/03/ 2012م.
[12] صباح احمد، "الدستور .. لا مكان للعلمانيين بعد اليوم!!!"، الصحافة، 27/08/2011م.
[13] محمد حسن طنون، "قصة الدستور الاسلامي منذ الاستقلال الي اليوم"، الانتباهة، 10/01/2012م.
[14] https://www.alintibaha.net/%D8%B1%D8%A3%D9%8A/
عمر صديق البشير، "طلاسم الدولة المدنية (1 2)"
[15] https://www.alansar.org/%d9%88%d8%b1%d9%82%d8%a9-
عبد المحمود ابو "الإسلام والدولة المدنية"، اغسطس 2019م.
[16] https://www.alrakoba.net/31350568/
[17] https://www.alrakoba.net/31350723/
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.