مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





نحو دستور للوحدة القومية/ الحكم الفدرالي (6/7) .. بقلم: د. امين حامد زين العابدين
نشر في سودانيل يوم 28 - 03 - 2020

يعتبر الشعور القومي الطاغي الذي يضع كل اهتمامه في حفظ وحدة وتماسك القطر أحد العوامل الأساسية التي تدفع بعض البلدان إلى تأخير أو عرقلة منح الأقاليم المكونة لها أي نوع من الحكم اللامركزي أو الفدرالي وذلك مثل بريطانيا التي لم تمنح أقاليم أسكوتلندا وويلز الحكم اللامركزي إلا في العقد الأخير من القرن العشرين(85). وكان هذا العامل أيضاً السبب في تباطؤ النخبة الحاكمة للسودان بعد الاستقلال في منح سكان الإقليم الجنوبي الحكم الفدرالي الذي كانوا يطالبون به. وبدأت أول تجربة لتطبيق الحكم اللامركزي في السودان في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري بعد أن تمّ منح الإقليم الجنوبي الحكم الذاتي بموجب اتفاقية أديس أبابا وتطبيق الفدرالية في إطار الحكم الشمولي على بقية الأقاليم بعد إصدار قانون الحكم الإقليمي لعام 1980م، والذي قسمت البلاد بموجبه إلى خمسة أقاليم: الشرقي والشمالي والجزيرة وكردفان ودارفور.
وقرر نظام الانقاذ العسكري التوسع في تجربة الحكم الفدرالي عندما تمّ إصدار المرسوم الدستوري رقم (10) في أول فبراير 1994م الذي تمّ بمقتضاه تقسيم الأقاليم التسعة إلى (26) ولاية، (16) منها في الشمال، و(10) ولايات في الجنوب(86). وتقوم الحكومة المركزية بتعيين حكام ووزراء الولايات، كما تقتصر عضوية المجالس التشريعية للولايات على الأشخاص الذين يؤيدون حزب الحكومة باعتباره الحزب الوحيد المسموح له بالنشاط السياسي.
أتاح بروتوكول اقتسام السلطة الفرصة لإعادة صياغة نظام الحكم الفدرالي في السودان على أسس الديمقراطية، إذ نصت مبادؤه على ضرورة الالتزام بالحكم الديمقراطي وسيادة حكم القانون وإجراء انتخابات حرة في كل مستويات الحكم تعتمد على التعددية الحزبية(87). ونصت الاتفاقية في الجداول المرفقة على سلطات وصلاحيات الحكومة الفدرالية وسلطات حكومة جنوب السودان وسلطات الولايات. فتمّ تحديد (38) سلطة للحكومة الفدرالية من بينها الدفاع القومي، الشؤون الخارجية، الجنسية، البنك المركزي، الضرائب القومية وجميع الإيرادات القومية(88). وحدد جدول D من الاتفاقية السلطات المتطابقة التي تتمتع بها مستويات الحكم المختلفة وذلك مثل التعليم الثانوي والسياسة التعليمية والصحية والتجارة والتنمية الصناعية والإعلام والاتصالات(89). ونعتقد أنه من الأفضل في هذا السياق أن ينص في المواد الخاصة بالنظام الفدرالي في الدستور القادم على سيادة وأولوية القانون الفدرالي في حالة ظهور نزاع بينه وبين ممارسة أحد مستويات الحكم لإحدى السلطات المنصوص عليها في قائمة السلطات المتطابقة. كما يجب النظر في مدى أهمية منح الحكومة الفدرالية سلطات طواريء تستخدم عند الضرورة القصوى لإصدار تشريعات في مسائل تدخل في صميم سلطات الولايات.
ونرى أهمية التفكير في تقليص العدد الحالي للولايات ليكون مجموعها (18) ولاية وذلك بتخفيض عدد ولايات الشمال إلى (12) ولاية هي البحر الأحمر، كسلا، الشمالية، نهر النيل، الخرطوم، شمال كردفان، جنوب كردفان، شمال دارفور، جنوب دارفور، الجزيرة، النيل الأزرق، النيل الأبيض وتخفيض عدد ولايات الجنوب إلى ستة ولايات هي شرق الإستوائية، غرب الإستوائية، شمال بحر الغزال، غرب بحر الغزال، أعالي النيل، بحر الجبل. ويساهم تخفيض عدد الولايات في التخفيف من حدة التوترات القبلية التي بدأت تظهر مؤخراً ويحتمل استفحالها في فترة التحول الديمقراطي المرتقب. فعادةً ما تؤدي كثرة عدد الولايات وصغر مساحتها إلى أن تكون الأغلبية العددية في الولاية الواحدة لمجموعة إثنية معينة مما قد يغريها بالهيمنة والتمييز ضد المجموعات الأخرى في الولاية، بينما ينجم عن تخفيض عدد الولايات توسيع مساحة الولاية الجديدة ونشوء توازن سكاني للمجموعات الإثنية التي تسكن فيها مما يبعد شبخ هيمنة مجموعة أو مجموعتين إثنيتين على باقي المجموعات الأخرى كما هو الأمر في الولاية الصغيرة المساحة.
وتظهر أهمية هذا العامل في مناخ الحكم الديمقراطي والتعددية الحزبية، إذ تؤدي كثرة عدد الولايات إلى ظهور العديد من الأحزاب ذات التوجه الإثني التي تستخدم الخطاب التحريضي المثير للفتن كوسيلة للسيطرة على الجهاز التنفيذي والمجلس التشريعي للولاية، وتكون نتيجة ذلك إضعاف نفوذ الأحزاب القومية الكبرى التي كلما قلّ عددها وانحصرت في ثلاثة أو أربعة أحزاب رئيسة زادت فرصة نجاح وبقاء النظام الديمقراطي وارتكازه على الأحزاب القومية التوجه. وأشار بروفسور هوروتيز إلى حدوث هذا النمط في نيجيريا بعد توسيع نظام الحكم الفدرالي وزيادة عدد الولايات في فترة الحكم العسكري الثانية (1974 – 1979م)، فكان أكبر الأحزاب في الإقليم الشمالي مثلاً هو حزب مؤتمر الشعب الشمالي (NPC) الذي تمتع في العهد الديمقراطي الأول (1960 – 1965م) بتأييد الأغلبية الساحقة لسكان الأقليم بغض النظر عن إنتماءاتهم الإثنية العديدة. وانحسر نفوذ هذا الحزب (الذي تمّ تغيير اسمه في الفترة الديمقراطية الثانية إلى حزب نيجيريا القومي National Party of Nigeria) وسط سكان الإقليم عندما تمّ تقسيمه إلى عشر ولايات والذي كانت من أبرز نتائجه ظهور الأحزاب التي تستند على الولاء الإثني وذلك مثل حزب شعب نيجيريا العظمى (GNPP) في ولاية بورنو الذي اعتمد على ولاء الكانورd الذين يمثلون أكبر مجموعة إثنية في الولاية، وحزب الشعب التجديدي Peoples' Redemption party في ولاية كانو الذي اعتمد على تأييد الهاوسا في هذه الولاية وولاية كادونا المجاورة. وتمكن حزب شعب نيجيريا العظمى بفضل اعتماده على دعم أكبر مجموعة إثنية تقطن في ولاية بورنو من الفوز في الانتخابات التي عقدت في عام 1979م بمنصب حاكم الولاية والسيطرة على مجلسها التشريعي والفوز بأربعة مقاعد من المقاعد المخصصة للولاية في مجلس الشيوخ(90). كما نجح حزب الشعب التجديدي الذي اعتمد على ولاء الهاوسا في الفوز بمنصب حاكم ولاية كانو وأغلبية مقاعد المجلس التشريعي وكل المقاعد الخمسة المخصصة للولاية في مجلس الشيوخ(91). وفاز الحزب أيضاً بمنصب حاكم ولاية كادونا المجاورة ومقعدين من مقاعد الولاية في مجلس الشيوخ وأقلية معتبرة في المجلس التشريعي للولاية(92).
ويمكن اعتبار العامل الاقتصادي أحد الأسباب التي تدعو إلى تخفيض العدد الحالي للولايات. إذ سيترتب على كثرة عدد الولايات في مرحلة الحكم الديمقراطي المرتقب أعباء مالية ضخمة تقع على عاتق الأحزاب والدولة في أثناء فترة الانتخابات الحرة للمجالس التشريعية للولايات ومنصب الحاكم ومقاعد الولايات في مجلس الولايات الاتحادي والتي ستتزامن مع انتخابات مجلس النواب الاتحادي وانتخابات الرئاسة. ويمكن تقليل هذه الأعباء المالية بتقليص عدد الولايات إلى عدد معقول والذي سيساهم بدوره في تخفيض أوجه الصرف المالي على الأجهزة التنفيذية والمؤسسات التشريعية للولايات عندما يقل عددها. ويؤدي كثرة عدد الولايات إلى التأثير السلبي على الإيرادات العامة للدولة ويدفع الحكومة الاتحادية إلى تخفيض المبالغ المرصودة للولايات الأمر الذي يقود إلى تعويق تطورها الاقتصادي وتأخيره.
وأوضح التطبيق العملي لاتفاقية أديس أبابا بجلاء خطأ جعل جنوب السودان إقليماً واحداً وذلك بعد أن هيمنت مجموعة إثنية (الدينكا) على معظم سلطات وموارد الإقليم بفضل انتشارها الواسع في كل أنحاء جنوب السودان الأمر الذي دفع زعماء المجموعات الإثنية الأخرى إلى تحريض الرئيس الأسبق جعفر نميري بتقسيم جنوب السودان إلى ثلاثة أقاليم. لذلك نأمل أن تكون دروس تجربة الحكم الذاتي السابقة قد أقنعت ساسة الإقليم الجنوبي بضرورة تعميم نظام الحكم الفدرالي في جنوب السودان والتفكير الجدي في تخفيض عدد ولاياته الحالية إلى ست ولايات وبطريقة تراعي التوازن الإثني لتوزيع السكان في الولايات الجديدة.
ونقترح تخصيص ثلاثة مقاعد لكل ولاية في مجلس الولايات الاتحادي في حالة تخفيض عدد الولايات إلى (18) ولاية وعقد الانتخابات لمنصب الرئاسة ومجلس النواب الاتحادي ومجلس الولايات والحكام والمجالس التشريعية للولايات في وقت واحد كل أربع سنوات لما في ذلك من تخفيض للأعباء المالية التي تتطلبها الحملات الانتخابية وحدوث العكس إذا ما تمّ تحديد دورة بعض المؤسسات التشريعية لمدة سنتين كما هو الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية.
وتستلزم طبيعة النظام الفدرالي أن يكون للوحدات المكونة للاتحاد قدر ولو محدود للمشاركة في شؤون السلطة التنفيذية الفدرالية(93). ويمكن أن يتم النص في الدستور القادم على هذا الحق عن طريق مبدأ الكبح والتوازن وذلك بمنح أعضاء مجلس الولايات الاتحادي الحق لعقد جلسات استماع لمن يرشحهم رئيس الجمهورية لتولي المناصب الهامة في الدولة مثل القضاة والسفراء ورؤساء المفوضيات الدستورية وذلك قبل التصديق على تعيينهم حتى تتم مراعاة الطبيعة الفدرالية للسودان وتمثيل كل الولايات في المناصب الهامة للدولة. وينبغي التحديد في الدستور على دور الولايات في عملية تعديل الدستور وذلك بأن يشترط موافقة ثلثين أو ثلاثة أرباع الولايات على أي تعديل دستوري يجيزه مجلس النواب الاتحادي ومجلس الولايات بالنسبة التي يحددها الدستور.
ذكرنا في فصل حق تقرير المصير أن حصر القوانين الدولية لهذا الحق في نطاق الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية بهدف الحفاظ على سيادة ووحدة أراضي الدول المستقلة قد دفع العديد من الدول الأفريقية مثل السنغال وغابون ومالي ومصر وجيبوتي إلى النص في دساتيرها على منع أي مجموعات سكانية القيام بمحاولات انفصالية تهدد وحدة أراضي البلاد(94). لذلك نرى أنه من الضروري أن يتضمن الدستور القادم أحد المواد التي تنص على منع المجموعات الإثنية التي تسكن فب مختلف ولايات السودان من المطالبة بحق تقرير المصير الانفصالي وتهديد الوحدة الوطنية خاصة بعد أن أصبح السودان مهدداً بشبح التفتيت بعد أن تمّ الإتفاق في بروتوكول مشاكوس على منح سكان جنوب السودان حق تقرير المصير الانفصالي.
المؤسسات أو اللجان المستقلة : تؤمن النظم الديمقراطية مبدأ الفصل بين السلطات بتوزيع الوظائف والصلاحيات بين أجهزة الحكم المختلفة حيث يقوم الجهاز التشريعي بسن القوانين والجهاز التنفيذي باتخاذ القرارات ورصد المبالغ المالية لكي تقوم الدواوين الإدارية بتنفيذ متطلبات القوانين، بينما يقوم الجهاز القضائي بفض النزاعات التي قد تنشأ بسبب عدم وضوح بعض فقرات القانون وتقديم التفسير القضائي السليم لحسم الخلاف(95). وأدركت بعض الدول الديمقراطية مثل السويد أهمية الفصل بين السلطة الإدارية والسلطة التنفيذية لكيلا تؤثر الأخيرة على نزاهة وحياد بعض المؤسسات الحكومية أثناء أداء وظائفها. فتمتعت مؤسسة البريد مثلاً باستقلال إداري واسع طبقاً للقانون، وتقوم مثل هذه المؤسسات في السويد "بتنفيذ مسئولياتها عن طريق مجالس قضائية للنظر في الشكاوى المقدمة ضد الأعمال الإدارية للمؤسسة وتسهيل ذلك بالسماح للجمهور بالإطلاع على كل الوثائق المتعلقة بالشكوى قيد النظر"(96).
وساهم هذا النموذج السويدي في ظهور اللجان أو الإدارات المستقلة في العديد من الدول الديمقراطية لحماية حقوق المواطنين ضد التغول الحكومي ولكي تقوم بأداء وظائفها وتوزيع العمل بين أعضائها بمنأى عن ضغوط السلطة التنفيذية. فحددت لجنة التجارة ما بين الولايات Interstate commerce commission في الولايات المتحدة مثلاً إجراءات معينة لتنظيم ممارسة مهامها التنفيذية والتشريعية والقضائية "فيقوم أحد أعضاء المفوضية أو اللجنة بإتخاذ القرارات الإدارية وثلاثة من أعضائها باتخاذ القرارات شبه القضائية كما يشارك كل أعضاء اللجنة في إصدار القرارات شبه التشريعية"(97).
تمّ الإتفاق فى بروتوكول اقتسام السلطة على إنشاء مؤسسات أو مفوضيات مستقلة وهي لجنة الانتخابات، مفوضية حقوق الإنسان, مفوضية الجهاز القضائي القومي، مفوضية الخدمة المدنية القومية، لجنة استفتاء تقرير المصير ولجنة رصد المخصصات المالية السنوية(98). وسيتم تحديد وظائف وصلاحيات هذه اللجان في الدستور القادم الذي من المتوقع أن يؤكد على استقلال هذه المؤسسات وتوفير الأرصدة المالية اللازمة لإدارتها وتأمين مناصب أعضائها لفترة زمنية محددة حتى لا يخضعون لتأثير السلطات التنفيذية والتشريعية وتتحقق بذلك نزاهة العملية الديمقراطية. فتحتاج لجنة الانتخابات مثلاً إلى منحها قدر واسع من الاستقلال الإداري وسلطات قضائية لضمان نزاهة سير الانتخابات التي تعتبر من أهمّ عناصر العملية الديمقراطية. ويمكن الاقتداء بتجربة كوستاريكا في هذا المجال حيث تعرف لجنة الانتخابات باسم المحكمة الانتخابية العليا Supreme Electoral Tribunal ويكون أعضائها من القضاة ولهم سلطة التحقيق في تهم التحيز السياسي الموجه ضد موظفي الانتخابات وتوجيه الإتهام ضد أي شخص يقوم بخرق قانون الانتخابات وصلاحية السيطرة والإشراف على الشرطة وقوات الأمن أثناء تأدية واجبهم في فترة الانتخابات(99).
ومن المؤسسات التي لم يرد لها ذكر في بروتوكول اقتسام السلطة ونرى ضرورة إدراجها في الدستور القادم هيئة المحقق في الشكاوى ضد موظفي الدولة Ombudsman التي ظهرت لأول مرة في الدول الإسكندنافية للسيطرة على دواوين الدولة البيروقراطية التي توسع نفوذها والقضاء على التسيب والإهمال الإداري لحماية المواطنين من الضرر الذي يقع عليهم نتيجة لذلك. وتأثرت بريطانيا بالتقاليد الإسكندنافية في هذا المضمار عندما أجاز البرلمان في عام 1967م قانون ينص على خلق منصب المفوض البرلماني للإدارة Parliamentary Commissioner of Administration الذي يقوم بالتحقيق في شكاوى المواطنين ضد السلطات الإدارية التي لم تنفذ القانون أو تلتزم بالإجراءات واللوائح عند النظر في قضاياهم (100). ونقترح تبني تجربة السويد عند النظر في إنشاء مؤسسة أو لجنة المحقق في شؤون الإدارة Ombudsman لأنها تمنحها وغيرها من المؤسسات المستقلة شبه سلطات قضائية واستقلال نسبي عن السلطات التنفيذية والتشريعية وذلك لتمييزها بين المهام التي تخص السلطة التنفيذية والوظائف والمهام الإدارية البحتة.
ونعتقد أيضاً ضرورة التفكير في تأسيس هيئة مستقلة للشرطة National Police Service Commission وإدراجها في الدستور القادم تكون لها صلاحية الإشراف على ضباط وجنود الشرطة لضبط أدائهم وذلك لإرتباط أعمالهم بمصالح الجمهور والتأكد من حيادهم عند قيامهم بأعمالهم أثناء فترة الانتخابات وعدم خضوعهم للضغوط الحزبية أو التمييز بين المواطنين حين أداء أعمالهم. كما نقترح إنشاء جهاز المساءلة العامة General Office of Accountability طبقاً للنموذج الأمريكي لكي تتم متابعة تنفيذ برامج الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة وتحديد المسئولية في حالات التقصير أو التراخي في تحقيقها حسب الخطة المرسومة. ومن أهمّ وظائف هذه الهيئة المستقلة في نظام الحكم الأمريكي "التأكد من تحقيق سياسات وبرامج الحكومة للأهداف التي وضعت من أجلها وتلبية حاجات المجتمع ... كما يلتزم جهاز المسئولية بدافع حرصه على الصدق والشفافية في أداء وعمليات الحكومة بالتأكد من عدم حدوث فشل أو تقصير في المسئولية في القطاع الحكومي كما حدث في شركة إينرون وشركة ويرلد كوم"(101).
ونصّ الدستور الانتقالي واتفاقية اقتسام السلطة على تأسيس لجنة تحديد ومراقبة المخصصات المالية والتي من المتوقع ألا تتعارض أعمالها مع الحق الدستوري للسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في جمع الإيرادات العامة للدولة وإعداد الميزانية وتحديد أوجه المصروفات السنوية للدولة. وتختص هذه اللجنة بتوزيع عائدات الدخل القومي وتحديد المبالغ التي سترصد للولايات من الدخل العام للدولة. ونعتقد أنه من الأفضل تحديد المباديء والمعايير التي تحكم توزيع المخصصات المالية التي تحتاجها الولايات من الميزانية العامة للدولة. ونقترح أن يتم تحديد نسبة 55% من الإيرادات السنوية العامة للدولة لاحتياجات الحكومة الفدرالية و34% للولايات و7% للحكومات المحلية و4% لصندوق احتياطي خاص. وليس هنالك ضرورة بأن تطالب الولايات بنصيبها من ثرواتها المحلية مثل القطن والصمغ العربي والثروة الحيوانية وذلك لأن عائدات تصدير النفط تشكل الجزء الأكبر من الدخل السنوي للدولة مما يعني أن المبالغ التي ستنالها كل ولاية من النسبة المخصصة للولايات من الإيرادات العامة للدولة (34%) ستكون أكثر من مايؤول إليها من العائدات المشتقة من ثرواتها المحلية الرئيسة.
يوجد هنالك احتمال قوي بأن يؤدي إدخال النظام الرئاسي الذي يرتكز على مبدأ الفصل بين السلطات في مؤسسات الحكم الديمقراطي المرتقب إلى زيادة فرص نجاح التجربة الرابعة للحكم الديمقراطي في السودان خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار رسوخ جذور تقاليد وقيّم الديمقراطية في الثقافة السياسية للسودانيين(102). ولكن يجب أن نتذكر دائماً بأن النظام الديمقراطي يتميز بسهولة تعرضه للهزات وعانى من الفشل والانهيار حتى في الدول الصناعية المتقدمة مثل فرنسا وإيطاليا وجمهورية فيمار في ألمانيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى. فكما قال الفيلسوف جان جاك روسو "لا توجد هناك حكومة أكثر تعرضاً للحروب الأهلية والقلاقل الداخلية مثلما هو موجود في الحكومة الديمقراطية لأنه لا توجد حكومة مثلها تتميز بنزعة قوية ومستمرة نحو التغيير إلى شكل آخر من أشكال الحكم أو تتطلب قدراً عالياً من اليقظة والشجاعة للحفاظ عليها"(103).
لذلك، يجب على الحكومة والقوى السياسية التصدي للتحديات التي تواجه الحكم الديمقراطي في فترة ما بعد السلام حتى يتم ضمان استمراره لأطول فترة ممكنة. ويعتبر التدهور الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد من أهمّ هذه التحديات، إذ أوضح تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة في عام 2003م إلى أن متوسط دخل الفرد من اجمالي الدخل القومي (GNI) في السودان هو 350 دولار أمريكي في السنة(104). وأثبت بروفسور آدم برزوسكي وبروفسور فرناردو ليمونجي في دراسة إحصائية شملت كل دول العالم في الفترة ما بين 1950 – 1990م بأن متوسط عمر النظام الديمقراطي في الأقطار التي يبلغ فيها دخل الفرد القومي السنوي أقل من 1500 دولار أمريكي هي 8 سنوات فقط، بينما يزيد متوسط عمر النظام ليصل 18 عاماً في الأقطار التي يتراوح دخل الفرد القومي السنوي فيها ما بين 1500 أو 3000 دولار أمريكي(105). ولهذا سيكون من أهمّ واجبات الحكومة في مرحلة التحول الديمقراطي التعاون مع المجتمع الدولي لإسقاط الديون الخارجية التي يفوق حجمها الناتج القومي الاجمالي للبلاد ووضع خطة استراتيجية للاقتصاد الوطني تهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة حتى يمكن الانتقال بالسودان من قائمة الدول الأقل نمواً لكي يتم ضمان بقاء النظام الديمقراطي واستمراره.
وينبغي على الأحزاب السياسية إعادة هيكلة أطرها التنظيمية والإجرائية على النهج الديمقراطي والتخلي عن الخصومات العنيفة داخل الأحزاب أو بين الأحزاب المختلفة أو بين الأحزاب المؤتلفة في الحكم من أجل المصالح الضيقة والتي تؤدي إلى خلق الأزمات المستمرة وتهيئة المناخ للمعارضة التي تتظاهر بالالتزام المبدئي بالديمقراطية لاختراق القوات المسلحة والإطاحة بالديمقراطية لكي تستولى على الحكم بالقوة. كما يجب على الأحزاب الاهتمام ببناء الثقة والتسامح في التعامل فيما بينها وقبول الهزيمة بصدر رحب، إذ إنّ إحدى الخصائص الفريدة التي تتسم بها الديمقراطية في أداء أعمالها كما قال الفيلسوف الأمريكي شارلز فرانكل "أن يتوقع من الذين يتولون مقاليد الحكم حماية حقوق الذين يرغبون في انتزاع الحكم منهم، كما يتوقع من الذين يرغبون في طرد الأوغاد من الحكم، احترام وقبول سلطة هؤلاء الأوغاد حتى يتمكنوا من إزاحتهم عنها (بالوسائل الديمقراطية)" (106).
تميزت عهود النظم العسكرية التي تعاقبت على حكم السودان بممارسة البطش وانتهاكات حقوق الإنسان وسلب الحريات مما أدى إلى قناعة الشعب السوداني بقيمة الديمقراطية كأفضل النظم السياسية لحل مشكلة الوصول إلى السلطة بدون اللجوء إلى العنف. وليس هناك أدنى شك في أنّ تصميم وعزيمة الشعب السوداني لحماية حقوقه الأساسية ستزداد قوة في الحقبة الرابعة للحكم الديمقراطي وأنهم سيضعون في أذهانهم على الدوام ما قاله والت ويتمان للشعب الأمريكي: "لا يمر أسبوع أو يوم أو ساعة بدون أن يهدد فيه الطغيان بالدخول إلى هذا الوطن وسينجح في تحقيق هدفه إذا ما فقد الشعب ثقته العليا في أنفسهم وضاعت منهم روح التحدي والخشونة، إذ لا توجد تعويذة سحرية أو حاجز يحول دون دخوله، فالحاجز الوحيد ضد الطغيان هو عدد هائل من الرجال الأشداء"(107).
د.امين حامد زين العابدين
محاضر سابق بجامعة الخرطوم كلية الاداب .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.