إذاعة إسرائيلية: وفد إسرائيلي زار السودان لبحث عملية التطبيع .. تقرير يكشف تشكيلة الوفد الإسرائيلي    اختصاص القضاء الجنائي الدولي بقضية دارفور .. بقلم: ناجى احمد الصديق    ترتيبات لاستئناف رحلات البواخر بين حلفا والسد العالي    الإعلان عن عودة الشركات الأمريكية للاستثمار في قطاع السكك الحديدية بالسودان    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    شُكراً حمدُوك!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    بروف نمر البشير وعبدالرحمًن شلي و كوستي الولود .. بقلم: عواطف عبداللطيف    المريخ والهلال يفوزان ويؤجلان حسم لقب الدوري    يوميات محبوس (7) .. بقلم: عثمان يوسف خليل    تحرير الوقود من مافيا الوقود قبل الحديث عن تحرير أسعار الوقود .. بقلم: الهادي هباني    العَمْرَةْ، النَّفْضَةْ وتغيير المكنة أو قَلْبَهَا جاز .. بقلم: فيصل بسمة    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    شخصيات في الذاكرة: البروفيسور أودو شتاينباخ .. بقلم: د. حامد فضل الله /برلين    عن القصائد المُنفرجة والمُنبهجة بمناسبة المولد النبوي الشريف .. بقلم: د. خالد محمد فرح    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    ظلموك يا حمدوك ... وما عرفوا يقدروك! .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    التحالف باليمن: وصول 15 أسيرًا سعوديًا و4 سودانيين آخرين إلى الرياض    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    هيئة مياه الخرطوم تكشف عن تدابير لمعالجة ضائقة المياه    الحمي النزفية في الشمالية.. بقلم: د. زهير عامر محمد    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أمْ بَحَتَيْ: (مَا لِدُنْيَا قَدْ عَمِلْنَا)! .. بقلم: كمال الجزولي
نشر في سودانيل يوم 08 - 06 - 2020

د. إبراهيم البشير الكباشي سفيرٌ من جيلنا، كان، ذات يوم بعيد، طفلاً في بادية الكبابيش، وثَّق لسيرته وسط أهله العرب الرُّحَّل، في كتابه الباتع «منازل الظَّعائن»، ومن بين ما هزَّتني منه مشاعر قويَّة أبكتني مرَّتين؛ الأولى حين روى أنه، بعد امتحان العبور للمرحلة المتوسِّطة، لم يكن يملك رفاهيَّة أن يقضي عطلة هانئة بانتظار ظهور النَّتائج، فقد كان عليه الالتحاق بأهله في المرحال، لذا لم يمكنه أن يعرف، إلا بعد وقت طويل، وبحث مضنٍ، وأسفار منهكة قضاها مرتدفاً خلف والده على ظهر جملهما، أنه تمَّ قبوله بمدرسة الأبيِّض الصِّناعيَّة التي بدأت الدِّراسة قبل ذلك بشهر. ولمَّا لم يكن المساق الصِّناعي ليرضي طموحه، انفطر قلبه الصَّغير بالأسى، فأشفق عليه أحد خيار معلميه، فعرض عليه أن يدرِّس له المنهج الأكاديمي، يوميَّاً، بعد نهاية الحصص الصِّناعيَّة! فانقشع الحزن عن العيون الطفلة وهي تبصر ذبالة الطموح تلمع في آخر النَّفق. وبعد أربع سنوات أمكنه، بالفعل، أن يجلس لامتحان الشِّهادة المتوسِّطة على المساقين في آن واحد: الصِّناعي، من المدرسة، والأكاديمي من «منازلهم»، واجتازهما معاً في ما يشبه الإعجاز! وواصل تدرُّجه في المستوى الثَّانوي، فالجَّامعي، وما فوق الجَّامعي، ثمَّ التحق بالخارجيَّة، وأضحى سفيراً، ومفكِّراً، وكاتباً يُشار له بالبنان، على حالَي الاتِّفاق والاختلاف!
وأبكاني، ثاتية، خلال حكاياته تلك عن معاناته، بحثاً في عرصات البادية، عن جهاز راديو يسمع منه نتيجته، إذ أن البادية كلها لم يكن بها سوى جهاز راديو واحد في كنتين ناءٍ لأحد الشَّناقيط! فجعلني أخلع طاقيَّتي، خجلاً، لمَّا تذكَّرت كمَّ الرَّاديوهات التي كانت في بيوتنا، نحن أبناء الطبقة الوسطى الأم درمانيَّة، وكمَّ المدارس التي كانت تعجُّ بها المدينة، بل كلُّ حيٍّ فيها، وأوقات الفراغ ومصابيح الكهرباء تيسِّر، جميعها، الدُّروس الخصوصيَّة، والمذاكرة، مقابل ما تركنا له من ظلام شامل، وفرص شحيحة، وكيف قضينا تلك العطلة في اللهو، والمرح، والسِّباحة، والسِّينمات، وكرة القدم، بينما قضاها طفل الكبابيش الذَّكي يطوي الفلوات، طيَّاً، على ظهر جمل والده، ليعرف ما إن كان سيتاح له الانطلاق إلى أعلى، أم سيقضي باقي عمره في قيد المرحال! و.. تذكَّرت، على الفور، عبارة لعبد الخالق في إحدى ندواته، قال: «كم بائع ترمس في بلادي يشعُّ الذَّكاء من عيونه، لكن تنكُّب الأحزاب الرَّجعيَّة طريق التَّنمية حرمه من المستقبل الذي يستحقُّه»!
الثُّلاثاء
أعجب ما في التَّمظهرات الطبقيَّة خلال ثلاثينيَّة النِّظام البائد، ليس، فقط، نهب الإسلامويِّين المباشر لثروات البلاد، فذاك طبيعيٌّ بالنِّسبة لنظام قام، أساساً، على النَّهج الكليبتوقراطي «اللصوصي»، بل العجيب، حقَّاً، حسب ما كشفت عنه لجنة التَّفكيك، أسلوب ممارستهم لتلك «السَّفسفة» على طريقة «أم بَحَتَي»، أي العزق من أعماق الجِّذور، بلغة مزارعي غرب السُّودان، فأولئك الحراميَّة لم يكونوا يتركون خلفهم ولو «فتفوتة» مِمَّا «يسفسفون»، فلا شئ يملأ أعينهم سوى التَّراب، بدليل الأراضي المهولة التي نهبوها بصورة تفتقر حتَّى للمعقوليَّة، دون أدنى ذكاء يجعلهم يتحسَّبون ليومٍ يُساءلون فيه عن مصادر ملكيَّتها!
أكثر هؤلاء الحراميَّة أقارب المعزول، رحماً ونسباً، مِمَّن كانوا، إلى وقت قريب، محض مدقعين، يغادرون، من دغش الرَّحمن، بيوتاً كالكهوف، ليسلخوا نهاراتهم يكدحون، بأقدام مشقَّقة، وثياب بالية، يبيعون البَيض على طاولات متهالكة بأسواق الضَّواحي النَّائية، أو يركضون به على أرصفة محطات القطارات تحت أشعَّة الشَّمس المحرقة! فأنَّى لهم أن يستغنوا، فجأة، بعد إدقاع؟! متى غادروا الكهوف ليجاوروا سرايات القادة، والدِّبلوماسيِّين، ورجال الأعمال، وكبار العسكريِّين؟! كيف تسنَّى لهم امتلاك البساتين الغنَّاء، والجِّنان الفيحاء، تحيط بالقصور الفاخرة، والبروج المشيَّدة، يتطاعمون الهنيء، ويتساقون الصَّافي، ويمتطون الفاره، ويتزيُّون بالقشيب، ويرفلون في الدِّيباج، ويفترشون الحرير، بينما المعزول ينظِّر، ويطرب، ويرقص على هتافهم المشروخ، مصدِّعين به رؤوس الخلق: «ما لدُنيا قد عملنا»!
وكان المعزول قد قال، لا فُضَّ فوه، في حوار مع قناة الجَّزيرة، بالأربعاء 14 نوفمبر2007م: «أتمنَّى أن أكون الرَّئيس السَّابق»، يعني أن تنتهي رئاسته بشكل طبيعي، مضيفاً: «شرعت في إنشاء منظمة خيريَّة أواصل بها العمل العام»! هكذا، فجأة، اكتشف «سيادته» أنه لا خالد ولا مخلد، إنما محض صلصال من حمأ مسنون مصيره إلى زوال عن المنصب، بل وعن الحياة ذاتها! فليت حاشيته كفَّوا عن تقبيل التُّراب تحت قدميه، استعطافاً له كيلا «ييتِّمهم» من بعده، وليت معارضيه زيَّنوا له، من جانبهم، أمنيته الجَّهيرة تلك! صحيح أنه ما كان سيصبح، بعد تنفيذها، مرشَّحاً للمنافسة على «جائزة مو للحكم الرَّاشد»، كونها قاصرة على الرُّؤساء الأفارقة الذين ينقشعون عن السُّلطة ديموقراطيَّاً، بعد أن يكونوا تسنَّموها ديموقراطيَّاً، رغم أنني لا أفهم الحكمة من ذلك التَّخصيص، ورغم أن الجَّائزة نفسها بخسة لا تزيد عن خمسة ملايين دولار! غير أن المخلوع كان، على أيَّة حال، سيكون مستحقاً لجائزة أقيم، هي دخول التَّاريخ من أوسع أبوابه، خصوصاً إذا أودع شيكاً بجملة ما نهب، هو، وأهله، وأتباعه، من ثروات البلد!
الأربعاء
أعادتنا رُوزنامة سلفت، عام 2013م، إلى كلمة هاملت الشَّهيرة «ثمَّة خطأ ما في مملكة الدَّنمارك»! فقد كان بمستطاع المتأمِّل في الأزمة السُّودانيَّة، آنذاك، وضع يده على كلمة السِّر في تطاولها، إذا لم يقصر نظره على جبهة الحكم، وأولى اعتباراً، بالمقابل، لجبهة المعارضة المتمثِّلة، وقتها، في «تحالف الإجماع السُّوداني»! فرغم أن السُّلطة الإسلامويِّة كانت عقدة هذه الأزمة، إلا أنه كان من الغفلة التَّعويل، لأجل سقوطها، على «تآكلها» الذَّاتي! قد يجوز هذا في "الطبيعة"، حيث الثَّمرة النَّاضجة، إن لم تمتدُّ إليها يدٌ تقطفها، تسقط من تلقاء نفسها، لكنَّه غير وارد في «السِّياسة»! فالأزمات قد تنخر، حدَّ التخثُّر، في نظام ما، ومع ذلك، إنْ لم تسقطه معارضة فاعلة، يبقى متشبِّثاً بغصن السُّلطة إلى يوم يبعثون! فالمعارضة الفاعلة هي «دابَّة الأرض» التي مضغت «منسأة» سليمان، فتداعت جثته بعدما ظلت تستند إليها آلاف السَّنوات! العامل الرَّئيس، إذن، ليس مِنعة النِّظام، بل تماسك المعارضة. ولو كان إطارها «حزباً» لهان الأمر شيئاً؛ إذ بالمقارنة مع «التَّحالف» يعتبر «الحزب» أسلس قياداً، كمنصَّة تنظيم لطاقات التَّعبير عن مصالح طبقة اجتماعيَّة باتجاه تحقيق أهدافها التَّاريخيَّة. لكن، ولأنَّ تطوُّر المجتمعات ليس صعوداً سلساً تواتيه الرِّيح، بل غالباً ما تعترضه المهابط الزَّلِقة، فإن القوى السِّياسيَّة قد تجد نفسها محتاجة، في سبيل الإقناع بجدارتها، لمنصَّات «تحالفات» تعينها على الفعل السِّياسي. فالسُّؤال: لئن كانت فاعليَّة منصَّة «التَّحالف»هي العنصر الحاسم في جدواها، فإلى أيِّ مدى كان هذا العنصر متوفِّراً لدى «تحالف الإجماع السُّوداني»؟!
للإجابة، تلزمنا، في البداية، ولو خطفاً، كلمتان عن المحدِّدات المفاهيميَّة لتقنية «التَّحالفات»؛ فجدلها ينهض على تأكيد الحركة والتَّغيُّر، ونفي السُّكون والثَّبات. لكن «التَّحالف» ليس زواجاً كاثوليكيَّاً، فهو يوجد لينقضي! والمحكُّ طاقةُ قواه الأساسيَّة على عدم الغفلة عن التقاط هاتين اللحظتَين التَّاريخيتَين! فكنموذج للحظة المناسبة ل «فضِّ التَّحالف»، يسطع في الذَّهن قرار الحزب الشِّيوعي أواخر 1962م – مطالع 1963م، بالانسحاب من التَّجمُّع المعارض، بقيادة الإمام الصديق، لنظام عبود، عندما أخذ في التَّراجع، عقب وفاة الإمام في خواتيم 1961م، عن خطة الإضراب السِّياسي والعصيان المدني، فضلاً عمَّا بدأ يسبِّبه من خلط بينه وبين «الجَّبهة الدِّيموقراطيَّة» (ثورة شعب؛ ص 258 - اليسار السُّوداني في عشر سنوات؛ ص 407). لقد أتاح ذلك الإنسحاب، في الظرف الجَّديد، فرصة ليتمايز طرح الشِّيوعيِّين والدِّيموقراطيِّين، عن طرح القوى التَّقليديَّة، بما رفع الحرج عن الأخيرين بشأن البرامج والأساليب، وحرَّر الأوائل من مواقف لم تعُد جديرة، في رأيهم، بالتَّعبير عنهم، مِمَّا هيَّأ لهم التَّفرُّغ لتكريب «تحالفاتهم» الاستراتيجيَّة التَّاريخيَّة، عشية ثورة أكتوبر 1964م، في مستوى «جيش القوى الثوريَّة المتَّحد من العمَّال، والمزارعين، والطلاب، والمثقَّفين الثَّوريِّين» (المصدر؛ ص 409). أما نموذج الغفلة عن رصد تلك اللحظة التَّاريخيَّة، كفعل قصدي يحول دون صيرورة «التَّحالف» عائقاً أمام تطوُّر النَّشاط الجَّماهيري، فهو مآل «التَّجمُّع» الذي تكوَّن عقب الانقلاب الإسلاموي! فبعد الدُّخول المنفرد للحركة الشَّعبية في «مفاوضات نيفاشا»، أضحى ذلك «التَّحالف» يتهاوى ويتخبط، كشاحنة في منحدر، مِمَّا كان يستوجب التَّعجيل بفضِّه بحسم. لكن ذلك لم يحدث، ربَّما بحكم تلقائيَّة العُشرة، حتَّى عادت القيادات من المنافي وليست في حقائبها إفادة واضحة عن «مآل التَّجمُّع»! ولا نحتاج للتَّذكير بتبضُّع البعض، باسمه، في أسواق نخاسة الاستوزار، رغم أنه لم يعُد له وجود أصلاً! ولعلَّ من أقوى دلائل تلك الوضعيَّة الشاذَّة أنه لم يوجد من يستطيع، ضمن قيادته، أن يجزم بالكيفيَّة التي انقضى بها!
ولمقاربة سؤال فاتحة مقالتنا هذه، ربما تكفينا مواقف لمفردات «الإجماع» المتصادمة، وعلاقاتها المأزومة:
1- في 2011م تجهَّم الإمام «حليفه» الترابي بأنه "ساقط وشايل قلمو يصحِّح!" (الاتِّحاد الإماراتيَّة؛ 20 مايو2011م).
2- وإزاء تخبُّط «الإجماع»، في عقابيل إبرامه ميثاق «الفجر» بكمبالا، مطلع يناير2013م، شنَّ عليه إبراهيم الشَّيخ، عضو هيئته العليا، هجوماً عنيفاً، واصفاً مواقفه ب «المأزومة» و «المخزية»، ومؤكِّداً أن فكرته «خرجت من داخل اجتماعاته»! (آخر لحظة؛ 19 يناير 2013م).
3- وضمن ذلك المشهد تبرَّأ حزب البعث من الميثاق باعتباره "غير توافقي" و"غير إجماعي"!
4- وهدَّد المؤتمر الشَّعبي بالانسحاب من «الإجماع» إن لم يتبرَّأ من الميثاق (السَّوداني؛ 12 يناير 2013م)، متحجِّجاً بأن في «إعادة هيكلة الدَّولة إلى أقاليم تمزيق للسُّودان» (المجهر؛ 8 يناير 2013م)؛ علماً بأن الخطة ضرب من «الفيدراليَّة» التي كانت تبنَّتها حركة التُّرابي عقب انتفاضة أبريل 1985م، وأعادت موافقتها عليها في يونيو 2012م، ضمن التزام «برنامج الإجماع» ب «إلغاء الحكم الاتِّحادي وإعادة هيكلة نظام الدَّولة بما يحقِّق ديموقراطيَّة حقيقيَّة»!
5- واعترض الشَّعبي (المصدر نفسه)، وحزب الأمة (بيان مكتبه السِّياسي، 7 يناير 2013م)، على «فصل» الدِّين عن الدَّولة/السِّياسة، رغم أن الفكرة مدرجة، بموافقة حزب الأمَّة، ضمن «مقرَّرات أسمرا؛ 1995م»؛ مثلما سبقت للحزبين الموافقة، في «برنامج الإجماع»، على «دولة مدنيَّة ديموقراطيَّة تتأسَّس على المساواة، وأن الشَّعب مصدر السُّلطات، وأن المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وأن الحكومة الانتقاليَّة تتقيَّد باحترام واقع التَّعدُّد الثَّقافي والاجتماعي، وبعدم استغلال الدِّين في الصِّراع السِّياسي أو الحزبي»!
6- وفي7 يناير 2013م احتفى الحزب الشِّيوعي ب «الفجر الجَّديد» ك «خطوة متقدِّمة لتوحيد المعارضة، وإيقاف الحرب، واستدامة السَّلام»؛ مؤكِّداً «أنه سيخضع للمراجعة قبل توقيعه نهائيَّاً من قادة الأحزاب والقوى المسلحة». لكن «الميدان» لم تشر إلى «المراجعة»، بل وصفت الميثاق، بصورة مطلقة، بأنه «بداية عهد جديد لإسقاط النِّظام، ورؤية سياسيَّة هادية ومرشدة، ودلالة على وطنيَّة عالية، ورغبة أكيدة في العمل المشترك» (8 يناير 2013م)، قبل أن تعود لتستدرك، في اليوم التَّالي (9 يناير 2013م) بأنه ما زال «مشروعاً قابلاً للتَّعديل بالحذف والإضافة قبل توقيعه من رؤساء الأحزاب»!
7- وأعلن المهدي أن «الإجماع» يعاني من علل هيكليَّة وبرامجيَّة، مِمَّا وسَمَ أداءه بالضَّعف الإعلامي والجَّماهيري (الشرق؛ 19 فبراير 2013م)؛ فضلاً عن أن غالبيَّة مفرداته «ضعيفة ومتعبة» (الحياة؛ 16 أبريل 2012م).
8- وتجاوز حزب الأمَّة العمل الجَّماعي، فبرغم القرار «الإجماعي» بعدم محاورة النِّظام إلا بعد تهيئته لمناخ التَّحوُّل الدِّيموقراطي، كشرط لجماعيَّة الحوار، أعلن المهدي «استعداده للَّتفاوض معه على الدُّستور» (سودان تريبيون؛ 7 مارس 2013م).
9- وتفاقمت مشاحنات المهدي مع أبو عيسى، رئيس «الإجماع»، لدرجة الدَّعوة لتغييره، والاستهزاء بأنه «ما شادِّي ليهو حَلَّة!»، داعياً للتَّمييز بين «حطب الطرور والصَّندل!» (المجهر؛ 19 فبراير 2013م).
10 ونظم حزب الأمَّة، بداره، مساء 8 أبريل 2013م، «لقاءً تشاوريَّاً حول الوضع السِّياسي»، خاطبه الإمام راصداً عشر نقاط طلب تداولها، ووعد بتجديد اللقاء بعد ثلاثة أسابيع للتَّقرير بشأنها، حيث بدا كما لو أنه أراد خطف زمام المبادرة من «الإجماع»! لكن الزَّمن انقضى ولم يُجدَّد اللقاء!
11 وطرح «الإجماع»، مطلع يونيو 2013م، خطة مائة يوم لإسقاط النِّظام، فسارع الإمام إلى سكب سطل من الماء المثلج عليها، طارحاً خطة أخرى، تبدأ بتوقيعات، وتنتهي باعتصامات، نافياً مشاركتهم في إعداد خطة المائة يوم، رغم تأكيد «الإجماع» لتلك المشاركة! لكن ناطقهم سكب، هو الآخر، سطل ماء مثلج على مسألة «إسقاط النِّظام»، موضِّحاً أن «المقصود ليس الإسقاط بنهاية المائة يوم، وإنما توحيد خطاب المعارضة، واستكمال هياكلها، ووضع ترتيبات لما بعد الإسقاط»! (الأهرام اليوم؛ 13 يونيو 2013م).
12- ووصف الإمام بعض «حلفائه» ب «الشُّموليَّة»، بل وشكَّك في «وجود معارضة من الأساس!» (سودان تريبيون؛ 7 مارس 2013م)؛ وعاب على «الإجماع» صيرورته «مَضْحَكَة»، ملوِّحاً بقدرات حزبه على التَّحرُّك الفردي (المجهر؛ 07 مارس 2013 م). وربَّما بأثر مثل هذا الهجوم طالب البعث العربي الاشتراكي، في 21 فبراير 2013م، بتعليق عضويَّة حزب الأمَّة في «التَّحالف» (المصدر نفسه).
13- وفتح المهدي النَّار على أبو عيسى، قائلاً إنه «يكنُّ غيرة وحسداً للحزب وقيادته!»، وغامزاً قناته ب «التَّنقُّل بين المواقف، وتدبير الانقلابات، ودعم الشُّموليَّات… إلخ» (شبكة الشُّروق؛ 16 مارس 2012م).
14- واتَّهم المهدي «حلفاءه» باللجوء لتحالفات ثُّنائيَّة لتسوية خلافاتهم (المصدر؛ 16 مايو 2013م)؛ متناسياً اتِّفاقه الثُّنائي، هو نفسه، مع التُّرابي، بوساطة كامل إدريس، لإعادة هيكلة «التَّحالف»، وترشيح المهدي رئيساً للفترة الانتقاليَّة (الخليج؛ 6 فبراير 2013م).
15- وقد اعتبر الحلفاء، على أيَّة حال، جملة تصريحات المهدي محض مهاترات تخدم السُّلطة (التيار؛ 14 مارس 2012م).
معارضة التِّظام البائد شكَّلت خيار معظم القوى السِّياسيَّة. لكن، على حين لم تمت جذوتها، فإن «الإجماع»، كشكل ل «تحالفها»، شبع موتاً، وراحت فرص «فضِّه»، وتكوين «تحالفات» بديلة، تتسرَّب من بين الأصابع! حدث ذلك، يومها، ل «التجمُّع»، لمَّا انقشع اهتمام المزاج الجَّماهيري حتَّى عن أخباره. لكنه جابه، بعدها، وضعاً مشابهاً، إذ انصرف مزاج الجَّماهير عن حلول «الإجماع» السِّياسيَّة، بينما أخذ اهتمامها يتزايد بأخبار جبهة الحلِّ المسلح! ولم يعُد ثمة أمل في استعادة ثقتها بجدوى الحلِّ السِّياسي إلا باتِّخاذ قرار شجاع ب «فضِّ» هذا «التحالف»، والبحث عن تحالفات أخرى تستجيب لمقتضيات التَّغيير، ومزاج الجَّماهير. أمَّا الشِّقاقات التي وسمت علائق «الإجماع» الدَّاخليَّة، كوصف المهدي ل «حلفائه» ب «الطَرور والكَرور… إلخ»، و«تخوين» هؤلاء له، بالمقابل، فليست سوى عرض لمرضٍ ضرب «الإجماع» في النِّخاع، ومظهرٍ ل «حراق روح» اعترى مفرداته، جراء استمرارهم في «تحالف» لم يعد مناسباً لتوحيد حراكاتهم، أو تنسيق خياراتهم!
الخميس
في عموده اليومي المقروء «بشفافيَّة»، على أخيرة «الجَّريدة»، وتحت عنوان «التُّرابي وكمال الجزولي ومحاورات قوش»، أعاد أخي الأستاذ حيدر المكاشفي نشر حكاية حدثت لي، عام 1992م، في إحدى زنازين بيت الأشباح الشَّهير، الكائن على مقربة من مبنى سيتي بانك بالخرطوم/1. أصل الحكاية أنني كنت هناك، برفقة الحاج مضوِّي، ومرغني عبد الرحمن، ومحمَّد وداعة، وفاروق احمد آدم، وآخرين، كلٍّ رهين حبس انفرادي، يتوسَّد أرضيَّة حجريَّة لزنزانة خرصانيَّة بالغة الضِّيق، ومغلقة على مدار السَّاعة. وذات ليلة كان الوقت يترنَّح قبل أوَّل الفجر، حين أطلَّت من كوَّة صغيرة، أعلى بابي الحديدي، ثلاثة وجوه إسلامويَّة زعمت أنها جاءت «تفاوضني» لاستوزاري، قائلين إن البلد تحتاج لكفاءات أبنائها جميعاً، بصرف النَّظر عمَّن يمسك بالسُّلطة! أيَّامها كان «الجَّماعة» محتاجين لأسماء يستوزرونها من خارج التَّنظيم، كي تساعدهم في إخفاء هويَّتهم!
للوهلة الأولى بوغتُّ، فندَّت عني ضحكة مبتسرة. لكن يبدو أنهم فهموا ضحكتي خطأ، كأنَّما استكثرت على نفسي عرضهم! فخاطبني مَن بدا لي أنه كبيرهم مستنكراً: «ألا ترى إلى فلان كيف أصبح وزيراً .. فلِمَ تقلِّل من شأن إمكاناتك»؟! إستفزَّني سوء الفهم، فألفيتني أقول له: «بالعكس .. أنا أعرف قدر نفسي، تماماً، ولا أحبُّ ادِّعاء التَّواضع الزَّائف! لكنني، الآن، في وضع لا يمكِّنني من الاختيار الحُر؟! فلو قلت نعم، لقلتم جبان، ولو قلت لا، لقلتم أحمق! فالأوفق إطلاق سراحي، أولاً، ليمكنني اختيار إجابة أطمئن إليها»! ضحكوا، وضحكت، كما لو اكتشفوا «استهبالاً» في كلامي، فانصرفوا، ولم يعودوا ثانية!
الجُّمعة
في ديوانه «الرَّحيل في الليل» قلب حبيبنا الرَّاحل أبو ذكرى عجز بيت أبي ماضي الشَّهير، ليضحى .. «كُنْ (قَبِيحَاً) تَرَ الوُجُودَ جَمِيلَا»!
السَّبت
هل يجوز الاحتجاج بأن الاتفاقيَّات والمعاهدات الدَّوليَّة التي يكون السُّودان طرفاً فيها هي مِمَّا يندرج، تلقائيَّاً، ضمن «العلم القضائى Judicial Notice» الذي لا يحتاج إثباته إلى بيِّنة، حسب نص المادة/3/14/د من قانون الإثبات لسنة 1994م، والتي تقرأ: «تأخذ المحكمة علماً قضائيَّاً بكلُّ .. الشُّؤون الدَّوليَّة والسِّياسيَّة المتَّصلة بعلاقات السُّودان الخارجيَّة»؟!
الإجابة على هذا السُّؤال لا تصلح بنعم أو لا! فهناك القاعدة القائلة بأن استصحاب المواثيق الدَّوليَّة من جانب القضاء يستوجب تقنينها، ابتداءً، من جانب المشرِّع، كي تندرج في إطار التَّشريع الوطني القابل للتَّطبيق، خصوصاً حين يتَّصل الأمر بالجانب الجَّنائي، وبالأخص جانب العقوبة. ولكن في مقابل هذه القاعدة ثمَّة تطبيقات قضائيَّة مغايرة لا تشترط التَّقنين الدَّاخلي!
وليس السُّودان وحده على هذا النَّهج. ففي القضاء الإنجليزي، مثلاً، هناك الممارسة التي لا تدرج المواثيق الدَّوليَّة، تلقائيَّاً، في التطبيقات القانونيَّة، لمجرَّد أن الدَّولة طرف فيها. وعلى صعيد هذا الرأي كتب اللورد ديننج: «إنني أعارض بشدَّة اعتبار الميثاق الدَّولي جزءاً من قانوننا. لا تكون المعاهدات والإعلانات الدوليَّة جزءاً من قانوننا إلا بعد أن يقنِّنها البرلمان I would dispute altogether that the convention is part of our law, treaties and declarations do not become part of our law until they are made" (Lord Dening, Civil Liberties Cases and Materials, 2end Ed., S. H. Bailey, D. J. Harris B. I. Jones. p. 5). وفي 1976م أيَّدت محكمة إنجليزيَّة قرار إدارة الهجرة البريطانيَّة برفض إلتحاق زوج أجنبي بزوجته المقيمة بالمملكة المتَّحدة، تأسيساً على المادة/8 من الميثاق الأوربى لحقوق الإنسان «حق الحياة العائلية Right to Family life»، لأن الميثاق المذكور غير مضمَّن في قوانين الهجرة بالمملكة المتَّحدة، حيث لم يقنِّنه البرلمان. وفى قضية السِّيناتور أوغستو بينوشيه يشير حكم مجلس اللوردات، في 23 مارس 1999م، إلى أن الالتزامات التي رتَّبتها «اتفاقيَّة مناهضة التَّعذيب» على المملكة المتَّحدة قد أُدرجت ضمن قوانين المملكة، بموجب المادة/134 من «قانون العدالة الجَّنائيَّة Criminal Justice Act 1988» الذى دخل حيِّز النَّفاذ في 29 سبتمبر 1988م. وقد استحدثت هذه المادَّة جريمة جديدة في المملكة، باتِّساق مع «ميثاق مناهضة التَّعذيب»، إذ، بموجبها، أصبحت كلُّ أفعال التَّعذيب، أينما ارتكبت، جريمة بموجب القانون الإنجليزي، وتُحاكم في المملكة «The Times: Law Report, March 25 1999».
وحتى لو استبعدنا المقارنة مع الفقه والتَّطبيقات القضائيَّة الأنجلوسكسونيَّة، فإنه من غير المتصوَّر، عقلاً، وبموجب هذا الرَّأي، أن يمتدَّ عمل قاضى الجَّنايات من العلم، مثلاً، ب «اتِّفاقيَّات جنيف الأربع المبرمة في 12 أغسطس 1949م» إلى أن يستخلص منها عناصر وأحكام «جرائم الحرب» و«الجرائم ضد الإنسانية»! وحتى لو فعل، فأنَّى له أن يقرِّر «عقوباتها»، إلا إذا أمكن اعتبار التَّشريع من ضمن عمل القاضي؟!
أمَّا فى السُّودان فقد طلب محامى الطاعنين دستوريَّاً في سابقة: «عبد الرحمن عبد الله نقد الله وآخرون ضدَّ جهاز الأمن العام 1998م»، تطبيق بعض النُّصوص من مواثيق حقوق الإنسان، فقرَّرت الدَّائرة الدُّستوريَّة بالمحكمة العليا الآتي: «حسنا فعلت هيئة الادِّعاء حين أشارت إلى العهود والمواثيق الدَّوليَّة التي تحمى حقوق المواطنين المدنيَّة، والسِّياسيَّة، والنُّصوص الدُّستوريَّة التي تحمي ذات الحقوق. وواقع الأمر أن الدُّول المختلفة درجت على تضمين محتوى هذه العهود والمواثيق المتعلقة بحماية الحريَّات والحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة في دساتيرها. وقد فعل دستور السُّودان نفس الشَّئ في المواد التي أشار إليها الادِّعاء. على أن تطبيق هذه النُّصوص يكون عن طريق القوانين الدَّاخلية، وهي، في هذه الحالة، قانون الإجراءات الجَّنائيَّة، وقانون الأمن الوطني، ولائحته» (مجلة الأحكام القضائيَّة، أحكام المراجعة والقضايا الدُّستوريَّة 1998/1995م، ص 157). يُستشفُّ من هذا الحكم أن الدَّائرة الدُّستوريَّة أخذت بمبدأ تضمين التَّشريع الدَّاخلي الالتزامات التي ترتِّبها المواثيق الدَّوليَّة المتعلقة بحماية الحريَّات والحقوق المدنيَّة حتى يمكن للمحاكم تطبيقها. على أن الحكم المذكور ألغى، في الأصل، حكماً كان قد صدر من محكمة الاستئناف بالخرطوم في قضيَّة: «على الخضر إبراهيم ضدَّ الخطوط الجَّويَّة التُّونسيَّة 1987م»، حيث كان قد تقرَّر التزام المحاكم السُّودانيَّة بتطبيق «معاهدة وارسو Warsaw Convention,1929»، و«بروتوكول لاهاي Dan Hag Protocol,1955» اللذين صادق السُّودان عليهما في عامي 1974م و1986م، حيث أخذت محكمة الاستئناف بالرأي الفقهي الذي ينادى بأن تكون المعاهدات، متى تمَّ عقدها وأصبحت نافذة، ملزمة للأطراف، وعليهم تنفيذها بحسن نيَّة. والنَّتيجة الطبيعيَّة لهذا المبدأ، كما رأت محكمة الاستئناف، صيرورة المعاهدة كالقانون الدَّاخلي، مِمَّا يقتضى إلزام القضاة بتطبيقها من تلقاء أنفسهم، وترجيحها على القوانين الدَّاخلية في حالة التَّعارض. وخلصت المحكمة إلى أن «معاهدة وارسو 1929م»، مقروءة مع «بروتوكول لاهاي» المعدِّل لها، تشكِّل جزءاً من قوانين السُّودان (مجلة الأحكام القضائيَّة 1987م، ص 305).
مهما يكن من شئ، فإن تطبيقات المعاهدات الدَّوليَّة، من حيث الرَّأي القانوني والقضائي، أبعد من أن توصف بالمحسومة، ومن ثمَّ فالإجابة ما تزال مثيرة للجَّدل!
الأحد
لمَّا دخل هولاكو، قائد المغول، بغداد، سنة 1258م، قصد قصر الخلافة، وأمر فأُحضر الخليفة العبَّاسي المستعصم أمامه، فقال له: «نحن ضيوفك، فقم بواجب الضِّيافة»! استولى على الخليفة إحساس خليط من الرُّعب، والدَّهشة، والذُّهول، فأخرج آلاف الثِّياب، والدناتير، والنَّفائس، والمرصَّعات، والجَّواهر، وقدَّمها هديَّة لهولاكو الذي لم يعر شيئاً منها اهتمامه، بل وزَّعها جميعها على حاشيته! ثمَّ قال للمستعصم: «هذه غنائم جنودنا، والآن إكشف عن الدَّفائن»! فاعترف الخليفة بوجود حوض سرِّي وسط القصر، فلمَّا حفروا، وجدوه مليئاً بالذَّهب الإبريز، كلِّ قطعة تزن مائة مثقال. فأمر هولاكو بحبس الخليفة، وحرمانه من الطَّعام! فلمَّا عضَّه الجُّوع استطعم حرَّاسه، فقدموا له، بأمر هولاكو، طبقاً مملوءاً بالذَّهب! فتساءل: «وهل يؤكل الذَّهب»؟! فردَّ عليه هولاكو: «طالما كنت تعرف أنه لا يؤكل، فلِمَ خزَّنته، ولمْ توزِّعه على جنودك ليذودوا لك عن مُلكك»؟! فردَّ الخليفة: «هكذا كان تقدير الله»! فقال له هولاكو: «وما سيجري عليك، الآن، هو، أيضاً، تقدير الله»! ثمَّ أمر به فقُتل، وقُضي على الخلافة العبَّاسيَّة!
***
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.