مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السيد أحمد علي الميرغني ... سجل زيارة تاريخية .. بقلم: السفير نصرالدين والي (*) 1
نشر في سودانيل يوم 15 - 02 - 2020


تمهيد...
للمملكة المغربية منذ تأسيسها تاريخ وتقاليد راسخة في كل ضرب من ضروب الحياة السياسية، فهي أولاً مملكة برلمانية، دستورية، عرفت الإستيطان للبشر منذ أقدم العصور، وتعاقب علي ملكها عدة ملوك، ترك كل منهم بصة، إمتدداً لسلفه؛ حكمها الرومان، فأقاموا فيها الدولة الرومانية بعد إنتصارهم علي الأمازيغ، تطور مفهوم الدولة فيها وكان مضطرداً وفي تناسق وديمومة؛ بدأت الدويلات فيها تتشكل كسياق التاريخ نفسه، فمن (دولة نكور)إلي (دولة برغواط) ثم (دولة الأدارسة)، (فدولة المرابطين)، ثم (دولة الموحدين)، (والدولة السعدية)، (فالدولة العلوية)؛ حيث بدأ توحيد الدولة المولي رشيد، بتافيلالت فأسس سلطة مركزية، وتتابع السلاطيين العلويون من بعده في الحكم مكونين نظاماً سياسياً مركزياً قوياً. هذا التداول علي الحكم في المغرب، رسخ تاريخياً وعراقة فريده في تقاليد الحكم في المملكة، ويشار إلي أن دخول الإسلام السني للمملكة كان في عصرالأمويين. (*)2
في زيارتك إلي الملكة المغربية في أي زمان، ستري التاريخ الإسلامي، كنوزاً ومعارف، تراثاً، وعراقة، باقي علي الحوائط السميكة للقصر الملكي في الرباط، أو في السويقة، أو المدينة القديمة، أو منارات حسان، أو بقايا الأثار علي إمتداد الساحل، والمدن البعيدة، أو في عبق الإسلام والتاريخ في فاس (الما ورآها ناس)، مأذنها، مساجدها، أزقتها، وزنقاتها، شوارعها، ومبانيها العتيقه، كما تري العراقة في وجوه الناس، وأحاديثهم، (في هدرتهم) وحكاويهم، وزيهم التقليدي، الجلباب الأبيض أو الأصفر الفاقع، و (بلغاتهم) والجلابة ، والقفطان، والتكشيطة،الجبادور،الفوقية، الكندورة، أو الملحفة النسائية، أو الحناء المنقوشة علي أيادي الفتيات في ليالي الأعراس، والشباب يحملون العروس في العمارية أو الهودج، المغرب بلد ينضح تاريخاً إسلامياً منسياً، يتنفس بعضاً من روح إسلاميه، كلماتهم تعيد لمسامعك كلمات عربية ضاربة في القدم قد إندثرت، تقاليداً، وموروثاً لا يشبه ما في المدن العربية الأخري، سلام الإبن وتقبيله ليد والدته وجبين أبيه، توقير الصغير وإحترام الكبير، والإستشهاد بالسلف الصالح والتأسي بخلق الإسلام. وعندما يذهبون لشراء أضاحيهم، لا يشترون إلا (الحولي) الكبش الذي حال عليه الحول، أي العام، وعندما يدعونك لأفطار رمضان يقدمون التمر والحليب والقهوة، لا يتخمونك أكلاً، إلا بعد صلاة العشاء والتراويح؛ يكرمونك بأدب جم، ويصبون لك الشاي الأخضر الذي يصنعه صاحب الدار لا النساء داخل البيت، فيحرص من يصبه علي إظهار (الرزة) والرزة هي العمامة البيضاء، وهي كناية علي الرغوة فوق الشاي، فعندما يَصْب لك الشاي يرفع يده عالياً فتتكون تلك الرغوة، وينتقل من كأس إلي أخري دون أن يَصْب نقطة واحدة علي (الصينية الفضية)، والصينية نفسها قد صنعت من فضة إما في فاس أو إحدي الأسواق القديمة للأدوات والصناعات التقليدية المغربية التي أقيمت لها وزارة خاصة تسهر علي شؤونها.
كان العام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانيين من القرن الماضي، وصلت إلي السفارة شفرة سرية معنونة لسعادة السفير الشاذلي الريح السنهوري، سفير السودان لدي المملكة المغربية؛ حملت الشفرة التي تلقتها السفارة نبأ زيارة للسيد رئيس مجلس رأس الدولة للمملكة المغربية في إطار جولة تشمل جمهورية مصر وليبيا ثم المغرب.. والساسة السودانيين مغرمون بالجولات الرئاسية، ولما كان العرف والتقليد في القصر الملكي المغربي في تصنيف الزيارات للملوك والرؤوساء بالتسمية إن كانت زيارة وفق لعرف دبلوماسي محدد، ولابد أن تكون وجهتها المباشرة (المملكة المغربية)، زيارة متفق عليها، وقد جدولتها بتوافق دبلوماسي مسبقاً، عندها يتأهب القصر الملكي ويصع كافة ترتيباتها الملكية؛ ولكن الزيارات التي تأتي دون ترتيب رسمي (زيارة رسمية أو زيارة عمل،أو زيارة خاصة)، أو (جولة رئاسية) كحال ما أخطرنا به آنذاك، فالتقاليد الملكية تعير مثل تلك الزيارات التي لا يكون زيارة المملكة المغربية هدفها الأول درجة إستعداد أقل نسبياً.
وكما جري العرف الدبلوماسي، فالبرقيات المشفرة يطّلع عليها سعادة السفير أولاً، وهو من يقرر فيها، ودائرة الإطلاع عليها، ولها إجراءات مشددة، في فتحها وحلها ورفعها لإطلاع السفير، وهناك دبلوماسي بدرجة رفيعة هو الذي يكلفه السفير رسمياً بتولي أعمال الشفرة، ويحفظ كتاب الشفرة في خزنة خاصة، ومفتاحها في خزنة أخري، ولا يحوز حفظهما معاً مطلقاً، وعندما تحل الشفرة يراجعها الدبلوماسي المعني بها عدة مرات ليتأكد من مضمونها، فلا مجال لغير المعني المحدد الذي من أجله أرسلت، ولا يجوز حفظ مسودة أولية منها، ويستلزم إعدامها، والإحتفاظ فقط بالنسخة النهائية (لأغراض الحفظ المراجعة) في خزنة السفير كمستند لأي مراجعة لاحقة.
وصلت تلك الشفرة، كان بالسفارة أحد أفضل الدبلوماسيين في وزارة الخارجية أنذاك، الوزير المفوض محمد أحمد عبدالغفار، وكان هناك أيضاً السكرتير الأول الفاضل عثمان أحيمر، أحد أبرز الدبلوماسيين، والذين لفظتهم الإنقاذ لا لخطأ أرتكبه، بل كيداً وتضييقاً وتربصاً، فضاق هو ذراعاً بمكائدهم وتربصهم به حتي من سكرتيرة محلية، وآثر الإبتعاد؛ وكنت أنا أصغر الدبلوماسيين درجة، بل كنت في أول السلم الدبلوماسي، سكرتيراً ثالثاً، (كان إسمي مكتوباً بالإستيكة كقول أستاذ الأجيال والسفير المخضرم سيد شريف أطال الله عمره وأبقاه)؛ دعا سعادة السفير الشاذلي السنهوري الدبلوماسيين، لإجتماع عاجل. وكان الإجتماع لمناقشة فحوي الشفرة التي حملت لنا نبأ زيارة السيد رئيس مجلس رأس الدولة، السيد أحمد علي الميرغني للمملكة المغربية في غضون أسبوعين. تداول كبار الدبلوماسيين الأراء والأفكار حول الإعداد للزيارة وترتيباتها. كان السفير الشاذلي، محل إحترام كبير لدي القصر الملكي، ومستشاري جلالة الملك، ومدير المراسم الملكية والعديد من الوزراء والمسؤولين رفيعي المستوي في البلاط الملكي. أرسلت السفارة مذكرة رسمية للقصر الملكي تعلن عن زيارة السيد الرئيس للمملكة وتطلب التكرم بالموافقة عليها وإعلامنا بالترتيبات لنتمكن من نقلها لرئاسة الوزارة في الخرطوم.
جاءنا رد غير متوقع. فقد أفاد القصر الملكي سعادة السفير، (شفاهة) بأن جلالة الملك وولي عهده لن يتمكنوا من الترحيب بالرئيس لدي الوصول في الرباط، ولكنهم سيرحبون به في مراكش بعد وصول طائرته إلي الرباط؛ بإعتبار أن جلالة الملك سيكون في القصر الصيفي في مدينة مراكش، وكذلك كامل الحكومة، لأنه يتعذر علي جلالته إستقبال السيد الرئيس في الرباط لدي هبوط طائرته؛ وربما يكون في إستقباله رئيس الوزراء وبعض الوزراء. بناءاً علي هذا الرد (غير المرضي لنا) عقد سعادة السفير إجتماعاً عاجلاً دعي له الدبلوماسيين؛ لمناقشه هذا المستجد غير المتوقع، وهنا جاءت الحنكة الدبلوماسية للوزير المفوض، محمد أحمد عبدالغفار، الذي أشار للسفير بأن نطلب إلي القصر الملكي بأننا نعتذر عن زيارة السيد الرئيس، "قائلاً، نبلغهم بأنه إن كان يتعذر علي جلالة الملك في إطار وجوده في مقره الصيفي إستقبال الرئيس رسمياً لدي وصوله في مستهل الزيارة في الرباط، علي أن يقابله لاحقاً في مراكش، في قصره الصيفي، وإن كانت المملكة غير مستعدة أو في ظرف لا يمكنها من إستقبال السيد الرئيس بما يليق من إستقبال، نلتمس إلغاء الزيارة كلية لوقت يحدد لاحقاً بالطرق الدبلوماسية"؛ وافق الإجتماع علي هذا الرأي الصائب، لأننا كنّا نري في عدم إستقبال جلالة الملك للرئيس لدي وصوله في الرباط تقليل من شأن الرئيس والسودان؛ ولعلاقة سعادة السفير بمدير المراسم الملكية نقل له ما أستقر عليه من رأي وإجماع داخل الإجتماع. هاتفياً؛ للصفة العاجلة للأمر؛ هنا حدثت مفاجئة لم نكن نتصورها، فقد جاء لسعادة السفير رداً شافياً،حازماً، نقله له مدير المراسم الملكية بعد أقل من ربع ساعة فقط، الذي بال له "أمهلني ربع ساعة"؛ قائلاً " سعادة السفير، جلالة الملك يقول لكم مرحباً بسيادة الرئيس في بلده الثاني المملكة المغربية في أي وقت؛ وبانه وبشخصه، أي جلالته، وولي عهده، ورئيس الوزراء وكامل الحكومة المغربية والسفراء المعتمدين لدي المملكة؛ وكبار قادة الجيش الملكي، (وسينقل كل أولئك المسؤوليين بطائرة خاصة إلي مراكش إستعداداً لإستقبال سيادة الرئيس) (يا سبحان الله!!) وسيكونون جميعاً في إستقبال سيادة الرئيس لدي وصول وهبوط الطائرة الرئاسية في مطار مراكش.
الزيارة التاريخية الخاصة للسيد أحمد الميرغني للمملكة المغربية.
ما دعاني لكتابة هذه السطور القليلة التي قد لا تفي تلك الزيارة التاريخية حقها بمقياس الدبلوماسية من ذكر وتسجيل؛ هو ما سأذكره، وللتدقيق، والتوثيق، وإنني أثق في ذاكرتي، الشخصية والدبلوماسية منها؛ خاصة وأنا من إنتدبت بواسطة سعادة السفير بتكليفي بمرافقة السيد الرئيس في كافة مراحل الزيارة، ومنذ الوصول وحتي مغادرته للمملكة.
نقلنا في معية رئيس الوزراء المغربي وأعضاء حكومته والسفراء المعتمدين لدي الملكة المغربية بطائرة خاصة إلي مطار مراكش الدولي. وعند هبوط طائرتنا، وجدنا جلالة الملك وولي عهده، الأمير محمد وشقيقه مولاي رشيد وقوفاً في إنتظار مهيب للطائرة الرئاسية التي تقل سيادة رئيس مجلس رأس الدولة الرئيس أحمد علي الميرغني، ووفده المرافق، وقبيل هبوط الطائرة التي لاحت في أفق قريب من محيط المطار، حلقت طائرتان هيليكوبتر ملكيتان لإلقاء التحية علي السيد الرئيس قبل هبوط طائرته. (هاتان الطائرتان ظلتا ترافقنا موكب السيد الرئيس حتي مغادرته لأرض المملكة بعد إنقضاء أسبوع فترة الزيارة آلرئاسية لسيادته للمملكة المغربية).
أستقبل السيد أحمد الميرغني بحفاوة ملكية بالغة من قبل جلالة الملك الحسن الثاني، وولي عهده وشقيقه مولاي رشيد، وإستقبال
رسمي حاشد من قبل كافة المسؤوليين الذي نقلوا خصيصاً لهذه المناسبة العامة، جاء في معية السيد رئيس مجلس رأس الدولة، كل من السيد أحمد حسين الرفاعي الأمين العام للقصر الجمهوري، وعدد من المسؤولين من بينهم، ووزير الشباب والرياضة، واللواء عثمان بليه، ياور السيد الرئيس، وطبيب السيد الرئيس الدكتور النور عبدالمجيد، وعبدالله الشيخ مدير عام مراسم الدولة بالقصر الجمهوري.
أستضيف سيادة الرئيس بتوجيه ملكي، وفي المساء كانت المأدبة الملكية بقصر الباهية في مراكش؛ إحتفاءاً بمقدم السيد رئيس جمهورية السودان في القصر الملكي الصيفي في مراكش. إضطلع الوزير المفوض محمد أحمد عبدالغفار، أيضاً بمهمة إعداد الكلمة التي سيلقيها السيد الرئيس في المأدبة. ضمت المائدة الملكية عدداً من مستشاري جلالة الملك، وكبار المسؤوليين المغاربة من الوزراء وكبار قادة الجيش الملكي المغربي، والسفراء المعتمدين لدي المملكة، ولفيف من رجال أعمال ورموزاً في المجتمع المغربي، فرقاع الدعوة الملكية عندما توزع لمأدبة ملكية إحتفاءاً بزيارة رسمية لرئيس دولة ما، تمثل شرفاً باذخاً لا يماثله شرف للمدعوين من غير الرسميين. ولكن حدثت مفاجأة لم تكن في حسبان أي من الحاضرين؛ فقد طال إنتظار المدعوين لخروج جلالة الملك وضيفه الرئيس السوداني علي الحضور أكثر مما يجب وَمِمَّا كتب في رقاع الدعوة من توقيت لبدء المأدبة الملكية، خاصة وأن المراسم الملكية عرفت بالدقة في ضرب المواعيد والإلتزام بها، وهي التي تحافظ علي عراقة التقليد في المملكة، وبعد مرور أكثر من ساعتين، ظل الجميع وقفاً كل بجانب الكرسي المخصص له حسب خارطة الجلوس التي وزعت علي الجميع، وبالطبع لم يتجرأ أحداً قط علي الجلوس قبل وصول جلالة الملك وضيفه، بما في ذلك الوزراء وكبار قادة الجيش بزيهم ونياشينهم وأبهتهم، وعندما خرج جلالة الملك بادر علي الفور بالإعتذار للجميع علي إطالة وقوفهم إنتظاراً بما تجاوز الوقت بساعتين، قائلاً " إعذروني، فقد سألت هل سيلقي سيادة الرئيس كلمة مكتوبة أم سيرتجل كلمته قبل بدء مأدبة العشاء؟ فقيل لي بأن السيد الرئيس سيلقي كلمة مكتوبة مسبقاً، فطلبت الإطلاع عليها، فوجدت بها حقائق تاريخية، وكان لزاماً علي الرد عليها، فطلبت إستدعاء مؤرخ المملكة؛ (وهو الشيخ عبدالحق المريني، شيخ كبير طاعن في السن، محيط بالتاريخ الملكي و المعرفة) فجيء به، فطلبت منه الإطلاع علي الكلمة وإعداد رد لي؛ وهذا هو سبب تأخري عليكم" وأردف جلالته، قائلاً "إسمحوا لي بتلاوة كلمة مكتوبة أيضاً علي كلمة السيد رئيس" وكما جري العرف الدبلوماسي أن يتقدم المضيف بكلمة ترحيبيه بالضيف، يليه الضيف بكلمة رداً علي مضيفه. فأخرج جلالة الملك الحسن الثاني ورقة صغيرة من حيبه، (وهو الخطيب المفوّه)، وبدأ في تلاوة كلمته.
فالعلاقة التاريخية للأسرتين الشريفتين، كانت سر إنفراد جلالة الملك الحسن الثاني، ولساعتين قبل المأدبة الملكية التي أقامها جلالته إحتفاءاً بمقدم السيد أحمد علي الميرغني، يعود لوقوفه علي العلاقة بين السلالة الشريفة الميرغنية والسلالة الشريفة العلوية، المنتسبتين لرسولنا الكريم (ص) بنسبهم إلي إبنته الشريفة فاطمه الزهراء بزواجها من سيدنا علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، والحسن والحسين سبطي رسول الله الكريم. والسلالة الشريفة المتفرعه إلي إثني عشر سبطاً، سته منها نسل الحسن وسته نسل الحسين. (*) 3 والتي تنتسب إليها السلالة الشريفة للسيد محمد عثمان الميرغني الشهير (بالختم). مؤسس الطريق الختمية في السودان ومصر وإريتريا وإثيوبيا.
كلمة السيد الرئيس.
جاء في كلمة السيد الرئيس التي أعدها السيد الوزير المفوض محمد أحمد عبدالغفار، ذكراً لصلة الدم والوشيجة التي تربط الأسرتين الشريفتين، أسرة السيد أحمد بن إدريس، وأسرة السيد علي الميرغني وللعلاقات التاريخية الضاربة في القدم بينهما. تلك الجزئية هي الحقائق التاريخية التي ذكرها جلالة الملك والتي إقتضت إستدعاء مؤرِّخ المملكة، (الذي أشك أنه كان حاضراً أصلاً في القصر الملكي الصيفي في مراكش)؛ وربما أحضر علي عجل بطائرة خاصة للإضطلاع بأعداد الرد الذي ينشده جلالة الملك.
المفأجاة التي ألجمت الحاضرين، وعلي رأسهم الوزراء المغاربة أنفسهم، فقد أنعم جلالة الملك علي السيد أحمد علي الميرغني بإهداءه أمراً غريباً وغير مألوف، لم يمنح لأحد غيره من قبل؛ حتي الرؤوساء الفرنسيين الذين تربط بلادهم بتاريخ مشترك مع المملكة المغربية، فقد أعلن جلالته بأنه قرر منح السيد أحمد علي الميرغني، ولم يقل الرئيس، بالمواطنة الشرفية المغربية لسيادته، وتسليمه مفتاح مدينة مراكش. هنا فغرت أفواه الوزراء وكبار قادة الجيش، وتساؤلاً وحيرة تملاً عيونهم، وقد سألني وزيراً كنت أجلس إلي جواره " إيش هي المواطنه الشرفيه، عمرنا ما سمعنا بيها، وما حد حتي الرؤوساء الفرنسيين وغيرهم لم نسمع بأن جلالته قد أنعم عليها عليهم".
في مساء اليوم التالي، جاء جلالة الملك الحسن الثاني، مصطحباً كل من ولي عهده الأمير (آنذاك) محمد، وشقيقه مولاي رشيد، وإبن أخيه مولاي هشام (وكانت يده مكسورة ومحاطة بجبص)، جاء جلالة الملك دون حراسه تذكر، يرافقه الياور الخاص فقط، جاء لمقر إقامة السيد الرئيس، وقد أحضر معه كتاب شجرة العائلة العلوية، وهداياه الشخصية للسيد الرئيس، وجلس إلي السيد الرئيس وكنت علي مقربة منهم ( وحرصت ألا أسمع أي حديث تأدباً لهذا المشهد المهيب)؛ وبدأ جلالته يقرأ من الكتاب ومن ثم قدم للسيد أحمد الميرغني الهدايا الشخصية التي حملها معه، ولدي إنصرافه مروراً بحيث كنت أقف، قال محدثاً الياور الملكي "أبعث طباخي الخاص بطائرة إلي الدار البيضاء، قبل وصول السيد الرئيس ليبقي مع السيد الرئيس لحين مغادرته" المقر الذي إختاره جلالته لإقامة السيد الرئيس في الجزء الخاص بزيارته الخاصة من الزيارة الرسمية التي إنتهت بالأمس، مأدبة العشاء وقبلها المحادثات التي جرت بينه والرئيس. وبالمقابل أهدي السيد الرئيس الملك الحسن الثاني هديتن، أعجب بهما وسر بهما جلالة الملك أيما سرور وهما سني فيل يبلغ ارتفاعهما اكثر من مترين وضعهما عند مدخل القصر.
وتحضرني أن بالقصر الجمهوري العتيق في السودان كذلك (سني فيل) كالتي أهداهما السيد الرئيس أحمد الميرغني لجلالة الملك الحسن الثاني؛ لدي مدخل القصر، يقفان كضابطي ديدبان) لتحية كل زوار القصر؛ يطلان علي النيل الأزرق، قبيل دخولك إلي مبني القصر عبر باب (الكشر العتيق) بمزلاجه الكبير، ويطالعك علي شمال البهو الضيق، السلم الذي قتل فيه (غردون)؛ فرسان من الملازمين، واجهوه (بحرابهم وكواكيبهم) وأتى برأسه علي أسنتها للمهدي، ظناً منهم، إن هذا ما كان يريده الخليفة ؛ وذلك عندما كان غردون يهم بالنزول من السلم القصير المؤدي إلي الطابق الأعلي في قصره آنذاك، مزهواً في زيه العسكري، وصلفه، والمسدس في يده؛ سني فيل أضخم ما رأيت، وكانا يوماً ما رمزا للشموخ، وَمِمَّا يؤسف له أن وزيراً لرئاسة الجمهورية في العهد البائد (سأكتفي بإيراد الأحرف الأولي من إسمه؛ أ.أ.س)؛ قد أمر بإقتلاع باب الكشر ذاك و(ليس) أي أزال الدرج الصغير، بل وأزال جميع شبابيك القصر العتيق التي كانت من خشب السنط وإستبدلها بشبابيك من زجاج وصناعة رخيصة من بلد أغرق وطننا بالغث من صناعاته العديدة، وذلك الوزير المبجل لا يدري بأنه يمحو بجهله للتاريخ جزءاً هاماً من سطور تاريخ أمتنا. ولم يدر في خلده بأن غردون قد كان خاكماً في شنغهاي في وقت مضي، وقد عرف بقسوته في قتل الصينيين، فعندما يأتي أي وفد صيني زائر للقصر، يسألون عن موقع قتل غردون (غردون باشا، غردون الخرطوم)؛ وقد شهدتهم بنفسي، يسارعون بتصوير الدرج (المليس) موقعاً للسلم الذي تهادي وإختال فيه غردون؛ قبل الإيتاء برأسه المقطوع، (علي أسنه جوابهم) فكان مقتل غردون نهاية لحصار الخرطوم الذي إستمر إلي 317 يوماً، وكأنهم يؤرخون لأنفسهم لطاغية (اللواء تشارلز جورج غردون الصين في الفترة من 28 يناير 1833 إلي 26 يناير 1885) تجبر في بلاد (تشونغ هوا أو Catai) ؛ فسارع طبيب الأسنان الشهير ماهر سعد، وجامع التحف النادره المعروف؛ بشراء هذا الباب، وزين به بيته الريفي الواقف علي الضفة الغربية للنيل في ضاحية الجريف. فهل هناك رجل يملأ وجدانه حب الوطن وتاريخه العطر يعيد هذا الباب، وذاك السلم، فهمًا ليسا باباً وسلم، ولكنهما جزء من التاريخ؟.
نشير إلي أنه وبعد إستيلاء الإنقاذ علي السلطة في السودان أرسل الانقلابيون عدداً من مبعوثيهم لبعض الدول لشرح الأوضاع، من بينهم العقيد محمد الأمين خليفه، الذي أرسل للمغرب حاملاً رساله لجلالة الملك الحسن الثاني، وكان حينها لا يزال الوزير المفوض محمد أحمد عبدالغفار يعمل بالسفارة، وكنت قد نقلت لموقع أخر، فقال لي السيد الوزير المفوض، "أن محمد الامين خليفه سألهم إن كان من الممكن مقابلة الملك بالزي العسكري فنصحوه بألا يفعل وأن يرتدي الزي الوطني؛ عموما الملك لم يستقبله وكلف الوزير الأول بإستلام الرساله".
ويمضي محمد أحمد عبدالغفار قائلاً "في تقديرنا إنه إضافة لحساسية الملك تجاه الإنقلابات العسكريه، فإن جلالته كان غاضبا علي الإنقلاب ضد الحكومه المدنيه التي كان يرأس مجلس الدوله فيها مولانا أحمد الميرغني والذي ربطته به علاقات أسرية تاريخية".
تحرك موكب السيد الرئيس في الصباح الباكر متوجهاً صوب محطة القطار الذي سيقله إلي الدار البيضاء، فجاء ولي عهد المملكة لمرافقة السيد الرئيس في رحلته بالقطار الملكي إلي الدار البيضاء. فجلس علي شمال السيد الرئيس، قبالة سعادة السفير وشخصي، وعند بدء تحرك القطار من محطة القطار في مدينة مراكش التي تبعد مسافة 242 كيلو متر من الدار البيضاء، حلقت الطائرتان الهيليكوبتر اللتان إستقبلتا السيد الرئيس قبل هبوط طائرته للتحية في مراكش؛ حلقتا فوق القطار الملكي، وعند إنطلاق القطار لاحظت أن هناك جنوداً قد إصطفوا متفرقين علي إمتداد السكة الحديد من مراكش حتي الدار البيضاء مولين وجوههم عكس القطار بحيث لا ينظرون إليه، وواصلت الطائرتان الطيران بنفس سرعة القطار، وواصلت السيارات الملكية التي كانت تقل السيد الرئيس والوفد المرافق له (Cortège)؛ التحرك ايضاً بنفس سرعة القطار، ولدي وصول القطار الملكي إلي محطة الدار البيضاء؛ (ولَك أن تتخيل هذا الحدث المهيب)، إصطحب الأمير محمد السيد الرئيس إلي ذات السيارات الملكية وغادر الموكب إلي الفندق، والجناح الملكي الذي حدده جلالة الملك مقراً لإقامة السيد أحمد الميرغني. ولم يكتفي جلالته بالإضطلاع بتلك الترتيبات فحسب، بل حدد للسيد الرئيس زيارة خاصة لمواقع أخري من بينها، مصنع الفوسفات، والأسطبل الملكي، ووافق جلالته علي إستئذان أحد كبار رجال الأعمال المغاربة علي إقامة مأدبة غداء علي شرف السيد الرئيس والوفد المرافق له، تكريماً لزيارته للمملكة، (وعرفاً لا يجوز دعوة ضيف علي الملك دون إستئذانك وموافقته)، وكانت الدعوة من أبهي وأعظم المأدب إعداداً، من فاخر المأكولات المغربية، من البسطيلة ، المرزية، والطاجين ، والمأكولات البحرية الفاخرة التي يجيدها المطبخ المغربي المعروف بتميزه.
الضريح الملكي ... وصومعة حسان.
زيارات الرؤوساء والملوك للمملكة المغربية لا تكتمل إلا بزيارة الضريح الذي يسجي فيه الملك محمد الخامس، والد الملك الراحل الحسن الثاني، أقيم الصريح علي نهر أبي الرقراق في الموقع الذي يفصل بين مدينتي الرباط ومدينة سلا، بجانب صومعة حسان التي أقامها الخليفة الموحدي الثالث يعقوب المنصور في العام 1198 ميلادية، وأمر الملك الحسن الثاني بناء الضريح تخليداً لذكري والده الراحل الملك محمد الخامس، وهو الضريح الذي دفن فيه الملك الراحل الحسن الثاني نفسه بجانب والده وأخيه الأمير عبدالله.
زيارات الرؤوساء لا تكتمل إلا بزيارة ذلك الضريح الذي يعد تحفة معمارية باذخة، ومعلما سياحياً ورمزاً فريداً للعمارة المغربية، إكتمل بناؤه في العام 1971؛ يقرأ فيه القرءان علي مدار الساعة؛ ولكن السيد أحمد الميرغني إعتذر بهدوء لمدير المراسم عبدالله الشيخ عن زيارة الضريح (لسبب معين)؛ ولكن وبما أن مراسم زيارات الرؤوساء للمملكة المغربية (شكراً وتقديرا) لا تكتمل إلا بزيارة الضريح، ونسبة للحرج الذي أحسسته لدي سفير جلالة الملك لدي الخرطوم محمد الخمليشي، همست في أذن السيد عبدالله الشيخ، قائلاً "بأنني سأفكر وأبتكر طريقة ما لجعل زيارة الضريح واقعاً"؛ وبالفعل وعند إقتراح السيد السفير علي السيد الرئيس زيارة السفارة في الرباط، وموافقة سيادته، أخطرت السيد السفير بما عزمت عليه؛ وإنتهزت الفرصة فقمت بشراء (بكيه ورد كبير) ؛ ليضعه السيد الرئيس علي الضريح، وعندما دلف موكب السيد الرئيس لمدخل مدينة الرباط قادماً من الدار البيضاء، قلت لسائق سيارة السيد الرئيس بأننا سنعرج علي الضريح للزيارة والصلاة ومن ثم ننطلق إلي مقر إقامة السيد السفير، وقد كانت تلك هي الحيلة البرئية التي دبرتها حتي لا يحدث حرجاً رئاسياً بعدم زيارة السيد الرئيس الضريح الذي يعني لجلالة الملك الحسن الثاني وللمغاربة أمراً هاماً وكبيراً، وليس (مجرد زيارة قبر أو لفته مراسمية).
وقد يقول قائل، ما هو تصنيف تلك الزيارة من المنظور السياسي والدبلوماسي؟ أهي زيارة رسمية لرئيس دولة؟ ام زيارة دولة؟ أم زيارة عمل؟ أم زيارة خاصة؟ فأقول إنها لم تكن زيارة عمل، وربما لم تجري فيها مباحثات سياسية معمقة كما عرف في الزيارات الرسمية لرؤوساء الدول أو زيارات الدولة أو زيارات العمل؛ فربما كانت هي زيارة خاصة، ولكن ما حدث فيها من تكريم رفيع لا سابق له في تاريخ العلاقة بين البلدين الشقيقين، وما ناله رئيس السودان من إهتمام وتقدير، يكفي السودان فخراً بأن نضع الزيارة في إطار ونسق الزيارات الهامة لرئيس سوداني من دولة راسخة البناء الدستوري كالمملكة المغربية. طيب الله ثري كل من جلالة الملك الحسن الثاني، رجل الدولة المعروف، والسيد أحمد علي الميرغني، رمز العفة والشرف، الذي دخل ديوان الحكم في بلادنا وخرج منه كما دخل، لم تمتد يده الشريفه لمال عام ولم نعرف عنه سوي السماحة في الخلق؛ ويكفيه فخراً وشرفاً وعزاً من أنه سليل أسرة شريفه، نهلت من العلم من مصادره؛ فالسيد الميرغني وأبن عرفه والسنوسي كانوا طلاب علم ومعرفه لدي يدي شيخهم السيد أحمد بن إدريس، وكل منهم كان نبراساً في نشر الدين والتصوف والعلم في بلاده وبين شعبه.
وللصلة الدينية الخالصة والقديمة والراسخة التي تربط بين السادة المراغنة وسائر أسرة الخليفة مكي عربي، وخليفته آنذاك، إبنه الخليفة أحمد الخليفة مكي عربي (طيب الله ثراه)؛ إصطحبني، الخليفة أحمد لدي زيارة لي للخرطوم بعد الزيارة التاريخية لمولانا السيد أحمد الميرغني للمملكة المغربية، لمقابلة سيادة الرئيس، ليس في القصر الجمهوري، بل في بيته المتواضع في مدينة بحري، ودون أي صفة رسمية لي، سوي علاقتي ببيت الخليفة مكي عربي وأسرته الفاضلة، وبصديقي وأخي الراحل، سعادة السفير مكاوي الخليفة مكي عربي، الذي إستضافني في بيته، وبيت أل الخليفة مكي عربي الكبير المضياف؛ وأنا في بداية حياتي الدبلوماسية، فأحاطوني بعطف وبكرم لا قبل لي به، وبفضل لن أنساه، وبمحبة رائعة؛ إصطحبني الخليفة أحمد، قائلاً "ما دام جيت بالسلامة، نمشي نسلم علي مولانا في بيته، فقد عاد من زيارته للمملكة المغربية بذكريات لا تنسي، و بتقدير ملكي للعلاقة التي تربط الأسرتين الشريفتين" ؛ والخليفة أحمد، مقرب من العائلة الميرغنية؛ ومولانا السيد محمد عثمان الميرغني، ومحل سره؛ ولدي دخولنا بيت مولانا أحمد الميرغني، وجدنا رهطاً من الناس في الصالون الصغير في إنتظاره، سلم عليهم الخليفة أحمد، وأمسك بيدي صعوداً في الدرج الصغير، فسألته إلي أين؟ فقال لي إلي غرفة مولانا؛ فقلت له لا يجوز لي، ربما أنت يا خليفه؛ فإبتسم، وما هي إلا لحظه واحدة؛ إلا وقد وجدت نفسي في مواجهة؛ رجل سوداني بسيط، في جلباب عادي، وغرفة نوم عادية لا يميزها أي شيء عن مساكن عامة السودانيين، فسلم علينا بترحاب وبشاشة وبوجه طلق؛ وإسترجع معنا بعضاً من ملامح تلك الزيارة في تواضع جم وحبور وتقدير كبيرين.
المراجع:
(*) 1 السكرتير الثالث نصرالدين والي آنذاك.
(*)2 المغرب تاريخ وعراقة، مجلة كلمتنا، رئيس التحرير، أ. أحمد محمد علي.
(*)3 المرجع ويكيبيديا
ملاحظة: أستميح الجميع عذراً، إن كنت قد تأخرت في تسجيل هذه الملاحظات والتي أعتقد بأنها جديرة بمعرفة كل السودانيين لها، فهي في تقديري المتواضع ملكية فكرية عامه.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.