ماذا حدث في تشاد؟    عاجل: وفاة خالد مقداد مؤسس قناة طيور الجنة بالكورونا    المريخ يُسجل هداف دوري الأولى العاصمي (الحلنقي)    سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الثلاثاء 20 ابريل 2021 في السوق السوداء    خطاب التسطيح في سحرية تحويلات المغتربين الى السودان    أمريكا تعلق على أحداث تشاد    مباحثات بين البرهان سفير الإمارات    احذروا القهوة ..إنها قاتلة في هذه الحالة    أكثر من 12 ألف مصاب بالفشل الكلوي النهائي في الربع الأول من العام2021    والي غرب دارفور يصدر قرارا بإعلان مدينة الجنينة منطقة منكوبة    مجلس الوزراء يستعرض الأوضاع الأمنية بالبلاد ومشروعات مؤتمر باريس    رئيس وأعضاء مجلس السيادة ينعون الرئيس التشادي إدريس دبي    الخرطوم تحث مجلس الأمن على التدخل لمنع إثيوبيا من ملء سد النهضة    أبوجبل يكشف ل (باج نيوز) تفاصيل اجتماع (الفيفا) مع اتحاد كرة القدم بشأن الجمعية العمومية للمريخ    ياناس    مورينهو يدرب الامل في (6) فترات    صور دعاء 9 رمضان 2021 دعاء اليوم التاسع من رمضان الكريم مكتوب    بعد إيقاف مؤقت .. تداول أسهم (سوداتل) بسوق أبوظبي للأوراق المالية    وزير الثروة الحيوانية يرحب بالإستثمارات الأردنية في البلاد    لخلق روتين صحي للنوم المبكر.. اتبعي هذه النصائح    عشق محرم ومشاهد ساخنة.. الدراما المدبلجة سرطان في جسد المجتمع العربي    ترامب ينظر بجدية لإمكانية ترشحه لانتخابات 2024    ضبط عصابة مخدرات بعد مطاردة عنيفة    السعودية تسجل أعلى عدد للإصابات الجديدة بكورونا منذ 25 أغسطس    إنفوغرافيك.. ما هي بطولة "دوري السوبر الأوروبي"؟    النيابة العامة تخلي مسؤوليتها من حادثة تحلل الجثث في المشرحة    أهمها أداة تعقب وآيباد جديد.. هذا ما نتوقعه في مؤتمر آبل    يؤدي للغيبوبة خلال 48 ساعة.. السلطات المصرية تُحذر من فيروس "نيباه"    توحيد سعر الصرف ينعش سوق العقارات بالخرطوم    اجتماع تنسيقي لتكملة إجراءات تشريح ودفن جثث المفقودين ومجهولي الهوية    لدى ظهوره في (أغاني وأغاني) معاذ بن البادية يثير الجدل ب(كمامة)    وزير الكهرباء: لا عودة للقطوعات المبرمجة مجدداً    ديل جُثث منو يا مولانا..؟    منبر /سونا/ يستضيف غدا المبادرة الشعبية لاغاثة المتضررين بمعسكرات قريضة    الشرطة تفك طلاسم جريمة قتل هزت منطقة الإسكان    تراجع أسعار الذهب مع تعافي عائدات السندات الأمريكية    جلواك يكشف سبب تغيير "رقية وسراج" في دغوتات    ارتفاع اللحوم كافة والعجالي يتخطى الضأن بالخرطوم    النيابة العامة تسمح بتشريح ودفن جثث بالمشارح    سوداكال يغري أبو عاقلة بمليون دولار للانضمام للمريخ    تفاصيل اشتراطات السعودية لاستيراد الماشية السودانية    فهيمة عبدالله: هناك انطباعات خاطئة عن الفنانين    محمد عثمان يطل من جديد على الشاشة الزرقاء    مؤسسات وهيئات تكرم المنتخب .. لجنة المنتخبات الوطنية ترتب برنامجها خلال ساعات    تحقيق ل(السوداني) يكشف تفاصيل تَحلُّل جُثث مشرحة الأكاديمي    محمد عبدالماجد يكتب: الكهرباء (الفرح فيها سطرين.. والباقي كله عذاب)    ابرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة في الخرطوم اليوم الثلاثاء 20 ابريل 2021م    مخرج "أغاني وأغاني" يكشف موقف القناة من أزياء الفنانين    40 مليار تقرب لاعب الهلال من التوقيع للمريخ    أغاني وأغانني يستضيف عادل مسلم في حلقة اليوم    ناسا تنجح في إطلاق طائرة مروحية صغيرة من فوق سطح المريخ في أول رحلة من نوعها    تعرف على اضرار الإفراط في تناول التمر    صور دعاء اليوم 8 رمضان 2021 | دعاء اللهم ارزقني فيه رحمة الايتام    إذا زاد الإمام ركعة ماذا يفعل المأموم؟    معنى الدعاء بظهر الغيب وكيفيته وفضله    هل اقترب السفر إلى الخارج بلا قيود؟.. الخطوط السعودية تجيب    واتساب الوردي.. أحدث صيحات سرقة البيانات والتسلل للهواتف    مفتي مصر السابق يثير الجدل: الحشيش والأفيون طاهران لا ينقضان الوضوء والخمرة تحتاج المضمضة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الدور التشريعي للسلطة التنفيذية .. بقلم: د. ماهر ابراهيم عبيد امام
نشر في سودانيل يوم 17 - 05 - 2020

تنص أغلب دساتير الدول في النظامين البرلماني والرئاسي على حق تدخل السلطة التنفيذية في العملية التشريعية، ومساهمتها في صناعة القوانين، وذلك عن طريق حقها في اقتراح القوانين، والموافقة على القوانين التي يقرها البرلمان، أو الاعتراض عليها اعتراضاً مطلقاً، أو توقيفياً، وهو ما يعرف بحق التصديق على القوانين، أو حق الاعتراض عليها أو حقها في إصدار القوانين الفرعية بما لها من تفويض من السلطة التشريعية في هذا الصدد أو دورها في صناعة التشريعات بناء على مراسيم مؤقتة في الحالات العاجلة والضرورية عند غياب السلطة التشريعية، وإذا كانت غالبية الفقه ترى أن اقتراح القوانين هو العمل الذي يحرك الإجراءات التشريعية، ويقدم للتشريع مادته الأولية فإن التصديق على القوانين بإجماع الفقه هو جزء مكمل للعملية التشريعية، وهو حق يجعل رئيس الدولة أو الملك في النظام البرلماني أو الرئيس في النظام الرئاسي عضواً تشريعياً مساوياً للبرلمان وينتج عن رفضه التصديق عدم إمكانية إصدار التشريع المطلوب، كما أنه بسبب التطورات الحديثة، ومواجهة الدول للظروف الاستثنائية المتمثلة في الحروب والكوارث والجوائح الاضطرابات الداخلية التي تهدد كيانها وأمنها بالخطر فقد وجدت البرلمانات أنها غير قادرة على مواجهة تلك الظروف التي قد تتعرض لها البلاد خاصة إذا كانت التشريعات المطلوبة تحتاج إلى قدر من السرية والسرعة حتى يتحقق الهدف المقصود منها، كما أن للسلطة التشريعية بموجب الدساتير أجل محدد وفترات أو دورات انعقاد محددة خلال ذلك الأجل تجعل تواجدها تواجد موسمي لفترات محددة من العام، عكس السلطة التنفيذية المتواجدة بصورة مستديمة، يجعلها ذلك التواجد تواجه بعض المسائل العاجلة التي تحتاج مواجهتها لسن قانون بصورة عاجلة وفي ظل غياب السلطة التشريعية تتصدي السلطة التنفيذية لإصدار القانون بموجب مرسوم مؤقت، وانطلاقا من ذات الهدف تنازلت السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية عن جزء من اختصاصاتها التشريعية لكي تمارسها عن طريق اللوائح وهى قرارات تصدرها السلطة التنفيذية بناء على تفويض من البرلمان ويكون لها قوة التشريع. وتمارس السلطة التنفيذية دورها التشريعي من خلال المراحل التالية.
اقتراح القوانين
هو أول الإجراءات التشريعية التي يؤدى اكتمالها إلى ميلاد القانون ويعرف حق اقتراح القانون بأنه العمل الذي يضع الأساس الأولى للتشريع ويحدد مضمونه وموضوعه ، فالاقتراح وفقاً لهذا التعريف هو العمل الذي يقدم للتشريع مادته الأولية وتنص أغلب الدساتير في العالم على الجهات التي لها الحق في المبادرة بمقترح مشروعات القوانين والتي في الغالب تتمثل في جهتين أما السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الدولة ومجلس الوزراء أو أي وزير في النظام البرلماني أو المختلط وإما رئيس الدولة في النظام الرئاسي وقد أعطي وأسند دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م هذا الحق بصورة واضحة في المادة 106 منه للسلطتين التشريعية والتنفيذية والتي تنص على يجوز لرئيس الجمهورية أو رئاسة الجمهورية أو مجلس الوزراء القومي أو الوزير القومي أو أي من لجان الهيئة التشريعية القومية تقديم مشروع قانون لأي من مجلسي الهيئة التشريعية القومية مع مراعاة اختصاصاتهما.
(2) يجوز لأي عضو من أعضاء الهيئة التشريعية القومية تقديم مشروع قانون بمبادرة خاصة للمجلس الذي يليه في أي موضوع يقع في نطاق صلاحية ذلك المجلس.
(3) إذا كان مشروع القانون بمبادرة خاصة من عضو، فلا يجوز عرضه على المجلس المعني إلا بعد إحالته للجنة المختصة لتقرر فيما إذا كان ينطوي على مصلحة عامة هامة. وقد أعطت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019م هذا الحق لمجلس الوزراء حسب نص المادة (15) الفقرة الثالثة.
وأي قانون مقترح يأخذ شكل مشروع قانون يجب أن يمر بالمراحل الضرورية في البرلمان من مراجعة اللجان التشريعية له وصياغته ومن ثم تقديمه للبرلمان في قراءة أولي وثانية وثالثة حتى يتم إجازته كقانون وهذا ما أورده المشرع الدستوري في السودان في كل الدساتير المتعاقبة رغم أن الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019م لم تنص على هذه الإجراءات إلا أنها إجراءات معلومة بالضرورة من خلال الممارسة العملية ونص عليها بصورة واضحة دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م في المادة107 بعنوان إجراءات عرض مشروعات ونظر القوانين والتي جاء نصها على النحو التالي:-
107 (1) يُعرض مشروع القانون المقدم لأي من مجلسي الهيئة التشريعية القومية للقراءة الأولي بإيراد اسم المشروع ويُعتبر بذلك أنه قُدم للمجلس المعني، يُقدم المشروع للقراءة الثانية للتداول بوجه عام والإجازة من حيث المبدأ، فإذا أُجيز المشروع في القراءة الثانية تكون هناك قراءة ثالثة للتداول فيه على وجه التفصيل لإدخال أي تعديل عليه ومن ثم الفصل فيه، وبعدها يُقدم المشروع في شكله النهائي للقراءة الختامية، وفي هذه المرحلة لا يكون المشروع عُرضة للمناقشة وتتم إجازته مادة مادة ثم يُجاز كاملاً.
(2) يحيل رئيس المجلس المعني مشروع القانون، بعد القراءة الأولى، إلى اللجنة المعنية كي تعد تقريراً يتضمن تقويماً عاماً للمشروع تمهيداً للقراءة الثانية، كما تقدم اللجنة تقريراً حول التعديلات التي أجازتها أو لم تجزها عند القراءة الثالثة. ويجوز لرئيس المجلس أن يحيل المشروع مرةً أخرى للجنة المعنية لإعداد تقرير حول الصياغة النهائية له تمهيداً للقراءة الختامية.
(3) يجوز لرئيس المجلس أو اللجنة المعنية طلب رأي خبير حول مشروعية وحكمة مشروع القانون، كما يجوز دعوة من له مصلحة في المشروع لإبداء رأيه في أثر المشروع ومقبوليته.
(4) يجوز للمجلس، بقرار خاص، أن يبت في أي مشروع قانون كلجنة عامة أو بإجراءات إيجازيه وقد نصت المادة 109 من الدستور المصري على ذات المعني بتخويل الرئيس الحق في تقديم مقترحات القوانين، واقرار حق اقتراح القوانين للرئيس حسب الفقه المصري أمر يتفق ودور رئيس الجمهورية واختصاصاته في النظام الدستوري المصري، فهو يمارس سلطات فعلية وهو بهذه الصفة قد يتبين قصوراً في التشريعات القائمة أو نقصاً فيها ومن ثم يكون من المنطقي الإقرار له بسلطة اقتراح القوانين. ووفق الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019م، كان ينبغي أن تمارس سلطة التشريع بواسطة السلطة التشريعية للفترة الانتقالية، إلا أن ذلك تعذر لعدم تعيين أعضاء السلطة التشريعية، ولكن نصت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية بصورة واضحة في المادة (24) الفقرة الثالثة، على ممارسة سلطات المجلس التشريعي بواسطة مجلسي السيادة والوزراء بناء على اجتماع مشترك وتتخذ القرارات فيه بالتوافق أو بأغلبية ثلثي الأعضاء.
وقد تتخذ مشروعات القوانين من حيث التطبيق العملي ثلاث صور هي:
أولاً: مشروعات القوانين العامة:- وهذا النوع من مشروعات القوانين يتمخض عنها أهم القوانين في أي بلد وهى تشكل الجزء الرئيسي من العملية التشريعية في النظم البرلمانية وغيرها ويمكن اقتراح مثل هذه المشروعات من السلطة التنفيذية أو البرلمان، وبعدها يتم تقديمها للبرلمان ويلاحظ أن الغالبية العظمى من مشروعات القوانين العامة التي تصبح فيما بعد قوانين تكون مقدمة بواسطة أحد الوزراء بوصفه عضواً في البرلمان، وخاصة في بريطانيا مهد النظام البرلماني التي يجيز نظامها الجمع بين صفتي الوزارة وعضوية البرلمان، وتعرف هذه المشروعات بمشروعات القوانين الحكومية، ويكون مرفق مع مثل هذه المشروعات مذكرات توضيحية، يتم إعدادها بواسطة الحكومة لإعطاء مزيد من المعلومات حول هذه المشروعات بهدف السعي وراء إنجازها وتتضمن مشروعات القوانين العامة المشروعات الرئيسية لبرنامج الحكومة التشريعي المعلن عنه في الخطاب الذي يلقيه رئيس الدولة عند الافتتاح الرسمي للبرلمان وتجدر الإشارة إلى أنه في بريطانيا مهد النظام البرلماني أن مشروعات القوانين التي يشار إليها في خطاب الملكة تقدم خلال الدورة البرلمانية التي قامت الملكة بافتتاحها .ونفس الأمر ينطبق على النظام الرئاسي إذ تتضمن بعض خطابات رئيس الدولة الموجهة للسلطة التشريعية الإشارة للعديد من القوانين وتعتبر بمثابة مقترحات للنظر بعين الاعتبار لهذه المقترحات.
ثانياً: مشروعات القوانين المقدمة من أعضاء البرلمان:
وتقدم مثل هذه المشروعات من قبل أعضاء البرلمان بنسبة تقل كثيراً عن مشروعات القوانين التي تقدمها الحكومة، كما أن فرص نجاحها أقل بكثير من مشروعات القوانين الحكومية وذلك يرجع إلى ما تملكه الحكومة من أجهزة فنية تساعدها على إعداد مشروعات القوانين وبحثها قبل تقديمها للبرلمان، في حين أن أعضاء البرلمان يفتقدون لمثل هذه الأجهزة وفى غالب الأمر أن جميع مشروعات القوانين المقدمة من أعضاء البرلمان ليس أمامها أية فرصة للنجاح إذا كانت الحكومة تعارضها بفضل الأغلبية التي تساندها في البرلمان.
ثالثاً: مشروعات القوانين المختلطة: -
وهذا النوع من مشروعات القوانين تحمل في طياتها خصائص كل من مشروعات القوانين العامة ومشروعات القوانين الخاصة التي يقدمها أعضاء البرلمان وتقدم مثل هذا المشروعات من قبل الحكومة أو أعضاء البرلمان الذين لا يجمعون مع عضوية البرلمان منصب وزاري في الحكومة ولكن مثل هذه المشروعات نادرة في الوقت الراهن.
اصدار القوانين ولتصديق عليها:
أولاً: التصديق على القوانين في النظام البرلماني.
هو إجراء من الإجراءات التي يجب أن يمر بها مشروع القانون حتى يصبح قانوناً والثابت في الأنظمة البرلمانية أن موافقة رئيس الدولة أو الملك بالتصديق على القوانين يعد أمراً ضرورياً لإقرار القوانين، إذ لا يمكن لمشروع القانون الذي أقره البرلمان أن يصبح قانوناً ما لم يحظى بالتصدق عليه من رئيس الجمهورية أو الملك في النظم الملكية، ووفقاً لذلك يعتبر التصدق على القوانين هو المرحلة النهائية للعملية التشريعية والنقطة التي يتحول عندها مشروع القانون إلى قانون، ويتم التصديق على القوانين بتوقيع رئيس الجمهورية أو الملك على القانون ولكن يجوز لرئيس الجمهورية أو الملك حق الاعتراض على القوانين، وذلك بعدم التصديق عليها ويختلف الاعتراض على القوانين في النظام البرلماني، عنه في النظام الرئاسي فبينما نجده في الأنظمة الرئاسية اعتراض توقيفي أو مؤقت نجده في النظام البرلماني اعتراض مطلق(3) وخاصة في بريطانيا مهد النظام البرلماني، والاعتراض على القانون في هذه الحالة لا يمكن للبرلمان التغلب عليه بإعادة الموافقة على القانون من جديد بأغلبية معينة كما يحدث في دول النظام الرئاسي وإنما يتميز هذا الاعتراض بصفتي النهائية والإطلاق ، حيث يؤدى اعتراض رئيس الدولة إلى قبر مشروع القانون نهائياً ، فلا توجد أية وسيلة دستورية تمكن البرلمان من تجاوزه والتغلب عليه.
على الرغم من ذلك فإن كثيراً من الدول التي تأخذ بالنظام البرلماني أو النظام المختلط نجد أن اعتراض رئيس الجمهورية فيها على القوانين اعتراض توقيفي وليس مطلقاً مثال على ذلك مصر والسودان، وهذا ما نص عليه دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 في المادة (108) منه بقوله((1) لا يصبح أي مشروع قانون تجيزه الهيئة التشريعية القومية قانوناَ إلا بعد مصادقة رئيس الجمهورية وتوقيعه عليه، فإذا امتنع رئيس الجمهورية عن التوقيع دون إبداء أسباب لمدة ثلاثين يوماً يُعتبر القانون مصادقاً عليه.
(2) إذا امتنع رئيس الجمهورية عن التوقيع على مشروع القانون وأبدى أسباب امتناعه، يُعاد المشروع إلى الهيئة التشريعية القومية للتداول حول ملاحظات رئيس الجمهورية في خلال مدة الثلاثين يوماً المحددة في البند (1).
(3) يصبح المشروع قانوناً مُبرماً إذا أجازته الهيئة التشريعية القومية مرة أخرى بأغلبية ثلثي جميع الأعضاء والممثلين في المجلسين، وفي هذه الحالة لا تكون موافقة رئيس الجمهورية لازمة لنفاذ القانون.) وهذا ما نص عليه الدستور المصري لسنة 1971م في المواد 112و113 منه لكنه سمي سلطة التصديق على القوانين بمسمي الإصدار بضوابط وإجراءات محددة في المواد المشار إليها. وقد نظمت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019م في السودان موضوع التوقيع على القوانين والاعتراض عليها ضمن اختصاصات مجلس السيادة في المادة الحادية عشر الفقرة (ك) من الوثيقة والتي جاء نصها "التوقيع على القوانين المجازة من المجلس التشريعي الانتقالي وفي حالة امتناع مجلس السيادة عن التوقيع لمدة خمسة عشر يوماً دون إبداء أسباب يعتبر القانون نافذاً، وإذا أبدي مجلس السيادة خلال الخمسة عشر يوماً المذكورة أسباباً لامتناعه عن التوقيع يعاد القانون للمجلس التشريعي الانتقالي للتداول حول ملاحظات مجلس السيادة ويصبح مشروع القانون مبرماً إذا أجازه المجلس التشريعي الانتقالي مرة أخري وفي هذه الحالة لا تكون موافقة مجلس السيادة لازمة لنفاذ القانون" ويختلف نص الفقرة ك من المادة الحادية عشر من الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية عن الدساتير السابقة ودستور 2005م الانتقالي في أن الاعتراض المسبب على مشروع القانون من رأس الدولة لا يمكن التغلب عليه بواسطة السلطة التشريعية إلا بناء على أغلبية خاصة حددها دستور 2005م الانتقالي مثلاً بأغلبية ثلثي جميع الأعضاء والممثلين في المجلسين، ويعني بهم في ذلك الدستور المجلس الوطني ومجلس الولايات، أما الفقرة ك في الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لم تشترط أي أغلبية محددة للتغلب على اعترض رأس الدولة المسبب بعدم التوقيع على مشروع القانون هذه إشارة واضحة أن الأغلبية المطلوب هي فقط الأغلبية المطلوب لإجازة القوانين. وهي الأغلبية البسيطة حسب نص المادة (24) الفقرة الخامسة من الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية للعام 2019م.
ولكن مع تطور النظام البرلماني أصبح حق الملك في الاعتراض على القوانين في بريطانيا في تلاشي نتيجة لظهور المسؤولية الوزارية وانتقال حقوق الملك إلى الوزارة التي أصبحت حجرة الزاوية في هذا النظام، وتجدر الإشارة إلى أن آخر استعمال لحق رفض التصدق على مشروعات القوانين كان في عهد الملكة آن Anne عندما رفضت التصديق على مشروع قانون المليشيا الإسكتلندية في 11/3/ 1708م ومنذ ذلك التاريخ لم يستعمل هذا الحق حتى قال بعض الفقهاء الإنجليز أن حق الاعتراض الملكي سقط بعدم الاستعمال ويذكر الفقيه الإنجليزي دايسى في هذا الخصوص في مؤلفه مقدمة في دراسة القانون الدستوري بأن ما يسمى باعتراض الملك هو حق غير مشكوك في وجوده وهو واحد من أكثر الامتيازات الملكية غير المتنازع عليها، ولكن هذا الاعتراض لم يمارس منذ قرنيين من الزمان على الأقل وأن هناك عدة مبادي أساسية تعود إلى أعراف واتفاقات الدستور ومنها أن الملك يجب أن يوافق –أو لا يستطيع الاعتراض على أي مشروع قانون أقر من قبل مجلسي البرلمان ومع ذلك فقد وجد في بعض المناسبات من يقول بأن التاج البريطاني لم يفقد حقه في الاعتراض، وأن له استخدامه في بعض الأحوال. فقد جادل أعضاء الحزب الاتحادي خلال الآزمة التي نشأت في عامي 1913/1914م بشأن مشروع قانون الحكم الذاتي في إيرلندا في أن حق الاعتراض الملكي لم ينقض وأن هناك فرصة جدية ومتاحة أمام الحكومة لإحيائه ، على الرغم من أن حكومة الأحرار في ذلك الوقت كانت تؤيد الحكم الذاتي لإيرلندا ،وتؤيد الكاثوليك فقد كان سكان المقاطعات الايرلندية الشمالية في ألستر وهم من البروتستانت وتؤيدهم المعارضة من المحافظين ، يعملون على محاربة مشروع القانون ، وكان كل طرف مقتنع بعدالة قضيته وتمكنت حكومة الأحرار المؤيدة من قبل أعضاء حزب العمال الوطنيين الإيرلنديين من تمرير مشروع القانون في مجس العموم في سنة 1912م ولكن مجلس اللوردات رفضه، وانقسم الرأي العام البريطاني إلى قسميين متساويين تقريباً بخصوص هذه الأزمة وبدت البلاد على شفا حرب أهلية، وبدأ واضحاً أن الملك سيغضب نصف الشعب البريطاني مهما كان الاتجاه الذي سينتهجه حسبما جاء في مذكرة بونارلو التي سلمها للملك جورج الخامس في سبتمبر 1912م ولذلك دعا الملك جورج الخامس إلى عقد مؤتمر في قصر بكينغهام، واستشار الكثير من رجال الدولة في مدى دستورية رفضه تصديق مشروع القانون المذكور وتضاربت الآراء بين مؤيد ومعارض إلا أن حل هذه ألازمة جاء من الخارج إذ بدت تلوح في الأفق نذر الحرب العالمية الأولى وظهرت الحاجة الماسة لتوحيد الصفوف ولم شمل الأمة واجتمعت الأحزاب كلها في مؤتمر، وخرجت متفقة، وانتهت أزمة مشروع قانون الحكم الذاتي وصدق عليه الملك بتاريخ 18 سبتمبر عام 1914م.
خلاصة القول نجد أن التصديق على القوانين في النظام البرلماني هو سلطة رئيس الجمهورية أو الملك وهو يختلف عن حق الاعتراض التوقيفى الذي يملكه رئيس الجمهورية في النظام الرئاسي وهو يؤدى إلى وأد القانون وقبره. مع وجود اختلافات بين نظام وآخر من الأنظمة التي تنتهج النظام البرلماني.
ثانياً: التصديق على القوانين في النظام الرئاسي:
الحديث عن التصديق على القوانين في النظام الرئاسي لا يجد نموذج يحتذي خير من النموذج الأمريكي باعتبار أنه أول وأفضل نظام في العالم طبق النظام الرئاسي.
أولاً موافقة الرئيس على القوانين.
نجد أن موافقة الرئيس الأمريكي على مشروعات القوانين تتخذ واحد من شكلين فإما أن تكون صريحة وإما أن تكون ضمنية.
1/ الموافقة الصريحة:
وتتم هذه الموافقة بأن يوقع الرئيس على مشروع القانون المقدم إليه من الكونجرس شريطة أن يتم ذلك خلال المدة التي عينها الدستور لذلك وهي عشرة أيام بالتقويم الميلادي، وأن واجب الرئيس في الموافقة على مشروع القانون هو مجرد التوقيع عليه، فهو لا يحتاج لأن يكتب في الوثيقة تمت الموافقة عليها ولا التاريخ أيضاً.
2/ الموافقة الضمنية:
هذه تتم في حالة احتفاظ الرئيس بمشروع القانون المقدم إليه خلال المدة المنصوص عليها في الدستور وذلك لإمعان النظر فيه ولكن دون أن يوقعه أو يعيده للكونجرس ، فإذا انقضت مدة العشرة أيام ، وكان الكونجرس مازال في فترة انعقاد فإن مشروع القانون يصبح عندئذ قانوناً صالحاً للتنفيذ ولا حاجة لتوقيع الرئيس عليه.
ويرجع السبب في ذلك إلى أن امتناع رئيس الجمهورية عن رد أو اعادة مشروع القانون موقعاً عليه أو مرفقاً به أوجه اعتراضه ضمن المدة التي حددها الدستور مع تمكنه من ذلك، يعتبر قرينة قانونية قاطعة على الموافقة الضمنية عليه، ويستثني من ذلك حالة وحيدة فقط ، وهي فض انعقاد الكونجرس ورفع جلساته قبل انقضاء الأيام العشرة المحددة بموجب الدستور، ففي هذه الحالة لا تكون هناك قرينة قانونية على موافقة الرئيس على مشروع القانون فالذي يحدث أن مشروع القانون لا يتحول إلى قانون يكون صالح التنفيذ بل يتم قبره والقضاء عليه نهائيا، ً مثلما يمتلك الرئيس حق الاعتراض والموافقة على مشروعات القوانين، فإن الدستور أيضاً أعطاه حق الاعتراض والموافقة على كافة الأعمال أو الإجراءات التي تصدر بناء على موافقة مجلسي النواب والشيوخ معاً مثال لذلك القرارات المشتركة وهي التي تنشأ في مجلسي النواب والشيوخ وهي تخضع لنفس الإجراءات المتعلقة بمشروعات القوانين إذ يجب أن يوافق عليها مجلسا الكونجرس معاً وأن تعرض على الرئيس للتوقيع عليها، وفي حال نالت هذه القرارات تأييد الرئيس وموافقته فإنها تحوز على قوة القانون تماماً كما هو الحال بالنسبة لمشروعات القوانين .
ثانياً/ حق الرئيس الأمريكي في الاعتراض على مشروعات القوانين:
يعتبر حق الاعتراض على القوانين من أخطر الأسلحة التي تمتلكها السلطة التنفيذية في مواجهة السلطة التشريعية. في هذه الجزئية نتناول تعريف حق الاعتراض والتنظيم الدستوري له، وفاعليته في الولايات المتحدة الأمريكية.
1/ تعريف حق الاعتراض:
ورد في القاموس القانوني أن Veto هي كلمة لاتينية تفيد معنى الرفض أو المنع، وبذلك يمكن تعريف حق الاعتراض بأنه ذلك الحق الدستوري أو السلطة المخولة لأحد فروع الحكومة لرفض الموافقة على الإجراءات المقترحة من قبل الفرع الآخر. خاصة سلطة رئيس الفرع التنفيذي في رفض مشروع القانون الذي أقره الفرع التشريعي مما يمنع أو يؤخر تحويل مثل هذا المشروع إلى قانون نهائي واجب التنفيذ. ويعتبر حق الاعتراض حقاً توقيفياً أي أنه يوقف نفاذ القانون ولكن يستطيع الكونجرس التغلب على هذا الحق إذا أجاز مشروع القانون الذي رفض الرئيس التوقيع عليه بأغلبية ثلثي أعضائه.
2/ التنظيم الدستوري لحق الاعتراض:
يستند حق الرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية في الاعتراض على مشروعات القوانين والقرارات التي يقرها الكونجرس بمجلسيه إلى نص المادة الأولى الفقرة السابعة البندين الثاني والثالث وهذه الفقرة هي من أكثر النصوص التي فصلها الدستور ولعل في ذلك ما يفسر أهمية موضوع حق الاعتراض لدى الآباء المؤسسين للدستور ونيتهم في تنظيم هذا الموضوع بدقة حيث لا يسمح بأي لبس أو خلط في الفهم ،ويأخذ حق الاعتراض أحد شكلين فإما أن يكون اعتراضاَ صريحاً ويستخدم هذا النوع للإشارة إلى تصرف الرئيس عندما يرفض الموافقة على مشروع القانون أو القرار المشترك الذي أقره مجلسا الكونجرس ، ويعيده مع إعتراضاته إلى المجلس صاحب الاقتراح، ولهذا يطلق عليه أحياناً الاعتراض المرتد لتمييزه عن اعتراض الجيب الذي لا يعاد إلى الكونجرس بسبب فضه لجلساته وعلى ذلك، فإذا قدم مشروع قانون ما إلى الرئيس في الولايات المتحدة قبل فض دورة انعقاد الكونجرس بأكثر من عشرة أيام، فإن الدستور في هذه الحالة يخول الرئيس الحق في الاعتراض عليه ، وذلك برفض التوقيع عليه، وإعادته إلى المجلس الذي اقترحه أولاً مرفقاً به أسباب اعتراضه على هذا المشروع ، ولكن هذا الاعتراض لا يترتب عليه القضاء على مشروع القانون وقبره نهائياً بل يترتب عليه ضرورة إعادة النظر والدراسة في مشروع القانون مرة ثانية من جانب مجلسي الكونجرس.
ووفقاً للدستور، فإنه يشترط من أجل تخطي الاعتراض في هذه الحالة أن يوافق على مشروع القانون المعترض عليه أغلبية ثلثي أعضاء الكونجرس من المجلسين وذلك بعد اكتمال النصاب القانوني للحضور، أما الشكل الثاني للاعتراض هو ما يسمى بالاعتراض المستتر أو اعتراض الجيب ويكون دائماً عندما لا يعترض الرئيس على مشروع القانون خلال المدة التي حددها الدستور بسبب فض الكونجرس لدورة انعقاده وهذا النوع من الاعتراض يؤدي إلى قبر مشروع القانون والقضاء عليه نهائياً.
3/ فاعلية حق الاعتراض في الولايات المتحدة :
على الرغم من أن رؤساء الجمهورية في الولايات المتحدة لم يلجأوا حتى بداية القرن التاسع عشر إلى استعمال حقهم في الاعتراض على مشروعات القوانين التي يقرها الكونجرس إلا نادراً إلا أن زيادة نشاط جماعات الضغط ، المسماة اللوبي المتزايد أجبر الرؤساء فيما بعد على استعمال هذا الحق بكثرة لدرجة جعلت منه سلاحاً حقيقياً قلب التوازن بين السلطات العامة لمصلحة الرئيس، وكفل له السيطرة الفعلية على العمل التشريعي وإذا كان الحق في الاعتراض قد بدأ كوسيلة لحماية التوازن بين السلطات العامة فإنه قد تحول منذ عهد الرئيس جاكسون ليصبح وسيلة لحل الخلاف بين الرئيس والكونجرس ، وتحقيق التوافق بين ما يريده الرئيس وبين ما يريده الكونجرس والذي يستفاد من تاريخ الاعتراض أنه يمثل مرحلة ييأس فيها الرئيس من التفاهم مع الكونجرس ، فلا يجد بداً من الاحتكام إلى الرأي العام ويتضح أثر هذين الاعتبارين عند إعادة النظر في مشروع القانون المعترض عليه ، إذ يصبح من العسير أن تجتمع كلمة ثلثي أعضاء الكونجرس على غير ما تتجه إليه إرادة الأمة.
وقد زاد من فاعلية حق الاعتراض الأغلبية التي يتطلبها الدستور الأمريكي للتغلب على إرادة الرئيس ، فهي أغلبية مشددة وليس من السهل جمعها في نظام حزبي يقوم على وجود حزبين كبيرين ومتقاربين، وهكذا فإن فاعلية حق الاعتراض في الولايات المتحدة تتضح في كثرة استخدامه وفي زيادة فرص نجاحه وقلة التغلب عليه بواسطة الكونجرس.
إصدار القوانين بموجب تفويض التشريعي
وهو إجراء بموجبه يفوض البرلمان باعتباره صاحب الحق الأصيل في السلطة التشريعية السلطة التنفيذية في إصدار القوانين في بعض الموضوعات، ويختلف التفويض التشريعي عن التفويض العادي الذي يخول رجل الإدارة التنازل من جانب من سلطاته لمرؤوسيه لممارستها نيابة عنه مع بقاء مسؤوليته عن تلك السلطات، وقد نشأ هذا المبدأ في بريطانيا مهد النظام البرلماني وتمخض عن مبدأ سيادة البرلمان الذي بإمكانه أن يفوض أية سلطات لأشخاص أو هيئات أخرى كما بإمكانه في الوقت نفسه أن يسحب السلطات التي فوضها على الرغم من أنه بموجب مبدأ الفصل بين السلطات يجب أن تباشر السلطة التشريعية مهمة التشريع وأن تباشر السلطة التنفيذية مهمة التنفيذ ، إلا أنه أمام استحالة الأخذ بالفصل المطلق بين السلطات ، والأخذ بالفصل النسبي فقد قام البرلمان في بعض المناسبات ومنذ زمن مبكر بتفويض السلطة التنفيذية جانبًا من اختصاصاته لتمارسها عن طريق إصدار أوامر أو قرارات يكون لها نفس قوة القانون يطلق عليها اسم التشريع الفرعي أو اللائحي أو الثانوي لتمييزه عن التشريع الأساسي أو الأصلي الذي يصدر عن البرلمان في الأحوال العادية وقد نصت دساتير السودان المتعاقبة على هذا الأمر منذ دستور الحكم الذاتي 1953م وحتي الدستور دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م الذي نص على التفويض التشريعي في المادة 115 بقوله ( يجوز للهيئة التشريعية القومية أو أي من مجلسيها، بموجب قانون، تفويض رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء القومي أو أي جهة عامة، سلطة إصدار أي لوائح أو قواعد أو أوامر أو أي تدابير فرعية أخرى تكون لها قوة القانون، على أن تُودع تلك التشريعات الفرعية أمام المجلس المعني وتكون قابلة للإلغاء أو التعديل بقرار من ذلك المجلس وفقاً لأحكام لوائحه). وقد فوضت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019 م السلطة التشريعية لمجلسي السيادة والوزراء حسب نص المادة (24) الفقرة الثالثة إلى حين تشكيل السلطة التشريعية الانتقالية ولكن لم تتحدث الوثيقة عن تفويض تشريعي أثناء قيام السلطة التشريعية الانتقالية، إلا أن المشرع الدستوري المصري في دستور 1971 م قد نص بصورة أوضح على هذا الأمر وبين ضوابطه وحدوده وأسسه وذلك في المادة 108 منه والتي تنص على (لرئيس الجمهورية عند الضرورة وفي الأحوال الاستثنائية ، وبناء على تفويض من مجلس الشعب بأغلبية ثلثي أعضائه أن يصدر قرارات لها قوة القانون ويجب أن يكون التفويض لمدة محددة وأن تبين فيه موضوعات هذه القرارات والأسس التي تقوم عليها ، ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الشعب في أول جلسة بعد انهاء مدة التفويض فإذا لم تعرض أو عرضت ولم يوافق المجلس عليها زال ما كان لها من قوة القانون).
ولقد كثر تفويض البرلمان للسلطة التشريعية خلال القرن العشرين ولاسيما بعد الحرب العالمية الأولى بسبب الطفرات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية التي ميزت ذلك القرن ، وما أدت إليه من تغيير في مفهوم الدولة وازدياد نشاطاتها وتنوعها ،وتحمل السلطة التنفيذية تبعات هذا التغيير في إطار ما أفرزه التقدم التكنولوجي من مسائل فنية معقدة تحتاج إلى دراية فنية وخبرة عالية، إلا أن لنظام التفويض التشريعي خطورته ، حيث يصل بالبيروقراطيين إلى تمجيد الملاءمة الإدارية والمزايا القومية عل حساب الفرد وحريته فالموظف في حميته لتحقيق نتيجة مرغوب فيها قد يفرض على الشعب عملاً غير معقول، وتعطيه سلطة وضع القواعد في ظل القانون النظامي الفرصة التامة التي يطلبها وعلاوة على ذلك ،فقد تستخدم سلطة التفويض الصلاحيات التشريعية في تعطيل جزئي أو كلى للحكم الدستوري ،فإذا ما استخدم البرلمان سلطته التشريعية غير المحدودة في تفويض تلك السلطة لهيئة أخرى فإن الحكم الدستوري نفسه يتوقف، لذلك ثار بعض القلق بخصوص ممارسة تفويض السلطات التشريعية من قبل البرلمان إلى السلطة التنفيذية في بريطانيا. عندما قام أحد كبار القضاة وهو لورد هيوارت بنشر كتاب له في سنة 1929م بعنوان الاستبداد الجديد، فقد رأى هيوارت في نظام تفويض التشريع تهديداً خطيرأ لأهم سمتين من سمات الدستور البرلماني وهما سيادة البرلمان sovereignty parliament وحكم القانون rule of law واعتبر أن التحكم في ممارسة السلطة التشريعية عن طريق البيروقراطيين دون حدود سيؤدى إلى الاستبداد. وفى أكتوبر عام 1929م وبسبب الضجة التي أحدثها كتاب هيوارت بين أواسط السياسيين والبرلمانيين، وما تلتها من انتقادات بشأن نمو وتزايد سلطات الحكومة وجهازها البيروقراطي، شكلت الحكومة لجنة برلمانية ضمت شخصيات من مختلف الأحزاب البرلمانية كتعزيز لمصداقيتها تحت رئاسة إيرل دونومور للنظر في السلطات التي تمارس بواسطة وزراء التاج ،أو بناء على توصية منهم أو بواسطة أشخاص أو هيئات معينة بواسطتهم ، وذلك عن طريق التشريع المفوض والقرار القضائي أو شبه القضائي ، ثم إعداد تقرير عن الضمانات المرغوب فيها أو اللازمة للمحافظة على المبادي الدستورية لسيادة البرلمان وسمو القانون، وقد اعترفت لجنة دونومور في تقريرها الذى نشرته في سنة 1932بأن التفويض التشريعي قد أصبح عرفاً سائداً في إنجلترا وأن البرلمان لديه أسباب حقيقية تدفعه إلى تفويض جانب من سلطاته إلى الحكومة ، ويساعد على ذلك عدم وجود موانع ذات طابع دستوري وانتقدت اللجنة ظاهرة الإسراف في التفويض التشريعي ووضعت ضوابط لاستخدامه ، وناشدت البرلمان أن يستمر في التفويض العادي وألا يكثر من التفويض الاستثنائي إلا لظروف استثنائية ،وهناك دور من نوع آخر للسلطة التنفيذية في العملية التشريعية، يختلف عن السلطة التشريعية المفوضة، وهذا الدور فرضته الظروف المستعجلة التي يمكن أن تمر بها الدولة في حالة غياب السلطة التشريعية لأي سبب من الأسباب وتستدعي تلك الظروف تدخل سريع بسن التشريع ، وأمام هذا الأمر لا مناص من تدخل السلطة التنفيذية لمواجهة الظرف المستعجل بإصدار التشريع بمرسوم مؤقت وقد سارت على هذا الأمر كل الدساتير السودانية المتعاقبة إذ نصت على هذا الحق للسلطة التنفيذية ونظمته بضوابط معينة، وقد نص دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م على هذا الأمر في المادة 109 منه والتي جاء نصها وفق الاتي:-
109 (1)( يجوز لرئيس الجمهورية، إن لم تكن الهيئة التشريعية القومية في حالة انعقاد، ولأمر عاجل، أن يْصِدر مرسوماً مؤقتاً تكون له قوة القانون النافذ، ومع ذلك يجب عرض المرسوم المؤقت على المجلس المعني في الهيئة التشريعية القومية حال انعقاده، فإذا أجازت الهيئة التشريعية القومية المرسوم المؤقت بذات أحكامه، فيجب سنَّه كقانون أما إذا رفضه أي من المجلسين أو انقضت الدورة البرلمانية دون إجازته يزول مفعوله دون أثر رجعي).
(2) (على الرغم من نصوص البند (1) لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يُصدر مراسيم مؤقتة في المسائل التي تمس اتفاقية السلام الشامل أو وثيقة الحقوق أو نظام الحكم اللامركزي أو الانتخابات العامة أو التخصيص السنوي للموارد والإيرادات المالية أو التشريعات الجنائية أو المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تُعدل حدود الدولة).
(3)( يتم العمل من جديد بكل قانون تم إلغاؤه أو تعديله بمقتضى أي مرسوم مؤقت زال مفعوله، ويسري مفعول ذلك القانون من تاريخ زوال مفعول المرسوم المؤقت).
(4) (يجوز للمجلس الوطني، حسبما تقرر لوائحه الداخلية، تفويض رئيس الجمهورية سلطة المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية إذا لم يكن المجلس في حاله انعقاد دون الحاجة لإجازة لاحقة، ومع ذلك يجب أن تُودع الاتفاقيات والمعاهدات المصادق عليها لدى المجلس فور انعقاده).
واضح أن المادة 109 نظمت اصدار القوانين بمراسيم مؤقتة من قبل السلطة التنفيذية ،ولكن هذا الحق للسلطة التنفيذية مقيد بضوابط عديدة أولها حالة عدم انعقاد السلطة التشريعية القومية وقد يكون سبب عدم الانعقاد انتهاء أجل السلطة التنفيذية المنصوص عليه في الدستور أو انتهاء دورة من دورات انعقاد السلطة التشريعية القومية حسبما تحدد اللوائح الداخلية للسلطة التشريعية القومية أو أي سبب آخر كحل السلطة التشريعية، علاوة على ذلك فقد حددت المادة بعض الموضوعات التي لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تصدر في شأنها قوانين بموجب مراسيم مؤقتة وهي موضوعات على سبيل الحصر تشمل المسائل التي تمس اتفاقية السلام الشامل، أو وثيقة الحقوق، أو نظام الحكم اللامركزي، أو الانتخابات العامة، أو التخصيص السنوي للموارد والإيرادات المالية، أو التشريعات الجنائية، أو المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تُعدل حدود الدولة، وهي موضوعات أرد المشرع الدستوري أن تصدر القوانين التي تمسها من السلطة الأصيلة وهي السلطة التشريعية مهما كانت فترات غيابها ينبغي انتظارها .ولم تتطرق الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019م لهذا الامر.هذا المقال مستل من ورقة علمية قمت بنشرها في مجلة كلية القانون والعلوم السياسية جامعة كركوك بجمهورية العراق في العدد 29 الجزء الأول بتاريخ الأول من مايو من العام 2019م ومن أراد أن يجد تفاصيل عن هذا الموضوع ومن أراد يطلع على المراجع التي رجعت لها في هذا الموضوع.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.