أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محن سودانية 44 ... الدكاترة اولاد الهنا ... بقلم: شوقي بدري
نشر في سودانيل يوم 20 - 03 - 2010

هذا العنوان فصل في كتاب حكاوي امدرمان. قديما كانوا يقولون, الدكاترة اولاد الهنا. الاسرة التي يصير ابنها دكتور. تتغير حياتها بصورة تامة. ينعمون بالعلاج والثروة والمركز الاجتماعي. فالطبيب يبدأ ب 55 جنيه. وتعيينه كان امرا مفروغ منه. والاطباء قد يتدللون. والدولة تبحث عن الاطباء كل الوقت.
في الاربعينات والخمسينات وايام الاستعمار كانت ميزانية التعليم والعلاج تساوي 25% من ميزانية الدولة. وفي الخمسينات كان جالون البنزين 14 قرشا وكيلو لحم البقر 14 قرشا الضان 20 قرشا. قانون الاجور في السودان كان مجزيا. واغلب الدكاترة كانوا لا يحتاجون لفتح عيادة , للطبيب مرتب ضخم. ويزود بسكن..وحتى لأطباء الامتياز. كان هنالك ميز الدكاترة. وميز مستشفى امدرمان كان في الزقاق الطويل الذي يفصل ميز الدكاترة من مدرسة الامريكان.و هذا زقاق كانت تظلله اشجار باسقة. والميز يتمتع بحديقة جميلة ونظافة شديدة. والاثاث عل مستوى افخر الهوتيلات. ولهم طباخين محترفين. واسرة جميلة تغير فيها الملائات بإستمرار.
في الثمانينات اردت زيارة اختي وشقيقة بلة رحمة الله عليه في المستشفى. فمنعني الحراس كالعادة. فذهبت الى الدكتور طارق الكارب في الميز. وهالني منظر الميز فلقد اختفت الحديقة. وشاهدت عناقريب في حوش الميز وازيار. وهذه اشياء كانت لا وجود لها في الميز. ولكن بسب انقطاع الكهرباء وتردي الحال صار الدكاترة يشربون من الازيار. والثلاجات كانت منتشرة في السودان منذ بداية القرن ..حتى الثلاجات التي تعمل بالجاز كانت متواجدة في الاقاليم..
اذكر ان الاخت نعمات مالك في الثمانينات. كانت تحتج على وضع صغار الدكاترة. تقول لي ان بعض الدكاترة كانوا يحضرون للمستشفى بالسفنجة لضيق ذات اليد.
عملية العلاج جزء كبير منها نفساني. والثقة والاحترام المتبادل بين المريض والطبيب مهم جدا. وقديما كان شكل الدكتور ومظهره يدعو للثقة. ووضع الدكتور كان يجعله واثقا من نفسه. اذكر ان احدى الخالات قالت لأبنها صاحبك الدكتور ده ما توديني ليهو..ضعيف وهدومو مبشتنة...هو كان بيعالج ما كان يصلح روحو.
دكتور عندو مشكلة دفع ايجار ومواصلات ومصاريف مدرسة. وما بيقدر يدفع في كشف عرس ولا بكا حا يعمل شغلو ده بي ياتو اخلاق ولا بي ياتو نفس. يعني الطبيب ده الا يشحد. حتى في الستينات كان عربية الهلمان جديدة لنج من شركة برسميان ب خمسمائة جنيه ده مرتب اقل من سنة لطبيب متخرج جديد. بيت مبني خرسانة في العاصمة ب الف جنيه..او الف وخمسمائة جنيه. اي دكتور اشتغل خمسة سنين بيكون عندو عربية وبيت ومتزوج. قديما كان الناس ممكن تحاسب الدكتور..
حقيقة كان هنالك بعض الدكاترة مطنقعين... ولقد كتبت قديما ان كثير من الدكاترة والدبلوماسيين والطياريين. ما ان تقابلهم في اي مناسبة. حتى يعرفوك بمهنتهم. صديق دراسة في براغ قال لي بعد يومين من تخرجه ونحن في قعدة عندما ناديته بإسمه كما تعودنا قال لي ...كيف ما تقول لي دكتور وكان جادا. دكتور آخر كان يقول امام الجميع ..ياخي انا الحكيم ده قبلت خليك انت. وكان يصر على انه حكيم وكأنه لقمان. ولكن ليست كل الطباء من هذا النوع.
صديقنا محمود عبدالرحمن من دردق في مدني..ومحمد علي عندما تقول لهم يا دكتور لا يردون عليك. ومحمود يقول ...ياخي انا ما ضبحو لي وسموني دكتور..سموني محمود. لسؤ الحظ السودانيون يعممون.
المرتبات كانت مجزية واعلى مرتب في السودان كان مرتب محافظ مشروع الجزيرة الذي كان مرتبه 485 جنيه. ومخصصات وسيارات وبنزين ومنزل ضخم وحديقة غناء......الخ ..والغرض كان ان تريح الموظف حتى يؤدي عمله. والجزيرة كانت العمود الفقري للإقتصاد السوداني ونفس المرتب كان يتلقاه مدير عام السكة حديد. الذي كان له صالون في السكة حديد, وذهبية في النيل (لنش فاخر). ويقل عنهم قليلا محافظ البحر الاحمر. وفي نفس الوقت كان مرتب رئيس الوزراء 150 جنيه فقط. ومرتب قاضي المديرية يفوق الثلاثمائة وخمسين جنيه وله مخصصات ومسكن. والقصد ان يعمل الموظف بنفس وبأمانة وان تكون عينو مليانة. فمحافظ الجزيرة ومحافظ السكة حديد ومحافظ البحر الاحمر يتعاملون مع المال ويوقعون عقود بملايين الجنيهات. والسياسة كانت ريح الموظف بيريحك ويريح المواطن.
البعض يقول الآن ان وضع الدكاترة احسن من غيرهم..الدكتور عندو صنعته. والذي يحدد سعر السلعة هو العمل الاجتماعي المضمن في السلعة.
في السويد كان مرتب رئيس الوزراء بيرشون هو 10 الف دولار. بعد الضرائب يصير 5 او 6 الف دولار. ولكن مرتب العمدة هو 50 او 60 الف دولار ومسكنه اربعة طوابق في اكبر ميدان في البلد. وله خدم وحشم وسواقين وعربات. لأنه يستقطب الشركات العالمية ويعطيهم اراضي وضمنات ويحفزهم. لكن رئيس الوزراء وظيفة مؤقتة ليس عندها كليه لكي يتخرج منها الانسان.
في السبعينات خسر الاشتراكيون الانتخابات لأول مرة بعد سبعين سنة. وكان على قيادة الاشتراكيون اولف بالما الشخصية الاسطورية والذي كان يتحدث 6 او 7 لغات. وهزمه راعي لا يتكلم الا السويديه اسمه توربيون فالدين. رئيس حزب الوسط وكان له مزرعة خراف. طيب راعي بقى رئيس وزراء بلد متطور. لكن ما ممكن يكون تمرجي ناهيك عن دكتور. في السويد الدكتور يدرس ستة سنوات التعليم مجاني لكن عليه ان يعيش نفسه. فيستلف ويدفع هذا الدين لسنوات عديدة. ولهذا مرتب الاخصائي في السويد اعلى من مرتب رئيس الوزراء وعنده بدلات وحوافز واوفر تايم. فلهذا الدكتور سلعة نادرة. انا اذيد اسمي ب ع.س. كنوع من هويتي وهي عتالي سابق. فلفترة كنت انا عتالي سابق في الميناء. هذه وظيفة يمكن ان يؤديها اي انسان بدون تعليم. ولهذا فالمجتمع لم يكن يدفع لي ما كان يدفعه للطبيب. وان لم اكن اشكو الفاقة. وكانت عندي سيارة سباق امريكية. ولابس احسن ما يكون بصرف علي نفسي اكثر من اليوم.
الدكتور ادهم كان موسيقيا وله مقطوعات تعزف الى الآن. وكان رئيس اتحاد الفنانين. ولم يكن يحتاج لذلك المنصب. ولكنه قبل به لأن البعض كان لا يحترم الفن والفنانين. ولكن بعد ان صار الدكتور ادهم رئيسا لإتحاد الفنانين صار الفنانون يقولون نحنا رئيسنا دكتور.
الدكتور ادهم كانت عيادته شمال بيت المحسن عبد المنعم محمد وفي مواجهة كلية امدرمان شارع الموردة. وكان يأخذ اجر اسميا من المرضى لأن مرتبه يكفيه. وكانت له ايام مجانية يعالج فيها الناس في عيادته الخاصة. وكانت عيادته معلما من معالم امدرمان ثم صارت منزل مولانا رئيس محكمة الاستئناف عبدالمجيد امام عبدالله. ما عرف ب دكتور لويزو هو دكتور لويس كان كذلك يعالج الاطفال مجانا في عيادته لأنه لم يكن محتاجا.
العالم التجاني الماحي كان اول اخصائي الامراض العصبية. وكانت عيادته في بحري. وكان العلاج مجانيا لأنها تابعة للحكومة. وواصل في سيرته الدكتور طه بعشر الذي كان يعيش على مرتبه. ولو كانت مرتبات الاطباء هي مرتبات اليوم لما اهتم دكتور ادهم بالموسيقى ولكان مشغولا بقفة الملاح ومصاريف الاولاد. ولما صار التجاني الماحي عالما. ولما صار طه بعشر استاذا يتخرج على يديه صغار الاطباء. والدكاترة كانوا ملء السمع و البصر وموضع تجلة واحترام مثل محمد عبدالحليم , حسين احمد حسين اخصائي العيون الذي ابتعث مع علي بدري لإنجلترا في بداية الثلاثينات. ومحمود حمد نصر والباقر ودكتور حسيب والنور عبدالمجيد ودكتور بسيوني واسماعيل نابري ود. بيومي ومئات الدكاترة الآخرين هذه اسماء حفرت في ذاكرة الشعب السوداني. وكان ينظر عليهم كأبطال وركائز المجتمع.
بعد اكتوبر مباشرة صار شيخ الامين المزارع رئيس اتحاد المزارعين في الجزيرة وزيرا للصحة. وهذا في زمن الخير و البركة. فذهب الى المستشفى في الساعة السابعة صباحا ولم يجد سوى العم دكتور موافي الذي بالرغم من انه كان يسهر وله حياة اجتماعية زاخرة , الا انه كان يحضر قبل الجميع..و عندما سأل شيخ الامين دكتور موافي وين الدكاترة ..كان الرد ..انتا يا شيخ الامين قايل الدكاترة ديل ماسكين موية؟. ديل ناس تعبو وقرو واهلهم تعبو وضحو لحدي ما علموهم ..المواعيد الساعة 8 . عندما سأل شيخ الامين..طيب انت بتجي بدري ليه؟. كان الرد ..نحنا ما اتعلمنا من الانجليز ..كان قدر ما نجي بدري بنلقى الانجليزي قدامنا.
شيخ الامين كان يمثل المهمشين ولهذا اصر على وزارة الصحة. لأن المزارعين في الجزيرة كانوا يشتكون من ان الخرطوم تستحوذ على كل الدكاترة. وعندما استلم الوزارة سأل وين مخازن البنسلين؟. والبنسلين كان وقتها العلاج السحري..لدرجة ان الكثيرين كانوا يقولون للدكتور ما بمشي الا تديني ابرة. ويحتجون بالرغم من ان العلاج مجاني. ولكن التعليم والعلاج والعمليات كانت من حقوق المواطن. وخوفا من المشاكل وعندما لا يكون المريض محتاجا للبنسلين كانوا يعطونه ابرة بالموية المقطرة ويقصدون ارضائه.
والآن لا يجد المريض العلاح المناسب بالفلوس.
انا و شقيقي اخذنا اهلنا الى المستشفى وقام الطهار بختاننا . و كان هذا حق مكفول لكل المواطنين في امدرمان . ومن الطهارين. عمنا اسماعيل وعمنا ابراهيم النور..وليس هنالك رسوم او مصاريف.
مستشفى الدايات منذ ان انشء في العشرينات كان مجانيا. تأتي المرأة وتوضع وتذهب لحالها. والدايات منذ ست المشلية اول داية في السودان التي بدأت كداية قانونية 1903. تعاقد معها الانجليز من مصر. الى الخالات قسايا ووزنو وست بتول وست دنيا وست السرة و زينب جادونق التي كانت تحارب ختان الاناس بشراسه .واخريات. يعملن بمرتب من الدولة.وكان التعليم مجاني. وكذلك تعليم الممرضين ومساعدي الاطباء . وما يتحصلن عليه هو اكراميات او هدايا من اهل المولود . كل شيء كان مجانيا. الطبيب مرتاح له مرتب مجزي لم يدفع اهله مصاريف لتعليمه ويجد الاحترام والتقدير من الناس والمواطن مرتاح.
في كل قرية كانت هنالك شفخانة. واذكر في خارج القيقر في اعالي النيل سنة 63 ان اتى موظفي الاشغال واتوا ب 17 الف طوبة من الطوب الاحمر واخشاب وزنك واسمنت. وكانت هنالك رسومات جاهزة. من وزارة الاشغال. وفي اقل من شهر كانت الشفخانة في كيلو 10 في بركة العجب قد اكتملت وبدأوا في تشييد منزل مساعد الحكيم الذي كانت تدفع له الدولة مرتبا مجزيا.
الخال عبدالعزيز نقد كان حكيم باشا مستشفى امدرمان ولا اذكر ان شاهدته حتى في الحي, الا هو يتحرك بنشاط وكأنه يجري. ويطوف كل مستشفى امدرمان عدة مرات. ويتفقد حتى لبس الممرضين والفراشين والفراشات. ولم يكن له ابدا عيادة خاصة. ومرتبه كان مجزيا. ومنزل حكيم باشا مستشفى امدرمان كان هو المنزل الذي صار مكتب الجوازات في حي الملازمين وهو منزل حدادي مدادي. والخال الدريدري نقد ولأنه من امدرمان كان لا يكلف الدولة. وكان يسكن في بيت المال في منزل اهله. ثم انتقل الى منزله الخاص في ود درو في شارع الترام.
النميري حاول ان يلوي ذراع الاطباء في الثمانينات وتصدى له الاطباء بشجاعة. احدهم البطل الدكتور بشير الياس رحمة الله عليه. واذكر ان احد الاطباء من الاخوان المسلمين قال, انه لم يقابل اي انسان في شجاعة دكتور بشير الياس..زوجة بشير الياس الدكتورة كلارا من تشيكوسلفاكيا كانت لها عيادة في شمال بحري. كانت تعالج النساء والاطفال بالمجان. وتكتفي بمرتبها. وعرفت محطة البص بمحطة كلارا. وكان لها في ذلك الوقت طفلين صغيرين وهما قاسم امين والقرشي. الذي سماه والده على الشهيد القرشي شهيد الحركة العمالية في عطبرة. والدكتور بشير مات اثناء عمله كطبيب.
الدكتور بشير الياس كان يقول انهم عندما كانوا يعملون في بورتسودان كان ابناءهم مرضى ويعانون من طفح جلدي فظيع بسبب الحر. وكان يقول ان كلارا كانت تهمل ابناءها وتتركهم لدكتور بشير. وتعالج ابناء الآخرين..واذكر ان كلارا كانت تقول ان بعض النساء في بورتسودان كن يحضرن للولادة وان نسبة الهموغلبيين في دمهم هي نصف النسبة التي تعلموا في الجامعة تلزم المرأة لكي توضع. وكانوا في اغلب الوقت يعيشون ويرجعون لأهلم بصحة جيدة بعد العلاج. والاكل المجاني في المستشفى. ولهذا صار ابناءها الاثنين اطباءا ليواصلوا رسالة والدهم ووالدتهم.
اثناء اضراب الثمانينات كنت اناقش اصدقاءنا الدكاترة حسن عبدالسلام , معاذ الخليفة, التلب, طارق الكارب وعلي عبدالمجيد وكانوا يحكون ان الطبيب يبدأ بمرتب 150 جنيه وقتها. وهذا لا يكفي حتى للفطور والسجائر. و بالرغم من هذا اصر النميري على طردهم من ميز الدكاترة. وكانهم يخرجونهم من النعيم. وعندما كنا نجتمع في منزلنا كان الدكتور حسن عبدالسلام يقول لي ..(ياخي زمان الدكتور بعد خمسة سنين بيمشي بعثة..دي الوقت انا شغال دكتور 12 سنة...هدوم زي الناس ما عندي. يا خي في دكاترة بيشربوا عرقي. زمان نحنا الدكاترة ديل بنشوفم في ارقى المحلات وبيشربوا ويسكي. ما في دكتور ما عندو عربية .وعربية الدكتور بتعرفها من بعيد بي شكلها. زمان الدكتور اهلو بيكونوا مرتاحين واصحابوا بيكونوا مرتاحين.هسي الدكتور بيكون عاوز من اصحابو. لو الدكتور عندو صاحبو بنا او نقاش بيكون دخلو ثلاثة اربعة مرات احسن من الدكتور..ياخي كلم اخوك الشنقيطي وصاحبو احمد سر الختم .ديل شغالين في المالية.. الدكاترة الاصحابهم الشغالين موظفين في المالية وللا في التجارة ..بيكونوا مرتاحين واصحابهم مرتاحيين. اخوك ده واحمد شغالين في المالية و مفلسين زينا..
ثم يقول حسن عبدالسلام (كاذبا) الطبية دي ما فيها فلوس و مآكلة وما فيها رشوة...لو في رشوة واختلاس انا كنت عملت كده. لكن هسي انت دكتور الا تختلس نسالة اوقطن..اها شوف احمد سر الختم... واحمد كان يدردم في سفة..زمان حق السفة ده ما عندو.. ياخي تعبنا من الفلس).
لا يمكن اي انسان عاقل ان يلوم الدكاترة. ففي كوبا حيث هنالك اعلى نسبة من الاطباء بالمقارنة مع عدد المواطنين في العالم الثالث. لا يجد الدكاترة المرتبات العالية. ولكن هنالك عدالة في تقسيم الثروة. فلا يمكن ان تحملني اغلى واصعب مهمة وهي حياة البشر وتريدني ان اعيش على الفتات. بينما من لم يدرس ومن لم يكلف اهله جهدا لتعليمه. يسكن في افخر المساكن و يمتطي اغلى السيارات.؟ والسودان الآن دولة بترولية. اذا جاع كل الناس سويا واذا ضحى الجميع فقد لا نجد للأطباء عذرا. ولكن الطبيب يشاهد المال يذهب الى الامن والجيوش والجلادين. يذهب الى من يسحقون حياة الآخرين, ويسببون الاعاقات الجسدية و النفسية. و الطبيب الذي يعالج ويحافظ على الحياة..لا يجد قوت يومه. ويواجه بإلتزامات.
قبل اسبوع كنت اتكلم مع شقيقتي الكبرى وعرفت ان احفادها محمد بابكر عبدالكريم بدري وشقيقته آمنة قد اكملا (الهاوسمان شب). ووالدهما طبيب في الامارات منذ السبعينات. ولكن ليس هنالك فرصة لتوظيف اطباء جدد في السودان. اذا لماذ اغترب والدهم وتعب وشقي وضحى بحياته بعيدا في الغربة. كل امله كان ان يوفر لهم فرصة تعليم لكي يعملوا. الا انهم لم يجدوا عمل كدكاترة انها احدى المحن السودانية.
في زمن الانجليز كان المكفوفون يجدون عملا في الحكومة. وكان اكبر مكان لعملهم هو المخازن والمهمات. وكانوا يحسبون الكراسات والطباشير والاقلام والكتب ويعبونها في الكراتين. ولهم مواصلات خاصة توصلهم.
انها احدى المحن السودانية. المستعمر يوظف المكفوفين والمعوقين والدولة الوطنية الاسلامية صاحبة المشروع الحضاري تشرد الدكاترة وتعتدي عليهم بالضرب ورئيس الدولة يهددهم. هذه محنة ان يتدخل رأس الدولة في مشكلة الدكاترة.
المستعمر جعل منهم اولاد الهنا . ويقوم احد فرسان الانقاذ بصفع طبيبة. هذه والله ليست بمحنة هذه كارثة. يبدو ان الانقاذ قد فكرت في ان تستورد اطباء من الخارج. وانا اظن ان حسني مبارك يمكن ان يزود البشير ب 2000 راس مصري.
لقد اضرب السودانيون في ايام المستعمر. وتراجع المستعمر وانتقد نفسه. وحتى الفنانون اضربوا. فعندما اضرب الفنانون والعازفون في الاذاعة. استعانت الاذاعة بعازفي الجيش. وتعاقدت الاذاعة مع فنانين جدد كان منهم رمضان حسن..والفنان كان ياخذ اربعين قرش على الاغنية ومعاها كسرة. لأنه لم يكن هنالك تسجيل والبث كان مباشر. والشيخ عوض عمر الامام كان يتقاضى 25 قرشا على قراءة القرآن. فرفع الاجر وتصافى الناس.
الاجور تعتمد على اهمية العمل الذي يؤديه الشخص. ويجب ان يكون هنالك تقارب . بين الاجر والمسؤولية. ولهذا تحصل السرقات والاختلاسات. ولقد عشت انا هذا شخصيا في الثمانينات. فعندما تاتي بحارس في مصنع او موقع بناء وتكون هنالك مواد بناء ومعدات تساوي مئات الآلاف من الدولارات. ومرتب الحارس يساوي ستة جوالات اسمنت. فلن يؤدي ذلك الحارس عمله بكفاءة وامانة. فإذا لم يسرق فسيهمل.
حتى في الاشتراكية يقولون .زمان كل حسب مقدرته والى كل حسب حاجته. وعندما كانوا يعطون الطبيب مرتب العامل كان الطبيب يتوقع هدايا من المريض. فودكا, قهوة, سجاير, سجاير او عصر. يعني دكاترتنا يبقو في زي ده؟....
فالمبدعون في المجتمعات والنابغون حتى اذا كانوا في الموسيقى او الرياضة او هندسة الصواريخ يعطيهم المجتمع وضع جيد احسن من الآخرين و هذا شيء طبيعي.
عند اغلب الناس مقدرة ان يكونوا سائقي حافلات او سباكين. ولكن عند الاقلية الصغيرة جدا, مقدرة او طول بال لكي يصيروا اطباء. فلا يمكن ان تهمش هذه الشريحة. وتتعامل معها كأنها لا شيء. ولكن هنالك دولة تهين وتتعمد اهانة اطبائها... اسمها السودان ...هذه احدى المحن السودانية..
التحية ....
ع .س. شوقى....
Shawgi Badri [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.