مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





كيف واجهت مؤسسة الطب السوداني اول وباء لمرض الايبولا (1976) الموت تحت ظلال الغابات الاستوائية .. ترجمة واعداد/ بروفيسور عوض محمد احمد
نشر في سودانيل يوم 04 - 06 - 2020

قصة اول وباء لمرض الايبولا في العالم في منطقة مريدي بجنوب السودان
ترجمة و اعداد
بروفيسور عوض محمد احمد
كلية الطب، جامعة نجران
المملكة العربية السعودية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نشرت مجلة طب الاطفال السودانية في عددها الثاني من المجلد الرابع عشر للعام 2014م عدد من المقالات التي تؤرخ و تحتفي باداء عدد من افراد المهنة الطبية في مقاومة اول وباء لمرض الايبولا في العالم على الاطلاق في بادرة طيبة تنم عن وفاء نادر في وقت نسي فيه الجميع تضحيات اولئك النفر الشجعان. سوف اقدم ترجمة لبعض المقالات المنشورة في العدد المعني. كما اضفت من عندي افادات للكاتب الروائي الدكتور امير تاج السر مؤلف رواية تستلهم الجانب الاجتماعي للوباء.
نقدم للقراء و لشعب السودان قصة ملحمة بطولية نادرة شهدها السودان قبل نحو اربعين عاما في جنوب السودان. ظهر في النصف الثاني من عام 1976م وباء قاتل مجهول السبب (كان قوامه حمى و صداع و الام مختلفة يعقبها نزيف من اماكن مختلفة في الجسم) بمنطقة مريدي في غرب محافظة الاستوائية في جنوب السودان تسبب في وفاة عدد كبير من الاهالي و نصف طاقم التمريض في مستشفي مريدي، و رغم ذلك اصر طبيب المستشفى، الدكتور عابدين خيري و رغم اصابته بالمرض القاتل على الاستمرار في اداء واجبه الطبي و معه عدد قليل من العاملين بالمستشفى بعد ان تسبب الهلع الناتج من كثرة الموتى في فرار الاهالي و بعض العاملين في المستشفى. ظهر الوباء اولا في مدينة انزارا، الواقعة قرب الحدود مع جمهورية الكونقو (زائير سابقا) وسط ثلاثة من عمال مصنع النسيج. ثم انتقل الوباء الى مدينة مريدي بعد انتقال بعض المرضى اليها و ارتبط الوباء بعدها بمريدي اكثر من انزارا. تزامن مع وباء مريدي وباء مماثل في جمهورية الكونقو في المنطقة القريبة من انزارا ادى الى وفاة 280 مريضا من جملة 318 شخصا اصيبوا بالمرض (بنسبة وفيات تبلغ 88%).
و تمتد قائمة البطولة و الفخار لتشمل عدد من زملاء المهنة الطبية. فالدكتور على عبد الرحمن رافق الراحل الى جوبا و ذهب الى الخرطوم و رجع الى جوبا و معه الدكتور عبد الغفار عبد الرحيم (احد اعلام الطب الباطني) الذي قطع اجازة العيد و حضر توا و رافق خيري الى الخرطوم. كما لعب الدكتور احمد عبد الهادي السيد (استشاري الاطفال الان) دورا كبيرا اذ كان المعالج المباشر لخيري في الخرطوم و معه الدكتورهشام امان (استشاري الباطنية الان في المملكة السعودية). كان اولئك الاطباء يتعاملون بكل الشجاعة مع حالة طبية معدية و مجهولة و لم يمنعهم هذا من تقديم يد العون لخيري. و لا يمكن ان تتخطى قائمة الفخار شخصا مثل الدكتور عبد الغني بكري الذي ذهب دون اي تردد في صباح يوم العيد لاستلام العمل في مستشفى مريدي في مكان خيري الذي ادخل مستشفى الخرطوم للعلاج.
و تمتد القائمة لتشمل الافراد و الفرق الطبية التي ذهبت دون تردد الى منطقة الوباء لتقديم العلاج للمرضى و لجمع العينات الطبية التي بسبببها تم الوصول لسبب الوباء. من بينهم، على سبيل المثال، الاطباء عبد الغني بكري و بابكر الطاهر و علي احمد ادريس و باسيفيكو لوليك.
يلاحظ القارئ ان هناك بعض التضارب في الارقام مثل عدد المرضى و الوفيات. و هذا امر متوقع اذ يصعب الحصول على اداء مثالي من جانب اقسام الاحصاء في اجواء كارثية مثل الاوبئة كان الهم الاساسي منصبا نحو انقاذ الضحايا و محاصرة الوباء في اسرع وقت.
نجح اهل المهنة الطبية و بافقر الامكانيات و اقل الموارد في محاصرة الوباء في منطقة مريدي وحدها دون انتقاله لخارجها. و نجحوا في مك افحته في وقت وجيز لم يزد عن بضعة شهور. كان معظم اولئك الابطال شبابا دون الثلاثين ركلوا (مباهج) العاصمة و اغراءات الهجرة خارج البلاد و اختاروا مواجهةالموت وجها لوجه في ادغال الاستوائية بجنوب السودان.
يلاحظ بعض الجحود من قبل الجميع تجاه صانعي تلك الملحمة. فباستثناء لافتة باهتة كئيبة في عنبر صغير في احد مستشفيات ام درمان لم يتم تكريم او حتى ذكر لهم. نتمنى ان يكون جهد مجلة طب الاطفال ممثلا في مقالاتها التذكارية بخصوص وباء ايبولا مريدي دافعا لتلافى ما فات من تكريم اولئك الابطال.
نرى انه من الافضل تقديم معلومات عن طبيعة المرض الذي تسبب في الوباء. المرض هو حمى ايبولا، تنتمي لمجموعة امراض تسمى الحميات النزفية الفيروسية (مثل حمى لاسا و حمى ماربيرج)، يسببه فيروس ينتقل للانسان مباشرة من شخص لاخر، و عن طريق بعض الحيوانات (مثل القرود و خفاش الفاكهة). تشكل سوائل الجسم المختلفة مثل الدم و اللعاب و السائل المنوي وسائط نقل المرض بين الاشخاص المخالطين للمرضى مثل الاطباء و الممرضين و اطقم المختبرات و افراد الاسرة و حتى من يوارون جثامين موتى المرض الثرى. حضانة الفيروس في الجسم قبل ظهور الاعراض تاخذ فترة عشرة ايام (بمتوسط 4-20 يوما). اعراض مرض ايبولا في مراحله الاولية تشمل الحمى و الصداع الشديد و الام و تكسير في الجسم و الام في البطن و المفاصل و الصدر، و واستفراغ، و اسهال، و طفح جلدي. بعدها بعدة ايام يبدا النزيف من اماكن مختلفة من الجسم في شكل رعاف و قئ و اسهال دموي و قد يدخل المريض في غيبوبة. يوجد فحص لمرض ايبولا و لكن لا يوجد له علاج محدد، فقط يعطى المريض علاجات داعمة لتخفيف أعراضه مثل المحاليل الوريدية و مسكنات الالام و خافضات الحرارة.
1. افتتاحية العدد: بقلم مصطفى عبد الله محمد صالح و محمد عثمان سوار
هذه ترجمة لافتتاحية مجلة طب الاطفال السودانية في العدد رقم 2 من المجلد الرابع عشر للعام 2014م الذي تم تكريس جانب من مواده للتاريخ لملحمة الطب السوداني في مكافحة اول وباء لمرض الايبولا عرفه العالم في عام 1976م في جنوب السودان (عندما كان جزءا من السودان). الافتتاحية تستعرض ما جاء في مقالات العدد التي كتبها شهود عيان و مشاركون في ملحمة مقاومة الوباء.
الافتتاحية كتبها كل البروفيسور صالح استاذ طب الاطفال في جامعة الملك سعود بالرياض، و البروفيسور سوار استاذ طب الاطفال بجامعة الاحفاد في ام درمان.
الافتتاحية
يعتبر وباء الايبولا الحالي في غرب افريقيا هو الاطول في زمنه والاكثر ضحايا. ففي ظرف ثلاثة شهور توفي 1250 مريض، مما حدى بمنظمة الصحة العالمية اعتبار وباء الايبولا الحالي كحالة طوارئ صحية عالمية. شملت الاصابة بالمرض ايضا مخالطي المرضي اطباء و كوادر صحية مساعدة و مرافقيهم. لاهمية هذا الوباء القاتل اختارت مجلة تايم الامريكية الاسبوعية و الاكثر انتشارا معالجي المرض كنجم للعام 2014م كعادتها كل عام في اختيار اكثر الشخصيات او الهئيات تاثيرا على مجريات احداث العام.
في هذا المقال نلقي الاضواء على مجموعة من الابطال السودانيين ممن وضعوا ارواحهم برسم التضحية لمقاومة اول وباء لمرض الايبولا في العالم على الاطلاق (قبل ان يعرف العالم وجود المرض و اسمه و سببه). بدأ الوباء و كان عبارة عن حمي متقطعة يعقبها نزيف من مناطق مختلف من الجسم ، بحالات قليلة في منطقة انزارا في محافظة الاستوائية بجنوب السودان (الان جمهورية جنوب السودان)، ثم انتقل لمنطقة مريدي في الاستوائية ايضا و امتد بين شهري يونيو و نوفمبر 1976م. اصيب عدد كبير بالوباء في ذلك الوقت و توفي منهم 213 شخصا كان من بينهم 41 من العاملين في مستشفى مريدي (نصف عدد العاملين وقتها) اضافة الى الدكتور عابدين خيري (28 عاما) و كان الطبيب الوحيد وقتها في مريدي. رغم اصابته بالوباء و معرفته باحتمال وفاته المؤكد، الا انه استمر على راس العمل في معالجة مرضاه الى ان تم نقله الى جوبا عاصمة الاقليم الجنوبي برفقة احد زملائه و هو الدكتور عبد الرحمن علي (الان استشاري كلى في الخرطوم). استبقى على خيري في جوبا و طار الى الخرطوم و عاد بمعية الدكتور عبد الغفار عبد الرحيم مدير مستشفى طب المناطق الحارة (1976-1986) حيث اجري تقويما للحالة الصحية لخيري و اشرف على نقله الى الخرطوم لمزيد من الرعاية الطبية. في مستشفى الخرطوم تم استقبال و معالجة خيري على يد يدي الكدتور احمد عبد الهادي السيد (26 عاما) و كان وقتها طبيب امتياز (الان استشاري طب اطفال في المملكة السعودية) و الدكتور هشام امان (29 عاما)، الان استشاري طب باطني في المملكة السعودية ايضا.
جوانب اخرى من الوباء الغامض حينها تمت اضاءتها في مذكرات المهندس الزراعيعبد الوهاب بابكر (24 عاما) الذي انتقل في ذلك الوقت للعمل من مشروع جبال النوبة الزراعي الي منطقة مريدي. اسهب بابكر في توصيف شهامة و شجاعة و مرؤة خيري الذي اصر على مواصلة عمله في مقاومة الوباء ليس برغم خطورة الوباء، بل رغم اصابته بالمرض و علمه الاكيد بمالات المرض القاتل.
خلف الدكتور عبد الغني بكري (27 عاما) خيري في مستشفى مريدي و استمر في اداء رسالته الى ان تلاشى الوباء بحلول نوفمبر 1976م. قبل ان يتلاشى الوباء قدم الى مريدي الدكتور بابكر الطاهر اختصاصي الفيروسات و قام بجمع عينات من المرضى لفحصها و اجراء بحوث عليها لمعرفة سبب الوباء. تلك العينات مهدت الطريق لاكتشاف الفير\وس المسبب للوباء. كما قدم الى مريدي في اوائل اكتوبر 1976م فريق من ثلاثة اطباء شباب هم عوض عثمان المهدي و محجوب عثمان كرار (و كانا نائبا اخصائين) و حيدر حمزة الذي كان في اخريات فترة الامتياز. من اهم ثمار تلك الزيارة هي كتابة اول تقرير اكلينيكي عن مض الايبولا في العالم، حيث تمت طباعته بالرونيو و ارسل الى وزارة الصحة بالخرطوم. و تم تزويدنا بالتقرير من قبل الدكتور ابراهيم حسن فحل استشاري امراض الكلى بالمملكة المتحدة و تم نشره كاملا في مجلة طب الاطفال السودانية و يمكن للمهتمين مطالعته في النت حيث ان المجلة مبذولة للاطلاع. بالنظر للمستوى المهني العالي لتقرير كرار و شركائه و ما اظهروه من مهارات سريرية و كتابية بالغة الدقة في بئية فقيرة كمنطقة مريدي و مع صغر سنهم و عمرهم المهني الذي لم يتجاوز وقتها بضعة اعوام فان الامر يعكس بلا جدال (اضافة بالطبع الى مزاياهم الشخصية) مستوى التدريس و التدريب في كلية الطب في ذلك الوقت (حيث كان يقف على سدة الكلية علماء في عزم الانبياء من امثال داؤد مصطفى و منصور حسيب و احمد محمد الحسن).
2. شهادة الدكتور احمد عبد الهادي السيد الطبيب المعالج لدكتور عابدين خيري بمستشفى الخرطوم الى لحظة وفاته
هذه هي شهادة الدكتور احمد عبد الهادي السيد استشاري طب الاطفال في مستشفى الخرج بالمملكة العربية السعودية الذي كان طبيبا عموميا في مستشفي الخرطوم عام 1976م و يحكي في شهادته تفاصيل حالته ابتداءا من احضاره من مطار الخرطوم و انتهاءا بوفاته بعد ايام قليلة داخل القسم الجنوبي و هو جناح متميز بمستشفى الخرطوم. هذه الشهادة الهامة في تاريخنا الطبية نشرت مؤخرا في مجلة طب الاطفال السودانية باللغة الانجليزية في عددها الثاني من المجلد 14 للعام 2014م. و ليس لنا الا فضل ترجمتها الى العربية.
شهادة الدكتور احمد
ولد الراحل الدكتور عابدين خيري (و نشير له فيما بعد و لاغراض الاختصار ب خيري) في قرية كوكا المحس القرب من مدينة دلقو بالولاية الشمالية. اتم دراسة المرحلة الاولية و الوسطى بمنطقته و درس المرحلة الثانوية بمدينة بورتسودان بمدرسة بورتسودان الثانوية و بعدها اتم دراسة الطب بجامعة الخرطوم. امضى خيري فترة الامتياز و عمل كطبيب عمومي بمستشفيات الخرطوم و ام درمان. ذهب خيري الى الى مدينة مريدي بمنطقة الاستوائية في جنوب السودان لقضاء ما كان يسمى وقتها بفترة الشدة (حيث كان يلزم الاطباء و مهنيون اخرون بقضاء فترة عام او اقل في بداية حياتهم المهنية في مناطق ريفية بعيدة عن العاصمة و المدن الكبرى).
كان يمكن لخيري ان يمضي اياما رتيبة في مريدي لولا ان القدر ساق وباءا لاهل تلك المنطقة قوامه حمي يعقبها نزف دموي من مناطق مختلفة في الجسم ثم الموت الحتمي. بدات حالات المرض في الظهور في اغسطس 1976م وسط الاهالي ثن انتقلت للعاملين في المستشفى الامر الذي ادى لوفاة واحد و اربعين ممرضا و اصابة خيري نفسه بالمرض و هو كان طبيب المستشفى الوحيد. رغم اصابة خيري بالمرض الا انه استمر في اداء واجبه بمعالجة المرضى. بدات حالة خيري الصحية في التدهور الامر الذي اثار قلق قائد الحامية العسكرية في مريدي فاخطر زميله الدكتور عبد الرحمن علي (الان هو استشاري امراض الكلى بالخرطوم) الذي كان طبيب مستشفى ليو الواقعة على مسافة 65 ميلا من مريدي. تمكن علي من اقناع خيري بالذهاب الى مدينة جوبا (عاصمة الاقليم الجنوبي) لمزيد من الرعاية الطبية. وصل علي وخيري الى جوبا و تم انزال خيري باستراحة الاطباءبالمدينة، ثم سعى علي لمقابلة الدكتور جاستن ياك وزير الصحة باقليم جنوب السودان وقتها (كان جنوب السودان يحكم ذاتيا بقدر معقول من الاستقلالية عن الحكومة المركزية في الخرطوم كثمرة لاتفاقية اديس ابابا التي تم توقيعها شهر مارس 1972م بين حكومة السودان و الثوار الجنوبيين و التي اوقفت حرب الجنوب التي بدات في اغسطس 1955م ). اقترح ياك استقدام فريق طبي من خبراء الميكروبات من الخرطوم لتقصي سبب و طرق مكافحة وباء مدريد القاتل (حتى ذلك الوقت لم يكن يعرف باسم ايبولا و لا يعرف له سبب). كما كان ياك متحفظا على فكرة انتقال خيري الى الخرطوم خشية انتقال الوباء الى الشمال. امتثل علي لطلب ياك و ذهب وحده الى الخرطوم حيث قابل وكيل وزارة الصحة في ذلك الوقت الدكتور عباس مختار. و حيث صادف الوقت وقتها عطلة عيد الفطر للعام الهجري 1396م تعذر الاتصال ياي من اختصاصي الباطنية فقررا (مختار و علي) الذهاب الى الدكتور عبد الغفار عبد الرحيم مدير مستشفى المناطق الحارة باعتبار تخصصه الاقرب لوباء مريدي و لاستشارته بخصوص حالة خيري. قرر عبد الرحيم للتو و اللحظة السفر الي جوبا في اقرب رحلة طيران. فور وصوله الى جوبا و معاينته لحالة خيري حيث وجده في حالة صحية حرجة و تمكن من اقناع ياك بفكرة نقله الى الخرطوم تحت دعوى ان وجوده بجانب اسرته افضل له في ايامه الاخيرة. رافق عبد الغفار خيري في نفس الطائرة الى الخرطوم (نحو ساعتي طيران)، بينما قفل علي راجعا الى مقر عمله في منطقة ليوي.
كنت الطبيب العمومي المناوب و معي الدكتور هشام امان نائب الاخصائي ذلك اليوم (الان استشاري باطنية في المملكة السعودية). تم احضار خيري بعربة اسعاف و كنت و فريق من الممرضين في استقباله ببوابة قسم حوادث مستشفى الخرطوم، حملناه على نقالة . قمت بتوقيع الكشف الطبي عليه و اخطرت امان الذي ادخله الى القسم الجنوبي و هو قسم شبه خاص تحت ادارة مستشفى الخرطوم. كان خيري في حالة الوعي لكن كانت درجة حرارته مرتفعة و يعاني من رعاف من الانف و تم طلب عدد من الفحوصات المخبرية. حيث ان مرض ايبولا لم يكن وقتها معروفا فقد تم ادخال خيري بتشخيص مبدئي كحمى نزفية تحت التشخيص. و حيث ان التشخيص النهائي لحالة خيؤي لم يكن معروفا فلم يتسني وضعه تحت علاج محدد، بل تم اعطاؤه ما يسميه الاطباء بعلاجات داعمة تعمل على تقوية المريض و معالجة الاعراض مثل خافضات الحرارة و مسكنات الالام و الفيتامينات ريثما يتم الوصول للتشخيص النهائي. كان مع خيري كمرافق ابن اخته الاستاذ نجم الدينمحمد نور, كما زاره الدكتور احمد عبد العزيز الجراح المعروف و مدير مستشفى الخرطوم وقتها. مع مرور الساعات في مستشفى الخرطوم تدهورت حالة خيري و بدا يعاني من حمى مرتفعة و مستمرة و نزيف من المعدة كقي دموي و من لامعاء كبراز دموي ايضا، و بدا يفقد الوعي تدريجيا الى ان دخل في غيبوبة كاملة. ثم توفي بعدها بيومين.
3. شهادة الدكتور عبد الغني بكري الذي خلف الدكتور عابدين خيري في مستشفى مريدي
هذه هي شهادة الدكتور عبد الغني بكري (27عاما وقتها) الذي قدم الى مستشفى مريدي خلفا للدكتور عابدين خيري بعد ان استفحل عليه االمرض و تم نقله الى الخرطوم للعلاج. قصة عجيبة تقف شاهدا على بطولة و نكران ذات غير مسبوق.
تعود اصول بكري الى الولاية الشمالية ثم هاجر والده الى الجزيرة للعمل في مشروعها الزراعي. تلقي مراحل تعليمه الاولى في قريتي ام دقرسي و ابوعشر (120 كيلومتر شمال الخرطوم) و مدرسة حنتوب الثانوية و درس الطب بجامعة الخرطوم و تخرج منها في عام 1974م. عمل بكري لفترات طويلة بمستشفيات المملكة السعودية و الان مقيم بالخرطوم.
شهادة الدكتور بكري
لن اكتب عن اعراض او علامات او علاج مرض الايبولا. بل سوف اكتب عن تجربتي الشخصية، و ادوار فرق طبية في مكافحة وباء قوامه حمي نزفية سريعة العدوى و كثيرة الزفيات اجتاحت مناطق مريدي و انزارا في غرب محافظة الاستوائية ما بين شهري اغسطس و نوفمبر 1976م. تم نقلي الى للعمل في محافظة الاستوائية بمعية عدد من زملاء الدراسة مباشرة بعد قضاء فترة الامتياز حيث قضينا بعض الوقت في مستشفى جوبا مكمحطة اولى ربما للتعرف على المنطقة ككل و مشاكلها الصحية، و من ثم تم توزيعنا الى مستشفيات ريفية. في مطلع الاسبوع الاخير من سبتمبر 1976م تم اخطاري من قبل مدير مستشفى جوبا بالتوجه الى مريدي للحلول محل الدكتور عابدين خيري الذي كان مريضا. جزء من ترتيبات الانتقال الى مريدي كان لزاما ان اقابل نائب مدير وزارة الصحة الاقليمية حيث شعرت بوجود ثمة شئ (مريب) في مريدي. تم اخطاري بالطيران الى مريدي اليوم الثاني الذي كان اخر يوم في شهر الصيام (او اول ايام عيد الفطر حسب رؤية الهلال) لذلك العام. في نفس الوقت و في تلك الملابسات الخانقة تم احضار خيري و هو في حالة صحية حرجة الى جوبا بنية الانتقال الى الخرطوم و كان يرافقه الدكتور عبد الرحمن علي. لم تكن حالة خيري الصحية تسمح بالاستفسار منه عما يجري في مريدي. تحفظ كبار المسؤلين في وزارة الصحة الاقليمية على فكرة انتقال خيري الى الخرطوم خشية انتقال الوباء الى الشمال و اقترحوا اخذ رائ وزارة الصحة المركزية في امر بقائه او انتقاله للخرطوم. تم الطلب الى علي بالسفر الى الخرطوم و الاتصال بقيادات الوزارة. اليوم التالي، و كان يصادف اول ايام عيد الفطر، سافرت الى مريدي و في نفس الوقت طار علي الى الخرطوم.
وصلت الى مريدي ظهيرة يوم 24 سبتمبر 1976م حيث وجدت كل المسؤلين الحكوميين في حالة قلق شديد من خطورة الوضع الصحي. دلفت بعدها الى مستشفي مريدي و كان مسؤلا منه الدكتور ايزايا ميوم دينق الذي وصل لمريدي الليلة السابقة حيث محطة عمله الاصلية. كانت المستشفى تسير من قبل المساعدين الطبيين من لحظة تفاقم حالة خيري الصحية و الى وصولنا. في نفس اليوم نفذنا، دينق و انا، مرورا سريريا لتصنيف المرضى و مراجعة العلاجات التي ابتدرها المساعدون الطبيون. كان المرضى في وضع صحي حرج، في حالة جفاف و الام و كانوا مرعوبين (ربما من الوباء الذي نشر ألوية الموت في المدينة الجميلة). تم وضع المرضى في علاجات داعمة (محاليل وريدية و مسكنات و خافضات حرارة) اضافة لمضادات التايفود حيث ساد اعتقاد في بادئ الامر ان سبب الوباء هو مرض التايفويد المنتشر هناك.
في الايام التالية لحضوري لمريدي تم تنفيذ اجراءات عاجلة لمحاصرة الوباء مثل بنا كرنتينة من المواد المحلية و انفاذ حملات تطعيم واسعة ضد التايفويد، و توزيع مواد واقية للعاملين مثل القفازات و الكمامات، و منع التجمعات، و اغلاق الطرق الخارجة و المؤدية الى المدينة، و ان يقوم العاملون في المستشفى بدفن المتوفين بطريقة صحيحة بدلا من ذوي المرضي (و كان اكثرهم مصابين بالمرض). شهدت الايام الاخيرة من سبتمبر و الاولى من اكتوبر اكثر عدد من المرضى و الوفيات. في تلك الايام توفي خيري في الخرطوم، الامر الذي اثار مزيدا من الرعب و الخوف وسط العاملين بالمستشفى و وسط الاهالي في نفس الوقت. لوحظ ان اكثر المرضى كانوا من العاملين بمستشفى مريدي او من ذويهم، مما ادى لان يتجنب الاهالي الحضور للمستشفى لاعتقادهم انها مصدر المرض الغامض شديد العدوى. في المقابل لجأ المرضى لمستشفى عسكري صغير في مريدي يذهبون لعيادته الخارجية او يأخذون الدواء بنفسهم من صيدليته التي كان يديرها مساعد طبي. و لا ياتي لمستشفي مريدي الا الحالات شديدة الخطورة.
في تلك الاثناء بدات الفرق الصحية المهتمة بالمرض الغامض تتوافد الى مريدي. جاء الدكتور بابكر الطاهر خبير الفيروسات بالمعمل الصحي القومي (استاك) و معه فريقه حيث اخذوا عينات مختلفة من المرضى تم نقلها جوا الى الخرطوم، و من ثم الى مختبر مختص بالاحياء الدقيقة في انجلترا حيث تم عزل و اكتشاف الميكروب االمسبب للمرض الغاض. و جاء ايضا اختصاصي البكتيريا الدكتور عبد الرحمن بندة، من السلاح الطبي مع احد مساعديه للقيام بالفحوصات اللازمة للمرضى و بقي بمريدي لحين انتهاء الوباء. ايضا وفد الى مريدي طلاب معهد جوبا للمساعدين الطبييبن و كانوا عونا طيبا مغطيين النقص الفادح في طاقم التمريض. كان من الوافدين الدكتور علي احمد ادريس استشاري الوبائيات بوزارة الصحة و معه طاقم من الاطباء (محجوب عثمان كرار و عوض حسن مهدي وكانا نواب اخصائين و حيدر حمزة الذي انهى لتوه فترة الامتياز). امضى ادريس خمسة ايام، بينما واصل ثلاثي الاطباء العمل معي في المستشفى لحين تلاشي الوباء. في 22 اكتوبر حضر من جوبا الدكتور باسيفيكو لوليك مسؤل الطب الوقايئ في الجنوب و اسس مركزا لمقاومة الوباء. 29 اكتوبر 1976م وصل فريق من منظمة الصحة العالمية كان مهتما برفع الوعية بالحماية الشخصية من المرض ابتداءا من رفضهم مصافحتنا بالايدي عند وصولهم. كان الفريق الدولي مهتما فقط بالجوانب الوبائية فتم اخذ عينات من المرضى الناقهين و من مخالطيهم. في هذا الوقت وصلت نتائج عينات بابكر الطاهر حيث اثبتت وجود فيروس مشابه شكليا لفيروس مرض ماربيرج (و هو ايضا حمى دموية) لكنه يختلف عنه في سميته. تم اولا اقتراح تسمية الفيروس بفيروس مريدي. لكن تم فيما بعد الاتفاق على عدم تسمية هذا الفيروس باسماء مدن او دول حيث لم يتم الاستيثاق، بعد، من مصدره الاساسي. الا انه تمت تسميته فيما بعد بفيروس ايبولا، و هو نهر صغير في جمهورية الكونقو الديمقراطية (زائير سابقا) و هو يقع بمقربة من القرية التي ينتمي اليها المريض الاول الذي تم عزل الفيروس من عيناته.
مع نهاية اكتوبر و بداية نوفمبر 1976م بدأ يقل ورود الحالات الجديدة و و زادت نسبة شفاء المرضى و قلت الوفيات. تم تسجيل اخر حالة وفاة من المرض في 23 نوفمبر 1976م. و مع مطلع ديسمبر اعتبر الوباء في حكم المنتهي.
عدت الى جوبا في 10 ديسمبر 1976م. و بقينا، شخصي و طلاب معهد جوبا للمساعدين الطبيين و لوليك في استراحة وزارة الصحة الاقليمية لمدة اسبوعين باعتبارها فترة الحضانة القصوى للفيروس (و بالتالى يمكن ان يظهر بعدها المرض مباشرة ان كان هناك من يحمل فيروساته في جسمه).
في الجرد النهائي لوباء مرض الايبولا في مريدي، اصيب 146 شخصا بالمرض، توفي منهم 86 مريضا من بينهم 42 من العاملين بمستشفى مريدي. عدد المرضي الحقيقين اكثر من 146. حيث ان بعض المرضى حاولوا معالجة نفسهم ذاتيا و بعضهم تلقى العلاج عند المساعد الطبي في مركز صحي تابع للسلاح الطبي في مريدي. الا ان رقم الوفيات حقيقي حيث تم تسجيل الوفيات داخل و خارج المستشفى.
الخلاصة، بامكانيات محدودة و بتعاون الاطباء و الكوادر الطبية المساعدة و المسؤلين و الجمهور امكن السيطرة على وباء خطير اصاب منطقة بها اضعف حلقات النظام الصحي و كانت خارجة لتوها من أتون حرب أهلية مدمرة قاربت العقدين من الزمان. و رغم اجواء الموت الجماعي و الاحزان، الا انني و زملائي نعمنا بالاقامة في مدينة مريدي الساحرة بجوها الجميل و طبيعتها الخضراء و ثمارها الشهية و اريحية اهلنا الزاندي طيبي المعشر.
4. الوباء بعيون غير الاطباء: شهادة عبد الوهاب عبد القادر بابكر، مهندس زراعي، كان حاضرا ايامها في مريدي
ننشر ادناه مقتطفات من ذكريات المهندس الزراعي عبد الغني عبد القادر بابكر، الذي كان يعمل بمشاريع مريدي الزراعية ابان ايام الوباء الذي ضرب المدينة عام 1976م . نشرت الذكريات بالعربية و الانجليزية في العدد الثاني من المجلد 14 من مجلة طب الاطفال للعام 2014م. تعكس الذكريات رؤية الكاتب الشخصية لما جرى و هي بالرغم من صياغتها بلغة ادبية تميل للتناول العاطفي الا انها ضرورية لمعرفة انعكاسات و رؤية الرائ العام لذلك احدث الحزين.
ولد بابكر عام 1952م و تلقى مراحل تعليمه الاولى في الجزيرة و بورتسودان و تخرج عام 1974م في كلية الزراعة بجامعة الخرطوم، و هو يعمل الان مستشارا بشركة الراجحي للاستثمار بالمملكة العربية السعودية (منذ 1985م). ساهم الدكتور سرار محمد استاذ طب الاطفال المشارك في جامعة الملك سعود بالرياض، المملكة العربية السعودية في ترجمة و اعداد الذكريات للنشر في المجلة.
الى مقتطفات من شهادة بابكر
1
الزمان: فبرائر 1976م
أبو جبيهة، منطقة جبال النوبة الشرقية
عدت للتو من المحلج. فموسم حليج القطن في أوجه. ناولني ساعي البريد برقية ثم انصرف بعد أن تأكد من توقيعي باستلامها. خارت قواي .تزاحمت الأفكار. تواردت الخواطر. مقدار من الزمن لفض هذه الورقة البغيضة. الكل من حولي يحبس أنفاسه. عودتهم هذه البرقيات الا تاتي بخير الا لماما. العم تنير يكسر حاجز الصمت. خير ياولدي .تلوت عليهم نص الرسالة. المهندس عبدالوهاب، بموجب نصوص الاتفاقية تم نقلكم للعمل بجنوب السودان و نرجو سرعة إخلاء طرفك للتوجه إلى موقعكم الجديد بمريدي.
مريدي ؟ من منطقة شدة إلى أخرى أشد!!! لله الأمر من قبل ومن بعد.
من الخرطوم الى جوبا على جوف طائرة الأنتينوف .الحمد لله أنها لم تسقط كما عودتنا.العاشرة صباحا إنطلقت بنا العربة اللاندروفر صوب مريدي .قبل الغروب وصلنا البلدة الجميلة الوديعةحيث تخنق طرقاتها أشجار التيك والبلوط والمهوقني. يلامس السحاب سقوف المنازل، تغيب عنها الشمس أشهراً عديدة. روعة الطبيعة وبهاؤها.
2
الثاني من شهر رمضان الكريم، العام 1976م ،عصرا، يعلو صوت جوزيف إبن الزاندي طباخ الميز بحي
الموظفين شاب في مقتبل العمر، يقتحم الدار بدت كل أهوال الدنيا وأحزانها على محياه. خير إن شاء الله. إبتدره رئيس الميز. تفحص وجوهنا. إعتراه شئ من الأمن والاطمئنان .السلام عليكم. تفوه بها. لكنها خجولة، تعترضها غصة في الحلق. أنا متحرك من أنزارا إلي جوبا لأسعف أخي المريض. فاضت روحه قبل دخوله مريدي. لا حول ولا قوة إلا بالله...إننا لله وإنا إليه راجعون.
الموت الزؤام في كل مكان. في كل دار.
3
التاسع من رمضان يدخل دارنا هذا الضيف الكريه دون إستئذان. محمد فضل المولى و االرشيد أحمد طريحا
السرير الأبيض بالمستشفي. دكتور عابدين خيري يطمئن الجميع إنها الملاريا. يا ليتها. هي منا ونحن منها. عرفتنا وعرفناها. عركتنا وعركناها. فوالله لهي أرحم بنا وأعطف من هذا الداء اللئيم. التعب، الحمى والصداع و آلام المفاصل والعضلات والبطن و فقدان الشهية و القي والإسهال. هذا ما ظهرمنها. ما خفي
أعظم. كل هذا علي جسم من العظم واللحم. والله إنه حمل لتنوء به الجبال الراسيات.
الوصفة المعروفة. جرعات الكلوروكوين. لا إستجابة للعلاج. الحرارة عاليةجداً جاوزت قراءاتها حد الخطر
تهري هذه الأجسام تحيلها في أيام قليلات كأنهم مرضى السنين الطوال. اليوم السادس نزيف من الأنف. اليوم السابع نزيف من الحلق. اليوم الثامن والتاسع قي وإسهال.
الى جوبا. تم أخلاؤهما بطائرة احد المنظمات الدولية. محمد قضى نحبه قبل أن يصل المستشفي. إنتظر الرشيد إلى اليوم التالي. توسدا ثرى جوبا. بلغنا الخبر. كان سعيد عبدالغني بالمستشفي. كتمناه عنه. مضى سعيد إلى ربه وضع تحت أطباق تراب مريدي وهو لا يدري بما لحق بزميليه.
الزمان لم يعد الزمان و المكان لم يعد المكان. مريدي السمحة غدت طرقاتها باردة. الوجوه شاحبة و القلوب دامية وقاسية. الميز ذلك الوالد الحنون والأم الرؤوم أضحى كطائر البوم نذير بؤس وشؤم. هجره الجلابة وأفراد الحامية. لم يعد محط رحال التجار والسابلة حتي جيمس )طباخ الميز).
4
الدار موحشة .الكل منكفئ على وجهه ينهنه بقلب صديع، لا قريب ولا وجيع.
زميلي المهندس ابن الدفعة ينزع نفسه نزعا من فراشه. يتوجه نحو الدولاب .يكتفي بما وصلت له يداه يحشوه قسرا في بطن حقيبته . يدس قدميه في الحذاء و ينسل من الدار في حركة ذاتية تدفعه شمالا إلى قريته أبو فروع شمال مدينة الحصاحيصا. في شمال الجزيرة.ما أنت بملوم ولاتثريب عليك أخي محمد سعيد فالموقف يستدعي ذلك. نفسي، نفسي. يالها من دنيا فانية.عندما توافدنا على هذا المدينة كان اللقاء حميما وحارا و الان غد الفراق باردا كلوح الثلج حقا اللقاء ليس إلا بداية لفراق.
5
حالتك تستدعي أن ترافقنا إلى جوبا يا دكتور فالموت عند عتبة دارك .إنتبه لنفسك. لا، كان ردا سريعا وبإصرار .سأبقى هنا وحتى النهاية .إما التغلب على الداء أو السقوط. دعك من أخلاقيات مهنة الطب والواجب المهنة و النبل والمروءة والشهامة فهي صفات لا يتعلمها الإنسان في مدرسة أو جامعة و
ليست لها مذكرات أو مراجع .هي تراكم إنساني من الممارسة بل أحسبها جينات في الخريطة الحيوية لدكتورعابدين خيري .فقد عرفته ونحن طلبة في مدرسة بورتسودان الثانوية. زد، وقتها، انه كان الطبيب الوحيد في المستشفي فزميله دكتور أزايا تم إنتدابه لمستشفى أنزارا. دكتورعابدين أبلغ السلطات خاطب و المنظمات و لا أحد يستجيب. أمرغريب ومريب ؟!!!.
لست طبيبا .أسأل مجربا. أعلم يقينا أن ما يفتك بجسده ليست الملاريا؟!!
ثم يممت صوب الخرطوم مقتفيا اثر ابن ابوفروع. حثني الاهل على مقابلة الطبيب. أم درمان شارع الأربعين عيادة الدكتورعابدين أحمد شرف استشارى امراض الجهاز التنفسى والصدر. عابدين!!! يا ترى تشابه الأسماء؟ التذكرة رقم 7 .تشكو من شنو؟ الحقيقة يا دكتور أنا جاي من مريدي .تسمر .لا أدري الكرسي ام الطبيب ام الإثنان معا ؟ وضع السماعة جانبا...إذن تعرف دكتور عابدين خ... قاطعته نعم الرجل ونعم الطبيب. بل كان نعم الرجل ونعم الطبيب. تم إخلاؤه من مريدي للقسم الجنوبي بمستشفى الخرطوم .فات الأوان .واريناه الثرى صباح هذا اليوم .أذن انتهت المقابلة يا دكتور .مع السلامة.
6
امثال عابدين خيري يتم تكريمهم بمستوي يليق بهم تقام لهم التماثيل والنصب. أهيب وأناشد وزارة الصحة و نقابة الأطباء ان يخلدوه بإطلاق اسمه على مؤسسة علاجية أو تعليمية بدلا من ان يكون على لوحة صغيرة باهتة لعنبر من عنابر مستشفى المناطق الحارة بأمدرمان.
5. و للادب سهم في توثيق ايبولا مريدي: رواية الدكتور امير تاج السر (ايبولا 76) تستلهم اجواء وباء مريدي
العمل الادبي الوحيد الذي استلهم مجريات وباء ايبولا 1976م في غرب الاستوائية هو الرواية التي الفها الدكتور امير تاج السر في عام 2012م باسم ايبولا 76، في 144 صفحة، و نشرتها دار الساقي في بيروت. و سوف تبذل دار دراف الانجليزية قريبا ترجمة انجليزية لها. الدكتور تاج السر طبيب تخرج؟؟؟؟؟ و هو من مواليد بورتسودان و هو يعمل حاليا طبيبا في دولة قطر. و له بجانب هذه الرواية اعمال اخرى مثل سيرة الوجع و رعشات الجنوب و عطر فرنسي و صائد اليرقات و 366 و اشتهاء. ترجم بعضها لعدة لغات عالمية. ننوه الى ان المعلومات الواردة في هذا المقال قد رواها المؤلف بنفسه في حوار مع قناة سكاي نيوز الفضائية في اكتوبر 2014م
يقول تاج السر ان فكرة الرواية ساورته في مطلع التسعينات حيث قابل في عيادة طرفية في مدينة بورتسودان طبيب جنوبي كان حاضرا في مريدي ابان حدوث وباء الحمى النزفية و حكى له عن اجواء الرعب التي سادت المدينة و عن وفاة عدد كبير من ممرضي مستشفى مريدي اضافة لطبيب شمالي كان يديرها. بطل الرواية هو عامل جنوبي يذهب الى جمهورية الكونقو لاغراض (غير برئية)، فاصيب بالمرض هناك و عاد بعدها ليكون اول مريض بالوباء الغامض حينها. هذه المعلومة واقعية حدثت فعلا و بنى عليها المؤلف احداث روايته.
اتبع المؤلف اسلوب الكوميديا السوداء المفعم بالسخرية في بعض جوانب الرواية. من ذلك حادثة عازف الجيتار الكفيف الذي حضر للمنطقة لاحياء حفل فاصيب بالوباء! و هذا التكنيك يعكس تمكن المؤلف في اضفاء تنويعات على الاجواء الماساوية لرواية ثيمتها الرعب و الموت. تعامل المؤلف اثناء كتابة الرواية كروائي و ليس كطبيب و ان لم ينف ان خبراته الطبية قد افادته في معرفة طبيعة المرض. كما ان تاثره الشديد برواية زميله و مريضه الجنوبسوداني قد اقنعته باختيار هذا المرض كموضوع لروايته بدلا من امراض منتشرة بشدة في موطنه الساحلي مثل الملاريا و ضربة الشمس. و المدهش انه على كثرة اوبئة السودان و امراضه فان هذه هي المرة الاولى التي يكون فيها المرض حاضرا بقوة في عمل ادبي سوداني على حد علمي.
صدرت رواية ايبولا 76 قبل عامين كاملين من حدوث وباء ايبولا الحالي في غرب افريقيا. هنا تظهر عبقرية المؤلف و قدرات الادب في التنبؤ و الاستقراء خصوصا ان العهد قد طال بالاطباء من اوبئة الايبولا و يكاد نسيه الناس و اهل الطيب. و يقول المؤلف الطبيب انه كتب الرواية و كانه يشاهد ما يحدث اليوم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.