سودانايل تنشر نص الخطبة التي ألقاها الإمام الصادق المهدي لعيد الفطر المبارك بمنزله بالملازمين    بمناسبة عيد الفطر حمدوك يدعو للالتزام بالارشادات لعبور جائحة كورونا    تسجيل 256 إصابة جديدة بفيروس كورونا و 9 وفيات    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    بشرى سارة اكتشاف علاج لكورونا!! .. بقلم: فيصل الدابي    جمعية الصحفيين السودانيين بالسعودية تنعى زوجة الزميل خليفة أحمد - أبو محيا    ومضات: إلى شهداء فض الإعتصام في 29 رمضان 2019م .. بقلم: عمر الحويج    سكر حلفا الجديدة .. بقلم: عباس أبوريدة    رواية (هذه الضفافُ تعرفُني) - لفضيلي جمّاع .. بقلم: عبدالسلام محمد عبد النعيم    الشئون الدينية: تعليق صلاة العيد بكل المساجد والساحات    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    تسجيل (235) إصابة جديدة بكورونا و(16) حالة وفاة    أجور الحياة المنسية .. بقلم: مأمون التلب    أسامة عوض جعفر: غاب من بعد طلوع وخبا بعد التماع .. بقلم: صديقك المكلوم: خالد محمد فرح    ترامب يحرِّك الرُخ، فهل يَنْتَصِر مرّة أخْرى؟ .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    تخريمات دينية! .. بقلم: حسين عبدالجليل    أردوغان يتطفل على ليبيا .. بقلم: علاء الدين صالح، كاتب وصحفي ليبي    الإصلاح الاقتصاديو محن روشته صندوق الدولي .. بقلم: محمد بدوي    نداء عاجل ومناشدة بخصوص الأوضاع الصحية المتدهورة في الفاشر - ولاية شمال دارفور    ارتفاع عدد الوفيات وسط الاطباء بكورونا الى خمسة .. وزارة الصحة تعلن توسيع مركز الاتصال القومي للطوارئ الصحية    تصحيح العلاقة بين الدين والمجتمع والدولة: نقد إسلامي لمذهب الخلط بين اقامه الدين وحراسته .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    رسالة لوزير الصحة الاتحادي .. بقلم: إسماعيل الشريف/تكساس    رمضان لصناعة السكر الأهلي فى قرى السودان .. بقلم: د. أحمد هاشم    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رؤي نحو سودان جديد: اصلاح التعليم (1) .. بقلم: بروفسور محمود عبدالرحمن الشيخ
نشر في سودانيل يوم 18 - 02 - 2020

الكتابة الصحفية فن لست من أهله ولا من أدعائه. لكن ما يدفعني الآن إلى ولوج هذا الميدان الذي تركته منذ أزمان بعيدة ما يمر به الوطن هذه الأيام من مخاط عسير بعد ثلاثين، بل ستين عاما، عجافا من مسيرته الوطنية؛ والإحساس بأن أقل ما يجب علينا تجاهه هو أن نساهم ، بما حبانا الله به من علم ومعرفة وخبرة، مهما كان قصورها، في تقديم رؤانا حول كيفية تصحيح المسار ورسم خارطة طريق تقود إلى وطن ينعم بالحرية والعدالة والسلام والتنمية والرخاء والرفاه أسوة بغيره من شعوب العالم لأنه، وبكل صراحة ، يستحق أن يكون في مقدمة الأمم لا في ذيلها.
وتنبع أهمية هذه الرؤي بأن الكثير منا يتحدث هذه الأيام عن التغيير السياسي وتكوين هياكل الحكم المختلفة وكأنها عصا موسي السحرية ومصباح علاءالدين الذي ما أن تمسح عليه حتي تمتلئ أرض السودان عسلا وشهداً وخيرا وفيرا وتتحول الجروف إلى بساتين خضراء وأرضا معطاء وسنبلا أخضر وتعم الكهرباء وتتحول الطرق الوحلة إلى شوارع نظيفة وظلال وريفة تجري فيها القطارات السريعة وتحلق فوق أجوائها الطائرات المنيفة. تلك مني وأحلام ليس تحقيقها ببعيد على الله ذا ما تضافرت الجهود وتكاتفت الجسوم والعقول وارتفعت الهمم وتغيرت المفاهيم البالية بعد دراسة تحليلية عميقة لأسباب التخلف والقعود . فالتغير لا يحدث بين يوم وليلة ولا بتغير النظم السياسية وتغير الأشخاص والهياكل والقوانين لكن يحدث من خلال العزيمة والهمة من جانب الإنسان لأنه صانع التغيير بعون الله وهو ما أكده خالق الإنسان جل وعلا بقوله: " إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم." سواء أكان هذا التغيير نحو الأفضل أو إلى الأسواء. والتغيير لن يحدث دون خارطة طريق واضحة المعالم بعد التعرف على مكامن الضعف ومصادر القوة والمهددات وفرص النجاح. فالعبرة ليست بالحصان الذي يقود العربة ولكن بتصميم العربة ومسارها.
ومن هنا فلا بد، وقد وفق الله سبحانه وتعالي أهل السودان للتوافق على هياكل الحكم ومساره خلال الفترة الانتقالية من خلال التوقيع على الإعلان السياسي والوثيقة الدستورية وإعلان المجلس السيادي والحكومة الانتقالية، أن يعكف أهل الفكروالعلم والخبرة على تقديم رؤاهم حول مستقبل البلاد ومسيرتها سعيا لتحقيق الحرية والمساواة والعدالة والتنمية المستدامة بما يكفل عيش كريم ونهضة زاهرة تتفق والتضحيات الجسام التي قدمها هذا الشعب الآبي.
ولما كنت من أهل التعليم وخابريه تدريسا وبحثا وإدارة فقد رأيت أن أبدأ تلك الرؤي بالحديث عن التعليم وإصلاحه. وهي رؤي قدمت شطرا منها في لقاءين تلفزيونين في قناة السودان القومية في برنامج " الحصة وطن" والحقيقة أن تلك الرؤي عن التعليم عموما والتعليم العالي بخاصة ، قد كتبتها قبل أكثر من عامين من قيام ثورة ديسمبر المجيدة وحالت ظروف عديدة دون نشرها في حينها. ثم قدمت شطرا منها في لقاءين تلفزيونين بقناة السودان القومية في برنامج " الحصة وطن " قبل ما يقرب من شهرين. إلا إني رأيت نشرها تعميما للفائدة وسعيا لإثارة النقاش.
ما دفعني للكتابة تلك الروية يومها ما لمسته وخبرته من فوضي وترد في كثير من مجالات التعليم بعد تسعة عشر عاما قضيتها خارج البلاد. وثانيا لأن التعليم هو أساس نهضة الأمم بل ركيزة حياتها. والحقيقة أن السبب الأساس الذي دفعني لكتابة تلك المقالات حينها كان هو أننا خرجنا ذات صباح من المسجد بعد أداء صلاة الفجر فقال أحدنا وهو يشير إلى البيت الفاره ذو الطابقين، ذو الشقق العلوية المؤجرة، على الناصية المقابلة للمسجد والمطل على الميدان الفسيح: أما علمتم أن فلان.......( صاحب المنزل) قد باع منزله. قلت مندهشا، فاغرا فاهي: أو مثل هذا المنزل يباع؟ وما السبب ? فقد كنت اعلم أن صاحبه على حال مادي طيب. فأجاب لقد باعه صاحبه من أجل تأسيس كلية جامعية. وقال أخر لم لا وأن أفضل استثمار هذه الأيام هو التعليم. قلت ولكن صاحب المنزل لا صلة له بالتعليم، ليس من رواده ولا المشتغلين بمهنته. لكني سرعان ما استدركت وتذكرت كيف أن وزيرا سابقا قد قابلني في بيت عزاء قبل فترة وبعد عدة اشهر من عودتي إلى السودان نهائيا بعد طول اغتراب ليطلب مني بعد أن عرف من الشخص الذي قدمني له بأنني أعمل في حقل التعليم العالي أن أزور كليته التي أسسها في أحد أبنية الخرطوم. وعدته بأدب أنني سوف أحاول تلبية رغبته إذا ما سهل الله لي ذلك. لم يكن ذلك الوزير من أهل التعليم ولا من الذين على صلة سابقة به لكنه ما أن ترك كرسي الوزارة حتي ولج سوق الاستثمار من باب التعليم. وتكررت مقابلتي للكثيرين من أصحاب المال والوزراء والمسؤولين السابقين كل منهم يتحدث عن مدرسته أو كليته الجامعية التي أنشأها منفردا أو مع غيره. بل إن عددا من الزملاء الذين عاصرتهم داخليا وخارجيا طلبوا مني بعد عودتي أن أشاركهم ماليا في تأسيس كليات جامعية.
من يومها أدركت أننا أمة قد فقدت الرؤية وضلت المسار. و تبين لي أس الداء الذي استشري في جسد الوطن فأحاله مقعدا مريضا، كسيحا لا يقدر على حراك. وأحسست أن أمة تجعل من العقل سلعة تباع وتشتري ومنتوجا يساوم به في سوق النخاسين لحري أن يصيبها العمي ويختم على قلوبها بالران.
وليعذرني القارئ في أن أبدأ مقالتي بالحديث عن العلم وأهميته على الرغم من ذلك ربما يكون معروفا للجميع وذلك لارتباط المقدمة بما يليها من آراء.
العلم والتعلم وأهميتها:
الأمم لا تقاس بكثرة مواردها وثرواتها وإنما بقدرتها على الاستفادة من تلك الموارد والثروات في الارتقاء بشعبها واعلائه المراقي العليا في النهضة والتقدم. كل ذلك لا يتأتي إلا باستنهاض القدرات البشرية المدعومة بالعلم والعمل وقوة الإرادة. وأعظم أدوات هذا النهوض منذ فجر البشرية كان العلم. فالعلم قرين الخلق، السابق كل الرسالات السماوية. ذلك أنه في ذات الوقت الذي خلق فيه الله جلا وعلا آدم عليه السلام أنعم عليه بالعلم. هذا ما تدل عليه آيات القران الكريم في سورة البقرة ذلك أن الله بعد خلقه لآدم علمه العلم وتحدي به الملائكة الذين استنكروا خلق من يفسد ويسفك الدماء. "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك." كان التحدي هو تعليم الأسماء. ذلك إن كان الخلق قبل آدم مفسدين، سفاكين للدماء فقد ميز الله آدم وبنيه بما يهذبهم ويسمو بهم من الطبيعة الحيوانية إلى طبيعة بشرية خيرة بالانعام عليهم بالعلم. فالعلم والتعلم هو هما الأداة التي يسرها الله ليحقق بهما آدم عليه السلام وبنيه من بعده الخلافة في الأرض.
ومن هنا أضحي العلم /التعليم واجبا مقدسا لأنه الطريق إلى سمو النفس البشرية ورفعتها وإنارة للعقل ليعي ما حوله ويدرك الغاية من خلقه ووجوده على الأرض. لينطلق الإنسان من ثم إلى معرفة الكون المحيط به فيدرك عظمة الخالق والمصور والموجد لكل ما يحيط به. فالعلم هو الدليل والبرهان الذي يتوصل به العقل لمعرفة الله وآياته في النفس والكون وهو الهادي إلى حسن المسار في تسخير نعم الله على الأرض خلافة راشدة. فهو السلاح الذي تفوق به سيدنا آدم على الملائكة : " وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال آنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم تعلمون . قالوا سبحانك .لا علم إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون." (سورة البقرة)
فالتعليم ذاك الأمر المقدس والتوجيه الرباني الذي كان أول أمر يخاطب به نبي البشرية الأمي حينما لاقاه سيدنا جبريل في غار حراء قائلا " إقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم " (1-5: سورة العلق)
والقراءة علم وتعليم. والعلم ديدن الأنبياء والطريق إلى معرفة الله وخشيته "إنما يخشي الله من عباده العلماء". وكثير هي آيات القرآن الذي تتحدث عن العلم وأهميته في معرفة الحق والطريق المستقيم. ومن هنا لم يكن مستغربا أن يكون المقابل الذي يطلبه رسول الله من أسري قريش بعد معركة بدر فدية لاطلاق سراحهم أن يعلموا عددا من المسلمين القراءة والكتابة. ذلك أن الأميين ،أي غير المتعلمين ،لا يعلمون الكتاب، أي الحق، إلا أماني ولا يظنون إلا ظنا. ومن هنا أدرك الرسول عليه الصلاة والسلام أهمية أن يتعلم المسلمون القراءة والكتابة كوسيلة لتعلم القرآن وغيره. ومن هنا أضحي التعليم واجبا مقدسا لأنه الطريق إلى معرفة الحق وعمران الأرض علي دعائم الخلق القويم بما فيه خير الإنسان ومصلحته.
كل ذلك يجعل من العلم والتعليم أمرا مقدسا وفرضا واجبا لا مندوحة عن القيام به لا يسقط بأداء البعض له بل هو واجب على الكل. فالتعليم/ العلم لا يقل أهمية عن الصلاة وأركان الإسلام الأخرى .ذلك أن التعليم بجانب أنه الطريق الموصل إلى معرفة الله وآياته فهو الهادي إلى الوسائل المثلي لتحقيق العمران في الأرض . ومن هنا فإن التعليم، في رأئي، قرين الإيمان وفرض غير مباشر.
ومن هنا فحين تجاهل المسلمون وتعاموا عن تعليم أنفسهم وأبنائهم وبناتهم التعليم الديني والدنيوي الصحيح عجزوا عن أداء حق الخلافة في الأرض وضلوا سواء السبيل بانحرافهم عن الطريق المستقيم واضلوا غيرهم بعجزهم عن القيام بالدعوة إلى الله بفشلهم في إدراك الدور المنوط بهم وقصروا الإسلام في شعائر وطقوس يؤدونها بأجسادهم لا بقلوبهم وعجزوا عن أن يدركوا أن الدين لا يقوم إلا بالعلم والتعليم.
سقت كل تلك المقدمة لأبين أن التعليم أمر هام لا يجب أن يترك لهوي الأفراد أو أن يصبح سلعة تباع في سوق النخاسين، بل واجب تقوم به الدولة أو من ينوب عنها وفق فلسفة ورؤية واضحة واستراتيجية متقنة تنظر للتعليم كقضية رسالية تهدف إلى صياغة مواطن صالح عامل ماهر وتعليم كافة أفراد المجتمع بغية تمليكهم مهارات التدبر والتفكر واتقان العمل وتزويدهم بالمعرفة الصحيحة التي تعينهم على معرفة ربهم ودينهم وإدراك واجبهم تجاه أنفسهم ومجتمعاتهم وأوطانهم وأخوانهم المسلمين وإخوانهم في الإنسانية.
وإني لأعجب كيف تقوم دولة بواجبها من خلال تنمية قدرات مواطنيها وتعمل على النهوض بإنسانها وهي تجعل من التعليم تجارة وسلعة. إن أولي مسؤوليات الدولة، مهما كان شكلها ونوعها، هو العدل والمساواة بين المواطنين. ومن ثم فإن ترك التعليم للقطاع الخاص الذي لا يهمه إلا الربح، دون ضابط، يعني أن هناك قطاعا كبيرا من المجتمع لن يجد فرصته في التعليم أو أنه سيتحصل على مستوي من التعليم أقل جودة لأن الأثرياء سيلتحقون بالمدارس ذات الإمكانات العالية بينما يتحصل الفقراء على أدني المستويات؛ هذا إن وجدوا إلى ذلك سبيلا. إن من شأن ذلك أن يؤدي إلى الحرمان الذي يولد الحقد في النفوس والاحساس بالظلم الاجتماعي مما يؤدي إلى حركات التمرد والنزاعات والثورة. إن السلم الاجتماعي لا يقوم إلا بالعدل والتعليم الذي توفره الدولة للجميع دون استثناء منذ مراحل التعليم الأولي. والمساواة في التعليم هي أكبر ضامن لهذا السلم لأن الأطفال سيحسون ويقدرون منذ سنين عمرهم الأولي بطعم المساواة وتساوي الفرص فينشأون سليمة نفوسهم، نقية قلوبهم لا تحمل حقدا ولا غلا . إن بناء الفرد المسلم المؤمن بربه العالم بحدوده المدرك لواجباته تجاه مجتمعه وأمته لن يتم إلا بالتعليم السليم الذي لايستثني أحد من أفراد المجتمع.
ومن هنا فإن ما يصيب العالم الآن من فوضي وقتل وتقتيل وهرج ومرج وفساد وفسوق مسؤول عنه بدرجة كبيرة عدم المساواة وتغول الأقوياء على حقوق الضعفاء ، بقدر ما مسؤول عنه الجهل والفقر والحرمان. ويتحمل أتباع الديانات والحكماء وأهل الفكر والقادة السياسيين الوزر الأكبر في ذلك لعجزهم عن إدراك مهمتهم في هذه الحياة ولغيابهم عن مسرحها وفشلهم في إدراك أن خلافة الله في الأرض وعمرانها لا تتحقق بالسيف والجهاد الحربي والتنطع بل بالعلم والدعوة بالحسني وبالقدوة والأسوة الحسنة. فحين ترك أهل العلم والحكمة والتبصر أمر العلم لغيرهم من أصحاب الهوي والمصالح فسدت الأرض " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس". وحينما تجاهلوا التعليم وجعلوه سلعة يتنافس عليها التجار أضحوا جاهلين ليس فقط بأمور دينهم بل أيضا بأمور دنياهم فأضحوا في مؤخرة الأمم ونسوا أن الدنيا مزرعة الآخرة .
هناك من يقول أن التعليم في عصرنا الحاضر أضحي باهظ التكاليف، عالي الكلفة تعجز كثير من الدول الفقيرة عن توفيره. وأنه إذا كانت الدولة عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة لمواطنيها فكيف تستطيع توفير التعليم المجاني لهم. بل أنني سمعت أحد أصحاب المال قبل أيام يسخر من قول رئيس الوزراء حمدوك بأهمية مجانية التعليم قائلا من أين له المال لذلك؟ صحيح أن التعليم مكلف لكن عجز الدولة السودانية عن توفيره ناتج عن عجز رؤيتها ونظامها التعليمي منذ الاستقلال حتي الآن. فقد عجزت الدولة عن إعطاء التعليم الأولوية التي يستحقها واعطت كل تركيزها للسياسة والأمن فقصر إدراكها عن أن الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والأمن والسلم الاجتماعي لا يتوفران ويتحققان إلا من خلال التعليم لا بغيره . فالأمن المجتمعي يتحقق برفع مستوي الوعي والادراك والقضاء على الجهل لا بالحرب والبندقية، وكذا النمو الاقتصادي الذي يحتاج لإعمال العقل والابداع والابتكار في استغلال الموارد المادية والبشرية. وكل ذلك لا يتأتي إلا بالعلم والتعليم وهو ما أدركته الدول المتقدمة فقدمت التعليم على غيره. فالحكومات السودانية المتعاقبة لم تسع للأسف لتطوير رؤيتها نحو التعليم فتبنت ذات الرؤية الاستعمارية التي كانت تنظر للتعليم كبعد وظيفي لا تربوي نهضوي ، يهدف لتخريج موظفين لا متعلمين فقصرت التعليم على الصفوة ولم توفره لكل أبناء السودان فقيرهم وغنيهم وتبنت ذات المناهج والسياسات الاستعمارية القاصرة.
انظر إلى دولة صغيرة مثل فنلندا تطبق مبادئ الإسلام في التعليم بحذافيرها من مجانية كاملة للتعليم من الروضة حتي الجامعة ومساواة بين كل قطاعات المجتمع واهتمام بالمعلمين فلا غرو أن تحتل المرتبة الأولي عالميا من حيث جودة التعليم. وهناك كوريا التي كانت في مؤخرة الأمم وخامس أفقر دولة في العالم حتي تولي امرها رؤساء عرفوا قيمة العلم في ارتقاء الأمم ، أشهرهم لي ميونج باك 2008-2013م الذي كان في شبابه يحمل القمامة ليصرف علي تعليمه ثم ليصبح بعدها رئيسا لشركة هونداي، ثم رئيسا لبلاده كوريا وحقق ما عجز عنه حكام العرب والمسلمين جميعا الذين ولد بعضهم وفي فمه ملعقة من ذهب، فماذا فعلوا أهتموا برفاهية شعوبهم وتأمين أنفسهم بالجيوش ورجال الأمن أكثر من اهتمامهم بتعليم شعوبهم وبسط الحرية، لم يدركوا أن رسول الله كان هاديا ومعلما ولم يكن غازيا ومغيرا. فماذا كانت النتيجة ؟ شعوب متخمة تتفشي بينها أمراض التخمة مثل داء السكري والضغط وغيرها ، يهمها سباق السيارات واقتنائها ومشاهدة كرة القدم ، أكثر من حبها للعلم والبحث والاختراع ، أو جائعة جاهلة الدين عندها تنطع وتكفير وتشدد ، أكثر من أن يكون هداية للبشرية ، ورحمة تتمثلها قيم التسامح والعدل وتوحيد الله . ذلك لأنها حينما تعلمت أهتمت بالقشور وأصبح العلم عندها شهادة بدلا من أن يكون ريادة. فلو أن ما أنفقته الانقاذ، كمثال، على الجيش والأمن والحرب ، أنفقته على التعليم لخلقت سودانا مستقر، ناميا مزدهرا.
هناك من يقول إنما شيد في عهد الانقاذ من مدارس وكليات وجامعات فاق ما كان قبلهم. هذا صحيح من حيث الأرقام لكن العبرة ليست الكم وإنما بالكيف. فالانقاذ على الرغم من تشدقها بالشعار الإسلامي اتبعت وتبنت ذات الرؤية الاستعمارية ألا وهي التعليم الوظيفي لا التعليم التربوي القيمي النهضوي فكانت المحصلة قاصرا يفتقر للجودة والهدف وخريجين كثر بلا عمل. ومن هنا لم يكن مفاجئا أن تتحول طاقات أولئك الخريجين ، بسبب القهر والظلم ، وقودا للثورة بحثا عن حياة أفضل.
أنظر لحال التعليم في السودان اليوم. تري العجب العجاب، تعليم يهتم بالكم لا بالكيف. عشرات المدارس والكليات والجامعات ولكن المحصلة النهائية محبطة وتبعث على الأسي. أنصاف متعلمين بعضهم يكاد بالكاد أن يفك الخط أو يسطر خطابا مفهوما، وألافا من حملة البكالوريوس الذين يفتقدون لأساسيات العلوم الطبيعية والنظرية ولأبسط المهارات في التفكير والنقد والعمل الجماعي والتواصل، دعك من افتقاد قيم الوقت وحب العمل وحرية الرأي وتقبل الأخر. أما حملة الماجستير والدكتوراه فحدث ولا حرج . فكما قال لي يومها أستاذنا الجليل بروفسور دفع الله الترابي فإن الكثير من رسائلهم العلمية تفتقر لابسط قواعد المنهجية العلمية، دعك من ركاكة الأسلوب وتكرار الموضوعات وكثرة الانتحالات والنقل واللصق. بل إن بعضهم ممن يقومون بالتدريس في الجامعات لا يعرف الفرق بين التدريس والتعليم ولا يتقن حتي اللغة العربية لسانه، دعك من اتقان أصول البحث العلمي ومنهجيته . ثم هم بعد ذلك يتطاولون ويشرفون على الرسائل الجامعية ويخرجون ذات النوعية. ولا يعني هذا عدم وجود أمثلة مضئية ورائدة وأصيلة . فهناك العديد من الأمثلة لطلاب وأساتذة سودانيون أثبتوا جدارة وتفوقا مذهلا حينما تهيأ لهم مناخ الابداع في بلاد الاغتراب . لكن تلك النماذج المضيئة مثلها ومثل شمعة في نفق مظلم أو مركب صيد في المحيط لجلج.
إن أسباب تدني التعليم في السودان كثيرة تطرق اليها الكثيرون قبلي ليس أقلها تسيس التعليم وغياب الفلسفة وضحالة المناهج وقلة الموارد وهجرة الأكفاء من المعلمين وأساتذة الجامعات والاحباط الذي يضرب الاساتذة بتدني الرواتب مما جعلهم يحملون حقائبهم من مدرسة إلى أخري ومن كلية إلى كلية ومن جامعة إلى جامعة مثل الدلالين يبيعون بضاعتهم لمن يدفع أكثر وهم لا يدرون أنها بضاعة لا تسمن ولا تغني من جوع لأنها قديمة، مكرورة وغير مواكبة . وكيف لا تكون كذلك وهم لا يجدون وقتا للإطلاع والتحضير والبحث عن المستجد من العلم.
العلم والحرية أساس التقدم:
إن أهم أسباب تدني مستوي التعليم في السودان، في رائي المتواضع، هو غياب الرؤية وإدراك ماهية العلم والتعلم والغاية منهما وغياب الحرية الإنسانية والفكرية وانعدامهما في مجالات التعليم كافة. فبغياب الغاية والهدف ينحرف المسار وبغياب الحرية يقتل الابداع والخلق والابتكار وتنعدم الشفافية وتنحط الأمم، لأن بهما يكون النهوض والتقدم والازدهار الخلقي والحضاري . وعلى الرغم مما يثيره البعض من تخوف وشكوك حول مفهوم الحرية إلا أن هؤلاء قد فات عليهم أن الحرية قيمة إلهية مرتبطة ارتباطا وثيقا بخلق الإنسان وعزته وكرامته. وتنبع قيمة الحرية بأن الإنسان خلق من روح الله . قال تعالي مخاطبا الملائكة : " فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ". وبما أن الله كريم عزيز فإن الإنسان قد ورث ذات العزة والكرامة . " ولقد كرمنا بني آدم ......." وكثير من آيات القرآن تركز على كرامة الإنسان وعزته . ومن هنا فقد حرم الله قتل الإنسان وإيذائه، إلا بالحق . ويتأكد سمو الإنسان ورفعته بهبة العقل التي منحها الله أياه . والعقل لا يعمل إلا في فضاءات الحرية كما تؤكد على ذلك قصة إبراهيم الخليل ورحلته من الشك إلى اليقين. فلولا الحرية وإعمال العقل لما توصل إبراهيم الخليل عليه السلام لمعرفة ربه وخالقه . فرحلة سيدنا إبراهيم من الشك إلى اليقين هي التي أوصلته للإيمان . ولم يستنكر الله سبحانه وتعالي هذه الرحلة العقلية بل أكدها بقوله سبحانه " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين". وفي هذا القول الآلهي أعظم دلالة على أن الله يحث على إعمال العقل في كل أمر. فالراشد من يصل إلى الحقيقة والضال من ينحرف عن الطريق.
والحرية قديمة قدم خلق الله سبحانه للإنسان. فالله خلقه في أحسن تقويم وجعله راعيا لنفسه مسؤولا عنها بما انعم عليه من السمع والبصر والفؤاد" ولا تقف ما ليس بك به علم إن السمع والبصر والفؤاد. كل أولئك كان عنه مسؤولا". ولكيما يكون الإنسان مسؤولا أمام خالقه الذي نفخ فيه روحا منه ، عليه أن ينزع كل سيطرة من خارجه. وتتأكد استقلالية الإنسان بمسؤوليته عن فعله بقوله تعالي " ولا تزر وازرة وزر أخري " وقوله " وأن للإنسان إلا ما سعي وأن سعيه سوف يري". ولكيما يعمل الإنسان سمعه وبصره وعقله مبدعا متفكرا ومنتجا تحقيقا لخلافة الله في الأرض لا بد أن ينزع الخوف، إلا الخوف من الخالق، عن نفسه ليكون حرا مسبحا متفكرا في ملكوت السموات والأرض ليحيلهما سلما خصبا وطريق سعادة للأخرة.
وتتأكد الحرية من حوار رب العزة مع أبليس والآيات الدالة على ذلك كثيرة . فالله سبحانه وتعالي القادر على أن يخسف بأبليس الأرض حينما خالف أمره بالسجود لآدم منح أبليس حرية الحركة والغواية متحديا إياه بعدم قدرته على غواية عباده المؤمنين الأتقياء . لقد حاور الله سبحانه وتعالي أبليس متحديا لا قاهرا باطشا، كما يفعل الإنسان مع أخيه الإنسان. ونحن كمسلمين لم ندرك معني هذا الحوار الالهي. ذلك أن الانتصار على قوي الشر لا يكون بالقهر والعنف بل بالعمل الصالح الجاد واتباع الطريق المستقيم . وتستحضرني هنا حكمة غربية، لا أدري قائلها، وهي:
The revitalization of a nation is possible not by the elimination of the wicked but it is possible by the education and training of the young generation.
ومن هنا تنبع قيم الحرية والشفافية والنقد البناء وتداول الأفكار المبنية على العلم والدراسة والتحقق . فالوصول إلى الحقيقة مهما كانت لا يتم ولا يتحقق إلا بالعلم والعلم القائم على إعمال العقل وعلى قاعدة الحرية والاحسان والجودة والاجادة. فالحرية تعني تحرير الفرد من الخوف على نفسه وعيشه وفكره ومعتقده فينطلق متفكرا في ملكوت السموات والأرض مبدعا خلاقا . والحرية في عالمنا الإسلامي لم تًؤد وتجهض إلا حينما أصبح الدين مطية للسلطة وتسيد النقل على العقل.
إن تلك القيمة الألهية للحرية هي ما وعاه الغرب فبذنا في كل شئ بينما غابت عنا تلك القيم حينما تركنا الهدف الأساسي من استخلافنا على الأرض وهو العبادة والعمران وأضعنا طاقتنا في الصراع حول نظريات وقضايا لم يهتم بها القرآن ولا الرسول صلي الله عليه وسلم كثيرا مثل الخلافة والحكم وغيرها. ولعل الدارس المتعمق لبيعتي العقبة والأولي والثانية وصحيفة أو دستور المدينة يلمس كيف أنه في تلك المواقف ركز رسول الله صلي الله عليه وسلم على مبدئ الحرية والعدل. لا يسمح المجال هنا بالحديث عن هذا الأمر الذي أتمني أن نجد وقتا لتناوله في مقال منفصل.
التعليم وبناء الأمم :
إن حيوية الأمة ونهضتها لا تكون بالقضاء على عناصر الشر وإنما تكون ببث العلم والتعليم. وتنبع أهمية العلم والتعليم بأنه الوسيلة المثلي لبناء الأمم وقوام نهضتها. لأنهما قوام الأخلاق ومنبع الإدراك وقوام المهارة. ويصدق ذلك بيت الشعر القائل :
العلم يرفع بيتا لا عماد له والجهل يهدم بيت العز والشرف
فهي مقولة قديمة لكنها من ذهب لا تصدأ أبدا ولا ينقضي مفعولها مع تعاقب الأيام والدهور. وهي وإن كان فحواها الفرد لكنها تشمل الأمم ومجتمعاتها لأن الأمة هي مجموع الأفراد. ولقد انطبق هذا المثل على كثير من الأمم عبر التاريخ وبدرجة كبيرة في عالمنا المعاصروأولها الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وسنغافورة وماليزيا وغيرها التي اتخذت التعليم طريقا للنهضة. فالولايات المتحدة الأمريكية التي تتصدر ريادة العلم والتقدم في عالم اليوم لم تكن تستند إلى أرث حضاري يشكل عماد بيتها، بل هي دولة مصنوعة استطاعت بالعلم والتخطيط وإعمال الفكر أن تؤسس نهضة علمية وصناعية متفردة بوأتها مكان الريادة وجعلتها القوة العالمية المهيمنة. وكذا الحال بالنسبة لدول أخري حذت حذوها باتخاذ العلم طريقا وسبيلا فأضحت تنافسها في الريادة والتقدم مثل الصين والهند واليابان وغيرها، وإن كان بعضها من ذوي العماد لآرثه الحضاري القديم. وفي المقابل هدم الجهل أمما ( بيوتا ) ذات حضارة ورقي مثل الأمة الإسلامية العربية التي فقدت ريادتها وعزها وقوتها يوم تركت العلم وأنكفأت على نفسها تندب ماضيها ناسية أن قوة ماضيها كان في قوة فكرها ( دينها المعرفي ) وعقلها ( علمها) . فقد ساد المسلمون حينما كانوا يفكرون ويعقلون وينظرون في أنفسهم وما حولهم من ملكوت السموات والأرض تبصرا وإدراكا لا تمسحا واتباعا.
إن سر قوة الولايات المتحدة الأمريكية هو تملكها لنظام تعليمي متميز، خاصة في مجال التعليم العالي، رفدها بالعقول القادرة على البحث والابتكار والريادة والتخطيط فوظفت كل ذلك لتحقيق تنمية مستدامة في شتي المجالات. وقد أدركت العديد من الدول أهمية التعليم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بل السياسية فسارت على ذات النهج لتحقق طفرات واسعة في عقود قلائل، كما هو حال سنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا وتركيا، دعك من دول الرفاهية الأوربية. فعندما سئلت رئيسة وزراء فنلنده عن السر الذي جعل بلدها يحتل المرتبة الأولي عالميا كأكثر الدول رفاهية قالت : التعليم ، التعليم والتعليم.
فالتعليم هو سر الوجود وشريان الحياة وليس أدل من ذلك أن خالق الخلق والسموات والأرض حينما استنكرت الملائكة تخليف سيدنا آدم وذريته من بعده على الأرض أنباهم بأنه يملك سر التفوق عليهم وهو العلم " وعلم آدم الأسماء كلها ثم قال للملائكة أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.......الخ" وجاءت أول سورة قرآنية أنزلت على رسول الله وهي سورة " القلم " لتؤكد على هذه الأهمية وتبين أن القراءة و القلم هما أداة ووسيلة العلم .
رب قائل بأن التعليم لا يحقق مردوده ولا تؤتي ثماره بل ولا تترسخ قواعده إلا في بلد مستقر سياسيا واقتصاديا. هذا صحيح ولكن ليس اطلاقا فالتعليم القائم على البناء الفكري السليم ورفع الحس الوطني والرقي الحضاري والبعد المهاري يساعد بدرجة كبيرة في تحقيق الاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي ذلك أن التعليم ينتج عقولا متشربة بحب المعرفة واعمال الفكرفي كل شؤون حياتها ويصقل نفوسا تحركها قيم الايمان وحب العمل والنظام واحترام الوقت وحب الحرية والتسامح وهي قيم مناهضة تماما لضيق الفكر والتعصب والتطرف والكسل وكلها من منتوجات الجهل الذي يولد الصراع والتناحر السياسي. وهناك في بلادنا والعالم العربي من يري أن التعليم والتوسع فيه يؤديان بالشباب والفئة المتعلمة إلى التمرد على المجتمع وقيمه وعلى انظمة الحكم القائمة مما يخلق الفوضي ويهدم الاستقرار. إن العكس صحيح تماما فالجهل هو من يصنع الفوضي لأنه يكرس الفقر والجوع والمرض والاستبداد وعدم الحرية التي هو أقوي عوامل قيام الثورات . وهل كان الدين إلا ثورة على جحود الإنسان بربه وظلمه لأخيه الإنسان وإفساده في الأرض ؟ وهل قامت الثورة الفرنسية وثورة أكتوبر وثورة ديسمبر وثورات الربيع العربي إلا نتيجة الفقر والعوز والاستبداد والطغيان؟ إن التعليم السليم ينتج أصحاب فكر وعقول نيرة ورأي صائب يكونون بناة للأمة ومستقبلها وعونا للحاكم لا أبواقا وفقهاء سلاطين يداوون أمراض الأمة وعللها بالمسكنات بدلا من أن يشفونها بالدواء الناجع وإن كان مرا علقما.
وهكذا إن أردنا لبلدنا السودان أن تندمل جراحه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأن ينهض من كبوته ليصبح في مصاف الدول المتقدمة فلا بد له من العلم الذي أساسه التعليم الصحيح والتكوين السليم. وبلادنا تستشرف عهدا جديدا، رأيت أن أبتدر النقاش في هذه القضية المصيرية الهامة انطلاقا من واجب إعمال الشوري الذي دعا إليها القرآن وتمارسها الدول الناهضة .والشوري في مفهوم القرآن تعني أن كل ما هو خارج نطاق العقيدة والشرع يجب أن يتم بعد مشورة كافة الناس وبالأخص أولو الأمر. وأولو الأمر لا تعني الحكام وأهل السلطة ، كما يفهم الكثيرون خطأ. بل تعني أهل الاختصاص والخبرة والدربة. ولما كان التعليم من أهم منطلقات الأمة وأداتها لتحقيق الخلافة والعمران والنهضة والتفوق فيلزم أن يدلو فيه مجموع الأمة بدلوه ولا يترك لجماعة أو فئة احقاقا لقول الله سبحانه " وأمرهم شوري بينهم ". ولما كنت أري أني من فئة "أولو الأمر" أي من أهل الاختصاص بعد أكثر من ثلاثين عاما قضيتها في مجال التعليم العالي داخل وخارج السودان أحسست أن واجب الشوري يحتم علي أن أبادر بالنقاش عسي أن يحفز ذلك الأخرين .
(2)
لا أريد في هذه العجالة وقد تناولت فيما تقدم أهمية العلم والتعليم ودورهما في بناء الإنسان ونهضة الأمم أن اتناول بالنقد مسيرة التعليم خلال الثلاثين أو الستين عاما الماضية فمساوائها ومثالبها العديدة ظاهرة لكل صاحب بصر وبصيرة .فالاصلاح هو الأهم في هذه المرحلة إن صدقت النوايا وامتلكت الارادة البشرية والسياسية.
إن أهم ما يصلح مسيرة التعليم هو:
أولا: وضوح رؤية وفلسفة التعليم :
لكل أمة رؤية وهدف من التعليم الذي تنشده لابنائها تحددهما قيمها الدينية والأخلاقية ونظرتها للمستقبل وموقعها في مسيرة الحياة. فمن يشيد بناءه عشوائيا لا يحصد إلا الإعوجاج ثم الإنهيار. ومن هنا فلا بد أن يقوم التعليم في السودان على فلسفة بينة وأهداف واضحة . يجب أن نسأل أنفسنا ما الذي نريده من تعليم أبنائنا وبناتنا بدءا؟ هذا سؤال جوهري وهام . لأن الفلسفة والأهداف تحدد غايات وموجهات التعليم . وهذا أمر ينبغي أن يتفق عليه قوميا ويضمن في دستور البلاد ولا يترك لحزب بعينه أو فئة محددة. والأهداف يجب أن تكون واضحة ومحددة ترتكز على مقومات الأمة السودانية العقائدية والفكرية مستصحبة التراث السوداني وقيم المجتمع وعاداته وتقاليده التي ترتكز على عقيدة الأمة وتعلى من قيم الوحدة والتعايش والتسامح واحترام الأخر وتجعل من التعدد الديني والأثني والعرقي والثقافي عوامل انسجام وتناغم ووئام من اجل بناء مجتمع متجانس متصالح مع نفسه ومع الآخرين يقدر أن بناء الآنسان السوي العقل والقلب القائم بالخلافة في الأرض بالعمران هو أجل نعم الله . تعليم يركز على رفع الحس الوطني وأن الوطن فوق الجميع وفوق الاختلافات الدينية والأثنية والثقافية . تعليم لا يقوم على حفظ سور القرآن دون وعي وفهم وإنما يتمثل قيم السماء في واقع الأرض؛ تعليم يركز على أن الدين ليس جلبابا قصيرا ولا لحية طويلة ولا هتافا سقيما مموجا وإنما علم وعمل وعبادة؛ خلق وعمل صالح وعمران للأرض ومعاملة إنسانية كريمة؛ تعليم لا يقوم على الحشو وكثرة المعلومات والحفظ بل على التفكير والتجربة والمثال؛ تعليم يستفيد من تجارب الآخرين ولكن لا يقلدها تقلد الأعمي حذو القذة بالقذة يدخل كل جحر ضب دخلوه . بل يمحص ويغربل يأخذ ما ينفعه وينهض به ويترك ما يتعارض مع قيمه وخلقه وهويته . والتحصين لا يكون بالمنع ووضع الحواجز ولكن يكون ببناء الثقة بالنفس والذات وتقديم البديل الأفضل وبناء الإحساس لدي المواطن السوداني بأنه هو الأجدر والأقدر إذا ما عض بالنواجذ على قيمه وتراثه واستخدم عقله استخداما صحيحا. تعليم يقوم على تعليم الأبناء أسس الصناعة والتكنلوجيا والفنون وقيمة العمل مهما صغر حتي يصبح كل منهم قادرا على استخدام الشاكوش والمسمار وأبجديات إصلاح إطار السيارة وغيرها مما لا يحتاج لمتخصصين . فيتعلم الكل كيف يعتمد على نفسه لما في ذلك من توفير للوقت والجهد والمال.
وتنبع الاستفادة من تجارب الآخرين، مثل ألمانيا وفنلندا وكوريا وغيرها من الدول التي حققت طفرة تعليمية رائدة من الاستهداء بنظمها ومنهجيتها بما يناسب قيمنا وإنساننا وبيئتنا. فالتميز العلمي لا يكون بكثرة المقررات وحشو المناهج، وكثرة أيام الفصل الدراسي وساعات التدريس الأسبوعية، والاختبارات التعجيزية لكن بوجود البئية المدرسية الملائمة المحفزة والمنهج الذي يراعي القدرات والرغبات. فما نحتاجه في مدارسنا الأساسية وتعليمنا العام هو طابور صباح ونشاط صفي ولا صفي يغرس في نفوس الناشئة توحيد الله وحب الوطن وقيم التعايش والتسامح والحوار؛ نحتاج لتنمية ثقافة الصحة والغذاء الجيد والنظافة والمحافظة على البئية وحب العمل واحترام الوقت وبناء الجسم السليم المعافي . نحتاج لبناء المواطن السوداني المحب لوطنه ولأخيه الإنسان، الصادق غير الكذوب، الأمين غير الخوؤن. تعليم يقوم على تعليم الأبناء أسس الصناعة والتكنلوجيا والفنون وقيمة العمل مهما صغر حتي يصبح كل منهم قادرا على استخدام الشاكوش والمسمار وأبجديات إصلاح إطار السيارة وغيرها مما لا يحتاج لمتخصصين . فيتعلم الكل كيف يعتمد على نفسه لما في ذلك من توفير للوقت والجهد والمال.
أنظر ماذا فعلت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. خرجت من الحرب مدمرة الأركان متهدمة البنيان لكن أبناءها لم يندبوا حظهم ولم يلوموا ويخونوا بعضهم البعض. إنما شمروا عن ساعد الجد وركزوا على إعادة التعمير ديدنهم العمل وشعارهم " الإيمان والأمل" ومنهجهم التعليم التقني ليس كل فرد قادر على استخدام أدوات البناء واصلاح سيارته وتجهيز أدوات منزله. فالمنهج التعليمي يتغير مع تغير الحاجة والمرحلة لكنه يركز على بناء الإنسان الصالح لنفسه ووطنه.
ومن هنا فنحن نحتاج في مدارسنا لمناهج قيمية وعملية و نحتاج في جامعاتنا لمناهج تركز على بناء الفكر وتعلم مهارات التفكير الناقد والعمل الجماعي ومهارات الاتصال واتقان التكنلوجيا الحديثة؛ مناهج تعمل على تحفيز العقل لانتاج المعرفة لا مجرد استهلاكها ودفعه للإبداع والابتكار لا التقليد والتكرار.
أن التعليم المطلوب هو ذلك الذي يعمل على بناء الشخصية المحبة والممارسة لقيم الحرية والعدالة والديمقراطية الحقة وذلك منذ مراحل التعليم الأولي وأن تمارس تلك القيم في المدارس ومن قبل المعلمين قبل غيرهم في تعاملهم مع تلاميذهم ليضحوا القدوة والنموذج وأن تستصحب بحملات إعلامية مكثفة لتصبح قيما تمارسها الأسرة في بيتها والمجتمع في الشارع وأماكن العمل. فالتعليم الذي يزود بالمعلومات والمعرفة فقط لا ينتج فكرا ولا ينتج مواطنا صالحا.
إن مما أقعد التعليم في السودان عن النهوض بالبلاد وتحقيق مراميه وأهدافه خلال تاريخه الممتد من الاستعمار حتي الآن أنه كان في بدايته تعليما وظيفيا محدودا ثم بعد عام 1969 تعليما أيدلوجيا تغلبت فيه المصالح السياسية على الرؤية الوطنية القومية . وازدادت وتيرة التعليم الايديلوجي حينما عمدت الانقاذ إلى شحن العواطف الدينية برفع الشعارات وحشو المناهج دون أن ينعكس ذلك سلوكا إيجابيا يتمثل في ربط قيم السماء بالأرض وينتج إنسانا سويا متصالحا مع نفسه ومجتمعه، مدرك لرسالته كخليفة لله في الأرض فينعم بخيراتها ويفيض بها على مجتمعه ووطنه وأخوته في الإنسانية. وعلى الرغم من التداخل الكبير بين التربية والأيدلوجيا وعدم خلو أي مجتمع إنساني من البعد الأيدلوجي إلا أن الملاحظ على التجربة السودانية غلبة الأيدلوجيا على التربية مما انعكس سلبا في المخرجات المنشودة . فبدلا من أن تحقق المناهج التعليمية صياغة الإنسان السوداني المطمئن المتصالح مع نفسه ومحيطه وتعمل على توحيد وتناغم وانسجام مكونات المجتمع السوداني وتحقق النمو والتطور الاقتصادي أدت لانشراخ الإنسان السوداني وتواكله وعجزه واحباطه وإلى تفشي المظاهر الاجتماعية السالبة مثل المخدرات والتسول والنهب والمحسوبية والكذب وانعدام الأمانة وازدياد حدة الفقر والمرض وغيره.
ثانيا : ماهية التعليم :
إن أوجب ما ينبغي عمله هو تحديد أي نوع من التعليم نبغي. تعليم وظيفي ينشد تخريج موظفين وصناعيين همهم لقمة العيش واقتناء بيت وسيارة وتخريج أصحاب ياقات بيضاء يتكئون على ما تجود به الدولة من وظائف أم تعليم قيمي نهضوي مهاري يصوغ إنسانا متكاملا في خلقه ونفسه وفكره ، مبادرا، خلاقا ، مبتكرا وماهرا، يعتمد على نفسه لا غيره، خالقا للوظيفة لا باحثا عنها، منتجا لا مستهلكا.
إن التعليم الذي ننشد هو تعليم يحول الإنسان السوداني إلى إنسان فاعل، مبادر مقتحم يحركه حب البحث والمغامرة واتقان العمل لا ردة الفعل وتقليد الأخرين، إنسان منتج لا مستهلك، وسطا في انفاقه لا مقترا أو مبذرا؛ عقلاني لا عاطفي. نريد تعليما يبني الفرد السوداني ليكون إنسانا عمليا لا نظريا يستصحب التفكير العلمي والتخطيط العملي في كافة جوانب حياته في توازن لا يخل ببنائه الروحي والعقدي. فالبلاد بقدر ما تحتاج لأهل الفكر تحتاج أكثر لأهل الصناعة والتكنلوجيا والتقنية الحديثة حتي تستطيع استغلال مواردها استغلالا أمثل يجنبها الوقوع في براثن التبعية وهيمنة القوي الكبري . لذا فلا بد من أن تبني مناهج التعليم وطرائقه على تنمية المهارات العملية والتفكير الناقد والتعلم الذاتي وحل المشكلات والقدرة على الكتابة والتحليل والقدرة على التخاطب والتواصل منذ المراحل الأولي من التعليم لأنها الأدوات التي تنتج عقولا قادرة على انتاج الفكر والعلم وبناء الصناعة والاقتصاد.
كل ذلك يتأتي بتحديد ماهية التعليم ونظمه وهياكله ومناهجه. وفي هذا السياق أعرج علي بعض القضايا التعليمية الهامة التي تحتاج إلى دراسة ومراجعة مثل:
أ:: مجانية والزامية التعليم العام:
إن مجانية التعليم العام والزاميته يجب أن تكون هدفا قوميا لا مساومة فيه. وإذا كانت الظروف الاقتصادية الحالية لا تمكن من انفاذ ذلك في الوقت الحاضر فيمكن أن يكون ذلك تدريجيا وفق نسب موئية مع التمييز الإيجابي، بمعني أن تكون نسب المجانية والإلزام أعلي سنويا في الولايات الأقل نموا وذلك وفق خطة قومية مدروسة .
إن أهم موارد الأمة هي عنصرها البشري فإن أحسنت استغلال ذلك العنصر فقد ربحت ونهضت وإن أهملته فقد خابت وخسرت. وأحسن استغلال للعنصر البشري إنما يتم عن طريق التعليم. ومن هنا فلابد أن يكون هدف الأمة هو تعليم كل فرد يمشي على أرضها مهما كانت العقبات والتكاليف. وأقل ما يمكن هو فرض التعليم على كل سوداني ما بين عمر سنة وأثني عشرة سنة.، أي من الروضة إلى مرحلة الأساس. في المانيا يقوم قانون الزامية التعليم على أن التعليم حق أصيل للطفل لا يحق لأبويه حرمانه منه لأي سبب من الأسباب. وفي رائي المتواضع أن التعليم يرقي لمرتبة الفرض الديني لأن التعليم هو الذي يساعد المرء على معرفة ربه ودينه ومن ثم يفيد نفسه ووطنه. ومن هنا فإني أدعو إلى أن يتضمن دستور البلاد القادم نصا بالزامية التعليم لكل أبناء وبنات السودان فيما بين عمر سنة إلى أثني عشرة سنة في الريف والحضر وأن يعاقب القانون كل من يقف أمام تنفيذ ذلك. إن التعليم أهم من بناء الجيوش وتشييد السدود لأن المرء المتعلم يحافظ على الأمن والسلم ويعرف كيف يطوع تقلبات الطبيعة بفكره وعقله.
قال أحد أصحاب الأعمال ساخرا وهو يعلق على حديث رئيس الوزراء عن مجانية التعليم : أين له الأموال لذلك. لقد نسي هذا أن الصرف البذخي الذي كان تصرفه حكومة الانقاذ وما يصرف على الحرب كفيل بتحقيق ذلك . ولو كان هو وأمثاله لهم الوطنية اللازمة لساعدوا في ذلك حتي ولو في مسقط رأسه. صحيح أن التعليم يحتاج للمال ولكن حسن التخطيط والادارة كفيل بتحقيق ذلك.
إن فرض الزامية التعليم ومجانيته يمكن أن يبدأ من خلال التمييز الإيجابي والذي نعني به أن يبدأ في الولايات الأقل نموا، أي أن تفرد الدولة ميزانيات إضافية للتعليم في الولايات الأقل نموا تمكنها من بناء المدارس لاستيعاب كافة أبناء الولاية ممن هم في سن التعليم . كما يمكن للدولة أن تستفيد من المدارس الخاصة القائمة بتوفير دعم مالي لها مقابل قبول أبناء الأسر ذوي الدخل المحدود مجانا. أما في العاصمة والولايات ذات الدخل العالي فيتم تنفيذ الزامية التعليم ومجانيته تدريجيا.
لذلك نقترح على الحكومة الانتقالية أن تضع اللبنات الأساسية لتنفيذ مجانية والزامية التعليم العام بوضع الدراسات اللازمة فيما يتعلق بالتمويل وكيفية التنفيذ. وأن يترك تنفيذ ذلك لحكومات الولايات حسب قدراتها وامكانياتها مع مساعدة الحكومة الفدرالية للولايات الأقل نموا.
ب / السلم التعليمي :
جدل كثير دار حول السلم التعليمي خلال السنوات الماضية وتركز ذلك في مؤتمر تطوير التعليم الذي عقد قبل سنوات قليلة حيث دار نقاش مستفيض حول السلم التعليم الحالي (6+3+3) وطالب العديدون بتغييره بحجة عدم ملائمته لظروف السودان وطالبوا بالعودة للنظام القديم (4+4+4 ). وبما أن وزير التربية والتعليم في الحكومة الانتقالية قد أصدر أوامره بالعودة لنظام 4+4+4 فليس نحن هنا بصدد مناقشة ذلك النظام بالدفاع عنه أو القدح فيه. لكن ما أود أن أوكد عليه أن النظام السابق لم يكن يشكل قضية كبري أو سببا من أسباب تدني التعليم. فلذلك أسباب عديدة ليس مجال ذكرها . لكن ما نود التأكيد عليه أن العديد من دول العالم المتقدم ودول العالم الثالث تتبني نظام 6+3+3. نجد ذلك في الولايات المتحدة والمانيا وحتي في روندا التي يطالب البعض بالاستفادة من تجربتها كأحدي الدول الناهضة حديثا. الذين يقدحون في هذا النظام يركزون على أن المدرسة ذات الست سنوات تجمع بين جنباتها بين صغار السن وكباره مما يخشي منه على تأثير كبار السن سلبا على صغار التلاميذ. تلك حجة منطقية ولكنها لم تكن سببا في تدني التعليم وإنما عجز النظام السابق في توفير الضرورات والإمكانيات التي تضمن تعليما سليما معافا. فليس هناك فرق كبير بين النظامين إذ كلاهما يشكل الاثني عشر سنة المطلوبة قبل المرحلة الجامعية. لكن الاهتمام يجب أن ينصرف إلى تكوين القدرات والمعارف المطلوبة وفق الأهداف والغايات المطلوبة من هذه المرحلة التعليمية وأي النظامين أنسب لتحقيقها واضعين في الاعتبار التطور الهائل في نظم التعليم ووسائله وطرقه.
ب/ التعليم التقني المهني :
إن من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الانقاذ هو الغائها للتعليم الصناعي أو التقني بحجة المساواة وأن يتحصل الجميع على درجة البكالوريوس . إن ذلك المفهوم قد أغفل بعدين أساسيين . أولهما عدم تساوي القدرات والرغبات بين أفراد المجتمع السوداني، وثانيهما الحاجة للتعليم الوسيط ليرفد الصناعة بحاجتها من الفنيين والعمال المهرة في بلد أحوج ما يكون للتنمية الصناعية. فالسودانيون لا يتساوون في قدراتهم ورغباتهم في الحصول على تعليم أكاديمي. فاختلاف الميول والقدرات خصيصة ربانية بثها الله في الكائن البشري. ومن هنا تتفاوت قدرات البشر والميول والرغبات. فهناك من تؤهله قدراته وميوله للجانب النظري الفكري وهناك من تؤهله قدراته للجانب العملي الفني. ومن هنا فلابد أن يستجيب النظام التعليمي لهذا التفاوت ويستفيد منه لصالح الأمة من خلال نظام تعليمي متعدد يستجيب لكل ذلك. ولعل أفضل الأمثلة لذلك هو نظام التعليم الألماني الذي يركز بدرجة كبيرة على الجانب الصناعي المهني ليرفد القطاع الصناعي بما يحتاجه من فنيين ومهنيين. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فتلعب كليات المجتمع ذات السنتين دورا هاما في هذا الشأن إذ تقدم الدراسات الفنية والمهنية والنظرية التي يمنح بعدها الطالب شهادة تؤهله للعمل في مجال فني مهني، كما يمكنه التحول إلى جامعة لمواصلة دراسته الاجتماعية مع حساب المقررات التي درسها في الكلية المجتمعية.
إن الغاء المدارس والكليات المهنية والتقنية من قبل نظام الانقاذ كان له تأثير سالب على القطاع الصناعي المهني في السودان أدي لتدهور كبير في جودة ونمو القطاع الصناعي والعجز عن احلال الأعداد الكبيرة من الفنيين المهرة الذين هاجروا إلى بلاد الخليج وغيرها. وعلى الرغم من أن الانقاذ حاولت في آخريات سنيها تلافي ذلك الخلل من خلال الكليات التقنية إلا أن الخراب الذي حدث كان أكبر.
ومن هنا فلا بد من مراجعة دقيقة لنظم التعليم الحالية بما يلبي حاجات البلاد التنموية ودراسة أي النظم التعليمية تلائم حاجات المرحلة القادمة. وتنسحب تلك المراجعة أيضا على مناهج التعليم الحالية والتي بها الكثير من الحشو والتكرار والمعلومات القديمة والتي لا تواكب التطور العالمي. إن مناهج التعليم يجب أن تعتمد على انتاج المعرفة لا تلقيها واستهلاكها.
ثالثا: طرق التدريس وفنونه:
من جهة أخري فإن هناك حاجة ملحة لمراجعة طرق التدريس وفنونه . فالتعليم في مدارسنا وجامعاتنا يقوم إلى حد كبير على التلقين والحفظ؛ ينظر إلى الطالب على أنه خزانة معلومات لا ماكينة فرز لها ، يجتر معلوماته كما تجتر الأبل مخزونها من الطعام.. ما زال التعليم عندنا تقليديا يعتمد على المحاضرة لا المحاورة، على الحفظ لا النقاش، على الفردية لا الجماعية. المحاضرة في كثير من الأحيان هي خطبة وعظية لا تسثير إلا التثاؤب والنعاس. وكما قال المازني، رحمه الله المدرس فيها لا يتفوق على تلميذه إلا بالتحضير للحصة.
إن التعليم الحديث قد تجاوز تلك الأطر التقليدية إلى أفاق أرحب ووسائل أكثر حداثة وتطورا. لقد أصبح التعليم مهاريا لا معرفيا، أي يعتمد على بناء المهارات وشحذ القدرات وتنميتها لا تلقي المعلومات وتلقينها. فإذا كان التعليم يركز على أساسيات العلون فإن التعليم الجامعي يركز على منهجية العلوم واستنباط الحقائق وتحليلها. لأن المعلومات أضحت متاحة من خلال الإنترنت ووسائل التواصل لكن المهم المهارة العقلية والإدراكية التي تغربل تلك المعلومات وتفرزها وتخضعها للفحص والاستنتاج لتستخلص منها ما يفيد في الوصول إلى الحقائق وانتاج المعرفة بما يفيد البشرية. هناك الآن التعليم الالكتروني أو عبر الانترنت فيما يعرف ب Online Learning الذي يجعل المعلومة تهبط أمام ناظريك بضربة ذر. وهناك التعليم الحركي الذي عن طريقه يتخيل التلميذ مشكلة ما ثم يعمل على ايجاد الحلول لها فرديا وجماعيا مستعينا بعقله وبوسائل التقنية الحديثة. ففي مقابلة تمت قبل سنوات مع عدد من كبار رجال الأعمال وأصحاب الشركات أوضح فيها هؤلاء أن الشهادة والدرجة العلمية لم تعد تشكل المعيار الرئيس في التوظيف. المطلوب هو القدرة على التفكير الناقد والاستنتاج وحل المشكلات والعمل ضمن الفريق والقدرة على التخاطب والتواصل. هذه هي المطلوبات الأساسية في عالم اليوم الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التكنلوجيا الحديثة ويتصف بالتغير المتسارع ويرتكز على المهارات الذكية مما يتطلب منهجا تعليميا علميا يقوم على التكامل والتداخل والاندماج بين العلوم المختلفة لا التخصص المنفرد.
صحيح أن تطبيق مثل ذلك التعليم في بلد مثل السودان يفتقد لأبسط مقومات البنية التحتية من كهرباء وطرق ووسائل اتصال يبدو صعبا لكنه ليس مستحيلا. كل ما نحتاج إليه هو خطة واضحة وفرز للاولويات وتنفيذ تدريجي ممنهج. إن عدد مستخدمي الانترنت في السودان حاليا يعد بالملايين مما يعني قدرة شركات الاتصال على التوسع والتمدد . وإذا ما وضعت خطة تشجع أو تلزم تلك الشركات على توصيل خدماتها للمدارس والجامعات من خلال استخدام الألياف الضوئية فإن ذلك قمين باحداث طفرة هائلة في طرق ووسائل التدريس في السودان. إن التعليم الالكتروني سيساعد بدرجة كبيرة على سد النقص المريع في الكادر التدريسي في السودان.
كل ما ذكرناه أعلاه يتطلب الاهتمام بتدريب المدرسين تدريبا نوعيا. بخت الرضا كانت نظاما جيدا ساعد كثيرا في اعداد مدرسين ذو قدرات عالية ولكن العودة إلى نظام بخت الرضا القديم لا يتوافق مع التطور الهائل الذي طال طرق ووسائل التدريس وهيمنة التكنلوجيا الحديثة على مساره. المطلوب نوعية معينة من المدرسين يتكامل فيها البعد التربوي والمعرفي والمهاري، تتفهم نفسيات الدارسين وحاجاتهم المعرفية والمهارية في ظل عالم سريع التغير والتأثر. نوعية تغرس في نفوس التلاميذ والطلاب أن التعليم ليست مرحلة وشهادة ووظيفة لكنه تعلم مدي الحياة.
ذلك يطرح سؤالا هاما وهو أي نوع من المعلمين يجب أن نعهد إليهم بتربية وتعليم أبنائنا.؟ ذلك يتطلب أن يتم اختيار المعلمين من أفضل وأصلب العناصر وأن لا تقبل كليات التربية المستويات المتدنية من خريجي المدارس الثانوية بل الأعلي درجة. ولاستقطاب هذا النوع من الدارسين فلا بد من العودة إلى النظام القديم الذي يمنح طلاب التربية حافزا أو اعانة مالية ترغبهم في الوظيفة مع ضمان التوظيف بعد التخرج.
و لانحتاج هنا للحديث عن ضرورة عدم السماح ببمارسة مهنة التعليم في مراحل التعليم العام إلا للحاصلين على شهادة اجازة بذلك مما يعني أن يخضع كل المعلمين الحاليين للتدريب المهني. ليس ذلك فحسب بل حتي في التعليم العالي يجب أن يحصل الاساتذة على شهادة تدريس ليمارسوا مهنة التعليم في الجامعات ذلك أن التدريس فن ودربة لا شهادة ودرجة علمية. ذلك إن مما أقعد التعليم العالي في بلادنا أن كل من يحصل على شهادةة الماجستير والدكتوراه بات يهرع نحو الجامعات ليصبح أساتذا جامعيا دون أن يدرك أن ذلك له مقوماته ومعاييره ومتطلباته التي لا تتوفر إلا في القليل.
رابعا: ادارة وجودة التعليم :
إن التعليم السليم الذي يحقق أهداف وغايات الأمة في النهضة والبناء الحضاري لا بد أن تقوم عليه إدارة مدركة واعية مستصحبة لأحدث النظم الإدارية والتنظيمية يقوم عليه مخلصون مهنيون مبدعون، يصعدون سلم الترقي من خلال الابتكار والإبداع والانجاز لا من خلال الأقدمية والمحسوبية والانتماء الأيدلوجي والولاء القبلي العشائري الجهوي. ادارة تقوم على التخطيط الاستراتيجي والشفافية والمحاسبة والمهنية ومفاهيم ادارة الجودة الشاملة.
ومن هنا فلا بد من مراجعة شاملة لكل الأطر والهياكل التي تدير منظومة التعليم العام والعالي. مراجعة ليس ديدنها الانتقام والتشفي وكنس كل ما استحدثه النظام السابق لكن مبتغاها المراجعة والإصلاح والتطوير. شعارها " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ينفع الناس فيمكث في الأرض " فما كان صالحا يمكث ويبني عليه وإن كان قليلا وما كان طالحا فليذهب غير مأسوف عليه.
والمراجعة لا بد أن تشمل هياكل الوزارات القائمة على التعليم، كما تشمل مؤسسات التعليم الحكومي والأهلي في جميع المراحل وفق معايير رصينة تستند على فلسفة واضحة ورؤية متكاملة ليبعد كل من كان الربح فقط هو ديدنه لأن المتاجرة في عقول الأمة هي خيانة كبري. إن إنشاء مدرسة أو كلية جامعية لابد أن يتم وفق تخطيط سليم وبناء على خارطة قومية تراعي متطلبات الأمة وامكانياتها ومقدراتها ووفق تصور مستقبلي يراعي الرؤية الكلية وفلسفة وغايات التعليم. أما أن يترك قيام المدارس والكليات والجامعات لهوي ورغبات الأفراد سعيا وراء الربح المادي فهذا اهدار لمقومات البلاد وخسران مبين وعشوائية لا تليق بأصحاب الرسالات وتقعد بالأمة عن النهوض والتقدم. وليس أدل على ذلك العدد الهائل من المدارس والكليات والجامعات التي أنشئت خلال السنوات الأخيرة والتي تراها في كل شارع ومنحني تماما مثلما تري البقالات والمجمعات الاستهلاكية. مدارس وكليات هدفها الأول هو الربح لا الارتقاء بالتعليم والمواطن. مثل تلك المدارس والكليات لن تخدم أغراض الأمة التعليمية .
وساتناول بصورة أعمق أهمية نظم الجودة في التعليم عند الحديث عن التعليم العالي أدناه.
ث : التعليم الخاص والأجنبي :
من القضايا التعليمية الملحة التي تحتاج إلى مراجعة عاجلة هي التوسع الهائل في مدارس التعليم العام الخاصة والأجنبية وكليات التعليم العالي وجامعاته الخاصة. فقد شهدت السنوات العشر الأخيرة من عمر الانقاذ توسعا كبيرا وامتدادا مشروميا في مدارس التعليم الخاص والأجنبي بصورة لم يسبق لها مثيل في كثير من بلدان العالم. ومع حاجة المجتمع المتنامية للتعليم إلا أن الدافع الأساسي وراء قيام تلك المدارس والكليات كان هو الربح المادي في المقام الأول.
إن التعليم هو الذي يحدد هوية الأمة ويحقق أهدافها الاستراتيجية الآنية والمستقبلية. ومن ثم فمن الخطأ أن يترك دون رقيب ولا حسيب. إن السماح بقيام المئات بل الاف المدارس التي تفتقر لابسط مقومات البئية المدرسية السليمة يمثل جريمة كبري في حق المجتمع ومستقبل بنيه. كيف يسمح بفتح مدارس في بنيات سكنية تفتقر للتهوية ووسائل السلامة في حالة حدوث حريق أو ما شابهه؛ الحمامات فيها صممت لأفراد قلائل لا عشرات بل مئات الطلاب، كما أنها تفتقر للساحات والملاعب وغيرها من لوازم الجو المدرسي السليم. لقد فوجئت قبل شهرين بعد عودتي من سفر خارجي بالبناية المجاورة لسكني والتي ظلت مهجورة لسنوات طويلة ونسجت حولها الكثير من الأساطير وقد تحولت إلى مدرسة تحمل أسما أجنبيا ومنهجا أجنبيا. وإنني لأعجب لموضة المدارس الأجنبية التي عمت أصقاع السودان في السنوات الأخيرة مما لم أشاهده في كثير من البلاد العالم التي زرتها غربا وشرقا. كل ذلك من أجل الربح وما أبخسه من ربح إن كان في عقول أبناء الأمة.
رب قائل أن تدهور التعليم وتدني مستواه في عهد الإنقاذ هو الدافع الأساس وراء كثرة المدارس الخاصة والأجنبية أو ذات المنهج الأجنبي. إن هناك مفهوما خاطئا ومغلوطا لمصطلح التعليم الخاص في بلادنا. ففي كثير من بلاد العالم مفهوم التعليم الخاص لا يعني التعليم من أجل الربح. التعليم الخاص يعني المؤسسات التعليمية التي تنشئها منظمات دينية أو اجتماعية من أجل توفير فرص التعليم لمنسوبيها دون أي اهتمام بالربح المادي. فالتعليم في الولايات المتحدة الأمريكية ظل حتي منتصف القرن التاسع عشر يعتمد على المدارس والكليات التي تؤسسها الجماعات الدينية والهيئات المجتمعية ويعتمد في تمويله على الهبات والتبرعات قبل أن تتدخل حكومات الولايات بتأسيس الكليات والجامعات الولائية أو ما يعرف ب Public schools and Public universities . والتعليم الخاص في تلك البلاد هو عكس ما يعرف بالتعليم من أجل الربح والذي اقتصر إلى حد كبير على التعليم العالي وهو ما يعرف ب For Profit، أي من أجل الربح . والغريب أن التعليم من أجل الربح لم يجد حظه من القبول في الولايات المتحدة الأمريكية مما اضطر الكثير من الكليات للإغلاق . فالكليات والجامعات العريقة والشهيرة الخاصة في تلك البلاد تقوم على مساهمات الأفراد أو شركات المساهمة ولا تستهدف الربح وجل ما يأتيها من عائدات ينفق في التطوير الأكاديمي والعلمي. هو عكس ما عليه الحال في بلادنا إذ التعليم الخاص هو تعليم ربحي في المقام الأول يرجع عائده لأفراد وشركاء معدودين.
ومن هنا فلا بد من إعادة النظر في هذا الأمر بما يعيد للتعليم هيبته ويحد من المدارس والكليات والجامعات التي ديدنها الربح المادي فقط. صحيح أن هناك اقبالا كبيرا ومتزايدا على التعليم، خاصة الجامعي ليس في السودان فحسب بل في جميع دول العالم. وصحيح أن الحكومات ما عادت لها القدرة على تمويل التعليم في ظل تكلفته المتصاعدة ولكن ذلك لا يعني بحال ترك الحبل على الغارب لكل من هب ودب لينشئ مدرسة أو كلية أو جامعة. لا بد أن يكون ذلك وفق خطة قومية وولائية وضوابط صارمة. ونقترح في هذا المجال الآتي:
أولا: أن يكون التعليم العام بشقيه، الأساسي والثانوي، تعليما حكوميا تتولاه الولايات لا يسمح فيه بقيام مدارس خاصة إلا للجاليات الأجنبية وفق ما تتطلبه الأعراف الدولية. أما المدارس الخاصة الحالية فيعمل على تقليصها تدريجيا حتي تصل إلى مرحلة الصفر وفق خطة زمنية محددة .
ثانيا: المدارس الخاصة التي تتمتع ببئية مدرسية جيدة من حيث توفر البنيات التحتية المطلوبة من مساحة واسعة وفصول وقاعات دراسية ومعامل وملاعب ومدرسين أكفاء يتم تخفيض رسومها الدراسية لتصبح متاحة لمتوسطي الدخل من أفراد المجتمع من خلال تقديم الدعم المالي اللازم لها من قبل الحكومة المركزية أو الحكومات الولائية وذلك وفق خطة زمنية متدرجة إلى أن تصبح الولايات قادرة ماليا على تولي كامل مسؤوليتها مع تعويض أصحاتبها التعويض المجزي.
أما بالنسبة للمدارس الخاصة ذات المناهج الأجنبية فيعاد النظر فيها بما يؤدي إلى تجفيفها تدريجيا، خاصة في مرحلة التعليم العام لأنه لا يعقل أن يترك صياغة أبناء الأمة وفق منهج أجنبي لا يراعي هويتها وقيمها وأهدافها القومية والمستقبلية. فالمدارس ذات المناهج الأجنبية هي مدارس يسمح بها لأبناء الجاليات الذين تضطرهم ظروف عمل أبائهم لللانتقال إلى السودان لفترة زمنية محددة والذين بدءوا دراستهم مسبقا على منهح بلادهم. أما أن يدرس أبناء البلد وفق منهج أجنبي فهذا ما لم نسمع به إلا في السودان. المدارس التي تنشئها الجماعات الدينية ذات الأقلية السكانية لا تدخل تحت مسمي المدارس الخاصة لأن المفروض فيها أن تتبع المنهج الدراسي العام مع إدخال مقررات تركز على التعليم الديني الخاص بها. وهذه تختلف عن مدارس الجاليات الأجنبية لأن طلابها مواطنين بالدرجة الأولي . ومثل هذه المدارس يحق لها أن تتلقي أعانات من الحكومة الولائية أو الفدرالية، مثلما هو موجود في بريطانيا.
( 3 )
خامسا: التعليم العالي: ما له وما عليه:
التعليم العالي يتصف بالصفوية بمعني أن ليس كل أفراد المجتمع قادرون على ولوجه أو راغبين فيه. لكن على الدولة أن تعمل على توفيره والمساهمة فيه لدوره الفعال في رفد المجتمع بالكفاءات المطلوبة لتحقيق التنمية والتطور الحضاري. ومع تزايد الطلب عالميا في العقود الأخيرة على التعليم العالي وتناقص قدرة الحكومات على تمويله أضحي الباب مفتوحا للقطاع الخاص في المساهمة على توفيره. لكن تلك المساهمة يجب أن تخضع لضوابط صارمة حتي لا يكون الهدف الأساسي هو الربح المادي. ومن أجل تحقيق ذلك ونتيجة للمنافسة الحادة بين مؤساسات التعليم العالي على استقطاب الطلاب يلعب نظام ضبط الجودة دورا فاعلا في تحديد المعايير والأسس التي تقوم عليها جودة التعليم.
أما بالنسبة للسودان فقد شهدت سنوات الإنقاذ توسعا هائلا في مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة نسبة للاقبال الكبير على التعليم العالي ولتصاعد نسبة الفئة العمرية الشبابية وقلة الفرص الوظيفية المتاحة لخريجي المرحلة الثانوية والحاجة المتزايدة للكفاءات المتخصصة والماهرة. ولكن هذا التوسع وإن كان ضروريا إلا أنه اتسم بعدم الانضباط ولم يكن وفقا لخطة قومية استراتيجية تراعي الاحتياجات التنموية والنهضوية الحقيقة. فكان إن شهدنا توسعا عشوائيا كبيرا يقوم على تحقيق أهداف سياسية قوامها أرضاء بعض الولايات أو أهداف ربحية مادية أسوة بما حدث في التعليم العام حيث قامت كليات وجامعات حكومية وخاصة تفتقر لابسط المقومات اللازمة دون مراعاة لنظم ضبط الجودة التي تحكم قيامها. ولا احتاج لاثبات ذلك من خلال ضرب الأمثلة فزيارة واحدة للمدارس التي قامت علىها الجامعات الحكومية في العديد من الولايات والعمارات السكنية التي افتتحت فيها الكليات الخاصة في العاصمة وغيرها تقف خير دليل على ذلك. وليس اعتصامات طلاب الولايات هذه الأيام أمام وزارة التعليم العالي مطالبة بتحسين البيئة وتحويلهم لجامعات أفضل يقف شاهدا على ذلك.
كما ذكرت أعلاه فقد شهدت الثلاثين عاما الماضية توسعا هائلا في مؤسسات التعليم العالي أملته العديد من الظروف ليس أقلها أهمية الطلب المتزايد على التعليم العالي عالميا لدوره في احداث النهضة العلمية والحضارية التي يمر بها العالم. فقامت في السودان العديد من الجامعات الحكومية والخاصة والكليات الجامعة رفدت المجتمع بخريجين تفاوتت مستويات مؤهلاتهم وخبراتهم المعرفية والمهارية. وقد وجد عدد من أولئك الخريجين فرصا للعمل داخليا وخارجيا لكن ظلت النسبة الكبري منهم بلا عمل. وقد شكلت البطالة وسط الشباب تحديا كبيرا لنظام الانقاذ وكانت عاملا مساعدا في سقوطه. لكن العامل الأساسي في توسع التعليم، خاصة التعليم الخاص، كان فلسفة الانقاذ القائمة على التحلل من كل الخدمات العامة التي تقدم للمواطن بما فيها من تعليم وصحة وغيرها وتركها للقطاع الخاص وهي نظرية تفوقت حتي على النظرية الرأسمالية إذ أن الدول الرأسمالية وعلى رأسها الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وغيرها ما زالت تتحمل فيها الحكومة قدرا عاليا من الخدمات العامة ، خاصة التعليم والصحة.
لكن التوسع في التعليم العالي، وإن كان مطلوبا، فقد صاحبته العديد من المثالب التي أدت لتدهوره وتدني مستواه. ويمكن في هذا المجال ذكر بعض الأسباب التي أدت لذلك والمتمثلة في :
أ‌. التوسع العشوائي غير المدروس
ب‌. عجز الدولة عن توفير التمويل اللازم مما أدي لتدهور البنيات الأساسية للعديد من الجامعات العريقة، مثل جامعة الخرطوم، وعدم قدرتها على تطوير نظمها واجهزتها ومناهجها بما يحقق لها التطور العلمي المنشود والقدرة على احتلال المرتبة الأكاديمية و العلمية المناسبة اقليميا وعالميا.
ت‌. تدني مستوي البحث العلمي وتناقصه لدرجة مخيفة مما انعكس على قدرة الجامعات في المساهمة في التنمية والنهضة العلمية وأثر تأثيرا كبيرا على المستوي العلمي لأساتذتها لارتباط البحث العلمي بتطور الأساتذة الأكاديمي والعلمي . حيث أضحت العديد من الجامعات مدارس ثانوية كبري.
ث‌. التدني المريع في مرتبات ومداخيل الأساتذة والعاملين بالجامعات مما أدي لهجرة العديد منهم إلى الخارج لتفقد تلك الجامعات خبرات أصيلة لم تستطع الاجيال اللاحقة سد مكانها لانقطاع تواصل الخبرات وهو أمر لازم للمحافظة على المستوي. وحتي من بقي من الأساتذة داخل السودان انصرف لأعمال إضافية أو العمل في أكثر من جامعة مما أفقده القدرة على تطوير نفسه علميا ومواكبة أحدث المستجدات في تخصصه العلمي مما انعكس سلبا على عطائه وأدائه.
ج‌. تسيس الجامعات والتغول على قوانينها ونظمها الأكاديمية والإدارية مما أفقدها الحرية الأكاديمية التي هي فرض ضروري للأبداع والخلق والابتكار.
ح‌. غياب الشفافية ونظم الحوكمة في ادارة الجامعات والتغول على استقلالها مما أدي لتدن مريع في نسبة الولاء المؤسسي بل وانعدامه وسط العاملين بها والذي هو شرط ضروري لجودة عملها وتطورها.
خ‌. التوسع غير المدروس في إنشاء الأقسام العلمية والكليات لأسباب وصراعات شخصية وتفاخرية. وكما قال لي أحد مدراء الجامعات فإن كبر عدد الأقسام والكليات في الجامعة أضحي معيارا ومقياسا لنجاح إدارتها. هذا في وقت تشهد فيه الجامعات العالمية اندماج الأقسام والكليات لتداخل العلوم وتكاملها وتقليصا للظل الإداري مما يرفع من جودة وفاعلية أدائها.
د‌. عدم قدرة الجامعات على التطور ومواكبة المستجدات العلمية الحديثة في عالم سريع التغير مما أفقدها القدرة على التنافس لتحتل مراتب متدنية في التصنيف العالمي بل تجد نفسها ، أحيانا، محظورة وغير معترف بشهاداتها من قبل دول كانت عيالا عليها حتي وقت قريب.
على الرغم من كل ما ذكرناه أعلاه من تدن في مستوي التعليم العالي خلال السنوات الماضية إلا أن هناك القليل جدا من الجامعات الحكومية والخاصة التي استطاعت بجهود إداراتها وأساتذتها أن تحقق طفرات أكاديمية وعلمية متميزة.
وساتناول فيما يلي بشئ من التفصيل غير المخل بعض القضايا التي أشرت إليها أعلاه وذلك لأهميتها في اصلاح مسار التعليم العالي:
(أ‌) جودة التعليم العالي:
ونعني به تطبيق نظم ومعايير الجودة العالمية والاعتماد المؤسسي والأكاديمي
لمؤسسات التعليم العالي . فق أضحي التعليم عموما، والتعليم العالي خصوصا، في عالم اليوم صناعة تحتاج للإتقان وتنفذ وفق معايير وضوابط صارمة أملتها ظروف التميز والتنافسية ومتطلبات سوق العمل ومن ثم سعي الجامعات لتجويد بضاعتها لاستقطاب أكبر عدد من الطلاب وضمان حصول خريجيها على الوظائف. استدعي كل ذلك الاهتمام بالمخرجات التعليمية ووضع استراتيجيات وخطط عمل تركز على المناهج الذي تهتم بالمهارة بجانب المعرفة. الخاصة.
ومن أجل تحقيق أعلي درجات الجودة في الأداء التعليمي سعت المؤسسات التعليمية الى اتباع نظم الجودة والحصول على الاعتماد المؤسسي والبرامجي والمهني من هيئات التقويم والاعتماد الوطنية والدولية. كما أدي ذلك لظهور هيئات ومؤسسات تهتم بالتصنيف العالمي لمؤسسات التعليم، أشهرها تصنيف التايمز وتصنيف شنغهاي وغيره والذي يتم وفق معايير جودة محددة أبرزها جودة البحث العلمي. لكن ما يدعو للاستغراب أنه على الرغم من أن وزارة التعليم العالي السودانية قد عمدت إلى إنشاء هيئة للتقويم والاعتماد من ضمن إداراتها المتعددة وحثت كافة الجامعات والكليات السودانية على تأسيس وحدات للجودة بها إلا أنه حتي الآن لم تقم بتقويم أو اعتماد أي مؤسسة تعليمية عامة أو خاصة في حين أن الكثير من الدول المجاورة قامت بذلك بل أنه في بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان يتم فيها تقويم واعتماد مؤسسات التعليم العالي كل خمس سنوات، بل أن بعضها قامت باغلاق وسحب تراخيص كليات جامعية لعدم التزامها بمعايير الجودة. كل ما يحدث في السودان هو زيارات روتينية تقوم بها لجان التعليم الخاص للجامعات والكليات للتأكد من التزامها بالضوابط في حين أن المطلوب هو أن تقوم بذلك هيئة مستقلة لا تخضع لوزارة التعليم العالي ضمانا للحيادية والشفافية.
لقد أضحت معايير الجودة والاعتماد المؤسسي والأكاديمي هي السمة البارزة والمقياس الذي يقاس على ضوئه جودة وحسن أداء مؤسسات العليم العالي وجودة البرامج الأكاديمية التي تقدمها. فغالب دول العالم اليوم، بما فيها الدول العربية والأفريقية، بها هيئات وطنية للتقويم والاعتماد تقوم بتقويم واعتماد الكليات والجامعات دوريا. بل إن التصريح الذي يسمح بموجبه للكليات والجامعات الجديدة بممارسة عملها لا يتم إلا بعد خضوعها لللاعتماد المؤسسي الذي يتأكد من جودة مرافقها ونوعية أساتذتها وغيره من معاييرويتم مراجعة هذا التصريح كل خمس سنوات. بل أن هناك دولا اضطرت لقفل عدد من الكليات والجامعات لعدم مطابقتها للمعايير المطلوبة. أما في بلادنا السودان فلا أعرف كلية أو جامعة واحدة، حكومية كانت أم خاصة، خضعت للاعتماد المؤسسي أو البرامجي من قبل إدارة التقويم والاعتماد التابعة لوزارة التعليم العالي . بل إن الكلية أو الجامعة الخاصة الوحيدة التي خضعت لذلك، وهي الجامعة الوطنية، إنما تم تقييمها من قبل هيئة خارجية، وحتي هذا الاعتماد هو اعتماد برامجي وليس اعتماد مؤسسي. يحدث هذا على الرغم من تصريح الأمم المتحدة بأنه لن يتم الاعتراف عالميا بأية مؤسسة تعليم عال غير معتمدة رسميا بعد عام 2030م.
إن التقويم والاعتماد واتباع معايير ضمان الجودة المبنية على الحوكمة والشفافية وجودة العملية التعليمية ونوعية الأساتذة وحسن الإدارة يؤكد على حسن أداء تلك المؤسسات وجودة برامحها التعليمية ويطمئن أصحاب المصلحة والمستفيدين ويزيد من ثقتهم فيها . إن على رئاسة الدولة والمؤسسة التشريعية في البلاد يقوم عبء العمل على إيجاد هيئة وطنية مستقلة لتقويم واعتماد مؤسسات التعليم العالي خارج عباءة وزارة التعليم العالي.
كما نري أن لا تكون تجاربنا التعليمية الماضية المشرقة مثل بخت الرضا وجامعة الخرطوم في عهدها الذهبي هي منطلقنا بالعودة إلى نظمها السابقة دون دراسة ونظر عميق يستصحب كافة متغيرات الزمان والمكان فمع تقديرنا واحترامنا لتلك التجارب إلا أنها تجارب قد تجاوزها الزمن رغم اشراقها الماضوي فما صلح مع أجيالنا ليس بالضرورة أن يكون صالحا للأجيال الحالية . بل علينا أن نبدأ من حيث أنتهي الأخرون مستشرفين أحدث النظم التعليمية بعد دراستها وتمحيصها لتلائم مجتمعنا وفكرنا وقيمنا وبئيتنا ولتحقق أهدافنا التي ننشدها من التعليم.
(ب): تمويل التعليم العالي :
يشكل تمويل الجامعات أحد أهم تحديات التعليم العالي ليس في السودان فحسب وإنما في الكثير من دول العالم. فالأزمات الاقتصادية المتلاحقة أقعدت كثير من الدول، خاصة في العالم الثالث، عن تمويل التعليم العالي ذو التكلفة العالية. لذا لجأت الكثير من الجامعات للبحث عن مصادر بديلة لدعم إيراداتها الشحيحة بما يجعلها بمنأي عن رحمة الدعم الحكومي. ومن هنا فقد لجأت العديد من الجامعات سواء في العالم المتقدم أو العالم الثالث أو الدول العربية لتنويع مواردها بشتي الأساليب الاستثمارية أو الانتاجية أو الوقفية. ولقد عانت الجامعات السودانية خلال الثلاث عقود الأخيرة من شح التمويل بدرجة كبيرة كان لها تاثيرها البلغ على جودة منتوجها العلمي وعلى تراجع وظيفتها كرافد مهم للبحث العلمي . وعلى الرغم من محالات العديد من الجامعات سد هذا النقص من خلال زيادة عدد الطلاب وزيادة الرسوم الدراسية والتوسع في مجال الدراسات العليا لدعم مواردها المالية إلا أنها لم تنجح في ذلك ، كما أن ذلك كان له تأثيرها سالبا على جودة العملية التعليمية.
إن أهم أحد تلك المصادر التي لجأت إليها الجامعات لدعم مواردها المالية هو الاستثمار من خلال استقطاع جزء من أموال الجامعة يتم استثماره أما مباشرة أو من خلال شركات مشهود لها بالخبرة في هذا المجال. أذكر ونحن طلابا في جامعة لوس أنجلس بكلفورنيا في الثمانينات من القرن الماضي أن قام الطلاب بمظاهرات احتجاجا ليس على فكرة استثمار الجامعة الخارجي ولكن لأن الجامعة كانت تستثمر ما يقرب من خمسة مليارات دولار من أموالها في جنوب أفريقيا العنصرية. فالاستثمار بمختلف أنواعه يشكل مصدرا هاما من مصادر الجامعة المالية. ومن هنا فلا بد أن تلجأ الجامعات السودانية لللاستثمار بشرط الشفافية التامة. مصدر أخر هو أن تستفيد الجامعة من إمكاناتها المادية والعقارية من خلال الاهتمام بالانتاج سواء في المجالات الطبية من خلال إنشاء المستشفيات ذات الجودة العالية أو الزراعية من خلال إنشاء المزارع ذات الانتاج العالي أو غيرها من المجالات. لقد أضح مفهوم الجامعة المنتجة نموذجا رائدا في كثير من البلاد مثل الصين وهولندا وبعض دول العالم العربي مثل جامعة بغداد التي استطاعت تحقيق إيرادات بلغت 65% من موازنتها السنوية. في هذا المجال مثلت جامعة أفريقيا العالمية نموذجا متميزا وسط الجامعات السودانية نأمل أن يحتذي أضف لذلك الاستفادة من المراكز الاستشارية والبحثية في خلق العلاقات مع المؤسسات الصناعية بما يوفر للجامعة مصدرا مستديما للتمويل . كما أنه لا بد من بناء شراكة حقيقية بين أصحاب الصناعات ورجال الأعمال والجامعات لتوظيف البحوث العلمية في خدمة الصناعة والاقتصاد. كما يشكل الاستفادة من دعم الخريجين أحد أهم تلك المصادر. فعلي الرغم من أن جامعة مثل جامعة الخرطوم قد خرجت العشرات من الألاف منذ نشأتها في عام 1902م إلا أنه من المؤسف أن هناك القليل جدا من يقدم لها دعما مستديما. فكل الجامعات العريقة في العالم تعتمد، أي التي تذهب في مشاريع تعليمية أو في البحوث العلمية أو دعم الطلاب الفقراء. على دعم خريجيها.
ومن المصادر الهامة الاستفادة من ممتلكات الجامعة العقارية واستثمارها ، كما لابد من تسويق الجامعة من خلال الاتصال برجال الأعمال والأثرياء وخلق الوعي لديهم بأهمية دعم التعليم بالأوقاف والتبرعات السخية الموجهة والمشروطة التي يستفاد منها في دعم مرتبات الأساتذة والعاملين ودعم الطلاب الفقراء من خلال المنح بجانب دعم البحث العلمي.
إن أوقاف البغدادي بجامعة الخرطوم تقف مثالا حيا لدعم التعليم من خلال الوقف. والوقف نظام إسلامي قديم حض عليه القرآن ودعمته السنة. فكثير من الآيات القرآنية تحث على الإنفاق في سبيل الله كما في قوله تعالي: ﴿ َمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾. و من السنة ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له. والصدقة الجارية، كما قال السيد مراد، محمولة على الوقف عند العلماء، فإن غيره من الصدقات ليست جارية، بل يملك المتصدق عليه أعيانها ومنافعها. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أيضا ، أن رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قال: إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا نَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ.(أخرجه ابن ماجه) وكان العلم من أهم المجالات التي شملها الوقف الإسلامي بدءا من مدرسة نيسابور التي تم إنشائها في بداية القرن الرابع الهجري.
ولم يكن المسلمون وحدهم الذين عرفوا أهمية الوقف على التعليم بل أن الكثير من المجتمعات الغربية أخذت به. فالعديد من مباني الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية تم تشييدها على أراض أوقفها أصحابها لذلك كما هو حال هارفرد وغيرها؛ وهي أراض تقدر بعشرات بل مئات الأفدنة. بل أن هناك من أصحاب الأموال من ينفق ويتبرع بالعشرات الملايين من الدولارات لدعم البحث العلمي في الجامعات من أجل التقدم العلمي والصناعي أو للكشف عن علاج للأمراض المستعصية. ولعل خير مثال الملياردير الأمريكي بيل جيتس الذي تبرع بما يقارب الأربعين مليونا من الدولارات لإيجاد علاج للقضاء على الملاريا في أفريقيا.
إن هناك العديد من الأوقاف التي أوقفها سودانيون من أجل التعليم في السودان ولكن ما زالت هناك حوجة للمزيد. قد تصيبنا الدهشة إذا علمنا أن جامعة صغيرة مثل جامعة روشستر بولاية نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية تبلغ قيمة أوقافها أثنين ونصف مليار دولار أمريكي، دعك من وقف جامعة ييل الذي يبلغ 30 مليارا أو جامعة هارفارد الذي يبلغ 40.9 مليار دولار. أما أكسفورد فتبلغ أوقافها 6.1 جنيه استرليني.
(ت) استقلال الجامعات:
في هذا المسار لابد من الحديث عن قضية أخري تمثل حجر الزاوية في مسيرة التعليم العالي في البلاد وحسن إدارته ألا وهي استقلال الجامعات من حيث الإدارة والحرية العلمية. إن من أهم أسباب تراجع التعليم العالي في بلادنا وعجزه عن اللحاق بركب التقدم هو الهيمنة السياسية على الجامعات وتعيين إداراتها العليا بما يتماشي مع مصالح النظام الحاكم ومن ثم تعيين رؤساء أو مدراء، بصرف النظر عن مؤهلاتهم العلمية وقدراتهم الإدارية، يفترض فيهم أولا وأخيرا الولاء للنظام الحاكم. إن العلم لا يتخلق إلا في جو الحرية والعقل لا ينضج إلا في فضائها. والجامعات هي أتون الصهر الذي تنضج فيه المعرفة على نار هادئة وتتشكل فيه الشخصية لتنتج علما وابتكارا مبدعا وإنسانا صالحا عاملا يقدر معني الوجود وغاية الحياة. كل ذلك لا يتأتي إلا في بئية علمية تحفها الحرية ويكتنفها احترام العقل. والحرية لا تعني الانفلات أو الخروج على قيم المجتمع وثقافته ونظمه ولكنها تعني الحق في أعمال العقل واحترام الرأي الآخر وحرية التعبير.
لذا نري أن ينص في الدستور على استقلال الجامعات وأن يكون اختيار قياداتها الإدارية وفق نظام ديمقراطي يلعب فيه مجلس الإدارة أو الأمناء دورا أساسيا من حيث استقطاب الكفاءات وضبط ومراقبة الترشح والاختيار. ويكون الاختيار فيه وفقا للكفاءة الإدارية والعلمية ووفقا للتنافس الحر الشريف. ولا يشترط أن يكون رئيس الجامعة أو مديرها من العاملين في ذات الجامعة وممن ترقوا في سلمها الوظيفي والأكاديمي. فالجامعات الحكومية ملك عام لكل سوداني مؤهل قادر ذو رؤية نافذة وتخطيط سليم. فإدارة الجامعات ما عادت أمرا روتينيا ، كما كان سابقا، تتعلق بقبول الطلاب وتعيين الأساتذة وضبط العملية التعليمية بما فيها من مناهج وطرق تدريس ولكنها أضحت في عالم اليوم صناعة تتصارع فيها التكنلوجيا ويتسامق فيه البحث العلمي المرتبط بقضايا المجتمع والإنسان عموما وتتنافس فيه الجامعات على الطلاب وتلعب فيه الجودة دورا هاما. ما عادت إدارة الجامعات عملا أكاديميا صرفا لكنه استثمار بشري يحتاج لريادة وعقل يخطط للمستقبل. وكما قال أحد رؤساء جامعة هارفارد الأمريكية : " رئيس الجامعة ليس مديرا تنفيذيا وإنما مبادر للسياسات " همه استقطاب التمويل وقيادة دفة الجامعة نحو التميز والتفوق. أما القضايا الأكاديمية والتعليمية فلها مجالسها العلمية وكلياتها وأقسامها. ومن هنا فلا بد من التفريق والتمييز بين رئاسة وقيادة الجامعات وإدارتها التنفيذية. ففي جامعاتنا الحالية هناك مدراء تنفيذيون أو بالأحري رؤساء كبار لا قادة حقيقيون. وكما قال أستاذنا البروفسور محمد عثمان همزه، عالم الإدارة الفذ، فإن 85% مما يقوم به مدراء الجامعات في السودان لا يدخل في صميم صلاحياتهم وفق نظم الإدارة الحديثة في الجامعات.
مدير الجامعة لابد أن يكون قياديا ذو رؤية وخطة واضحة للنهوض بالجامعة والعمل على تميزها ورفع ترتيبها بين الجامعات محليا وإقليميا وعالميا. ومن هنا أقترح أن يكون اختيار رؤساء الجامعات وفقا لمنافسة حرة يقدم فيها المرشح رؤيته وبرنامجه ورؤيته، إضافة لسيرته الأكاديمية والعملية لا أن يتم أختياره من قبل رئيس الدولة أو وزارة التعليم العالي أو من خلال المحصاصات الأساسية أو الانتماء الفكري والأيدلوجي. بهذا وحده نضمن محاسبة من يتصدي لتولي مثل هذا المنصب وفقا لخطته وبرنامجه.
(ث) لامركزية التعليم:
يقوم التعليم في السودان منذ الاستقلال وحتي اليوم على المركزية. وعلى الرغم مما في ذلك إيجابيات أهمها وحدة الوطن في توجهه إلا أن بها الكثير من السلبيات. فالسودان بلد شاسع الأركان متعدد الثقافات واللهجات والأعراق بل والديانات. في بلد هذا شأنه لا بد أن يعمل التعليم على تحقيق أشواق ورغبات كل عنصر من عناصره دون التفريط في الهدف الأكبر وهو وحدة الوطن ووحدة المسار. فما يناسب أهل الشمال والوسط قد لا يناسب أهل النيل الأزرق وجبال النوبة. فكما قال خبير تعليمي لا يمكن أن تصمم منهجا تعليميا تكون أمثلته غير معروفة لأهل المنطقة. مثال أن تضرب مثلا لرجل يصارع فيلا في دارفور أو يركب سفينة في جبال النوبة. فكلاهما لم ير فيلا أو سفينة . لا يعني هذا أن نجعله جاهلا بالفيل أو السفينة ولكن الأفضل والأسلم أن نراعي بيئته وثقافته، خاصة في مراحل التعليم الأولي.
ومن هنا فإن الحاجة إلى لامركزية التعليم تبدو مطلوبة دون إفتئات على قومية التوجه إذا أردنا السلم والتناغم الإجتماعي. بمعني أن تؤول شؤون التعليم في المناهج والإدارة والامتحانات إلى الولايات. بل نقترح أن تكون للولايات سلطة على التعليم الجامعي أسوة بما هو موجود في الولايات المتحدة إذ من شأن ذلك أن يضمن استدامة التمويل وتحقيق أهداف الولاية في التنمية الإجتماعية والاقتصادية. ولا يعني هذا بحال أن ترفع الحكومة المركزية أو الفدرالية يدها عن التعليم الجامعي بل من حقها إنشاء الجامعات ودعم الولايات الأقل نموا والأكثر فقرا تحقيقا للمساواة.
وهذا يقودنا إلى الامتحانات في نهاية المرحلة الثانوية والدخول للجامعة. أتكون قومية أم ولائية. يختلف الحال من دولة إلى دولة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، مثلا، ليس هناك امتحان دخول للجامعات والكليات على المستوي القومي بل يترك لكل لكل كلية أو جامعة أن تحدد شروط القبول لها. لكن هناك امتحانات على المستوي القومي يجلس لها الطلاب لاختبار قدراتهم تعترف بها الجامعات مثل ACT وهو امتحان يختبر قدرات الطلاب في القراءة والرياضيات والعلوم وكتابة الورقة العلمية أو امتحان SAT الذي يركز على القراءة والكتابة والرياضيات بطريقة نقدية. أما في استراليا فعلي الرغم من أن الولايات لها نظامها التعليمي وسيطرتها على التعليم إلا إن امتحان الدخول لللامتحانات مركزيا ما عدا بعض الولايات.
أما في البرازيل والدول العربية كمصر والسعودية والسودان طبعا فإن الامتحانات والقبول مركزيا. ولكل نظام محاسنه ومساؤيه لكني وإن كنت أري أن يستمر النظام الحالي في الوقت الحاضر لظروف السودان الاقتصادية والسياسية إلا إنني أتمني أن يأخذ السودان بالنظام الأمريكي أو النظام الاسترالي لأن ذلك يمكن الولايات من تحقيق أهدافها والإحساس بذاتيتها وعدم الشعور بالتهميش. لكن لا بد من وضع الضوابط التي تضمن شفافية العملية التعليمية والمساواة لكل أبناء الوطن بحيث يتاح للطالب السوداني بالدراسة في أي جامعة يرغب فيها ما دام قد تحققت فيه شروط القبول، كما لابد من الاهتمام بنظام انتقال الدرجات Credit transfer بما يسمح للطالب بالانتقال من جامعة لأخري.
(ج) التعليم العالي الخاص:
يمثل التعليم العالي الخاص إحدي أهم القضايا الأساسية عند الحديث عن التعليم في السودان وضرورة إصلاحه. ذلك أن سنوات الانقاذ قد شهدت توسعا غير مسبوق في عدد كليات وجامعات التعليم الخاصة. وعلى الرغم من أن هذا التوسع أملته بعض الظروف التي أشرنا إليها أعلاه والتي من أهمها الاقبال المتزايد على التعليم العالي عالميا إلا أن التوسع الحادث في السودان قد صاحبته الكثير من المثالب. كما أنه لم يكن توسعا مدروسا وفق خطة قومية دعك من تدني جودة التعليم التي تقدمها العديد من تلك الكليات والجامعات وافتقارها لأبسط معايير نظم الجودة.
لقد شهدت سنوات الإنقاذ توسعا هائلا في مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة نسبة للاقبال الكبير على التعليم العالي وتصاعد نسبة الفئة العمرية الشبابية وقلة الفرص الوظيفية المتاحة لخريجي المرحلة الثانوية والحاجة المتزايدة للكفاءات المتخصصة والماهرة. ولكن هذا التوسع وإن كان ضروريا إلا أنه اتسم بعدم الانضباط ولم يكن وفقا لخطة قومية استراتيجية تراعي الاحتياجات التنموية والنهضوية الحقيقة. فكان إن شهدنا توسعا عشوائيا كبيرا هدفه الأساسي هو الربح المادي أسوة بما حدث في التعليم العام حيث قامت كليات وجامعات حكومية وخاصة تفتقر لابسط المقومات دون مراعاة لنظم ضبط الجودة التي تحكم قيامها. ولا احتاج لاثبات ذلك من خلال ضرب الأمثلة فزيارة واحدة للمدارس التي قامت علىها الجامعات الحكومية في العديد من الولايات والعمارات السكنية التي افتتحت فيها الكليات الخاصة في العاصمة وغيرها تقف خير دليل على ذلك.
لكن تلك المساهمة يجب أن تخضع لضوابط صارمة حتي لا يكون الهدف الأساسي هو الربح المادي. ومن أجل تحقيق ذلك ونتيجة للمنافسة الحادة بين مؤساسات التعليم العالي على استقطاب الطلاب يلعب نظام ضبط الجودة دورا فاعلا في تحديد المعايير والأسس التي تقوم عليها جودة التعليم.
من جهة أخري فإن نظام القبول القائم في السودان يجعل من الكليات والجامعات الخاصة مؤسسات شبه جكومية. ذلك أن هذه المؤسسات تعتمد في حصولها على الطلاب على ما يجود به عليها مركز القبول الموحد لا من خلال استقطابها للطلاب وفق معيار التنافسية. إن مركز القبول الموحد هو الداعم الرئيس لتلك الكليات والجامعات مخالفا بذلك قانون التنافسية الذي يجب أن يحكم القبول لكافة مؤسسات التعليم العالي.
إن جودة التعليم العالي إنما تتحقق بالتنافسية بمعني أن تتنافس مؤسسات التعليم العالي، حكومية كانت أم خاصة، على الطلاب وليس العكس بتنافس الطلاب عليها، كما يحدث في بلادنا من خلال مركز القبول الموحد. إن نظام القبول الموحد قد ينفع في البلاد التي يتم فيها القبول مجانا لكل الطلاب كما هو الحال في فنلندا والمانيا ومصر. لكن بمجرد أن تفتح الباب لمؤسسات تعليم خاصة فإن هذا يعني الغاء مركز القبول الموحد لعدم جدواه وتعارضه مع روح التنافسية.
قد يقول قائل أن الغاء مركز القبول الموحد يعني حرمان الطلاب الفقراء من دخول الجامعات وحصرها على أبناء الأغنياء. ليس هذا صحيحا فالجامعات الحكومية التي تمولها الحكومة المركزية وحكومات الولايات معنية في المقام الأول بقبول كل أبناء السودان دون تمييز اقتصادي أو غيره وفقا لتنافس حر يعتمد في المقام الأول على الدرجات التي يتحصل عليها الطلاب في امتحان الثانوية العامة وطبقا للشروط التي تحددها الكليات لكل تخصص بذات المعايير السارية حاليا. فالحادث الآن أن الجامعات الحكومية تتحصل على أفضل الطلاب من خلال مركز القبول. المطلوب أن يتم ذلك من خلال التنافس الحر بمعني أن الطالب هو الذي يقدم للجامعة التي يرغب فيها والتخصص الذي يرغب فيه وفقا لشروط التنافس وعلى لجنة القبول، وليس مركز القبول، أن يحدد للجامعات الدرجة الأدني التي يتم فيه القبول في كل تخصص؛ مثل أن يحدد 75% كحد أدني للقبول في كليات الطب سواء أكانت حكومية أو خاصة. طبيعيا ستقبل الجامعات الحكومية المتميزة أحسن الطلاب وأعلى الدرجات وهكذا تنازليا. أما المؤسسات الضعيفة التي دون المستوي فسيرفضها الطلاب وتخرج تلقائيا من سوق المنافسة أو سيتم اغلاقها من قبل الهيئة الوطنية للاعتماد والتقويم.
بهذا وحده نضمن القضاء تماما على الفساد ونجبر الكليات والجامعات على رفع مستوي جودة منتوجها باستقطاب أفضل الأساتذة وتحسين بيئتها التعليمية. أما أن يزود مركز القبول الموحد تلك الكليات الضعيفة بكوتة سنوية فيعني هذا تشجيعا لضعف المستوي وتقنينا للفساد. وعلى الرغم من قناعتي بأن الفساد في مسألة قبول الطلاب يكاد أن يكون معدوما، إلا من خلال ما أدخلته الانقاذ من بدع مثل قبول أبناء الشهداء والمجاهدين وغيرهم، إلا أن من أثق فيه من كبار الأساتذة حدثني بأن أحد مدراء الجامعات الخاصة قد حدثه بأن أحد الوزراء قد أتصل به لقبول مجموعة من الطلاب مقابل زيادة الكوتة التي تتحصل عليها جامعته من مركز القبول.
أما قبول أبناء الفقراء في الجامعات الحكومية وغيرها فيمكن أن يتم ذلك من خلال الاعانات التي تقدمها الحكومة المركزية وحكومات الولايات أو من خلال كفالة الشركات وأصحاب المصانع للمتميزين الذين يدرسون المجال الذي تعمل فيه مقابل التزام أولئك الطلاب بالعمل فيها بعد تخرجهم. إن هناك الكثير من الوسائل التي يمكن بها مساعدة الطلاب الفقراء على اكمال دراستهم مثل ديوان الزكاة أو القروض البنكية، كما يمكن للحكومة المركزية تأسيس مؤسسات مالية لتقديم العون للطلاب وفق شروط ميسرة.
إن تقديم الاعانات والقروض المشروطة للطلاب الدارسين من شأنه تحفيزهم على الاهتمام بدراستهم والتفوق فيها من جهة ويضمن بقاءهم في بلادهم للمساهمة في تنميتها بعد تخرجهم. ومن خلال الاعانات الحكومية. أما أبناء المناطق الأقل نموا فيمكن قبولهم وفق سياسة التمييز الإيجابي التي تخصص مقاعد معينة لكل إقليم في التخصصات النادرة وفقا لحاجات كل إقليم بما يمكن أبناءه من المنافسة في تلك الوظائف على أن ينتهي ذلك خلال فترة زمنية محددة تحقيقا لمبدأ العدالة والتنافس الحر لكل أبناء الوطن أو من خلال الاعانات الحكومية.
إن القبول عن طريق التنافس الحر له إيجابيات كثيرة ليس أقلها رفع مستوي الجامعات ودفعها لتعيين أفضل العناصر وتحسين جودة مستوي خدماتها وإلا ستفقد أهم مواردها وهم الطلاب. كما سيضمن لنا تعليما عاليا متميزا نستطيع أن ننافس به لإقليميا وعالميا ويضمن لنا تخريج كفاءات عالية تحقق نهضة البلاد ورفعتها وتنميتها المستدامة.
وهذا يتطلب كما أشرنا أعلاه الاسراع في قيام الهيئة الوطنية لللاعتماد والتقويم لتخضع كل مؤسسات التعليم العالي بالبلاد ، حكومية وخاصة، للتقويم والاعتماد المؤسسي والبرامجي وأن تمنح تلك الهيئة استقلالية تامة عن وزارة التعليم العالي أو مجلس التعليم بتبعيتها لرئاسة الدولة مع منحها سلطة الايقاف المؤقت أو الالغاء لكل مؤسسة تعليم عال لا تتحقق فيها شروط ضمان الجودة.
وبما أننا نركز هنا على التعليم العالي الخاص فنقترح إضافة لما ذكرناه أعلاه الآتي:
أ‌. أن تتم مراجعة دقيقة لكافة مؤسسات التعليم العالي الخاصة وفقا لنظم ادارة الجودة للتأكد من صلاحياتها المؤسسية وقدرتها العلمية والأكاديمية على الارتقاء بجودة التعليم العالي وتجفيف كل مؤسسة لا تتوفر فيها أو غير قادرة على توفير المطلوبات الضرورية من خلال شفافية عالية وعدالة مستقيمة.
ب‌. أن تدمج بعض الكليات الخاصة لتشكل جامعات متكاملة ذات رسالة علمية واضحة ورؤية محددة وذلك من خلال تحويلها لشركات مساهمة غير ربحية .
إن الولايات المتحدة رائدة المجتمع الرأسمالي والتي تقوم حياة مجتمعها على البحث عن المال وجمعه تمنع قوانينها إنشاء المؤسسات التعليمية على أساس الربح ومعظم جامعاتها الخاصة هي مؤسسات غير ربحية. بذلك وحده نضمن جودة التعليم الذي تقدمه مثل تلك الكليات والجامعات. ولضمان أن تؤدي الكليات والجامعات الخاصة دورها المنوط في توجيه التعليم نحو تحقيق غايات الأمة في النهضة والتقدم العلمي وليس من أجل تحقيق الربح المادي يمكن للدولة أن تدخل كشريك مع تلك الكليات والجامعات يكون لها السهم الأكبر وتكون شراكتها من خلال الأرض التي تمنحها لتقام عليها الكلية والجامعة ومن خلال إسهام مادي يساعد في بناء المعامل والمختبرات وغيرها ومن خلال وجودها في مجلس الأمناء. بذلك وحده تضمن الدولة أن التعليم يسير وفق رؤية الأمة. ويمكن للدولة أن تغطي عجزها عن توفير التعليم من خلال تشجيع الأثرياء على التبرع أو من خلال الوقف الذي هو سنة إسلامية حميدة يتجاهلها الكثيرون.
(د) التعليم الطبي :
ليس أدل على فوضي قيام الكليات الجامعية الخاصة ذلك العدد الهائل في كليات الطب خلال السنوات الأخيرة. وأنا هنا لا أتحدث عن الجانب التخصصي والفني المتعلق بكليات الطب والتعليم الطبي وإنما أعني الجانب الإجرائي. ذلك أن التعليم الطبي قد انتشر في السودان انتشار النار في الهشيم دون مبررات موضوعية تستدعي كل ذلك على الرغم مما يدعيه بعض الأطباء وأصحاب تلك الكليات من حوجة السودان للأطباء.
ففي خلال الثلاثين سنة الأخيرة قفز عدد كليات ومدارس الطب في السودان من مدرستين في كل من جامعة الخرطوم والجزيرة إلى أكثر من خمس وخمسين كلية، وهو عدد مهول بكل المقاييس . فكل من له علاقة بالطب وبغيره أسس كلية جامعية طبية. فهل تم ذلك وفق رؤية قومية مستقبلية أو خارطة قومية تستصحب عدد السكان وتوزعهم الولائي والإقليمي ومن ثم الحاجة لعدد من المستشفيات والأطباء أم يتم الأمر وفقا للرغبات الشخصية والمحسوبية والبحث عن الربح المادي.
وليس أدل على فوضي التعليم العالي تلك الكليات الطبية التي تم افتتاحها بالعشرات دون أن تمتلك أدني مقومات المدرسة الطبية. لا أقول ذلك جزافا أو تجنيا. فقد قيض الله لي قبل عام أن أكون في احد المناسبات لطبيب صديق لأجد نفسي بين مجموعة من كبار الأطباء، بينهم عضو في مجلس التخصصات الطبية ووزير صحة ولاية الخرطوم، بروفسور حميدة فاستمعت اليهم يتحدثون عن حال الطب وأهله ودهشت حينما ذكر بروفسور مأمون أن هناك الآن ما يقرب من سبعين الف طالب طب تحتويهم الجامعات والكليات الطبية يحتاجون للتدريب وهو عاجز عن توفير ذلك لهم لقلة المستشفيات ومن ثم فهم يتخرجون دون أن يعاينوا مريضا واحدا ؛ وكيف أن بعض الجامعات لجأت لما يعرف بالمحاكاة الطبية لتعويض ذلك. بل تحدث أحدهم عن قلة أساتذة الطب الأكفاء وتحدي أن يكون في كل السودان أربعين شخصا منهم. كل ذلك في بلد توجد فيه اكثر من خمس وخمسن كلية طب.
إن الطب يصنف بأنه من أكثر المهن ذات الخطورة العالية لما فيه من مخاطر تنتج من الأخطاء الطبية البشرية أو المادية. ومن ثم يحتاج لإمكانيات بشرية ومادية ذات مستوي عال ومتقدم للتقليل من المخاطر المصاحبة له والتي من أفدحها فقدان الأرواح. ومن هنا فإن إنشاء كلية أو مدرسة طبية لا يكون إلا وفق خطة متقنة تستصحب الدراسة المتعمقة للبيئة بما فيها عدد السكان وإمكانية توفير كافة المستلزمات المطلوبة التي تضمن تحقيق الكلية لأهدافها ورسالتها. ففي أثيوبيا مثلا قررت الحكومة وفقا لخطتها الصحية لتوفير العلاج وإيجاد مواطن صحي متعاف أنها تحتاج بنهاية عام 2030م لإنشاء أربعين كلية للطب لتخريج العدد المقدر من الأطباء التي تحتاجه البلاد لإنفاذ خطتها حتي ذلك الوقت فبدأت بتأسيس الكليات الطبية بتدرج لتصل حتي عام 2016م لخمس عشرة كلية فقط تم بناءها على أحدث طراز وجلب لها أكفأ الأساتذة وتقدم فيها للطلاب واجبات غذاء مجانية. كل ذلك في بلد يبلغ عدد سكانه مائة مليون نسمة. أما بريطانيا التي نشأت فيها أول جامعة قبل ستمائة سنة والتي يبلغ فيها عدد السكان حوالي 65 مليونا بنهاية عام 2016م فيبلغ عدد مدارس الطب فيها ثلاثة وثلاثون مدرسة طبية؛ 24 منها في إنجلترا، 5 في إسكتلندا 2 في ويلز وواحدة فقط في إيرلندا الشمالية. وليس كل تلك الكليات تمنح درجة البكالوريوس في الطب حيث أن بعضها يقدم فقط مقررات أساسية أو تحضيرية للطب PRE-CLINICAL وعلى الطلاب التوجه لجامعات أخري لإكمال دراستهم الطبية. هذا على الرغم من أن أول مدرسة للطب أنشئت في مدينة أدنبره يرجع تاريخها إلى عام 1726م ، أي قبل ميلاد السودان الحديث بمائة عام و السودان الحر المستقل بمائتين وثلاثين عاما. وأن أول مدرسة طبية في بريطانيا استغرق إنشاؤها أكثر من ثلثمائة عام مع أن أول كرسي للطب أنشي في جامعة أبردين عام 1497م. وهل تصدق أن مدرسة كمبردج الطبية لم تقم إلا في عام 1976م مع أن أول وظيفة أكاديمية للطب في جامعة كمبردج دشنت عام 1524م. هذا يعني أن الكليات الطبية لا تنشئ إلا بعد دراسة وتجارب تستغرق زمنا طويلا.
إن أقدم جامعة خاصة في إنجلترا وهي جامعة بكنغهام، بدأت أول قبول لطلاب الطب بها في عام 2010م وكطلاب دراسات عليا ولم تبدأ قبول طلاب للبكالوريوس إلا في عام 2015م. بل أن رابطة الطب البريطانية عبرت عن قلقها ومخاوفها من تدهور العمل الطبي حينما تقدمت في عام 2013م جامعة وسط لانكشير الخاصة بطلب السماح لها بافتتاح كلية للطب. إذا كان هذا حال بريطانيا فما الذي يدفع وزارة التعليم العالي السودانية للتصريح بقيام كليات للطب بالعشرات وخلال سنوات لا تتجاوز السنة والسنتين من إنشائها. بل إن بعض الكليات تبدأ بتخصص الطب أول ما تبدأ.
كما قال لي احد الأطباء المخضرمين فإن كليات الطب عادة تخرج من رحم المستشفيات لا العكس. ففي كثير من بلاد العالم لا تنشأ كلية أو مدرسة للطب إلا في وجود مستشفى . فالمستشفى يعني مرضي يحتاجون لأطباء والأطباء يحتاجون لمستشفى يعملون فيه وطلاب الطب يحتاجون له ليتدربون فيه. هذه معادلة منطقية . لكن حينما نطبقها على بلادنا التي لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثين مليونا وبها كليات طب أكثر من عدد المستشفيات يتضح لنا مدي الخلل الذي يصاحب قيام تلك الكليات. ومن هنا فإذا أخذنا قول وزير الصحة بعدم قدرة مستشفيات الخرطوم على تدريب سبعين ألف طالب للطب يبدو الخلل أكثر وضوحا. ويبدو التساؤل على أي معيار سمحت وزارة التعليم العالي بقيام تلك الكليات?. لقد عملت أستاذا وعميداً وخبيرا في التعليم العالي في إحدى دول الخليج العربي التي بها حتي الآن كليتان فقط للطب أحدهما في جامعة حكومية والأخرى كلية خاصة مع أن بها جامعات وكليات خاصة يتجاوز عمربعضها العشرين عاما ويقدر عدد السكان بها ما يقرب من الأربعة ملايين . في تلك الدولة أسهل بأن تصعد إلى المريخ حبوا من أن تنشئ جامعة أو كلية خاصة لما فيها من شدة في الضوابط والمعايير التي تحكم قيام مثل تلك المؤسسات. صحيح أن العقود الماضية قد شهدت نموا متصاعدا في مؤسسات التعليم العالي في كافة أنحاء العالم ، خاصة في دول العالم الثالث نتيجة الطلب المتزايد على التعليم الجامعي حتي أن عدد الجامعات قد قفز إلى سبعة عشرة ألف (17000 ) جامعة وفقا لا حصاء هيئة اليونسكو، 30% منها جامعات أو كليات خاصة. لكن على الرغم من ذلك فإن كليات الطب لها وضع خاص.
صحيح أن السودان يتميز بوجود عدد من الأطباء المؤهلين المتميزين الذين حصلوا على أعلى الدرجات عند دخولهم الجامعة وتخصصوا في أعرق الجامعات الغربية. لكن هل هذا يعني أن يترك لهم الحبل على القارب لينشئ كل من شاء منهم كلية طبية؟ إن أهم معيار لقيام كلية ما أو جامعة هو عدد العاملين بها من الأساتذة. فالمعيار العالمي لنسبة الأساتذة للطلاب في الكليات العلمية مثل الطب هو أستاذ لكل 15 طالب. فهل هذا المعيارممكن في تلك الكليات. لا أعتقد ولا حتي في جامعة الخرطوم الأكثر عراقة وتميزا. قال لي أحد أساتذة الطب متحديا أنه لا يوجد في كل السودان أربعين أستاذا للطب من المتميزين. إذا قسمنا هذا العدد على عدد كليات الطب بالجامعات الحكومية والخاصة فسيكون الحاصل 3/4 أستاذ، أي أن البعض لأن يكون فيها أستاذا كاملا. ربما يكون في هذا القول بعض المبالغة لكن مع واقع الهجرة المتزايدة لأساتذة الجامعات السودانية خلال السنوات الأخيرة فإن الأمر ليس فيه شيء من الغرابة. إن ندرة الأساتذة في مجال كالطب والتكلفة العالية لاستقطابهم، لأن ليس كل طبيب يصلح أن يكون مدرسا فالتدريس مهارة لا تتوفر إلا للقليل، هو الدافع وراء تريث كثير من الدول ، حتي دول الخليج الغنية ، في السماح بفتح كليات للطب.
والسؤال هو ما مدي مساهمة تلك الكليات والجامعات في البحث العلمي وتوطين العلاج وما مدي قدرتها على توفير أحدث الأجهزة المخبرية والمعملية ومواكبة التطور العلمي الهائل وقدرتها على التواصل مع الجامعات الخارجية ومراكز البحث العلمي في ظل ظروف البلاد الاقتصادية الضاغطة والحصار الاقتصادي الذي قلل كثيرا من فرص الابتعاث الخارجي. اليس كل ذلك باعثا على تقنين التعليم الطبي بالبلاد و التركيز على الكيف بدلا من الكم؟
لقد أدي تزايد عدد كليات الطب في الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر القرن التاسع عشر إلى قلق حكومي تمثل في تكليف التربوي الأمريكي المشهور أبراهام فلكسنر ، وهو ليس طبيبا، لتقديم تقرير متكلمل عن التعليم الطبي وكيفية اصلاحه. كان تقرير فلكسنر لعام 1910 ثورة في التعليم الطبي في الولايات المتحدة لكن أهم نتائجه كان هو إغلاق ما لا يقل عن 80% من كليات الطب القائمة يومئذ. ومن هنا فإنا نقترح على وزارة التعليم العالي في عهدها الجديد أن تعمل على تكليف لجنة من خبراء تربويين وأطباء مختصين بالتعليم الطبي وخبراء نظم جودة لدراسة وضع التعليم الطبي في الكليات والجامعات الخاصة لتصحيح المسار.
إننا على علم بأن الكثير من الدول ما عادت قادرة على تحمل تكلفة التعليم العالية مما دفعها لفتح الباب أمام القطاع الخاص للمساهمة في ذلك، وهو أمر محمود لكن ما ندعو إليه أن يكون ذلك وفق ضوابط صارمة ووفق خطة قومية واستراتيجية تراعي الاحتياجات على المدي القصير والطويل وتستصحب المخاطر والمهددات التي تنتج من العدد الكبير من مؤسسات التعليم العالي. إن الكيف لا الكم هو الذي يجب أن يكون معيارا للسماح بقيام مؤسسات التعليم العالي لأن العلم هو القيمة الإلهية الكبرى الذي كلف بها الله جل وعلا رسوله حينما كلفه بحمل رسالة التوحيد قائلا: إقرأ. إنما يحدث من أخطاء طبية في مستشفياتنا يتحدث عنها القاصي والداني ونحن نعلم الكثير منها لأنها أفجعتنا في العزيز من الأهل والأصدقاء، على الرغم من إيماننا بالقدر وأن الموت حق، إنما هو نتيجة للعديد من الأسباب ومن أهمها عدم التأهيل الصحيح للكثير من خريجي كليات الطب خلال السنوات الأخيرة. إننا نتمنى من وزارة التعليم العالي ومجلس التخصصات الطبية أن يستهدوا بتجارب الأمم التي سبقتنا وأن يكون الفيصل والمعيار هو الجودة لا الكم . إن ذلك مطلوب في كل شؤون الحياة ولكن حينما يتعلق الأمر بصحة الإنسان وروحه فالخطب يكون أعظم إن تساهلنا في ذلك.
لكن كل ما ذكرت لن يفيد إلا باصلاح الركائز الذي يقوم عليها البناء التعليمي وهي :
أولا: القوي البشرية الفاعلة . ونعني بها المعلم والاستاذ المدرب النموذج. وهنا علينا أن نرفد التعليم بالكفاءات والقدرات العالية من المعلمين والمدرسين في المدارس الدنيا والعليا والاساتذة المبدعين ذوي الخبرة في الجامعات وذلك باستقطاب أصحاب الدرجات العليا والقدرات للولوج لكليات التربية وجعل التدريس مهنة مجزية اقتصاديا. ولا بد من اعطاء تدريب المدرسين والأساتذة من المدرسة إلى الجامعة أولوية كبري فالتدريب المستمر هو السلاح المضاء لكل من يعمل بالتعليم . فليس المهم أن تكون هناك كليات تربية لكن الأهم ماذا تقدم تلك الكليات وأي نوعية تلتحق بها.
والأهم جعل التدريس مهنة جاذبة ومجزية اقتصاديا واعطاء المعلمين ليس فقط ما يسد رمقهم بل ما يشعرهم بكرامتهم ويحسن صورتهم الاجتماعية أمام مجتمعهم حتي يشكلوا القدوة والنموذج. وحتي لا تتخوف الحكومة من طلبات أصحاب المهن العليا الأخرى إن هي أفردت للمعلمين هيكلا راتبيا خاصا فعليها ابرام عقد اجتماعي مع كافة شرائح المجتمع وقطاعاته الأخري تتعهد فيه باحترام ذلك الهيكل والتسليم بتمييز المعلمين عن غيرهم لأنهم أمناء الأمة وبناء ركائزها والقيام بحملة إعلامية كبيرة من أجل ذلك.
إن توفير العيش الكريم المجزي الذي يجعل المعلم والأستاذ في وضع اقتصادي واجتماعي مريح يمثل الدعامة الأساسية لنجاح التعليم. إن على كافة شرائج المجتمع الأخري أن تضحي وتسلم بهذا لفئة المعلمين لأنهم بناة عقول الأمة ولن تفلح أمة تنزل رسلها ( كاد المعلم أن يكون رسولا ) في أدني درجات السلم.
رب قائل يقول كيف يمكن ذلك في ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة التي تمر بها البلاد. نقول إن الكثير من مظاهر البذخ الذي تقوم به الدولة في مناسباتها الكثيرة وفي هياكل حكمها المتعددة والكثير من الانفاق التفاخري الذي تقوم به فئات المجتمع المرفهة في مناسبات الاتراح والأفراح كفيل إذا ما وجه نحو دعم التعليم أن يحقق ذلك. فقد آن لأهل السودان أن يتعلموا أن الأمم لا تبني بالأماني وإنما بالتضحيات وأن صبر ساعة راحة سنة بل راحة العمر كله.
ثانيا: مصادر التعليم من كتب و مختبرات وتقنيات الحديثة: علينا تزويد المدارس والجامعات بأحدث ما توصل اليه العلم من تقنيات حديثة وتكنلوجيا لأهميتها في توصيل المعرفة وانتاجها ولأن المهارة أضحت في عالم اليوم تعتمد لدرجة كبيرة على التقنية. إن ذلك يشكل بلا شك عبئا اقتصاديا لكن الادارة الجيدة والشفافة للموارد في الجامعات وغيرها كفيلة باصلاح ولو بعض الحال.
ثالثا: طرق التدريس والتقويم:
ولن ينصلح حال التعليم إلا بمواكبة التطور الهائل في طرق ووسائل التدريس والاستفادة من التقدم الكبير في وسائل التكنلوجيا حيث أضحت المهارة لا المعرفة هي أساس العلم وركيزة التقدم البشري. فالمعرفة مع وسائل التقنية الحديثة من انترنت وخلافه أضحت متاحة متوفرة في متناول الجميع . لكن مربط الفرس هو المهارة، مهارة التواصل والتفكير الناقد وحل المشكلات والعمل الجامعي بما يقود للابداع والابتكار الخلاق. ما عادت الشركات وأصحاب العمل يهتمون بالشهادات والدرجة العلمية بقدر اهتمامهم بالمهارة والقدرة على حل المشكلات والعمل كفريق جماعي لايجاد الحلول.
فما زال التعليم الجامعي في السودان يعيش عصر السيتينات في طرقه وتقنياته مع بعض الاشراقات في عدد من الجامعات الحكومية والخاصة. لكن إلى حد كبير ما زالت العقليات هي ذات العقليات القديمة ومازالت وسائل تقييم الطلاب هي ذات الوسائل التي تري في الاختبارات والامتحان التحريري العامل الأساس في تحديد نجاح الطلاب وفشلهم. بينما يقوم التقويم الحديث على التقييم المستمر الذي يستصحب المشاركة والحضور وحل الواجبات وتقديم المبادرات. ما زال رسوب الطلاب تفاخرا لبعض الاساتذة مع أن رسوب الطلاب في المفهوم المتكامل للتعليم يعني رسوب الاستاذ بالدرجة الأولي. فجامعاتنا ما زلت تفتقر للأرشاد الأكاديمي الذي من مهامه الأساسية معرفة أسباب تدني مستوي الطالب والعمل على علاجه. ومن هنا فإن دولا مثل فنلندا وغيرها اعتبرت الامتحان وسيلة غير ناجعة لتقييم الطلاب. ولذلك عجبت لاستاذ يرسب طالبه ثم يرفض أن يريه أسباب رسوبه.
إن التعليم في بلادنا ما زال يقدم الكم على الكيف. وليس من برهان لذلك أقوي من الحشو الكبير للمقررات التي يثقل بها كاهل الطالب في جميع مراحل التعليم وعدد الساعات الهائل المطلوب منه دراسته. ولأعطي مثلا للخطط الدراسية في الجامعات السودانية حيث يدرس الطالب لدرجة البكالوريوس ما يتراوح بين 145-170 ساعة معتمدة. في كل دول العالم ، بما فيها الدول العربية ، لا تتجاوز ساعات البكالوريوس في كافة التخصصات ، عدا بعض التخصصات العلمية مثل الطب والهندسة، ال /132/120 ساعة دراسية. لكن لجان المناهج بوزارة التعليم العالي تفرض على الجامعات أن تدرس 170 ساعة لدرجة الشرف. هذا يعني أن الطالب يدرس ما بين 15 و20 ساعة في الأسبوع؛ لا يجد وقتا لأن يذهب للمكتبة أو يكتب بحثا أو يراجع استاذا أو يجود مهارة. دعك من الغياب التام للتدريب أثناء الدراسة . لذلك يتخرج الطلاب وهم فاقدين للكثير من المهارات المطلوبة في سوق العمل.
رابعا: الاهتمام بالبحث العلمي:
إن أهم ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات هو العقل. فبه يتدبر الإنسان ويتفكر فيما حوله مصداقا لقوله تعالي: " وفي أنفسكم أفلا تبصرون" و العقل قرين العلم ومن ثم فإن أعمال العقل في جوانب العلم المختلفة سواء أكان علما دنيويا أو أخرويا إنما يفيد انتاج المعرفة التي بها يسعد الإنسان في حياته وتدبير أمور معيشته ودنياه. ومن هنا فإن البحث العلمي يعتبر فرضا ضروريا لنهضة الأمم وتقدمها لللاستفادة فيما سخره الله لها من موارد . وبما أن البحث أضحي علما له مناهجه وطرقه ووسائله فقد تركز جله في الجامعات. ومن ثم لم تعد الجامعات مراكز للتدريس فقط وإنما ميدانا للبحث العلمي بما تملكه من أساتذة مؤهلين ومدربين على فنونه وما يتوفر لها من معامل ومختبرات. والبحث العلمي عنوان لنهضة الأمة وما تقدمت الدول المتقدمة إلا نتيجة لاهتمامها بها هذا الضرب من الجهد الإنساني. ومن ثم فاذا أراد السودان أن ينهض فلا بد أن يولي هذا الجانب اهتماما كبيرا ويفرد له من الأموال والمعاينات اللازمة.
لقد تدهور مستوي البحث العلمي خلال السنوات الأخيرة نتيجة عدم اهتمام الدولة بالصرف عليه ولما أصاب البنيات الأساسية بالجامعات من تدهور وما أصاب الأساتذة من احباط نفسي صرفهم عن الاهتمام به.
إن هناك ضرورة ملحة للاهتمام بالبحث العلمي وتخصيص المال اللازم له. لقد تطور البحث العلمي في الدول المتقدمة من خلال الشراكة القوية بين الجامعات ومراكز البحث العلمي والشركات والمؤسسات الصناعية. الصناعة عندنا ضعيفة جدا وتتركز معظمها في مجال المنتجات الغذائية. ومن هنا حتي تكون لنا الصناعات التي تزهر عن طريق البحث العلمي فلا بد أن تخصص الحكومة جعلا مناسبا لتمويل البحث العلمي. كما أن على الجامعات أن تنفتح على مراكز البحث العالمية ومؤسسات التمويل العالمية وفق شراكات تضمن لها تمويلا مستمرا، كما أن عليها أن تضع الضوابط اللازمة وتقديم الحوافز التي تشجع الاساتذة والباحثين على الاهتمام بالبحث.
رابعا : أهمية اللغات العالمية الحية:
إن لسان أمة ما هو عنوان هويتها وكينونتها ومدار فخرها. ومن هنا فأن يكون التعليم بلسان الأمة ولغتها لهو المطلوب . ومن هنا فليس لنا اعتراض على أن يكون التعليم في جميع مراحله في بلادنا باللغة الوطنية وهي اللغة العربية . لكن علينا أن لا ننسي أننا نعيش في عصر أصبح فيه العالم قرية صغيرة. وهذه حكمة ربانية لا يفهمها إلا العالمون. أصبح العالم قرية صغيرة يتأثر كل جزء منها بالأخر ويؤثر فيه، رضينا بذلك أم أبينا. وقد أضحي العلم في هذه القرية الصغيرة يتداول في سرعة البرق نتيجة للتطور التكنلوجي الهائل مما يعني أن على من يريد المواكبة . وانا لا أعني بالمواكبة المسايرة والتبعية وإنما الاستفادة من التقدم العلمي . وبما أن لغة العلم الحديث ولغة الوصول لذلك العلم ليست هي العربية فإن علينا أن نزود أبنائنا وبناتنا الدراسين بهذا السلاح حتي يستفيدوا من التقدم العلمي الهائل. ومن هنا فلابد من الاهتمام بتعليم اللغة الانجليزية منذ المراحل الدراسية المبكرة دون اهمال اللغة العربية وتجويدها. إن كثير من الدول الأوربية المتنطعة قوميا مثل ألمانيا لم تر في تعليم أبنائها الإنجليزية منذ المراحل المبكرة تدن لقوميتها أو إهدارا لكرامتها إنما وسيلة لمواكبة التطور العلمي بلغته الأولي . فقد حكي لي البروفسور العالم عثمان السيد ، وهو من أوائل المهندسيين السودانيين الذين تلقوا تدريبا عمليا في ألمانيا في ستينات القرن الماضي أنه كان في ذلك الوقت، بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية بسنوات، يدرس في بريطانيا وتيسر له أن يتدرب في شركة سيمنز الألمانية بمدينة كولن . وقد لاحظ حينما ذهب إلى ألمانيا أن معظم المدن الكبري مثل هامبورج وكولن وغيرها كانت ما زالت مدمرة لم تمسها يد العمران حتي بعد خمسة عشر عاما من إنتهاء الحرب. فلما سأل أحد الألمان متعجبا عن أسباب ذلك، أجابه بأنهم اتخذوا قرارات هامة أولها أنه لا يتم تعمير المدن الكبري إلا بعد تعمير الريف حتي لا يهاجر أهل الريف إلى المدن فيكدسونها، وثانيا أن يتم خلال عام واحد تعليم اللغة الإنجليزية لجميع الألمان في جميع مراحل التعليم من الأساس إلى الجامعة من خلال منهج موحد لأنهم أدركوا أن معظم العلم مكتوب باللغة الإنجليزية ومن ثم فإن أرادوا استيعاب ذلك العلم فعليهم تعلم تلك اللغة. ولنا في رسول الله أسوة حسنه حين شجع على تعلم لغات الأعداء ليأمنوا شرهم وفي ما قام به خلفاء الدولة العباسية من الاهتمام بالترجمة غيرها مما أدي لنهضة فكرية وحضارية إسلامية رائدة. إن تعلم اللغات الحية في هذه المرحلة الحرجة من مسيرة الأمة الإسلامية يعتبر أمرا واجبا وضروريا إذا ما أرادت هذه الأمة أن تنهض من كبوتها وتعدل من مسيرتها الحضارية. وهي أن يسير تعلم اللغة الإنجليزية جنبا إلى جنب مع الاهتمام بتعلم العربية وتجويدها مع تشجيع الترجمة والبحث العلمي بالعربية.
إن من المحزن أن تجد أستاذا جامعيا يحمل درجة الدكتوراه لا يستطيع قراءة بحث أو كتاب باللغة الإنجليزية أو الفرنسية ثم يشرف على طالب يحضر لدرجة الماجستير أو الدكتوراه في علم الاجتماع أو التاريخ أو علم النفس . كيف يتأكد هذا الأستاذ أن هذا الطالب لم ينقل أو ينسخ بحثه من الانترنت أو غيره أو أنه لم يسرق أفكار غيره. كيف يستطيع أستاذ الدراسات الإسلامية أن يفند آراء المستشرقين حول القرآن أو الحديث أو غيرهما إذا كان عاجزا عن الاطلاع على رأي ذلك المستشرق في لغته الأصلية. إن كل الغربيين الذين تخصصوا في الدراسات الإسلامية أو العربية يتقنون العربية . فما بالنا نعجز عن ذلك .
إن تعلم اللغة الأجنبية هو أقوي سلاح نتسلح به إذا ما أردنا أن نحافظ على ديننا وفكرنا هويتنا. إن علماؤنا وفقهاؤنا عاجزون عن اصلاح حال شبابنا لأنهم غير مدركين لواقع الشباب. الشريعة ليست دينا بل هي فقه الواقع. إن ما يدرس لتلاميذنا في المدارس ولطلابنا في الجامعات لا يربط قيم السماء بواقع الأرض . قيم السماء هي التوحيد والحرية والعدل واعمال العقل لمعرفة الخالق. يجب أن تتأصل تلك القيم في الأرض وتنعكس في واقع الناس وحياتهم. ما يدرس للطلاب من قيم يجب أن ينعكس على الواقع. لابد للمناهج أن تربط سنن الكون بواقع الأرض . كما قال لي أحد علماء الفيزياء المسلمين : لن يفهم القرآن إلا من درس الفيزياء والفلك ولذلك عجبت كيف يدعي بعض العلماء فهم القرآن وهم لم يطلعوا على شئ من علم الفيزياء والفلك أو علم الأحياء ليدركوا عجائب خلق الله في كونه وفي مخلوقاته.
ومن هنا فإن التعليم الحق هو ذلك الذي يربط بين القرآن والعلوم والتكنلوجيا والدراسات النظرية لآ أن يعامل كل واحد منهما على حدة كأنه جزيرة معزولة. لقد فقد المسلمون مقود الحضارة حينما تجاهلوا وحدة العلوم. انظر لما يدرس في مدارسنا وجامعاتنا : طالب الدراسات النظرية لا يعرف شيئا عن العلوم وطالب العلوم لا يعرف شيئا عن الدراسات النظرية. لا يعني هذا اهمال التخصص ولكن لا بد من التقاطع والتلاقي بين مكونات العلم إذا أردت أن تنشئ جيلا خلاقا مبدعا يحقق خلافة الله في الأرض.
إن التعليم ،والعلم ،ليس ترفا إنما واجبا يلزم الأمة بأجمعها لأنه مفتاح نهضتها وتقدمها وطريقها لمعرفة ربها واصلاح مسار حياتها. إن كثيرا من المظاهر السالبة التي تغشي مجتمعنا السوداني إنما مردها للجهل وعدم التعليم. ما نراه من مناظر ومظاهر الفوضي وتراكم الأوساخ وتفشي الأمراض والأوبئة التي ينقلها البعوض وغيره وعدم احترام الوقت والتهاون في العمل والفساد الإخلاقي والمالي وغيره كلها دليل على غياب التعليم أو تدنيه . صحيح أن هناك عوامل إنسانية وبيئية كثيرة تؤدي لسقوط المجتمعات وترديها وزوالها . لكن يبقي الجهل ، بكل معانيه، العامل الأقوي تأثيرا.
إن على القائمين على أمر التعليم إذا ما كانوا يريدون لهذا البلد ولهذه الأمة خيرا ومستقبلا زاهرا أن يعيدوا النظر في مسار التعليم بكل مراحله وأن ينقحوا المناهج بما يحقق وحدة العلوم وأن يغرسوا في نفوس الناشئة قيم الحق والعدل والحرية والمساواة و التسامح واحترام الأخر لأنها قيم السماء وبها يتحقق السلم والاستقرار والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. إن على القائمين على أمر التعليم من جيل الخمسينات والسيتينات أن يعلموا أن قطار الحياة لا يتوقف ناظرا إلى الوراء متعجبا لروعة الماضي وإنما يمضي حاملا شعلة المستقبل . ذلك أن الله سبحانه لا يريد لخلقه إلا خيرا مهما أدلهمت خطوب الحاضر. وسيتحقق الخير حينما يدرك الناس أن وحدة وحدة الكون واستقامته في وحدة الخالق وتنزيهه. ومن ثم فإن عليهم أما أن يفهموا اختلاف مسارات الحياة فيعيدوا صياغة التعليم بما يحقق مآلات المستقبل أو أن يترجلوا ليفسحوا المجال لغيرهم.
إن هذا المقال أجمل ولم يفصل ولم يحط بكل جوانب هذه القضية المفصلية الهامة ولا يدعي أنما ما طرح فيه من أفكار هي عين الصواب وكبد الحقيقة و لكنه محاولة لإعمال العقل وإجالة النظر سعيا لتحفيز أخرين للإدلاء بدلوهم وصولا لما يحقق استقرار البلاد والنهوض بإنسانها واصلاح مسارها وما التوفيق إلا من عند الله العزيز الحكيم..
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.