قناة الجزيرة تنشر أسرار الانقلاب على البشير.. كيف أصبح البرهان رئيسا بالصدفة؟ ولماذا أغلق حميدتي هواتفه؟    حميدتي: قطر تحاول تدمير المجلس العسكري والدعم السريع    دول "الترويكا" تعلن دعمها للوساطة الأفريقية بشأن السودان    خبير اقتصادي يحذر من مخاطر طباعة الفئات الكبيرة من العملة    "المهدي ": "الانتقالي العسكري" سيستمر في حكم البلاد    تعيين مدير جديد لهيئة المواصفات والمقاييس    "علماء" يرصدون "القُبلة" الأولى بين مجرتين كبيرتين    ضبط كميات من الأسلحة والوقود بولاية كسلا    أمم إفريقيا تتسبب في فشل بطولة الدوري الممتاز    اعتقال مهاجم منتخب السودان والمريخ سيف تيري يفجر الاوضاع    التاج إبراهيم : فوزنا على الهلال يعطينا دافعا من اجل الفوز بالنخبة    الصادق المهدي :نحن ضد التصعيد حتى يحدد العسكري موقفه النهائي    منح شركات مربعات جديدة للتعدين في الذهب بجنوب كردفان    تصريح من تجمع المهنيين السودانيين    ورشة المنامة .. استسلام وخيانة .. بقلم: جورج ديوب    بيان صحفي هام من المكتب الاعلامي للحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل    "صبي" يقتل عمه بالوادي الأخضر    في دوري النخبة: الهلال يفوز على أهلي شندي.. والمريخ يكسب هلال الأُبيّض    حصاد الجولة الأولى لأمم أفريقيا.. غياب التعادل السلبي وبطاقة حمراء    هواوي تتلقى “قبلة الحياة” من شركات أميركية    الدعم السريع: عناصر تتبع للحركات المسلحة تشوه صورة قواتنا    (315) مليون جنيه نصيب ولاية نهر النيل من عائدات التعدين    السودان: انخفاض معدلات التضخم في 2019    حملة لتطعيم أكثر من 168 ألف طفل بود مدني    ارتفاع صادر الصمغ العربي إلى 80 ألف طن    ترامب: "المصالح" مع السعودية أهم من قضية "خاشقجي"    السعودية: الحوثيون تعمدوا استهداف المدنيين بصاروخ إيراني    أميركا تطلق الجانب الاقتصادي لخطة السلام    عشرات الإصابات الجديدة بالحصبة بالولايات المتحدة    مدني تستهدف تطعيم 168,338 طفلاً    مشروعات ترفيهية جديدة بالساحة الخضراء بالخرطوم    تريند أفريقيا: سعادة عربية بنجاة المغرب وانتصار الجزائر    بومبيو إلى الرياض وأبوظبي    عقار يعالج فقدان الرغبة الجنسية لدى المرأة    محمد مرسي شهيد الانتخاب .. بقلم: د. مجدي الجزولي    سعر الدولار يقفز بتعاملات السوق السوداء برفقة اسعار العملات    الضفة الثالثة للنهر .. بقلم: عبد الله الشقليني    فيلسوف نزع الخوف (1): الذكرى التسعين لميلاد يورغن هابرماس .. ترجمة وعرض: د. حامد فضل الله / برلين    ما الذي أسرى بالبرهان من الشتم وعرّج به إلى الإذعان .. بقلم: عادل عبدالرحمن    وذرفتُ دمعاً سخيناً بميدان القيادة .. بقلم: صلاح الباشا/ الخرطوم    مشروع الشارقة الثقافي في إفريقيا    لزراعة تدشن نثر بذور أشجار المراعي بالنيل الأزرق    الشرطة: المواطن المقتول بابوسعد قاوم تنفيذ أمر قبض    أدبنا العربيّ في حضارة الغرب .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    مبادرة من "المهن الموسيقية" للمجلس العسكري    أين يعيش الطيب مصطفى . . ؟ .. بقلم: الطيب الزين    وفاة (3) أشخاص دهساً في حادث بمدينة أم درمان    اختراق علمي: تحويل جميع فصائل الدم إلى فصيلة واحدة    الصحة: 61 حالة وفاة بالعاصمة والولايات جراء الأحداث الأخيرة    61 قتيل الحصيلة الرسمية لضحايا فض الاعتصام والنيابة تبدأ التحقيق    عيدية حميدتي وبرهان لشعب السودان .. بقلم: الطيب محمد جاده    الصادق المهدي والفريق عبدالخالق في فضائية "الشروق" في أيام العيد    تعميم من المكتب الصحفي للشرطة    الشرطة تقر بمقتل مواطن على يد أحد ضباطها    "الشروق" تكمل بث حلقات يوميات "فضيل"    فنان ملخبط ...!    العلمانية والأسئلة البسيطة    الآن جاءوا ليحدثونا عن الإسلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





المرحلة التاريخية الانتقالية الماهية ، المداخل ، المهام و المُستصْحبات .. بقلم: بروفيسور: موسى محمد الباشا
نشر في سودانيل يوم 26 - 12 - 2015

لا جدال حول مصداقية القول بالارتباط الوثيق بين المرحلة الانتقالية و حركة مسيرة التاريخ ، لإعتبارأنَّ أحداثه تتحقق صيرورة وقائعها خلال حقب زمنية متتابعة تمثل المرحلة الانتقالية طورًا أو حلقة فيها في سياق تسلسلها الزماني ، وفقا لهذا السياق، سيتناول الباحث كمُدخل للحديث عن المرحلة الانتقالية التعريف أولا بالدلالة اللغوية و الاصطلاحية للتاريخ ، ثم يناقش بإيجاز طبيعة ماهية المشيئة الفاعلة المقرِّرة صيرورة وقائع أحداثه، و المحدِّدة لاتجاهات مسار حركته بغية الكشف عن هوية مشيئة القوى الفاعلة التي تتحكم في ، و من ثمَّ تحدِّد قِبْلة مسار المرحلة الانتقالية في أي بلد يمر بمنعطفها خلال مسيرته السياسية ، ثم يعرِّف بعدئذٍ بالدلالات اللغوية و الاصطلاحية لعبارة مرحلة انتقالية كطور تاريخي يتوسط حقبتين زمانيتين، حقبة سابقة عليها في الزمان و أخرى لاحقة عليها في التاريخ ، ثمَّ سيناقش بعد ذلك الآليات العملية التي هي بمثابة المداخل المفضية إليها، و يُعرِّف بعدئذٍ بالفعاليات التي تطلع بمسؤولية إدارة شؤونها، ثمَّ يُبيِّن أنماط مهامها الآنية العارضة و تلك التأصيلية الدائمة ، ثم سيناقش بإيجاز مفهوم العدالة الانتقالية كإحدىمُسْتصْحَبات المرحلة الانتقالية ، إليك بيان ذلك في تفصيل موجز وفقا للنسق التالي.

الدلالة اللغوية لعبارة التاريخ:
إنَّ الاسم المصدر التاريخ مشتق من الفعل الثلاثي أرخ الذي يفيد تعريف الوقت، يقول في هذا المعنى الرَّازي في باب أرخ من معجمه مختار الصحاح "التأريخ و التوريخ تعريف الوقت، و تقول أرخ الكتاب بيوم كذا و وَرَّخَه بمعنى واحد." هذا، قد وافق الرازي فيما ذهب إليه من معنى للتاريخ كل من ابن منظور و بطرس البستاني و السَّخاوي. على الرغم من تأكيد المعجميون على اشتقاق الاسم المصدر التاريخ من الفعل الثلاثي أرخ إلا أنَّ بعضهم قد شكك في عروبة منبته، فقد زعم الفيومي أنَّ عبارة التاريخ "اسم مُعرَّب ..." و قال بتقليد العرب المسلمون للأعاجم من أهل الكتاب في تدوين وقائع سيروراتهم التاريخية ، فكتب: " و اتفق الصحابة على ابتداء التاريخ من هجرة النبي (ص) إلى المدينة و جعلوا أول السنة محرَّم..." قد وافق ابن منظور الفيومي في مذهبه هذا. في ذات السياق نحى السَّخاوي منحى الفيومي فذكر في سفره الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التاريخ " أنَّ أبا منصور الجواليقي أشار في كتابه المُعرَّب من الكلام الأعجمي "يقال: أنَّ التاريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربي محض، و إنَّما أخذه المسلمون عن أهل الكتاب." في ذات السياق المُنكِر لعروبة عبارة التاريخ نسب عبد السلام السعيدي المفردة إلى بعض اللغات السامية بقوله "... و هي كلمة... تُعنِي الشهر في اللغات السامية القديمة كاللغة الاكدية، و اللغة البابلية و اللغة الآشورية."
مهما يكن من أمر عروبة أو عجمة عبارة التاريخ، فإنَّ البحث في الدلالة اللغوية للمفرد يمثل بطبيعة الحال مُدخلا منطقي إلى الحديث عن الماهية الاصطلاحية لعبارة التاريخ و التي ستكون محلا للنظر و الفحص في فقرات المطلب التالي.
الماهية الاصطلاحية لعبارة التاريخ:
إنَّ المفهوم الاصطلاحي العام للتاريخ عند السخاوي هو عملية تدوين "الأحوال من مولد الرواة و الأئمة
و وفاة... و حفظ و ضبط و توثيق و تجريح و ما أشبه... مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم و حالهم و استقبالهم... و غير ذلك من أمور الأمم الماضية..." في ذات سياق التعريف الاصطلاحي للتاريخ يقول عبد الرحمن بن خلدون "اعلم، أنَّه لمَّا كانت حقيقة التاريخ أنَّه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم و ما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش و التأنس و العصبيات و أصناف التقلبات للبشر بعضهم على بعض... و ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال."
تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ تعاريف بعض الموسوعات المعرفية للمعنى الاصطلاحي للتاريخ جاءت متسقة إلى حدٍّ ما مع التعاريف التي تقدَّم عرضها أعلاه، على سبيل النمذجة عرَّفتْ الموسوعة البريطانية معنى التاريخ
اصطلاحا بأنَّه "العلم الذي يُعْنىَ بدراسة مدونات الأحداث التي تتعلق بأمةٍ أو شعبٍ..." (نقلا عن الإنجليزية بتصرف) و قد قارب تعريف الموسوعة البريطانية المنوَّه إليها أعلاه التعريف الاصطلاحي لموسوعة و بستر العالمية للتاريخ بأنَّه "...سجل لوقائع أحداث سِير المجتمعات الإنسانية" (نقلا عن الإنجليزيةبتصرف).
هذا، من إعمال النظر في جوهر التعاريف المتقدِّم عرضها يصدق القول بأنَّها في مجملها لم تخرج عن دائرة حصر معنى الدلالة الاصطلاحية للتاريخ عن الإطار الوظيفي التسجيلي لوقائع أحداث السِّير التاريخية للبشرية في غابر الأزمان دون أنْ تتجاوزها إلى البحث في علل حدوثها من حيث دراسة ماهية القوة الفاعلة المُحْدِثة المُتسببة، الأمر الذي يستقيم معه الزعم بعدم تكامل تعريف الدلالة الاصطلاحية للتاريخ ذلك لعدم الكشف عن كنه ماهية طبيعة مشيئة الإرادة الفاعلة المُحرِّكة لوقائع أحداث التاريخ كانت قوة لاهوتية (غيبية - ما ورائية) أم ناسوتية . في فضاء فقرات المطلب التالي سيحاول الباحث تقديم إجابة عن التساؤل الذي يستعلم عن ماهية الإرادة الفاعلة المقرَّرة لصيرورة وقائع أحداث التاريخ ؟.
طبيعة الإرادة المقرِّرة لصيرورة وقائع أحداث التاريخ و الموجهة لمسارات حركته:
إنَّ الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي عرض و مناقشة آراء لثلاثة تيارات فلسفية و مذهبية - دينيةتباينت مواقفها من حيث القول بالمشيئة اللاهوتية مقابل الإرادة الناسوتية و موقف يزاوج بين المشيئتين، إليك عرض تفصيلي موجز لرؤية كل تيار وفقا للنسق التالي:
1- رؤية التيار الناسوتي :
ذكر الشهرستاني في سفره الملل و النحل "أنَّ المعتزلة...اتفقوا على أنَّ العبد قادر خالق لأفعاله، خيرها
و شرها، و مستحق على ما يفعله ثوابا و عقابا في الدار الآخرة..." و في سياق نسبة أفعال الإنسان لمشيئة إرادته الحرّة يستطرد الشهرستاني في قوله "أنَّ الجبائية و البهشمية...اتفقا على القول بإثبات الفعل للعبد خلقا و إبداعا...استقلالا و استبدادا." و يذكر أيضا بأنَّ فرقة الميمونية قالوا ب "إثبات الفعل للعبد خلقا و إبداعا."
إنَّ القول بأنَّ مشيئة الإرادة البشرية هي المقررة لصيرورة وقائع أحداث التاريخ يبدو جليا أيضا في طرح نظرية أرنولد تونيبي التحدي و الاستجابة المُفسِرة لحركة التاريخ، التي مفادها أنَّ قدرة الإنسان على كشف طبيعة و كم (حجم) التحديات التي تعترض كعقباتٍ مسيرة حياته (حضارته) و من ثمَّ إعمال عقله و وضع خطط نظرية قابلة للتطبيق، و حشد طاقاته و قدراته المعرفية و إمكانياته المادية و توظيفها بكيفية فاعلة تجعل من الاستجابة أمرًا ممكنا لمواجهة التحديات و تذليلها ثمَّ تجاوزها. إنَّ تلازم الإيقاع المطرد بين التحدي (الفعل) و الاستجابة (رد الفعل) تصدر عنه حركة دائبة متواترة تجسِّد استمرارية عملية حركة التاريخ المتراكمة الأحداث التي تشكل في بعديها المحسوس (المادي) و المعقول السيرورة التاريخية للحياة البشرية. في ذات السياق أكد كارل ماركس على فكرة أنَّ مشيئة الإرادة الإنسانية هي العامل و الفاعل المحرك لتروس عجلة ماكينة التاريخ و الصانعة لأحداثه عبر ظاهرة صراع المصالح الطبقية المتضادة (المتعارضة). يرى ماركس أنَّ وقائع الأحداث التي تشكل في مجملها السيرورات التاريخية للمجتمعات البشرية هي نتاج العلاقات الاقتصادية التي تنشأ بين الأفراد و الجماعات نتيجة تفاعل إرادتهم الحرّة و غير الحرّة سيما علاقات العمل. إنَّ علاقات طبقات المجتمع يحكمها قانون الجدل (الديالكتيك) في سياق تفاعل الموضوع و النقيض لينتجا كمحصلة لذلك التفاعل مركب الموضوع. يرى ماركس أنَّ الصراع الحتمي الصيرورة بين طبقة البرجوازية المالكة لرأسمال و وسائل الإنتاج الأخرى من جهةٍ، و الطبقة العاملة (البروليتاريا) التي لا تملك إلا جُهدها من جهةٍ أخرى سيتوج حتما بانتصار الشغيلة و من ثمَّ بنشوء مجتمع غير طبقي منسجم المصالح. إنَّ الصراع بين الطبقات المُستغِلة و المُستغَلة لا تحسمه مشيئة قوة لاهوتية غيبية (ماورائية) بل الإرادة
الذاتية لطبقة العمال أنفسهم (مشيئة الإرادة البشرية). هذا، عرض موجز لمضمون رؤية التيار القائل بالمشيئة الناسوية كمقرِّر لصيرورة وقائع أحداث التاريخ.
2- رؤية التيار اللاهوتي :
ينقسم هذا التيار على نفسه إلى فريقين فلسفي باطني (عقلي) و آخر لاهوتي (غيبي) ديني كان وضعي أو وَحْيوي . إليك في تفصيل موجز بيان رؤية كل فريق وفقا للنسق التالي.
2/أ- رؤية التيار الفلسفي الباطني.
من بين عرابي هذا التيار الفيلسوف الألماني هيجل الذي يرى أنَّ "العقل يحكم العالم...و أنَّ كل حدث من أحداث التاريخ إنما يجري وفقا لمقتضيات العقل. و من هنا فالتاريخ تطور و نمو لمنطق باطني لم تكن الشخصيات التاريخية غير أدوات لتحقيقه دون شعورها بذلك." و يستطرد هيجل "أنَّ الإنسان ليس إلا مجرد أداة يوظفها العقل أو الروح الموضوعي لتحقيق غاياته."
2/ ب- رؤية التيار الغيبي :
في إشارة إلى مقولة الأسقف جاك بوسويه أحد رواد التيار اللاهوتي (الغيبي) الذي يرى في مشيئة إرادة الدَّيان القوة الفاعلة المقرِّرة لصيرورة وقائع أحداث التاريخ و الموجهة لمسار حركته، في هذا السياق كتب أحمد محمود صبحي في سفره المسوم - في فلسفة التاريخ - يقول: "يطلعنا التاريخ الديني على تخطيط إلهي محكم، إذا كنا نؤمن بقدرة الله في الطبيعة فأولى أنْ نؤمن بعنايته و إحكام تدبيره في تاريخ الإنسان..."
إنَّ المؤمنين بأطروحة التيار اللاهوتي لم يقتصروا على شيعة الديانة النصرانية بل تبنتْ مذهبهم فرق دينية إسلامية عديدة، في هذا السياق ذكر الشهرستاني في سفره الموسوم - الملل و النحل - مقولة منسوبة إلى جهم بن صفوان عرَّاب مذهب الجبرية تتعلق بالقدرة المحدثة المقرِّرة لوقائع أحداث التاريخ "إنَّ الإنسان لا يقدر على شيء و لا يوصف بالاستطاعة، و إنَّما هو مجبور في أفعاله، و لا قدرة له و لا إرادة و لا اختيار، و إنَّما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، و ينسب إليه الأفعال مجازا كما ينسب إلى الجمادات، كما يقال أثمرت الشجرة، و جرى الماء،...و اهتزت الأرض و انبتت إلى غير ذلك..." في ذات المنحى يستطرد الشهرستاني أنَّه قد وافق الضِّرارية (أصحاب ضرار بن عمرو) الجهمية في أنَّ أفعال الإنسان ليست مُقرَّرة بمقتضى مشيئته بل بمشيئة الله " أفعال العباد مخلوقة للبارئ تعالى حقيقة، و العبد يكتسبها حقيقة..." هذا، في إطار رؤية التيار اللاهوتي تفسر مشيئة إرادة الإنسان بأنَّها مظهرًا أو تجليخارجي (ظاهري) و انعكاسًا لمشيئة قوة باطنية كما يفهم استنتاجًا من التفسير اللفظي لمفردات بعض آي الذكر الحكيم كقول الدَّيان في محكم تنزيله "فلم تقتلوهم و لكن الله قتلهم و ما رميت إذ ْ رميت و لكن الله رمى..." و قوله تعالى "ما تشاءون إلا أنْ يشاء الله رب العالمين".
3- رؤية التيار التوفيقي المزاوج بين الإرادتين اللاهوتية و الناسوتية :
تتمثل رؤية التيار التوفيقي في الزعم بأنَّ وقائع أحداث التاريخ هي مُحصَّلات قرار مزدوج منبثق عن مشيئة الدَّيان الحاكمة و الهادية و إرادة الإنسان المُنقادة ، المُستلهَمَة و المُستهْدِيَة بقبس فيض الأنوار الإلهية. في هذا السياق يؤكد الشيرازي فاعلية ازدواجية المشيئتين المتفاعلتين باتساق وفقا لمبدأ المَدَد (المُظاهَرَة و التمكين) بقوله "من فلسفة التاريخ أنَّ سنة الله سبحانه و تعالى بعد إرسال الرسل، و إنزال الكتب و هداية الناس عامة، هي أنْ يَمُدَّ كلا من
لمؤمنين و غير المؤمنين...يُعِين و يساعد الذين يطلبون الآخرة...كما أنَّه سبحانه و تعالى يُعِين الذين يطلبون الدنيا..." وفقا لازدواجية مشيئة الإرادة (اللاهوتية - الناسوتية) المقرِّرة لصيرورة وقائع أحداث التاريخ يقول الشيرازي "...لا جبرية في التاريخ مطلقا و لا اختيارية في التاريخ مطلقا، بل التاريخ هو هذان الأمران".
هذا في سياق تفاعل المشيئتين اللاهوتية و الناسوتية كتب أحمد محمود صبحي في سفره - في فلسفة التاريخ - يقول " في التاريخ العالمي مزيجا من التخطيط الإلهي و الفعل الإنساني ظاهِرهُ أفعال الإنسان العشوائية و باطنه تدبير محكم و تخطيط مرسوم."
ما تمَّ استعراضه أعلاه ليس إلا مختارات من أراء مدارس فلسفية و مذهبية دينية تدور حول ماهية طبيعة المشيئة الفاعلة المقرَّرة لوقائع أحداث التاريخ و الموجهة لمسار حركته قدمتها على سبيل النمذجة. عليه، تخيَّرًا بين ما تقدَّم من طرح ، أقول لمَّا أنَّ وقائع أحداث السيرورات التاريخية هي مجمل ما يصدر عن البشر (في حيز فضاء زمان و مكان معينين) من أفعال عارضة (عشوائية) أو مقصودة لذاتها أو لِمَا ورائها من مبتغيات، و لمَّا أنَّ الإنسان العاقل الرشيد يفكر و يدبر لمَّا يريد، ويقول ما يفكر و يفعل ما يقول، فإنَّ مشيئة إرادته الحرّة هي الجهة المسؤولة عقلا و شرعا عن تقدير و تقرير و تنفيذ خياراته، عليه، فإنَّ مشيئة الإنسان هي الإرادة الفاعلة القابضة على مقود راحلة التاريخ، المتحكمة و المُحدِّدة لاتجاه مسارها، ذات الوقت لمَّا أنَّ الآدمي بطبيعته الناسوتية محدود المعرفة لنسبية عالِمِيَتِهِ اقتضت الضرورة أنْ يلتمس الإلهام من الدَّيان المطلق العالِمِيَّة عبر الاستخارة و التوكل بغية نيل الهداية و التوفيق و الرشاد. في هذا السياق على المرء أنْ يعد موضوعيا لكل أمرٍ عدته، ثمَّ يعقل ناقته و يتوكل على الله عملا بمنطوق الآية "أنا مكنا له في الأرض و آتيناه من كل شيءٍ سببا فأتبع سببا." فليعول الإنسان على مشيئة إرادته العاقلة الرشيدة حين يفكر و يقدر و يدبر و ينفذ أفعاله التي تشكل في مجملها السيرورة التاريخية لحياته عملا بمقتضى النظر العقلي و ثوابت أحكام الشرع الرَّباني ، ذات الوقت يلتمس مباركة السماء نسبة لواقع تمازج اللاهوتي بالناسوتي لقوله تعالى "فإذا سويته و نفخت فيه من روحي..." مهما يكن من أمر موضوعية أو سفسطائية الجدل حول طبيعة المشيئة المقررة لصيرورة وقائع أحداث التاريخ تظل هناك تساؤلات ملحة تدور حول اتجاه مسار حركة التاريخ، أهو مسار خطي أفقي، أم لولبي، أم دائري أم سَمْتِي ٍ متصاعد أم مسار حركة طفروية تتجاور الأطوار الدورية لحركة التاريخ، أم مسار مرحلي تتعاقب فيه الأطوار التاريخية حقبة إثر حقبة في سياق زمني متواتر؟ سيناقش الباحث في فضاء المطلب التالي اتجاهات مسارات حركة التاريخ المنوَّه إليها أعلاه وفقا للنسق التالي.
المسار الخطي لحركة التاريخ
نوَّه أستاذ فلسفة التاريخ أحمد محمود صبحي إلى رؤية المدرسة اللاهوتية لمسار حركة التاريخ بقوله "...أحداث التاريخ لا تتكرر و لا تتعاقب، و لكنها تتخذ مسار خط مستقيم لتستكمل غرض (يهوه)..." و يستطرد أحمد محمود صبحي "...رد سان أوغسطين على القائلين بالتعاقب الدوري (لوقائع أحداث) التاريخ...أنَّ الحوادث وفقا لهذا الرأي تميل إلى التكرار، بينما اللاهوت المسيحي يجعل من صَلْبِ المسيح أهم واقعة تاريخية منذ بداية الخلق، و
من ثمَّ عارض...القول بالتعاقب الدوري مؤكدا فردية الواقعة التاريخية و من ثمَّ استحالة تكرارها. إنَّ صَلْبَالمسيح حادثة فردية لا تتكرر... و كذلك قيامه من بين الموتى. إنَّهم في ضلال حين يعتبرون الدائرة أكمل الأشكال و يستخدمونها في التاريخ بدلا عن الخط المستقيم..." إنَّ المنظور الديني يؤكد على أنَّ الإرادة الإلهية الفاعلة المحدثة للموجودات، المقدِّرة و المقرِّرة لمسار حياة الإنسان في الأزل ترسم مسار حركة التاريخ البشري في أدق تفاصيل أحداثها من نقطة البداية إلى نقطة النهاية، مسار مستقيم حتمي الصيرورة لا عوج فيه و لا دوران.
المسار اللولبي لحركة التاريخ
عن المفهوم النقيض للمسار الخطي المستقيم لحركة التاريخ كتب أحمد محمود صبحي مدافعا عن المسار اللولبي يقول "إنَّ الإنسانية لا تتقدَّم خلال أطوار التاريخ في خط مستقيم، كما أنَّ التعاقب الدوري لا يعني أنَّها ترتدّ إلى نفس (نقطة) البداية، بل أنَّ مسارها في خط لولبي كما لو كانت تدور حول جبل لتصل إلى قمته، كل دورة تعلو سابقتها، و من ثمَّ فإنَّ ما يبدو أنَّه تكرار ليس إلا موقعا أكثر ارتفاعا تستطيع منه الإنسانية أنْ ترى آفاقا أكثر اتساعا، فكلما ارتفعنا أكثر فأكثر في صعودنا...ازدادت نظرتنا عرضا و فكرنا شمولا."
المسار الدائري لحركة التاريخ
في إطار تبيان مفهوم المسار الدائري لحركة التاريخ البشري أستعرض أحمد محمود صبحي رؤية فيكو حيث كتب "كل فترة تاريخية تتبع أخرى على نفس الخط، فترات البطولة تعقبها فترة يسود فيها الفكر على التخيل...و أخلاق السلم على أخلاق الحرب، و هذه يتبعها تدهور إلى بربرية ذات طابع جديد مختلف عن بربرية عصر البطولة، بربرية فكر لا خيال و لكنه فكر منهك عقيم ذبل فيه الطابع الإبداعي. الحركة الدائرية بين هذه الأدوار لا تعني أنَّ مسار حركة دولاب التاريخ كعجلة تدور حول ذاتها، و لكنها حركة حلزونية، لأنَّ التاريخ لا يعيد نفسه على نفس النمط ، و لكنه يأتي بصورة جديدة في شكل مخالف لِمَا مضى ، و من ثمَّ فإنَّ بربرية العصور الوسطى تخالف بربرية اليونان القديمة...التاريخ في تجدّدٍ دائم، و التعاقب الدوري فيه لا يسمح بالتنبؤ." استعان أحمد محمود صبحي بفكر فيكو عند محاولته دراسة و تشخيص التاريخ الحديث لشعوب المعمورة فكتب يقول "اجتازت كل الشعوب هذه الأدوار و مازالت تجتازها في تاريخها، حيث تتولى في تعاقب دوري، تتصل نهاية الدور الثالث بالدور الأول إمَّا لنفس الأمة أو لأمة أخرى، فهي دائرة أزلية..."
المسار السِّمتي الصاعد لحركة التاريخ
في إطار التعريف بالمفاهيم المُتعدِّدة للمسار السِّمتي الصاعد لحركة التاريخ، كتب أحمد محمود صبحي يقول "...للتقدّم معان ٍ متعددة: معنى تطوري...فالإنسان بوصفه ابنا للطبيعة خاضع للقانون الطبيعي، و من ثمَّ فإنَّ مسار حركة التاريخ لابد أنْ ينطوي على تطور نحو ما هو أسمى. و معنى فلسفي...فهو تطور نحو حرية الروح بوعيها لذاتها لدى هيجل، و نحو المجتمع اللا طبقي لدى ماركس. و معنى حضاري...نتيجة تقدَّم العلم من جهة ٍ، و تطور الأنظمة السياسية نحو الديموقراطية من جهة ٍ أخرى،شاعت أفكار السيطرة على قِوَى الطبيعة و تسخيرها لصالح الإنسان و سعادته...(و تعزيز) الحرية السياسية و الحقوق المدنية و إلغاء العنصرية..."
المسار المرحلي الحقبي لحركة التاريخ
من منظور الفكر السياسي المرتبط بدراسة و تشخيص ظاهرة الدولة تتمَرْحَل السيرورة التاريخية للدولة إلى حقب تمثل كل حقبة مرحلة زمنية تكون للدولة خلالها خصائص معينة إبَّان مرورها بأطوار نموها المتباينة، وفقا لهذا السياق قسم عبد الرحمن بن خلدون مسار حركة التطور التاريخي للدولة إلى أطوار بقوله "اعلم أنَّ الدولة تنتقل في
أطوار مختلفة و حالات متجدِّدة يكتسب القائمون بها في كل طور خلقا من أحوال ذلك الطور لا يكون مثله في الطور الآخر. الطور الأول: الظفر بالغنيمة و غلب المدافع و الممانع و الاستيلاء على الملك و انتزاعه...في هذا الطور...لا ينفرد (رئيس العصبية الغالبة) دونهم بشيء، لأنَّ ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب، وهي لا تزال بعدُ كحالها. الطور الثاني: طور الاستبداد على قومه و الانفراد دونهم بالملك... الطور الثالث: طور الفراغ و الدعة لتحصيل ثمرات الملك...هذا الطور آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة... الطور الرابع: طور القنوع و المسالمة، يكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما بَنَىَ... الطور الخامس: طور الإسراف و التبذير، يكون صاحب الدولة في هذا الطور مُتلِفا لِمَا جمع أولوه في سبيل الشهوات و الملاذ و الكرم على بطانته... في هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم و يستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه و لا يكون لها معه برء إلى أنْ تنقرض..."
المسار الطفروي الاختزالي لحركة التاريخ
في مفهوم المسار الطفروي لحركة التاريخ في سياق القفز و تجاوز مراحل التطور الطبيعي انتقالا من الكم إلى الكيف كتب أحمد محمود صبحي يقول " إنَّ التغيير الحادث في جميع الظواهر الطبيعية...هو تغيير من الكم إلى الكيف، و يتم ذلك التغيير طفرة، إذ ْ لا يعرف حدَّا فاصلا في تدرج التغييرات الكمية عندما يستحيل الكيف إلى كيف آخر، فانتقال الماء (من حالة السيولة) إلى ثلج بانخفاض درجة الحرارة إنما يتمّ طفرة دون تدرج في عملية التحول، المفاجئ. إنَّ هذا التغيير الطفروي (اختزال المراحل) ليس في عالم الطبيعة فحسب و لكنه كذلك في عالم الإنسان ...حيث يطلق عليه مسمى الثورة، لأنَّها تغيير نحو وضع جديد دون عبور مراحل انتقالية كما هو حال التغيير التدريجي وفقا لطرح نظرية التطور المرحلي. اتساقا مع هذا الطرح يمكن القول وفقا لأطروحة النظرية الماركسية القائلة بالتغيير الطفروي يتمّ الانتقال من مرحلة أدنى إلى مرحلة أعلى دون حاجة للمرور بمرحلة وسيطة بين الأدنى و الأعلى إذ ْ بفضل الثورة كآلية للتغيير الطفروي تنتقل طبقة الشغيلةعلى سبيل النمذجة من طبقة مسحوقة فجأة إلى طبقة حاكمة دون أنْ تمر بمرحلة طبقة البرجوازية الصغيرة.
هذا على الرغم من تعدِّد الرؤى الفكرية المنوَّه إليها أعلاه حول ماهية المشيئة الفاعلة المقرَّرة لصيرورة وقائع أحداث التاريخ و المحدِّدة لاتجاهات مسارات حركته في بلد ما ، تظل بلا جدال الإرادة البشرية ( القوى السياسية الفاعلة حكومة و معارضة في أي بلد ) رغم تباين مشاربها الفكرية كانت فلسفية ناسوية أو دينية لاهوتية ( وضعية أو وحيوية) لا مشيئة الديان أو السقلان تجسِّد تلك المشيئة الفاعلة من جهةٍ ، مثلما تكون وقائع الأحداث في مجملها سواء تحققت صيرورتها إبَّان مرحلة انتقالية أو غير انتقالية مكونات السيرة السياسية التاريخية لأي بلد.
هذا، وفقا للسياق التاريخي المتقدَّم بيانه سيحاول الباحث في فقرات المطلب التالي التعريف لغة و اصطلاحا بماهية عبارة مرحلة انتقالية إليك بيان ذلك في تفصيل موجز.
الدلالة اللغوية و الاصطلاحية لعبارة مرحلة انتقالية
في فضاء فقرات مطالب هذا المحور سيعرف الباحث بماهية المرحلة الانتقالية ثمَّ سيناقش بعدئذٍ أنماطها من حيث طبيعة المداخل المفضية إليها ، و هوية الفعاليات القائمة على أمر إدارة شؤونها، ثم يُبيِّن مهامها الوظيفية، و يُعرِّف بعد ذلك بآجالها الزمانية، ذلك وفقا للنسق التالي.
قبل التعريف بالماهية اللغوية للمرحلة التاريخية الانتقالية أود الإشارة هنا بكيفية مقتضبة إلى أنَّ وصف مرحلة زمنية من السيرورة التاريخية لأمة أو شعب بالطور الانتقالي و أخرى بغير الانتقالي يثير جدلا موضوعيا، إذ ْ بطبيعة الحال تتميز حقب التاريخ في حياة الشعوب و الأمم بتواصل ِ و ترابط حلقاتها، إذ ْ يشكل مجمل تسلسل وقائع الأحداث في سياقها الحدثي و الزمني مُسمى السيرة التاريخية لتلك الأمة أو ذاك الشعب. و الحال هكذا، فإنَّ وقائع أحداث الأطوار التاريخية الماضية ما هي إلا مقدمات ضرورية (مخطط لها أو تحققت صيرورتها عرضا) لحاضر تلك الأمة الذي (أي الحاضر) بطبيعته تمثل وقائع أحداثه ممهدات و مداخل لأحداث مستقبلها المستشرف، هذا من جهةٍ، و من جهةٍ أخرى إنَّ أطوار التاريخ رغم ترابطها و تسلسلها الزمني قد تتباين أشدَّ ما يكون التباين من حيث اختلاف طبيعة المهام المطروحة إبَّان كل مرحلة من حيث التأصيل و التأسيس، فما يطلق عليه مجازًا مُسَمَّى الأطوار التاريخية الانتقالية قد تتسم بخاصية التأصيل، حيث يتم وضع الدعامات القاعدية التي تشيد عليها مرتكزات صروح المستقبل الآتي لأمة ما، كتقعيد المبادئ القانونية الدستورية الحاكمة ، و التوافق على المرتكزات المحورية التي تنبثق عنها المُوَجِهَات الأساسية الحاكمة لأنشطة و لممارسات الفعاليات السياسية في سياقاتها المتعدِّدة السياسية ، الاقتصادية و الاجتماعية ، القانونية و الثقافية و ما إلى ذلك. و الحال هكذا، فما قد يُطلق عليه مجازًا مُسمَّىَ الأطوار التاريخية الانتقالية قد يكون فضاءًا زمنيا محوريًا توضع و تقرَّر فيه الأسس التي تبنى عليهااستراتيجيات البناء القانوني، السياسي،الاقتصادي، الاجتماعي، الثقافي و الأمني لأمة أو لشعب ما دون أنْ تتصف المراحل الموصوفة بغير
الانتقالية بشيء من ذلك. مهما يكن من أمر موضوعية أو سفسطائية هذا الجدل، أعود إلى الحديث عن ماهية الدالة اللغوية لعبارة انتقالية، ذكر الرَّازي في معجمه مختار الصحاح أنَّ الانتقال اسم مصدر مشتق من الفعل الثلاثي نقل "بمعنى حَوَّلَ... نقلُ الشيء تحويله من موضع ٍ إلى موضع ٍ..." و قد وافقه فيما ذهب إليه من تخريج لمعنى انتقال كل من ابن منظور، و المعلم بطرس البستاني. في ذات السياف الدلالي اللغوي للمصدر انتقال ، جاء في موسوعة وبستر أنْ المفردة تفيد "التحول من حال أو هيئة إلى وضعية أخرى." مما تقدَّم بيانه من حيث مقاربة الدالة المعانية
اللغوية لعبارة انتقالية في بعض معاجم اللغتين العربية و الإنجليزية تبيَّن أنَّ كل ما ليس بقار ٍ ثابتٍ و راتبٍهو متحول انتقالي غير راسخ.
أمَّا عن المفهوم الاصطلاحي لعبارة انتقالي في سياقها التاريخي السياسي من حيث كونها حقبة تاريخية دقيقة تفصِلُ و تصِلُ ذات الوقت زمنيا بين مرحلة نظام حكم زائل و نظام حكم مستشرف آتي، يؤسس فيها لعملية استمرارية الاجتماع السياسي في إطاريها المبادئ (البنيوي الفوقي) و الهيكليالمؤسسي (البنيوي التحتي) لأمة أو شعب.
يجدر التنوَّيه هنا في هذا المقام إلى حقيقة التباين الموضوعي بين أنماط الأطوار التاريخية الانتقالية من حيث اختلاف الآليات المفضية إليها من حيث كونها طرائق تغيير سياسي سلمي مدروس و مخطط له أو تغيير عفوي فجائي عنيف طارئ هذا من جهةٍ، و من حيث طبيعة الفعاليات القائمة على إدارة و إنجاز شؤون و متعلقات المراحل التاريخية الانتقالية ستكون هذه المعطيات محاور للنقاش في فضاء الفقرات التالية.
2- أنماط المراحل التاريخية الانتقالية
تباينتْ المراحل التاريخية الانتقالية التي تحققت صيرورتها في الحقب المُمْتدَّة من العقد الثاني من الألفية الثانية و صدر الألفية الثالثة عن بعضها بعضا نسبة لتباين خصائص معطيات عديدة منها على سبيل النمذجة ما سيأتي بيانه.
(أ) آليات التغيير المفضية إلى تدشين مرحلة تاريخية انتقالية
إنَّ المرحلة التاريخية الانتقالية التي تكون الوسيلة المُدخل إليها مفاوضات سياسية سِلمِية تتسم بالعقلانية و الموضوعية و الجدية تكلل في معظم الأحيان مساعي الأطراف المتفاوضة(حكومة و قوى معارضة) بالتوافق على المبادئ التي بمقتضاها يتم نقل السلطة بكيفية سلسة و فق استراتيجية و برامج تنفيذية عملية مُجْمَعُ عليها و في إطار فضاء أجَل ٍ زمني مُحدَّد من أيدي القابضين على مقاليد السلطة إلى هيئة قومية جامعة تمثل فيها جميع القوى الوطنية الفاعلة حكومة و معارضة و منظمات المجتمع المدني ، كما هو حال تجارب المراحل التاريخية الانتقالية التي نقلت فيها السلطة من قبضة الأقلية البيضاء إلى هيئة قومية أمَّنتْمشاركة الأقلية البيضاء و المكونات السياسية للأغلبية السوداء في جمهورية اتحاد جنوب أفريقيا ، الحالة البولندية التي شهدت تولي مجلسا قومي ضم ممثلي عن تحالف حزب العمال و الفلاحين الموحد الحاكم و حركة التضامن المعارضة (صولدارنوشي)، و كذلك تجارب انتقال السلطة سلميا من الأحزاب الشيوعية في كل من بلغاريا و المجر (هنغاريا) و ألبانيا و غير ذلك من دول أوروبا الشرقية ذات الأنظمة الشمولية إلى هيئات وطنية جامعة ، شاركت في تأسيسها كافة الفعاليات السياسية في البلاد دون إقصاء أو عزل أحد إبَّانمرحلة الانتقال تمهيدا لوضع الترتيبات التي تفضي إلى إجراء انتخابات عامة تنتخب بمقتضاها مجالس تشريعية و تكوين حكومات منتخبة تنقل إليها سلطة و مسئولية إدارة البلاد. بينما المراحل التاريخية الانتقالية التي يكون المُدخل إليها آلية تغيير سبيلها العنف ، تتسم مسيرتها في معظم الأحايين بالتعثر و الاضطراب و الفوضى و الاقتتال الدموي و تفشي التدابير القمعية و تبني القرارات العشوائية المتناقضة و المحاكمات الصورية الكيدية كتلك التي تمَّ بمقتضاها تصفية تشاو سسكو و بعض رموز نظامه في رومانيا من جهةٍ و التجربتين العراقية و الليبية اللتين تمَّ إثرهما حظر النشاط السياسي و تصفية رموز حزب البعث في العراق و محاكمة و عزل و إقصاء رموز النظام الجماهيري في ليبيا، و تجُريد آلاف المواطنين العراقيين و الليبيين من مِكْنةِ ممارسة حقوقهم السياسية التي تكفلها لهم العهود و المواثيق القانونية الضامنة و المعزِّزة لحقوق الإنسان و الصائنة لاحترام حرياته الأساسية. تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ أبرز مفارقة تميِّز بين المراحل الانتقالية التي يكون السبيل المفضي إليها آلية عنيفة و تلك التي تكون الآلية المُدخل إليها مفاوضات سياسية سلمية هي تبني مُسَمَّى قوانين العزل السياسي التي تمثل في ذاتها انتهاكا
سافرًا لأحكام الدساتير الوطنية للدول المشرعة لها من جهةٍ، و أحكام و مبادئ الإعلانات و المواثيق و العهود القانونية الدولية (الإقليمية و العالمية) المُعزِّزة لحقوق الإنسان و الصائنة لاحترام حرياته الأساسية من جهةٍ أخرى. على سبيل النمذجة يتعارض منطوق حكم متن المادة (4)من قانون ( حظر حزب البعث و الكيانات و الأحزاب و الأنشطة العنصرية و الإرهابية و التكفيرية ) الصادر في العراق التي تنصّ على " يشمل الحظر على حزب البعث و أفراده بموجب هذا القانون الأعمال الآتية:...(رابعا) المشاركة في الانتخابات العامة أو المحلية أو الاستفتاءات." مع منطوق متن الفقرة (ب) من المادة (2) من الدستور العراقي المؤقت التي تنصّ على "لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديموقراطية." و حكم متن المادة (20) من دستور العراق المنوَّه إليه أعلاه التي تنصّ على "للمواطنين رجالا و نساء حقّ المشاركة في الشئون العامة، و التمتع بالحقوق السياسية بما فيها حقّ التصويت و الانتخاب و الترشيح." تتعارض أيضا أحكام المادتين (1) و (2) من قانون العزل السياسي في ليبيا اللتان تسلبان مواطنين ليبيين حقوقهم السياسية سيما تقلد وظائف عامة صنفتها المادتان لا لأي مسوغ سوى تقلدهم تلك الوظائف المنصوص عليها في متني المادتين المذكورتين إبِّان حقبة الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية. يتعارض منطوق أحكام متني المادتين (1) و (2) المنوَّه إليهما أعلاه مع أحكام المادة (6) من الإعلان الدستوري الليبي المؤقت التي تنصّ على "الليبيون سواء أمام القانون، متساوون في التمتع بالحقوق المدنية و السياسية و في تكافؤ الفرص...لا تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب أو اللغة أو الثروة أو الجنس أو النسب أو الآراء السياسية أو الوضع الاجتماعي أو الانتماء القبلي أو الجهوي أو الأسري" هذا من جهةٍ، و تتعارض أحكام المادتين المشار إليهما أعلاه من قانون العزل السياسي الليبي المنوَّه إليه مع مبادئ الإعلانات و العهود و المواثيق الدولية الإقليمية و العالمية التي ليبيا طرف فيها من جهةٍ أخرى، على سبيل النمذجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سيما الفقرة (1) من المادة (21) التي تنصّ على "لكل فرد الحقّ في الاشتراك في إدارة الشئون العامة لبلاده مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون اختيارًا حرَّ ا" و كذلك تتعارض أحكام المادتين المشار إليهما أعلاه مع منطوق متن الفقرة (2) من المادة (21) المنوَّه إليها التي تنصّ على "لكل شخص الحقّ الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد." هذا، تتعارض أيضا المادتان المشار إليهما من قانوني العزل السياسي الليبي مع منطوق أحكام متن الفقرة (1) من المادة (3) من الميثاق العربي لحقوق الإنسان التي تنصّ على " تتعهد كل دولة طرف في هذا الميثاق بأنْ تكفل لكل شخص خاضع لولايتها حقّ التمتع بالحقوق و الحريات المنصوص عليها في هذا الميثاق دون تمييز بسبب العرق أو اللون، أو الجنس، أو اللغة أو المعتقد الديني أو الرأي أو الفكر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو الميلاد، أو الإعاقة البدنية أو العقلية." و كذلك لا تتسق أحكام المادين المشار إليهما مع أحكام المادة (24) من الميثاق العربي لحقوق الإنسان التي تؤكد في الفقرة (1) منها على "حقِّ الممارسة السياسية" و في الفقرة (2) التي تنصّ صراحة على تعزيز حقّ المواطن في " ... المشاركة في إدارة الشئون العامة إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون بحرية" و الفقرة (3) التي تنصّ على المواطن في " ...ترشيح نفسه أو اختيار من يمثله بطريقة حرَّة و نزيهة و على قدم المساواة بين جميع المواطنين..." و الفقرة (4) التي تؤكد على حقِّ المواطن في "... تقلد الوظائف العامة في بلده..." و الفقرة (5) التي تنصّ على "حقّ التجمع و تكوين الجمعيات مع الآخرين و حرَّية الانضمام إليها..." هذا من جهةٍ، و تمثل أحكام المادتين المنوَّه إليهما من قانوني العزل السياسي الليبي انتهاكا صارخا من جهةٍ أخرى لمبادئ و أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية سيما منطوق متن الفقرة (1) من المادة (2) التي تنصّ صراحة على " تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، و بكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها و الداخلين في ولايتها،
دون تمييز..." و تتعارضان أيضا مع منطوق الفقرة (أ) من المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية التي تنصّ على " لكل شخص الحقّ أنْ يشارك في إدارة الشؤون العامة، إمَّا مباشرة و إمَّا بواسطة ممثلين يختارون في حريةٍ" و الفقرة (ب) التي تؤكد على حقِّ "كل مواطن أنْ يَنتخِبَ أو يُنتخَبفي انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام...السري" و الفقرة (ج) التي تؤكد على "حقِّ كل مواطن في أنْ تتاح له على قدم المساواة...مع سواه فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده."
كمحصلة لِمَا تقدَّم بيانه ، يستقيم الزعم بأنَّ المراحل التاريخية الانتقالية التي يكون المُدخل إليها آلية سلمية تتسم بظاهرة سيادة حكم القانون و صون و تعزيز حقوق المواطنة دون تمييز بين أفراد الأمة في ممارسة حقوقهم الإنسانية و حرياتهم الأساسية في سياقاتها القانونية ، السياسية، الاقتصادية ، الاجتماعية و الفكرية و الثقافية و الدينية ، و بسط العدل و إشاعة الأمن و ذيوع السلام و تدعيم أسباب الاستقرار النسبي في البلاد. على النقيض من ذلك ، فأنَّ المراحل التاريخية الانتقالية التي يكون المُدخل إليها العنف المسلح الذي تحركه و تغذيه الميول الكيدية و النزعات الانتقامية تتسم بالتعسف ، بالجور ، بالحيف، و العزل و الإقصاء السياسي ، و بالنتيجة يتفشى فيها الطغيان و العنف و تسود فيها الفوضى و الاضطرابات .
(ب) تباين ماهية الفعاليات القائمة على أمر إدارة المرحلة الانتقالية:
تتباين المراحل التاريخية الانتقالية عن بعضها البعض (من بين معطيات أخرى) باختلاف طبيعة الكيانات القائمة على أمر إدارة شؤونها من حيث كونها على سبيل النمذجة:
(ب/1) منظمة دولية تشرف على إدارة شؤون مراحل تاريخية انتقالية
وفقا للسياق التاريخي يمكن الزعم أنَّه كمحصلة لتفاعل عوامل ضغط متعدِّدة على الدول الاستعمارية الإمبريالية من بينها الرأي العام الدولي الإقليمي و العالمي، الشعبي و الرسمي المناهض لظاهرة الاستعمار و اضطهاد الإنسان لأخيه الإنسان ، أعترف (أي الرأي العام) صراحة بحقِّ شعوب المستعمرات في التحرر و الاستقلال و ممارسة سيادتها على أقاليمها الوطنية. أطلعت منظمة عصبة الأمم بمسئولية إدارة شئون المراحل الانتقالية في الأقاليم التي نزعت من قبضة الدول الإمبريالية التي هزمت في أعقاب الحرب الكونية الأولى ( ألمانيا، إيطاليا و تركيا الخ )، بإنشاء نظام الانتداب حيث تعاقدت مع دول لتقوم بالوكالة عنها بإدارة شؤون شعوب المستعمرات ( فلسطين، تنجانيقا، رواندا، أروندي و إقليم جنوب غرب أفريقيا على سبيل النمذجة) التي لم تعد الدول المنوَّه إليها تتحكم فيها . مستهلة و مفتتحة بذلك فجر مراحل تاريخية انتقالية في السيرورة التاريخية السياسية لعديد من الشعوب، حيث تمَّ إعداد و تدريب و تأهيل القيادات السياسية لتلك الشعوب و تمكينها من تأسيس نظم حكم وطنية تمارس من تحت مظلتها شعوب المستعمرات المنوَّه إليها حكم نفسها بنفسها باستثناء فلسطين. هذا، بعد انهيار نظام عصبة الأمم توَّلت منظمة الأمم المتحدة مسئولية إدارة شؤون الأقاليم التي كانت تحت نظام الانتداب و أقاليم أخرى وضِعَتْ تحت نظام مجلس الوصاية الذي أنشأته في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية .
يجدر التنوَّيه هنا إلى حقيقة هامة مفادها ، أنَّه على الرغم من أنَّ مرحلة الانتقال من الهيمنة المباشرة لبعض الدول الإمبريالية التي هزمت في أعقاب الحربين الكونيتين الأولى و الثانية ( ألمانيا و الإمبراطورية العثمانية ، إيطاليا و اليابان ) و من ثمَّ فقدت هيمنتها على مستعمراتها لم تشارك الفعاليات السياسية الوطنية في تلك المستعمرات في عملية نقل السلطة من إدارات الدول الاستعمارية إلى هيئات الانتداب و الوصاية اللاتي أنشأتها عصبة الأمم و الأمم المتحدة على التوالي ، بل كانت مشيئة المجتمع الدولي ممثلة في إرادة المنظمتين المذكورتين هي التي نهضت بمهام المفاوضات و إبرام اتفاقيات نقل السلطة من إدارات الدول الإمبريالية و وضعتها في قبضة إدارات الانتداب و الوصاية التي كلفت بمهام إعداد و تدريب و تأهيل مواطني تلك المستعمرات على ممارسة الحكم الذاتي كمرحلة انتقالية تمهيدًا لنقل السلطة إليهم فيما بعد عند منحهم الاستقلال.
تجدر الإشارة هنا إلى أنَّه إثر انتهاء الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي و دول منظومة حلف وارسو الشرق أوروبية مارست منظمة الأمم المتحدة إدارة شئون الأقاليم التي وضعت تحت وصايتها خلال مراحل تاريخية انتقالية بإقامتها إدارات تحت إشرافها المباشر للإطلاع بمهام إدارة تلك الأقاليم، على سبيل النمذجة أدارة الأمم المتحدة شؤون إقليم (كوسفو- ميتويا) بمقتضى القرار رقم 1244 الصادر عن مجلس الأمن في 10 من يونيو من عام 1999م، و كذلك أدارة شئون إقليم تِمُور الشرقية وفقا لأحكام القرار رقم 1272 الصادر عن مجلس الأمن في 25 من أكتوبر من عام 1999م. تمثلت مهام المرحلة التاريخية الانتقالية التي تكللت بتحقيق استقلال الإقليمين المنوَّه إليهما ( ضمن معطيات أخرى) في حفظ النظام، استتباب الأمن، و بسط حكم القانون، إنشاء إدارة فاعلة، المساعدة في تطوير الخدمات المدنية و الاجتماعية، تأمين و تنسيق انسياب المساعدات الإنسانية، و بناء قدرات مواطني الإقليمين و تأهيلهم و تدريبهم على ممارسات الحكم الذاتي و مساعدتهم على وضع دستور انتقالي و العمل على خلق مناخ ملائم لإعداد انتخابات عامة حرَّة ينتخب بمقتضاها مجالس تشريعية و حكومة ديموقراطية تمهيدًا لمنح الاستقلال الوطني لسكان الإقليمين.
(ب/2) آحاد دول تشرف على إدارة شؤون مراحل تاريخية انتقالية
نتيجة لضغوط الرأي العام العالمي الرسمي (دول و منظمات دولية إقليمية و عالمية) و الشعبي ( أفراد و جماعات، أحزاب سياسية و منظمات دولية غير حكومية و منظمات المجتمع المدني وغير ذلك من الكيانات الجماهيرية) المناصرة للحرية و الداعية إلى احترام حقوق الإنسان و تعزيز حرياته الأساسية من جهةٍ، و لتصاعد نضال شعوب المستعمرات المدني السياسي و الثوري العسكري من جهةٍ أخرى، رضخ عدد من الدول الاستعمارية لمطالب شعوب الأقاليم المستعمرة المستهدفة تحرير أنفسها و نيل استقلالها. قرَّرت الدول الإمبريالية منح الأقاليم التي تقبع تحت هيمنتها استقلالها شريطة انقضاء مرحلة انتقالية تقوم خلالها بتدريب و تأهيل قيادات سياسية لتنقل إليها مسئولية إدارة شؤون تلك الأقاليم خلال مراحل انتقالية تمهيدًا لمنحها الاستقلال التام في نهاية تلك المراحل التاريخية الانتقالية. على سبيل النمذجة إثر توافق مشيئة إرادتي بريطانيا و مصر في فبراير من عام 1953 على التوقيع على وثيقة منح السودان المستعمرة (الكندمنيوم الإنجليزي - المصري) حقّ تقرير المصير بعد مضي ثلاث سنوات كمرحلة انتقالية امتدت من عام 1953 حتى 1956، مُنِح السودان إثر انقضائها استقلاله في الفاتح من يناير من العام المنوَّه إليه.
(ب/3) حركات تحرر وطني تشرف على إدارة شؤون مراحل تاريخية انتقالية
كمحصلة لتصاعد نضال حركات التحرر الوطني في المستعمرات الأفريقية قرَّرت بعض الدول الإمبريالية الأوروبية ( البرتقال كنموذج) أنْ تمنح شعوب تلك الأقاليم استقلالها بعد انقضاء فترة انتقالية تمارس خلالها فعاليات سياسية من مواطني تلك الأقاليم الحكم الذاتي. على سبيل النمذجة وفقا لأحكام اتفاقية لوساكا المُبْرَمة في 7 من FRELIMOسبتمبر من عام 1974م بين حكومة البرتقال العسكرية و حركةالتحرير الوطني الموزمبيقية فريليمو
قامت الحركة بإدارة شؤون المرحلة الانتقالية في إقليم موزمبيق.
(ب/4) مجموعة دول تشرف على إدارة شؤون مراحل تاريخية انتقالية
على سبيل النمذجة بسطت الولايات المتحدة الأمريكية و حلفاؤها في منظمة حلف شمال الأطلسي هيمنتهم و سلطتهم على دولة أفغانستان بعد غزوها و احتلالها عسكريا في عام 2001م، عقد مؤتمر بون الذي تمخض عن إبرام وثيقة اتفاق بون في 5 من ديسمبر من عام 2001م، و الذي أنشأت بمقتضى أحكامه حكومة انتقالية لإدارة شؤون أفغانستان خلال المرحلة الانتقالية قبل إعادة السيادة إلى الشعب الأفغاني وفقا لأحكام المادة (1) من الاتفاق المذكور. شكلت سلطات الولايات المتحدة الأمريكية و دول حلف الأطلسي حكومة المرحلة الانتقالية وفقا لأحكام المادة (A/1) منِ الفصل الثالث من اتفاق بون من رئيس، 5 نواب للرئيس و 24 عضوا. حُدِّدت مهام حكومة المرحلة الانتقالية
لأفغانستان في إدارة و إمضاء متعلقات الحياة اليومية ذات الصلة بتسيير دولاب الدولة.

(ب/5)- فعاليات مدنية سياسية تطلع بإدارة شؤون مراحل تاريخية انتقالية
سجلت مدونات التاريخ السياسي المعاصر مع استهلال العقد الثاني من الألفية الثانية ظهور مراحل تاريخية انتقالية في السِّير السياسية لعدد من الشعوب أطلعت خلالها فعاليات سياسية مدنية بمسئولية إدارة شؤونها، كحالة روسيا القيصرية إثر تنازل القيصر نيكولاس الثاني في مارس من عام 1917م عن سُدَّة عرش القيصرية الروسية التي توارثها (آل رومانوف) خلفٌ عن سلفٍ، و نظيرتها السودانية إثر حمل الفريق إبراهيم عبود على التنحي عن الحكم في أكتوبر من عام 1964م، و الحالة الأسبانية عقب وفاة الجنرال فرانكو عام 1975م حيث توافقت مشيئة إرادة الفعاليات السياسية تحت مظلة الملك خوان كارلوس على تفكيك البنى الفوقية و التحية لنظام فرانكو الدكتاتوري و استبداله بنظام ملكية دستورية تمارس تحت مظلة أحكام دستورها الديموقراطية من خلال أنشطة أحزاب سياسية متعددة المذهب و متباينة الرؤى. في ذات السياق شهد التاريخ المعاصر تجارب إدارة فعاليات سياسية مدنية لمتعلقات مراحل تاريخية انتقالية كما كان الحال في تشلي،جمهورية اتحاد جنوب أفريقيا، و روسيا إثر انهيار النظم الشمولية في جمهوريات الاتحاد السوفيتي و دول أوروبا الشرقية و بعض بلدان مُسَمَّى الربيع العربي (النموذجين التونسي و اليمني). سأكتفي في فضاء فقرات هذا المطلب باستعراض الحالات التالية : الحالة الروسية التي تحققت صيرورتها في عام 1917م و الحالة السودانية التي برزت إلى حيز الوجود في عام 1964م و الحالة اليمنية كنماذج أسلط الضوء من خلالها على إدارة الفعاليات السياسية المدنية متعلقات مراحل تاريخية انتقالية و ذلك وفقا للنسق التالي.
إثر تنازل القيصر نيكولاس الثاني عن العرش في مارس من عام 1917م، تمَّ تشكيل ما أطلق عليه تاريخيا مُسمَّى الحكومة الانتقالية من نواب اللجنة الانتقالية لمجلس الدولة (الدوما) التي مثلت فيها جميع القوى السياسية الفاعلة في روسيا حينئذٍ. بُعيد ساعات من الإعلان الرسمي عن قرار تنازل القيصر،أعلنت الحكومة الانتقالية برئاسة
عن الوثيقة الرسمية التي تضمِّن متنها المحاور الرئيسة لبرنامج حكومة Georgy L'vov الأمير غورغي لفوف
المرحلة الانتقالية، و ورد في ديباجتها يأتي :
"تهتدي الحكومة الانتقالية في الاطلاع بمهامها بالمبادئ التالية:
1/ الإعلان و التنفيذ الفوري عن عفو عام يشمل جميع الحالات ذات الطبيعة السياسية و الدينية،
2/ تأمين و ضمان حرية التعبير، الصحافة، التجمع، حقَّ إنشاء نقابات، حقَّ الإضراب، و مدّ الحريات السياسية للأشخاص العاملين في القوات المسلحة (مع مراعاة التقيد) بالمقتضيات العسكرية و الظروف الفنية،
3/ رفع جميع القيود المفروضة على أساس طبقي، ديني أو على أساس الجنسية،
4/ اتخاذ تدابير فورية، و الدعوة إلى أجراء انتخاب جمعية تأسيسية على أساس الاقتراع العام السري الحرّ و المباشر (التي تخول صلاحيات) تقرير طبيعة الحكومة و دستور البلاد،
5/ استبدال المليشيات الشعبية (بقوات) شرطة ذات ضباط منتخبون (يكونوا) مسئولين أمام منظمات الحكم الذاتي المحلي،
6/ انتخاب أعضاء هيئات الحكم الذاتي المحلي عبر الاقتراع العام السري الحرّ المباشر،
7/ الوحدات العسكرية التي شاركت في الحركة الثورية لا تنزع أسلحتها، و لا تسحب من (مدينة) بتروغراد،
8/ إبَّان مراعاتهم الدقيقة للضوابط العسكرية أثناء الخدمة، يعفى الجنود من مراعاة الضوابط (العسكرية تيسيرًا) لممارستهم الحقوق المدنية التي يتمتع بها كافة المواطنون . هذا، ترغب الحكومة الانتقالية عن الإعراب عن عدم رغبتها في استغلال الوضع العسكري لتأجيل المضي قدما في تنفيذ الإصلاحات و التدابير المُعلن عنها أعلاه." (نقلا بتصرف عن الإنجليزية).
يجدر التنوَّيه هنا إلى أنَّ المُدخل إلى المرحلة الانتقالية في روسيا القيصرية تمثل في قرار القيصر نيكولاس الثاني بالتنحي عن سدَّة عرشه بمحض مشيئته الحرة و ليس نتاج مفاوضات توافقت على مخرجاتهاالإرادة المشتركة للقيصر و الفعاليات السياسية المعارضة لحكمه .
هذا، من إعمال النظر في المبادئ و أهمية التدابير التي تبنتها الحكومة الانتقالية التي شكلتها الفعاليات السياسية المدنية الروسية يستقيم القول بأنَّها قد أصابت نجاحا كبيرا، آخذين في الاعتبار قلة خبرتها السياسية الناجمة (ضمن معطيات أخرى) عن التعتيم و الحظر العام على العمل السياسي الحزبي و النقابي إبَّان الحقب المتعاقبة لحكم القيصري المطلق. من نافلة القول إنَّه إذا قدِّر للحكومة الانتقالية أنْ تنفذ برنامجها المعلن عنه ، كان من المنظور أنْ تختط لروسيا تحولا ديموقراطيا لبراليًا مغايرًا للذي أختاره لها اليساريون الثوريون الذين انقضوا على الحكومة الانتقالية و أطاحوا بها و استبدلوها بنظام السوفيت الشمولي الذي دشن بداية حقبة اتحاد الجمهوريات السوفيتية.
أمَّا فيما يتعلق بالتجربة السودانية التي مارس خلالها إدارة متعلقات المرحلة التاريخية الانتقالية ساسة مدنيون قد تحققت صيرورتها كمُحصَّلة لنجاح الانتفاضة الجماهيرية في أكتوبر من عام 1964م من جهةٍ، ونتيجة للمفاوضات الجادة التي ابتدرتها جبهة الهيئات (التي عمادها رموز أحزاب سياسية و ممثلي كيانات مدنية) و قادتها بحكمة وفطنة و اقتدار توصلت في نهايتها بنجاح إلى إبرام اتفاق سياسي عملي عبَّر عن توافق مشيئة إرادة الأطراف المتفاوضة (الحكومة و قوى المعارضة) سلم بمقتضى أحكامه العسكريون مقاليد الحكم إلى سلطة مدنية انتقالية مع تأمين و ضمان عدم مساءلتهم قضائيا عن جريرة خروجهم على الشرعية الدستورية في 17 نوفمبر من عام 1958م. إثر تنحي الفريق إبراهيم عبود عن السلطة، تمَّ بعد ذلك تشكيل مجلس تنفيذي انتقالي للإطلاع بمهام إدارة شئون البلاد خلال المرحلة التاريخية الانتقالية، شاركت في عضويته الأحزاب السياسية الفاعلة كحزب الأمة، الحزب الوطني الاتحادي، حزب الشعب الديموقراطي، جبهة الميثاق الإسلامي، الحزب الشيوعي السوداني، بممثل ٍ لكل ٍ، كما مُثِلتْ منظمات المجتمع المدني متجسِّدة في الهيئات النقابية و المنظمات المهنية مجتمعة بسبعة وزراء، كما مُثل الإقليم الجنوبي من البلاد بوزرين. تقلد المواطن سر الختم الخليفة سلطات الوزير الأول (رئيس مجلس الوزراء) خلال المرحلة التاريخية الانتقالية. مارست السلطة التنفيذية إبَّان المرحلة الانتقالية صلاحياتها بمقتضى أحكام ميثاق وطني انتقالي يتكون من سبعة بنود توافقت عليها مشيئة إرادة الهيئات السياسية المدنية الفاعلة في البلاد. حُدِّدتْ بمقتضى أحكامه مهام حكومة المرحلة الانتقالية في المحاور الآتية:
1/ تصفية الآثار السلبية لنظام الحكم العسكري البائد،
2/ إطلاق الحرِّيات العامة،
3/ رفع حالة الطوارئ و إلغاء القوانين السالبة و المقيدة للحريات الأساسية للإنسان،
4/ تأمين و تعزيز استقلال السلطة القضائية،
5/ تأكيد و ضمان استقلال الجامعة،
6/ إطلاق سراح كافة المعتقلين و المسجونين في قضايا سياسية،
7/ السعي إلى إيجاد حل ديموقراطي لمشكل جنوب السودان و العمل الفوري على وقف الحرب الأهلية في الإقليم الجنوبي من البلاد،
8/ انتهاج الدولة سياسة خارجية معادية للاستعمار.
هذا، بذلت الحكومة الانتقالية الأكتوبرية جهدا مقدرًا في سبيل إنجاز المهام التي أنيط بها تنفيذها، فعلى سبيل النمذجة أطلقت فورًا سراح السجناء السياسيين في معتقل شالايا و أفرغت المخافر من نزلائها من سجناء الفكر و
الضمير، عقدت مؤتمر المائدة المستديرة في إطار سعيها و تلمسها حل ديموقراطي لمشكل جنوب السودان، أجرت انتخابات حُرَّة نزيهة في البلاد تمَّ بمقتضاها بالاقتراع العام السري الحرّ المباشر انتخاب برلمان و حكومة نقلتْ إليهما إدارة المرحلة الانتقالية السلطة بكيفية سلسة ، مستهلة بذلك حقبة الديموقراطية الثانية التي دامت زهاء نصف عقد من الزمان حتى أنقضَّ العسكريون على سلطة الشرعية الدستورية في 25 من مايو من عام 1969م.
تعد المرحلة الانتقالية التاريخية اليمنية من أبرز تجليات مُسَمَّى الربيع العربي الذي أحدث تغيرات سياسية هامة في بعض البلدان التي شهدت وقائع أحداثه. يمكن القول بإيجاز و في شئ من التحفظ ، أنَّ الآلية التي أفضت إلي بروز المرحلة الانتقالية التاريخية في اليمن مماثلة إلى حَدّ ٍ ما لتلك الآلية التي مثلت مُدخلا إلى المرحلة الانتقالية التاريخية الأكتوبرية في السودان في عام 1964 المنوَّه إليها أعلاه ، من حيث أنْ المُدخل إلي المرحلتين الانتقاليتين كان توافق مشيئة إرادة الكيانين الحاكمين (المجلس العسكري برئاسة الفريق إبراهيم عبود في السودان) و (حزب المؤتمر الشعبي العام و حلفائه برئاسة السيد عبد الله صالح رئيس الجمهورية اليمنية) و قوى المعارضة السياسية (جبهة الهيئات في السودان) و (المجلس الوطني و حلفائه - أحزاب اللقاء المشترك) في اليمن. فقد توافقت مشيئة إرادتي حزب المؤتمر الشعبي العام و المجلس الوطني و حلفائه - أحزاب اللقاء المشترك على المبادئ المضمنة في متن ( المبادرة الخليجية و آليتها المُزمَّنة) ككيفية عملية لنقل السلطة و ممارستها خلال مرحلة انتقالية مُجزأة إلى فترات ، حُدِّدَتْ مهام بعينها أشترط إنجازها في فضاء كل حقبة زمنية معينة.
من بين أهم محاور المبادرة الخليجية التي اتفقت عليها مشيئة إرادة الحكومة و قوى المعارضة اليمنية الفقرات التالية :
1/ توقيع الاتفاق و تنحي رئيس النظام و تنصيب نائبه لرئاسة المرحلة الانتقالية،
2/ الدعوة إلى انتخابات رئاسية مُبكرة في موعدٍ لا يتجاوز 90 يوما من تاريخ البدء في تنفيذ الآلية التنفيذية المُزَمَّنة، 3/ تشكيل حكومة الوفاق الوطني خُصِّص منصب رئيس الوزراء فيها لمرشح قوى المعارضة مع تقاسم الحقائب الوزارية بالتساوي بين طرفي الاتفاق مع مراعاة تمثيل عادل للمرأة.
تمثلت مهام حكومة الوفاق الوطني اليمني للفترة الانتقالية على السعي الجاد و إنجاز :
العمل على إنهاء العنف و وقف انتهاكات حقوق الإنسان، (أ)
(ب) فض الاشتباكات بين القوات المسلحة و التشكيلات المسلحة و المليشيات و الجماعات المسلحة الأخرى،
(ج) ضمان عودة التشكيلات المسلحة إلى ثكناتها،
(د) ضمان حرَّية التنقل و تحقيق الأمن في جميع أنحاء البلاد،
(ه) العمل على حماية المدنيين،
(و) تيسير و تأمين وصول المساعدات الإنسانية حينما تدعو الحاجة،
(ز) إصدار تعليمات قانونية و إدارية ملائمة إلى جميع فروع القطاع الحكومي للالتزام الفوري بمعايير الحكم الرشيد و سيادة القانون،
(ح) التصرف وفقا للقانون و المعايير الدولية، و إطلاق سراح الذين احتجزوا بصفة غير قانونية.
هذا، و قد حُدِّدتْ صلاحيات و سلطات نائب الرئيس و حكومة الوفاق الوطني في اتخاذ التدابير الكفيلة بتنفيذ متعلقات المبادرة وفقا لأحكام آليتها التنفيذية المُزَّمَنة التي تقضي اقتصاديا على سبيل النمذجة ب:
1- وضع و تنفيذ برنامج أولي لتحقيق الاستقرار الاقتصادي و التنمية،
2- تلبية الاحتياجات الفورية للسكان في جميع مناطق اليمن،
3- تنسيق العلاقات مع الجهات المانحة في المجال الإنمائي،
4- ضمان أداء المهام الحكومية على نحو منتظم،
5- الموافقة على ميزانية مؤقتة و الإشراف الإداري على جميع جوانب مالية الدولة و ضمان الشفافية و المسائلة الكاملتين،
6- اتخاذ الخطوات التشريعية و الإدارية لضمان إجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة خلال 90 يوما من بدء نفاذ هذه الآلية.
7- الإعداد لمؤتمر الحوار الوطني، بتشكيل لجنة حكومية للاتصال مع حركات الشباب و إطلاق حوار مفتوح حول مستقبل البلاد،
8- في غضون 5 أيام من بدء تنفيذ الآلية يشكل نائب الرئيس لجنة الشئون العسكرية و تحقيق الأمن و الاستقرار
تعمل على إنهاء الانقسام في القوات المسلحة و معالجة أسبابه و غير ذلك من المهام.

تجدر الإشارة هنا إلى أنَّه على الرغم من المعوقات التي اعترضت جهود القائمين على إدارة متعلقات المرحلة الانتقالية في اليمن فقد تمَّ إنجاز الكثير من المهام ، فعلى سبيل النمذجة تمَّ تنازل رئيس النظامالسابق و تقلد نائبة مهام الرئاسة، و الذي بدوره تعاون مع قِوَى المعارضة السياسية على تشكيل حكومة التوافق الوطني برئاسة محمد سالم باسندوه، و اقتسام الحقائب الوزارية مناصفة بين حزب المؤتمر الشعبي العام و حلفائه من جهةٍ، و المجلس الوطني و حلفائه- أحزاب اللقاء المشترك من جهةٍ أخري. تمَّ أيضا إنجاز تنفيذ بنود المبادرة المتعلقة بإجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة التي تقلد بمقتضاها مرشح التوافق عبد ربه هادي منصور سلطات رئيس الجمهورية.
يجدر التنوِّيه هنا إلى أنَّه في سياق اتخاذ تدابير قانونية تيسيرًا للشروع في الحوار الوطني الشامل أصدر رئيس الجمهورية المنتخب عبد ربه هادي منصور قرارًا بتشكيل لجنة التوفيق لمؤتمر الحوار الوطني. تمَّأيضا إنجاز تنفيذ قرارات إعادة هيكلة الجيش و إعادة الوحدات إلى ثكناتها، و إعادة المُسرَّحين من أعمالهممنذ الحرب الأهلية في 1994م في المحافظات الجنوبية عسكريين و مدنيين إلى وحداتهم و مواقع أعمالهم.
(ب/6)- مجلس عسكري يُشرف على حكومة مدنية تطلع بإدارة شؤون مرحلة تاريخية انتقالية
إثر الاحتجاجات الجماهيرية التي تحولت إلى حراك شعبي عنيف رافض ولاية نظام الحكم العسكري الذي أوجده (آنئذٍ) العقيد جعفر محمد النميري بانقلابه على حكومة الشرعية الدستورية في 25 من مايو من عام 1969م، و كتدبير وقائي من أجل حقن دماء المواطنين السودانيين من جهةٍ، و تفاديًا لاستشراء الفوضى في البلاد أطاح المشير عبد الرحمن سوار الذهب عبر انقلاب عسكري أبيض بنظام جعفر النميري في 6 من أبريل من عام 1985م. وصف سوار الذهب حقبة حكمة بالفترة الانتقالية إثر إمساكه بمقاليد السلطة في إعلانه الأول الذي جاء فيه "ظلت قوات الشعب المسلحة... تراقب الموقف الأمني المتردي في أنحاء الوطن، و ما وصل إليه من أزمة سياسية بالغة التعقيد. إنَّ قوات الشعب المسلحة حقنا للدماء، و حفاظا على استقلال الوطن، و وحدة أراضيه، قد قرَّرت بالإجماع أنْ تقف إلى جانب الشعب ... و أنْ تستجيب إلى رغبته في الاستيلاء على السلطة و نقلها للشعب عبر فترة انتقالية مُحدَّدة..." هذا، في 9 من أبريل أعلن المشير سوار الذهب عن تشكيل مجلس عسكري انتقالي ليمارس السلطة التشريعية برئاسته و حكومة (سلطة تنفيذية) مدنية برئاسة المواطن الطبيب ا الجزولي دفع الله. أنجز المشير سوار الذهب و مجلسه العسكري الانتقالي وعدهما، فأجريت انتخابات عامة حرَّة وفقا لمبدأ الاقتراع السري الحر و المباشر في ظل مناخ أمني ملائم انتخبت بمقتضاها جمعية تأسيسية أنيطت بها مسئولية وضع دستور دائم للبلاد من جهةٍ، و انتخبت حكومة ديموقراطية تولى رئاستها الصادق المهدي (رئيس حزب الأمة) حين تقلد أحمد الميرغني (زعيم الحزب الاتحادي الديموقراطي) رئاسة مجلس رأس الدولة، بينما تولى حسن الترابي (زعيم الجبهة الإسلامية القومية) منصب زعيم المعارضة البرلمانية. سلم المشير سوار الذهب مقاليد السلطة إلى ممثلي الشعب المنتخبين ديموقراطيا بعد إنجازه بنجاح متعلقات المرحلة التاريخية الانتقالية.
تجدر الإشارة هنا إلى أنَّه على الرغم من أنَّ الآلية التي أنهتْ حقبة حكم جعفر النميري (ستة عشر عاما و نيف) و أدارت شئون الحكم خلال المرحلة الانتقالية كانت انقلابا عسكريًا و ليست مفاوضات بين الأحزاب السياسية و كيانات المجتمع المدني المعارضة من جهة ، و رموز حكومة النميري من جهة أخرى ، إلا أنَّ التحول إلى نظام حكم ديموقراطي كان سلميا و سلسا باركته مشيئة إرادة كافة القوى السياسية و منظمات المجتمع المدني في البلاد.
ما تقدَّم من تشخيص لواقع تباين الآليات المُفضية إلى تدشين حقب مراحل انتقالية ، و تبيان اختلاف ماهية الكيانات التي أطلعت بإدارة شؤونها في البلدان المنوَّه إليها أعلاه ، يمثل (التشخيص) مُدخلا موضوعيًا إلى الحديث عن الطبيعة الوسطية للمرحلة الانتقالية من جهةٍ، و لمناقشة طبيعة المهام الآنية التسيرية و تلك التأصيلية الدائمة التي يسعى لإنجازها في فضاء المرحلة الانتقالية من جهةٍ أخرى ، ذلك وفقا للنسق التالي.
الطبيعة الوَسَطِيَّة للمرحلة الانتقالية :
لا تثريب على القول مجازًا بأنَّ المرحلة الانتقالية هي طور فاصلٌ واصلٌ، فاصل من حيث كونه يفصل زمنيا بين حقبتي النظام البائد من جهةٍ ، و النظام المستشرف المأمول تأسيس ركائزه من جهةٍ أخرى. أمَّا من حيث كونها طور واصل ، باعتبارها برزخ (جسْر) يصل بين حقبتين زمانيتين ، حقبة الماضي السابقة عليها في الزمان و حقبة المستقبل اللاحقة عليها في التاريخ ، إذ ْ تشكل الحقب الثلاث مع بعضها البعض مجمل الحلقات الزمانية لمسلسل السيرة التاريخية لأمة أو لشعب ما. إنَّ أجَل المرحلة الانتقالية ( فضاءها الزمني)غالبا ما يتم تحديده في متن ميثاق تتوافق عليه مشيئة إرادة القوى السياسية المتعاقدة . في معظم الأحايين يُسدل الستار على فترة المرحلة الانتقالية بتدشين حقبة حكومة منتخبة يفوض إليها دستوريًا صلاحيات الإطلاع بمسؤولية ممارسة السلطة العامة لحكم البلاد و إدارة شؤونها عبر مؤسسات الدولة وفقا لمقتضيات حكم القانون.
أمَّا من حيث المهام الوظيفية المُستهدف إنجازها في فضاء المرحلة الانتقالية ، يمكن القول أنها تتمحور ( من بين معطيات أخرى) في اتخاذ تدابير إجرائية ذات طابع إداري تسييري ، و مهام وظيفية تتعلق بإصلاحات بنيوية تحتية من جهةٍ ، و مهام تأصيلية تتعلق بمراجعة و تقويم منظومة البنية الفوقية(القيم و المبادئ و الموجهات الروحية و الفكرية) من جهةٍ أخرى. إليك بيان ذلك في تفصيل موجز في فضاء الفقرات الآتية.
1- المهام الوظيفية التسييرية و البنيوية التحتية في المرحلة الانتقالية
من بين المهام الوظيفية البنيوية التحتية و الإدارية التسييرية الهامة المنظور و المأمول إنجازها خلال المرحلة الانتقالية اتخاذ تدابير و إجراءات عملية ناجعة تتعلق في بعض جوانبها بتأمين استمرارية و نجاح إدارة المرحلة
الانتقالية ، كاستمالة و تحييد المؤسسات الاستراتيجية و تلك الحيوية التي تمثل مصدر قوة السلطة المتفاوض معها. بالجُمْلة فتِّ عضد قِوَى النظام القابض على السلطة بكل الوسائل المتاحة من أجل تحقيق إذعانه و رضوخه، كاستصدار مراسيم تقضي بحلِّ المؤسسات العسكرية المسلحة ذات الولاء الخاص ( كالقوات الخاصة و الكيانات الأخرى الموازية شبه العسكرية) الموالية لرموز السلطة المتفاوض معها ، و تسريح مُجندي المليشيات الشعبية و نزع سلاحها، إعلان مراسيم ذات صفة دستورية تقضي بالتعطيل الفوري أو تعديل أحكام الدستور الساري عند الاقتضاء ، و إلغاء مواد القوانين و اللوائح الإدارية المقيدة للحريات العامة و تلك التي تتعارض أحكامها مع أهداف المرحلة الانتقالية و التحول المستقبلي و ما إلى ذلك من تدابير قانونية وإجراءات إدارية حاسمة. من بين التدابير ذات الصلة بتفكيك المؤسسات الدَّاعِمة للسلطة المُتفاوض معها و تعطيل التشريعات التي تتعارض مبدئيًا و وظيفيا مع توجهات المرحلة الانتقالية، على سبيل النمذجة جملة التدابير التي توافقت عليها مشيئة إرادة القوى السياسية في جمهورية اتحاد جنوب أفريقيا من أجل تغيير نظام الفصل و الميز العنصري. إذ ْ تمَّ الاتفاق على وضع دستور مؤقت يحكم مرحلة الانتقال التاريخية في السيرة السياسية لشعوب جمهورية اتحاد جنوب أفريقيا الذي بمقتضاه تمَّ وقف العمل بأحكام الدستور المُكرِّس لسياسة الفصل العنصري، في هذا السياق تنصّ الفقرة (2) في الباب السادس من

الفصل الثالث من دستور جنوب أفريقيا الانتقالي على "تسري أحكام هذا الفصل على كل قانون نافذ، و على كل القرارات الإدارية التي تمّ تبنيها و الأعمال الممارسة بمقتضاها فترة نفاذ هذا الدستور"، و تعطيل أحكام القوانين و التشريعات و اللوائح الإجرائية و المراسيم الإدارية التي تتعارض مع أهداف المرحلة الانتقالية سيما قانون تسجيل
الذي يقضي بتصنيف المواطنين على أساس العرق "The Registration Act No. 30 of 1950" السكان -
و تسجيلهم في أضابير و ملفات تؤكد الفصل و التمييز بينهم عنصريًا و على أساس اللون ( أبيض، أسود و ملون آسيوي)، و قانون حظر الزواج بين مواطني البلاد من ذوي الأعراق المتباينة
، و قانون- حظر الاختلاط في وسائل النقل "Prohibition of Mixed Marriages, Act No. 55 of 1949"
."Reservation of Separate Amenities, Act No.49 of 1953"العامة بين البيض و غيرهم -
في ذات السياق أصدر المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا الإعلان الدستوري المؤقت الذي تنصّ المادة (34)منه على " تلغى الوثائق و القوانين ذات الطبيعة الدستورية المعمول بها قبل العمل بهذا الإعلان." في ذات سياق تمَّ إلغاء ما يتعارض فقط من أحكام التشريعات و اللوائح التنظيمية الإدارية السارية مع مقاصد المرحلة الانتقالية ينصّ متن المادة (35) من الإعلان الدستوري المؤقت في ليبيا على "يستمر العمل بجميع الأحكام المقرَّرة في التشريعات القائمة، فيما لا يتعارض مع أحكام هذا الإعلان..."
يجدر التنويه هنا إلى حقيقة هامة مفادها أنَّ الفعاليات التي تطلع بأعباء إدارة متعلقات المراحل الانتقالية تمارس السلطات العامة التي تخولها لأنفسها، إمَّا عملا بمقتضى مُسمَّى الشرعية الثورية فتجعل من أنفسها سلطة الأمر الواقع
فتصدر المراسيم و الإعلانات ذات الطبيعة الدستورية كحال الحكومة الانتقالية في "The De Facto Authority"
ليبيا حين أصدرت الإعلان الدستوري المؤقت الذي تؤكد ديباجته على مفهوم الشرعية الثورية بالنصِّ على "إيمانا بثورة السابع عشر من فبراير 2011م...و استنادا إلى شرعية هذه الثورة... فقد رأى المجلس الوطني الانتقالي، أنْ يصدر هذا الإعلان الدستوري ليكون أساسًا للحكم في المرحلة الانتقالية." أو تمارس الفعاليات القائمة على أمر تدبير و إدارة شئون المراحل الانتقالية الصلاحيات المخولة لها عملا بمقتضى الشرعية الدستورية بتبنيها الدستور الساري الموروث عن النظام المثار عليه بعد إجراء تعديلات على بعض بنود متون مواده كان ذلك بالحذف، أو بالإضافة أو
كحال ما جرى في "The De Jure Authority"بالاثنين معا معتبرة بذلك أنفسها سلطات شرعية دستورية
التي تولت مهمة إدارة "The Care Taker Government"جمهورية مصر العربية عندما قامت حكومة العناية
متعلقات المرحلة الانتقالية إثر تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، إذ ْ عدَّلتْ الحكومة الانتقالية العسكريةبعض مواد دستور جمهورية مصر العربية لعام 1971م، ثمّ أجرت عليه استفتاءًا شعبيًا لإجازته بغية إضفاء شرعية قانونية عليه بإلحافه قميص الإرادة الشعبية ، و من ثمَّ حكمت بمقتضاه باعتباره وثيقة قانونية جديدة بمسمى الإعلان الدستوري و الذي أسست بمقتضاه لنفسها شرعية ممارسة السلطة عملا بمنطوق أحكام متن المادة (56) التي تنصّ على "يتولى المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد...". أجُمِلتْ حصرًا مهام الحكومة العسكرية التي كلفت بتدبير إدارة متعلقات المرحلة الانتقالية في جمهورية مصر وفقا لمنطوق متن المادة (56) من الإعلان الدستوري للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في: "1- التشريع، 2- إقرار السياسة العامة للدولة و الموازنة العامة و مراقبة تنفيذها، 3- تعين الأعضاء المُعِينين في مجلس الشعب، 4- دعوة مجلس الشعب و الشورى لانعقاد دورته العادية و فضِّها، و الدعوة لاجتماع غير عادي و فضِّه، 5- حقّ إصدار القوانين و الاعتراض عليها، 6- تمثيل الدولة في الداخل و الخارج، و إبرام المعاهدات و الاتفاقيات الدولية... 7- تعيين رئيس مجلس الوزراء و نوابه، والوزراء و نوابهم و إعفائهم من مناصبهم، 8- تعيين الموظفين المدنيين و العسكريين و الممثلين السياسيين و عزلهم على الوجه المبين في القانون، و اعتماد ممثلي الدول الأجنبية السياسيين، 9- العفو عن العقوبة أو تخفيفها... 10- السلطات و الاختصاصات الأخرى المقرَّرة لرئيس الجمهورية بمقتضى القوانين و اللوائح، و للمجلس أنْ يفوض رئيسه أو أحد أعضائه في أي من اختصاصاته."
أمَّا المهام المحورية التأصيلية للسلطة القائمة على إدارة شؤون المرحلة الانتقالية ستكون موضوعا للنظر في فضاء الفقرة التالية.
2- المهام و التدابير التأصيلية في المرحلة الانتقالية
المهام التأصيلية للمرحلة الانتقالية يمكن القول في سياق عام تشمل (ضمن معطيات أخرى) وضع مبادئ قاعدية و موجهات محورية حاكمة تؤسس على هديها نظم الحكم المستقبلية، على سبيل النمذجة من بين تلك الموجهات القاعدية، تحديد المبادئ القانونية الدستورية الحاكمة التي تعرِّف بطبيعة النظام، الاقتصادي، الاجتماعي و الثقافي للدولة، تشخِص طبيعة النظام السياسي من حيث كونه ملكيا دستوريًا، جمهوريًا رئاسيًا أو برلمانيًا من جهةٍ، و من حيث طبيعة الدولة من حيث كونها بسيطة أم مُركبة (فدرالية) من جهةٍ أخرى، و من حيث علاقة الرقابة المتبادلة بين مؤسسات السلطة الرئيسة في الدولة (التشريعية، التنفيذية و القضائية)، تؤكد على حقوق المُوَاطنة و حقوق الإنسان و حرِّياته الأساسية، تبيِّن علاقة الدولة بالدين ، توضح علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة المدنية الدستورية من حيث إمْرَة و إذعان الأولى للثانية، تحدِّد معايير مشاركة الأقاليم في السلطة المركزية و آليات و طرائق ممارسة الحكم الذاتي الأقليمي (عند الاقتضاء) من جهةٍ ، و الحكم المحلي من جهةٍ أخرى، و وضع معايير توزيع الثروة القومية بينها من حيث إدارة الموارد القومية الاستراتيجية الطبيعية المتجدِّدة و غير المتجدِّدة، تكييف الوضع القانوني للمصرف المركزي، تحدِّد المسؤوليات و السلطات الدستورية للهيئات الاستراتيجية في الدولة كالمحكمة الدستورية، مفوضية حقوق الإنسان، مفوضية إدارة و مراقبة الانتخابات و الاستفتاءات العامة، تؤكد على ضمان حرية الصحافة،ضمان حِيدة و استقلال و سائل الإعلام المرئي، المسموع و المقروء( الورقي و الإسفيري) و كيفية ملكيتها، ضمان استقلال و حِياد منظمات المجتمع المدني و غير ذلك من المهام المحورية التأسيسية و الضرورية لبناء دولة مؤسسات قانونية مدنية ديموقراطية.
هذا، وفقا للسياق التاريخي يمكن القول في غير تفصيل، تمَّ تبني مبادئ مماثلة للمنوَّه إليها أعلاه من قِبَل معظم الفعاليات السياسية التي نهضت بمسئولية إدارة متعلقات المراحل التاريخية الانتقالية في عدد من بلدان المعمورة كأسبانيا إثر رحيل الجنرال فرانكو، جمهورية اتحاد جنوب أفريقيا، أندونيسيا، جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة (بعد انفراط عقدها)، جمهورية بولندا، جمهورية هنغاريا ، جمهورية بلغاريا ، بالجملة دول أوروبا الشرقية الأخرى ذات الأنظمة الشمولية. لضيق حيز فضاء هذا البحث، سأستعرض على سبيل النمذجة بتفصيل موجز بعض جوانب المهام المحورية التأصيلية التي أنجزتها الفعاليات السياسية التي نهضت إبَّان المرحلة التاريخية الانتقالية بعبء التأسيس لجمهورية اتحاد جنوب أفريقيا الجديدة .
تميَّزت المبادئ التي توافقت عليها مشيئة القِوَى السياسية التي نهضت بمسئولية إدارة مهام المرحلةالانتقالية
تعلو و تسمو على كافة أحكام Peremptory Normsفي جمهورية اتحاد جنوب أفريقيا بكونها مبادئقانونية آمرة
التشريعات المعمول بها في البلاد حالة عدم إتسقاقها مع أحكامها. ضُمِّنتْ تلك القواعد الأساسية متن مسودة وثيقة دستور جمهورية اتحاد جنوب أفريقيا المؤقت المقترح الذي تمَّتْ إجازته بإجماع ممثلي الفعاليات السياسية الجنوب أفريقية ، إليك فيما سيأتي نماذج منها وفق السياق التالي:
1- مبادئ مُقرِّرة و مُعزِّزة للحقوق السياسية
في الباب (6) من الفصل الثاني من الدستور الانتقالي لجنوب أفريقيا الصادر في 27 من (أ/a) ينصّ متن الفقرة
أبريل من عام 1994م على "كل شخص مواطن جنوب أفريقي...بلغ 18 عاما أو أكثر...لم تسقط أهليته بمقتضى أحكام أي قانون، يحقّ له الاقتراع في انتخابات الجمعية الوطنية، التشريعية الإقليمية، و الحكومات المحلية و الاستفتاءات المنصوص عليها في هذا الدستور..."
2- مبادئ مُقرِّرة و مُعزِّزة لحقّ المساواة أمام القانون
في هذا السياق ينصّ منطوق متن الفقرة (1) في الباب الثامن من الفصل الثالث من دستور جنوب أفريقيا المنوَّه إليه أعلاه على "لكل شخص الحقّ في المساواة أمام القانون و حقّ الحماية القانونية"
3- مبادئ تحظر ممارسة التمييز العنصري
تنصّ الفقرة (2) في الباب (8) من الفصل الثالث من الدستور المشار إليه أعلاه على "يُحظر التمييز ضد أي شخص ... "
4- مبادئ مُعزِّزة لكرامة الإنسان
ينصّ متن الباب (10) من الفصل (3) من الدستور المنوّه إليه أعلاه على " لكل شخص الحقّ في أنْ تحترم و تصان كرامته."
5- مبادئ تحظر الاستعباد و عمل السخرة
في هذا السياق ينصّ متن الباب (12) من الفصل الثالث من الدستور المذكور أعلاه على "لا يُخْضَع أي شخص للعبودية و عمل السُخْرَة."
6- مبادئ مقرِّرة و معزِّزة لحقوق الإنسان و صائنة لحرياته الأساسية
أفرد الدستور المؤقت لجمهورية اتحاد جنوب إفريقيا المشار إليه أعلاه أحكام الباب (21) منه لحماية و صون و تعزيز منظومة حقوق الإنسان سيما المدنية و السياسية. فيما يتعلق بالحقوق السياسية على سبيل النمذجة، ينصّ متن الفقرة (2) في الباب (21) من الفصل الثالث على "لكل مواطن حقّ الاقتراع و الترشيح لتقلد منصب عام."
هذه أمثلة للمبادئ القاعدية الآمرة التي ضُمنت في متن الدستور المؤقت الذي ضبطت بمقتضى أحكامه المهام التأصيلية إبَّان المرحلة الانتقالية التي عايشتها جمهورية اتحاد جنوب أفريقيا أوردتها على سبيل النمذجة .
إنَّ تجربة المرحلة التاريخية الانتقالية لجمهورية اتحاد أفريقيا قد ألهمت بعض دول أوروبا الشرقية ذات النظم الشمولية عند تحولها إلى نظم ديموقراطية و من ثمَّ نهلت من معينها سيما بتبني قواعد قانونية آمرة مثلت مرتكزات قانونية دستورية لا حيدة عنها كضمان لبناء دولة المؤسسات القانونية المدنية الديموقراطية التي يتساوى تحت مظلتها رعاياها في حقوق و التزامات المواطنة ، و تصان فيها حقوق الإنسان و تعزَّز حرياته الأساسية. على سبيل النمذجة ،
" Peremptory Norms" ضَمَّنتْ معظم دول أوروبا الشرقية متون دساتيرها المؤقتة مبادئ و قواعد آمرة
ألغتْ بمقتضى أحكامها مواد تعسفية تجسِّد و تقرّ و تعزِّز التمييز بين مواطنيها على أساس المعيار الطبقي من جهةٍ،
و تقنن احتكار ممارسة السلطة العامة في الدولة على أسس عقائدية أيديولوجية من جهةٍ، و تجيز وصاية الدولة و فرض هيمنتها بالتدخل بتوجيه الحياة الاقتصادية لمواطنيها من جهةٍ أخرى. على سبيل النمذجة نصت الفقرة (1) من المادة (1) في الفصل الأول من دستور بلغاريا الصادر في 16 من مايو من عام 1971م على أنَّ "جمهورية بلغاريا الشعبية دولة لعمال المدن و الريف الاشتراكيين بزعامة الطبقة العاملة". في سياق تقنين احتكار الحزب الشيوعي ممارسة السلطة و إقصاء الفعاليات السياسية الأخرى نصَّت الفقرة (2) من المادة (1) من دستور بلغاريا المذكور أعلاه على أنَّ "الحزب الشيوعي هو القوة القائدة في المجتمع و الدولة البلغارية". أما عن احتكار و هيمنة الدولة و وصايتها على الحياة الاقتصادية للشعب البلغاري نصت الفقرة (1) من المادة (16) على أنَّ "ملكية المؤسسات، المصانع، المصارف، الأراضي، الموارد الطبيعية، المصادر المائية،...هي ملكية عامة للدولة." (نقل عن الإنجليزية بتصرف). تمَّ إلغاء المواد التعسفية و استبدالها بمبادئ قانونية آمرة ذات وجه إنساني تقرّ المساواة في حقوق المواطنة سيما الحقوق السياسية و تحظر ممارسة التمييز تحت أي مسوغ كان، في هذا السياق تنصّ الفقرة (2) في المادة (6) من دستور بلغاريا الانتقالي لعام 1991م على "المواطنون متساوون أمام القانون، لا امتيازات أو قيود تفرض عليهم بسبب العنصر، الجنسية، أو الخلفية الاجتماعية، الهوية العرقية، النوع، الدين، الرأي، الانتماء السياسي، الوضع الشخصي أو الاجتماعي..." (نقل عن الإنجليزية بتصرف). أمَّا في سياق حظر احتكار السلطة في دولة المواطنة البلغارية لمسوغ طبقي من جهةٍ، و كسر احتكار الحزب الشيوعي لممارسة السلطة دون غيره لدواعي إيديولوجية تنصّ الفقرة (3) من المادة (1) في الفصل الأول من دستور بلغاريا المنوَّه إليه أعلاه على "لا يحقّلجزء من الشعب، و لا لحزب سياسي، أو لأي منظمة أخرى، أو وكالة للدولة أو فرد احتكار حقّ التعبير عن سيادة الشعب." (نقل عن الإنجليزية بتصرف). يعزِّز منطوق متن الفقرة (2) من المادة (11) من الدستور البلغاري المشار إليه أحكام الفقرة (3) المنوَّه إليها أعلاه التي تحظر احتكار ممارسة السلطة لأي حزب بمقتضى مسوغ عقائدي سياسي بالنصّ على " يُحظر الإعلان عن كينونة حزب سياسي أو أيديولوجي حزبًا أو أيديولوجية للدولة." ( نقل عن الإنجليزية بتصرف). في سياق حظر احتكار و تدخل الدولة بتخطيط الحياة الاقتصادية للشعب البلغاري تمَّ تبني مبادئ اقتصاد السوق الحرّ الذي تغل فيه يد الدولة و يحظر عليها التدخل لترشيد أو إخضاع الاقتصاد إلى هيمنة و توجيه إدارة تخطيط مركزية في هذا المعنى ينصّ متن الفقرة (2) من المادة (19) من دستور
جمهورية بلغاريا لعام 1991م المنوَّه إليه أعلاه على "على الدولة توفير الفرص المتساوية و الضمانات القانونية للأنشطة الاقتصادية لجميع المواطنين و الكيانات المشروعة، ذلك بحظر الاحتكار و المنافسة غير النزيهة..." ( نقل عن الإنجليزية بتصرف). أمَّا في دولة هنغاريا الشعبية فقد تمَّ أيضا تقنين التمييز بين مواطني البلاد بمقتضى التقسيم الطبقي للشعب حيث تمَّ تفضيل الطبقة العاملة على غيرها من شرائح المجتمع الهنغاري،في هذا السياق نصَّتْ الفقرة (2) من المادة (2) في الفصل الأول من دستور جمهورية هنغاريا الشعبية الصادر في 19 من أبريل من عام 1972م على "كل السلطة في جمهورية هنغاريا ملكا للشعب العامل." (نقلبتصرف عن الإنجليزية). في إطار المفاضلة بمقتضى الأيديولوجية السياسية قنِّن احتكار الحزب الشيوعي الهنغاري موقع قيادة و ريادة الشعب دون غيره من الفعاليات السياسية في البلاد بالنصّ في متن المادة (3) في الفصل الأول من دستور دولة هنغاريا المنوَّه إليه أعلاه على "حزب الطبقة العاملة الماركسي - اللينيني هو القوة الاجتماعية القائدة..." ( نقل بتصرف عن الإنجليزية). هذا، فقد أضفيت شرعية دستورية على وصاية و هيمنة الدولة على الحياة الاقتصادية للشعب الهنغاري ذلك بالنصّ في متن المادة (7) في الفصل الأول من دستور هنغاريا لعام 1972 على "نمط الحياة الاقتصادية في جمهورية هنغاريا تقرِّرَه الخطط الاقتصادية للدولة." (نقل بتصرف عن الإنجليزية). ألغت الفعاليات التي اطلعت بإدارة متعلقات المرحلة التاريخية الانتقالية في هنغاريا الأحكام الدستورية المُقنِّنة للتمييز و استبدلتها بأخرى ذات مضمون ديموقراطي تحظر ممارسات التمييز بين المكونات المجتمعية للشعب الهنغاري بجعل السلطة ملكا لكل قطاعات الأمة الهنغارية، ذلك بالنصِّ في متن الفقرة (2) من المادة (2) في الفصل الأول من دستور جمهورية هنغاري لعام 1997م على " في جمهورية هنغاريا السلطة العليا مملوكة للشعب، الذي يمارس سلطته السيادية مباشرة و عبر ممثليه المنتخبين." (نقل بتصرف عن الإنجليزية). كذلك قنَّنتْ المساواة بين الفعاليات السياسية الهنغارية في ممارسة الحقوق السياسية و من تمَّ إلغاء امتياز احتكار الحزب الشيوعي و طبقة الشغيلةللانفراد بحكم البلاد دون غيرها ذلك بالنص في متن الفقرة (3) من المادة (3) في الفصل الأول من دستور جمهورية هنغاريا لعام 1997م على "...لا يجوز لحزب واحد أنْ يمارس بمفرده التحكم في الحكومة..." (نقلبتصرف عن الإنجليزية). كما أكد الدستور الانتقالي على حقوق المواطنة سيما حقَّ المشاركة في إدارة شئون البلاد من خلال تقلد الوظائف العامة ذلك بالنصِّ في متن الفقرة (1) من المادة (70) في الفصل الثاني عشر من الدستور المنَّوه إليه أعلاه على "لكل مواطن هنغاري بالغ...حقّ أنْ يُنتخب، و حقّ الاقتراع في الانتخابات البرلمانية، انتخابات الحكومات المحلية، أو انتخابات الاقليات لممارسة الحكم الذاتي... بالإضافة إلى المشاركة في الاستفتاءات الوطنية و المحلية..." (نقل بتصرف عن الإنجليزية). عزَّز منطوق متن الفقرة (4) من المادة (70) المشار إليها أعلاه حقّ المشاركة في حكم البلاد بالنصِّ على" لجميع المواطنين الهنغاريين حقّ المشاركة في العلاقات العامة إضافة إلى ذلك تولي وظائف عامة وفقا
لمؤهلاتهم التعليمية و قدراتهم المهنية." (نقل بتصرف عن الإنجليزية). هذا، في سياق صون و تعزيز الحقوق الاقتصادية للإنسان حُظر دستوريا تدخل الدولة لتوجيه و للتحكم في مسار الاقتصاد بل حصرت مسئوليتها في توفير الضمانات القانونية الكفيلة بتأمين المنافسة المشروعة و النزيهة بين الفاعلين الاقتصاديين في ميادين الاقتصاد الحرّ
ذلك بالنصّ صراحة في متن الفقرة (1) من المادة (9) من دستور جمهورية هنغاريا المنوَّه إليه أعلاه على "اقتصاد هنغاريا هو اقتصاد السوق..." و تنصّ الفقرة (2) من المادة (9) المشار إليها أعلاه على "جمهورية هنغاريا تعترف و تشجع حقّ الاتجار الحرّ و حرية المنافسة الاقتصادية." (نقل بتصرف عن الإنجليزية). هذا، يجدر التنويه هنا إلى المتعلقة بحقوق المواطنة و الحقوق و الحريات"Peremptory Norms"أنَّ منظومة المبادئ القانونية الآمرة
الأساسية للإنسان قد أفرد لها في دستور جمهورية بلغاريا متون المواد(25، 28 حتى 61) من الفصل الثاني
من دستورعام1991 م، بينما خصَّص دستور جمهورية هنغاريا لعام 1997م لذات المبادئ أحكام متون المواد (54 حتى 70) من الفصل الثاني عشر منه .
تجدر الإشارة في هذا المقام إلى أنَّ استمرار توافق مشيئة إرادة الفعاليات السياسية المتباينة المشارب الفكرية و الأيديولوجية إبَّان الآجال الزمنية للمراحل التاريخية الانتقالية هو شرط لازم لإنجاز المهام الإدارية التسيرية و تلك التأصيلية . في أغلب الأحوال يُعَزَّز ذلك التوافق بإبرام مواثيق تعاون و تعاضد تلتزم بمقتضى أحكامها جميع الأطراف على تجميد (تأجيل مؤقت تكتيكي) خلافاتها العقائدية و الأيديولوجية ذلك بُغيَّة إيجاد مناخ ملائم للعمل الجماعي تحقيقا للأهداف المشتركة التسيرية الإدارية و تلك الإستراتيجية التأصيلية المُتوافق على إنجازها خلال مرحلة الانتقال التاريخي. لقد درجت فعاليات سياسية عديدة في الدول التي مرَّتْ بمراحل تاريخية انتقالية كجنوب أفريقيا و دول أوروبا الشرقية (كبولندا، هنغاريا، بلغاريا، و رومانيا و غيرها) على إبرام مواثيق تهدف من ورائها
تمتين تماسك أحلافها النضالية. على سبيل النمذجة أبرمت القوى السياسية الفاعلة في جمهورية اتحاد جنوب إفريقيا في فبراير من "Convention for Democratic South Africa"ميثاق من أجل جنوب إفريقيا ديموقراطية
عام 1993م ، ضُمِّنَ متنه بنودًا جَسَّدتْ المبادئ المحورية التي يمكن أنْ تأسس على هديها دولة المُواطنة
الديموقراطية . جاء في متن الميثاق الجنوب إفريقي المنوَّه إليه أعلاه (ضمن معطيات أخرى) ما سيأتي :
" نحن المُمَثلونَ المُخولون رسميا من قبل الأحزاب السياسية، المنظمات و الإدارات الحكومية و حكومة جنوب إفريقيا، نلتقي معا في هذا الاجتماع الأول لمؤتمر من أجل جنوب إفريقيا ديموقراطية ، ندرك عِظمَالمسؤولية الملقاة على عواتقنا في هذه اللحظة الهامة من تاريخ بلادنا، نتعهد بالالتزامات التالية :
1- بناء جنوب إفريقيا المتحدة كيانًا لأمَّة واحدة ذات ولاء واحد، و مواطنة مشتركة، نراعي تنوعنا، حريتنا،نقرّ مبدأ المساواة ،و نصون أمن الجميع دون اعتبار للعنصر، اللون، النوع، أو معتقد. بلد متحرِّر من الميز العنصري و أي شكل من أنماط الهيمنة.
2- نعمل من أجل اندمال شروخ الماضي، لِنعزِّز تقدّم الجميع و بناء مجتمع معافى، منفتح مؤسس على قيم الديموقراطية ، حيث تصان قانونيًا كرامة و حقوق كل جنوب إفريقي.
3- نناضل من أجل تحسين نوعية حياة شعبنا عبر سياساتٍ تدعم نمو الاقتصاد و تقدّم البشرية، و تضمن فرص متساوية، و عدالة اجتماعية لجميع الجنوب إفريقيين.
4- نعمل من أجل إيجاد مناخ سلمي ملائم لإحداث تغيير ٍ دستوريٍٍ، و من أجل اجتثاث العنف، و دعم الاستقرار، و تعزيز حقّ المشاركة السياسية و تأمين حوار حرّ .
5- لِنطلق عنان عملية وضع دستور يُأمِّن (ضمن معطيات أخرى):
(أ) وحدة جنوب إفريقيا، الديموقراطية، غير العنصرية، ذات سيادة تظلل كل إقليمها.
(ب) جنوب إفريقيا يكون فيها الدستور القانون الأسمى المدعوم بسلطة قضاء غير عنصري مستقل و محايد.
(ج) جنوب إفريقيا ديموقراطية متعددة الأحزاب، يتمَتّعُ فيها المواطن بحقِّ الانتماء إلى أحزاب سياسية، تعقد فيها انتخابات دورية تجرى وفقا لمبدأ الاقتراع العام الحر المباشر يراعى فيها مبدأ التمثيل النسبي.
(د) جنوب إفريقيا يُمارس فيها مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية، التنفيذية و القضائية.
(ه) جنوب إفريقيا يُعْترَفُ فيها بتنوع اللغات، الثقافات و الأديان.
(و) جنوب إفريقيا يتمتع فيها الجميع بحقوق الإنسان و الحريات المدنية (بما فيها حقّ الاعتقاد، التعبير، و التجمع) مصانة و محمية بوثيقة حقوق و نظام قانوني يضمن مساواة الجميع أمام القانون.
فقد اتفقنا على:
1- أنْ يكون للمشاركين الحاليين و المُسْتقبَلين حقّ تقديم بحرية أيَّة مقترحات تتسق مع الديموقراطية إلى
المؤتمر.
آلية تكون مهامها (بالتعاون-Convention for Democratic South Africa-"CODESA" ستنشأ -2
مع الإدارات الحكومية و حكومة جنوب إفريقيا) وضع مسودات التشريعات اللازمة لإضفاء(شرعية قانونية)
.CODESAعلى الاتفاقيات التي تمَّ التوصل إليها في مؤتمر
نحن ممثلو الأحزاب و المنظمات السياسية و الإدارات الحكومية نتعهد بشرف و بصفاء سريرة بإلزام أنفسنا بالتقيد، بالاتفاقيات،و أنْ نتخذ في إطار صلاحياتنا و سلطاتنا التدابير الكفيلة بتنفيذها. (نقل بتصرف عن الإنجليزية).
الموقعون:
African National Party; National Party; National People's Party; Democratic Party; theSouth African Government; the Ciskei Government; and the Transkei Government."
هذا، نحَتْ قِوَى المعارضة السياسية في بعض دول أوروبا الشرقية (بولندا، هنغاريا، بلغاريا، ألبانيا و غيرها) منحى الفعاليات السياسية الجنوب إفريقية، حيث شكلت هيئات قومية سياسية جامعة لم يستثنى من المشاركة فيها حتى رموز الكيانات السياسية التي حكمت إبَّان حقبة هيمنة الأنظمة الشمولية المثار عليها ،معتمدة في ذلك مبدأ التمثيل النسبي، ذات الوقت عملت الفعاليات السياسية في بعض دول أوروبا الشرقية المنوَّه إليها أعلاه على تحييد المؤسسة العسكرية و عدم استعدائها بل استمالتها و كسب معاضدتها باعتبارها مؤسسة قومية استراتيجية .
ما تقدَّم بيانه في فقرات مطالب هذه البحث تمثل بعض متعلقات المراحل الانتقالية ، من حيث علاقتها بالتاريخ كحلقة وسيطة بين حلقاته ، ماهيتها ، مهامها ، أنماطها ،المداخل إليها و الفعاليات التي تطلع بإدارة شؤونها .
من نافلة القول،إنَّ البحث في ماهية المرحلة التاريخية الانتقالية و ما يرتبط بها من مُسْتصحبات، يفضي بالضرورة إلى الحديث عن مُسمَّى العدالة الانتقالية، ذلك للارتباط العِليِّ السببي الذي يشج الثانية بالأولى من حيث الصيرورة و العدم . هذا، و الحال هكذا، يستقيم الزعم بأنَّ مُسمَّى العدالة الانتقالية يُعد من بين مُستصحبات المرحلة الانتقالية ، إذ ْ قبل تدشين المرحلة الانتقالية بنقل مقاليد السلطة إلى هيئة قومية جامعة ، يشترط الجالسون على سُدَّة الحكم في أغلب الأحايين حصولهم على ضمانات قانونية إجرائية و تدابير عملية تضفي عليهم حصانة و عِصْمة قانونية حماية لذوات أنفسهم و صونا لممتلكاتهم ضد أيَّة دعاوى قضائية ترفع ضدهم مستقبلا أمام محاكم محلية (وطنية) أو دولية من شأنها سلبهم كل أو بعض حقوقهم أو تقيد حرياتهم. لا غرو أنَّ الرضوخ لمطلبٍ شرْطي ٍ كهذا يُعْنِي بلا جدال الحِيدة عن مبدأ إنفاذ العدالة وإقامةالقسط ، و من ثمَّ يُعدّ تسويفا و تسفيها لأحكام القانون القاضي بشرعية ملاحقة ، توقيف ، مسائلة و محاكمة المُشتبه في اقترافهم أفعال مُجرَّمة قانونا كالجرائر الخطيرة (كجرائم الحرب ، جرائم ضد الإنسانية ، التطهير العرقي و الإبادة الجماعية على سبيل النمذجة) إذا تمت إدانتهم قضائيا.
إنَّ المقصد الرئيس من وراء الدعوة إلى ممارسة مُسمَّى العدالة الانتقالية يتمحور في السعي إلى الكشف عن الحقيقة ، بإشهار الاعتراف ، و إبداء الندم ،إعلان التوبة ، تقديم الاعتذار، التماس الصفح و طلب العفو من المُتضرِّر أو من أوليائه، و من ثمَّ المُسامَحة و المُصالحة ، وليس المستهدف من وراء ممارسة مُسمَّى العدالة الانتقالية تطبيق حدود القصاص رفعا للحيف و إحقاقا للحقِّ و إقامة للعدل . إنَّ مقصد مُسمَّى العدالة الانتقالية المُنوَّه إليه أنفا مناقض في جوهره و مجافيا لمقاصد نواميس و مبادئ العدالة الطبيعية ، و حدود الشرائع الدينية (الوضعية و الوحيوية) و أحكام التشريعات الناسوية. لذا يستقيم القول بأنَّ مُسمَّى العدالة الانتقالية ما هو إلا مفهوم مثالي هلامي تغزيه نزعات منفعية ذاتية ، ليس صادرًا عن مصفوفة قيم أخلاقية ، أو منبثق عن منظومة أحكام قانونية تكون أساس مرجعية شرعيته. و الحال هكذا، ليس منظورًا أنْ يُسائل أو يُعاقب تحت مظلة مُسمَّى العدالة الانتقالية باغ ٍ ظلوُم و لا يُنصف مقهُور مظلوُم .
يتصف مُسمَّى العدالة الانتقالية (من بين معطيات أخرى) بما سيأتي بيانه على سبيل النمذجة:
أولا : يتمحور مقصدها الرئيس حول دعوات جوفاء بلا مضامين أخلاقية كمقولات " عفا الله عما سلف " ، " الرحمة على مَنْ مَضىَ و العفو عن مَنْ خلف" ،" طوبى للرحماء" و " الحي أولى من الميت" و ليس على مبدأ " و لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب...". ليس لمُسمَّى العدالة الانتقالية شِرْعَة تحضّ القائمين على أمرها و تلهمهم تقمَّص و التزام روح العدل و الإنصاف الكامنة وراء مبدأ تطبيق أحكام نواميس الشرائع و القوانين كانت لاهوتية أو ناسوتية التي تؤكد على أنْ يكون الجزاء من جنس الكسوب.
ثانيًا: يفتقر مُسمَّى العدالة الانتقالية إلى وجود مؤسسات قضائية مؤهلة فنيا و متخصِّصة وظيفيا، قارة ، ذلك لواقع الطبيعة الاستثنائية العارضة لنشأة مؤسساتها، إذْ تنشأ في أغلب الأحايين مؤسسات مُسمَّى العدالة الانتقالية عند الاقتضاء ، بغية الاطلاع بمهام تضميد شروخ، وترميم صدوع كيان مجتمع مأزوم لرتق فتوق نسيجه الاجتماعي بغية الحفاظ على وحدة بنائه كيفما أتفق، من خلال الكشف عن حقائق تتعلق بجرائم تمَّ اقترافها في حقِّ المُستضعفين من مكوناته خلال تاريخه المعاصر.
ثالثا: تنشط مؤسسات مُسمَّى العدالة الانتقالية في معظم الأحايين تحت إمْرَةِ و إشراف بعض رموز المجتمع الذين يفترض فيهم التحلي بمِكناتٍ و خصال نبيلة كالنزاهة ، الحصافة ، الحِيدة ، و الأمانة و ليس بالضرورة أنْ يكونوا ضليعين في فقه القانون أو مؤهلين قضائيا ، أو خبراء في فنون و أساليب التحري استنطاقا لقرائن الأحوال . علاوة على ذلك ، تفتقر مؤسسات مُسمَّى العدالة الانتقالية إلى الشرعية القانونية ،لأنها تؤسس في أغلب الأحايين بمقتضى مراسيم سلطانية سياسية لا تشريعات قانونية تحدِّداختصاصاتها الفنية و تبيِّن مجالات ولاياتها المكانية من جهةٍ ، و تحدِّد مدى إلزامية حجية أحكامها القضائية من حيث طبيعة قراراتها ، إعلاناتها و بياناتها ابتدائية كانت أمْ نهائية ، و مدى قابليتها للاعتراض عليها بالطعن ، بالاستئناف أو بالنقض من جهةٍ أخرى.
رابعا: لا تمارس مؤسسات مُسمَّى العدالة الانتقالية مهام التحقيقات و التحريات و عمليات تقصي الحقائق و جمعها وفقا لأحكام قوانين إجراءات قارة سارية المفعول ، سيما إذا كانت أحكام تلك القوانين لا تنسجم مع أغراضها و مبتغياتها، بل أغلب الأحايين تستأنس بأحكام تشريعات لاحقة ( لتاريخ حدوث وقائع الجرم محل التحقيق) صادرة عن سلطات المرحلة الانتقالية ، الأمر الذي يمثل انتهاكا صريحا لمبدأ عدم رجعية القوانين.
تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ بعض مُناصري مُسمَّى العدالة الانتقالية يزعمون أنَّ مؤسسات العدالة الانتقالية تمارس أنشطتها استنادا إلى أحكام المواثيق ، العهود و الاتفاقيات القانونية الدولية التي تعنى بالعدالة . يُرد على هذا الإدعاء بأنَّ متون المواثيق ،العهود و الاتفاقيات القانونية الدولية التي تعنى بتعزيز العدل لم تتضمن إشارة واحدة ، صراحة أو ضمنا تشير من قريب أو من بعيد إلى مفهوم مُسمَّى العدالة الانتقالية .
خامسًا: إنَّ تعويل مؤسسات مُسمَّى العدالة الانتقالية على مبدأ المكاشفة القائم على الصراحة و الشفافية و حسن نوايا و نقاء سرائر المُشتبه في اقترافهم جرائم خطيرة محل اهتمامها ( كجرائم الحرب ، جرائم ضد الإنسانية ، التطهير العرقي ، الإبادة الجماعية... الخ) بأنْ يُفصحوا بمحض مشيئتهم عنها و يُقِروا و يعترفوا بخسة أفعالهم ، يتعارض ذلك المنهاج قانونيا مع مبدأ "عدم تجريم الذات" كقاعدة قانونية حاكمة سائدة في دساتير و تشريعات عدد من بلدان العالم.
سادسًا: إنَّ طبيعة مُخرجات (قرارات ، إعلانات و بيانات) مؤسسات مُسمَّى العدالة الانتقالية ذات طابع قيمي أخلاقي لا تتمتع بقوة إلزام قانونية، ذلك لعدم صدورها عن هيئات قضائية تتمتع بصلاحيات استصدار أحكام تحوز على حُجيَّة الأمر المقضي به ، ذلك لعوز مؤسسات مُسمَّى العدالة الانتقالية المصدرة لها للصفة المهنية القضائية من جهةٍ ، و لعوزها للمرتكز القانوني كمصدر لشرعية وجودها من جهةٍ أخرى . لذلك لا تترتب على تلك البيانات ، الإعلانات و القرارات أيَّة آثار أو تبعات قانونية كحال الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم معترف بولايتها القانونية و اختصاصاتها الوظيفية و المكانية. لهذا ، فإنَّ قرارات ،بيانات و إعلاناتمؤسسات مُسمَّى العدالة الانتقالية لا تشكل في ذاتها سوابق تلاحق آثارها مَنْ صدرت في حقهم أو تحول دون محاكماتهم مستقبلا عند الاقتضاء.
أخلص من هذا التكييف القانوني الموجز لمُسمَّى العدالة الانتقالية كأحد مُسْتصْحبات المراحل التاريخية الانتقالية إلى الجزم ، أنَّه بيقين قار ارتكازًا إلى المُجْمَع عليه من عقيدة بين رجالات القضاء الجالس و الواقف من جهةٍ ، و فقهاء القانون من جهةٍ أخرى، أنْ لا وجود لنمطين للعدالة كانت المؤسسات القائمة عليها محاكم محلية (أهلية عرفية أو رسمية من محاكم السلطة القضائية ) في آحاد دول، أو محاكم قانونية دولية ، بل هناك نمط واحد للعدالة تقرّه أحكام القانون الساري كان محليا (في أقاليم آحاد الدول) أو دوليا على الصعيد الكوني ، و تحرسه و تقوم عليه مؤسسات السلطة القضائية ذات الشرعية القانونية كانت محاكم محلية أو دولية (إقليمية أو عالمية).
خلاصة البحث
تتمحور خلاصة البحث في النقاط الآتية :
أولا: على الرغم من تعدَّد المناهج القائلة بتباين اتجاهات مسارات حركة التاريخ (مسار خطي أفقي، لولبي، دائري سَمْتِي متصاعد، و مرحلي انتقالي ) فإنَّ المرحلة التاريخية الانتقالية في مسيرة التحول (في سياقها السياسي) من
نظم الاستبداد و الطغيان إلى نظم الديموقراطية تظل برزخ (جسر) زمني عبوره هو بمثابة الحتمية التاريخية التي لا مناص منها طال أجلها أم قصر .
ثانيا : إنَّ المشيئة الناسوتية الرشيدة المستهدية بنور العلم و حكمته هي الإرادة الفاعلة المقرَّرة صيرورة وقائع أحداث التاريخ و الموجهة لمسار حركته.
ثالثا : إنَّ توافر توافق مشيئة المكونات المجتمعية في أيَّة دولة تعدّ شرطا لازما لتحقق وحدة إرادة مجتمع تلك الدولة في كليته ، كما تجَسِّد الضمانة و قوة الدفع الحيوية نحو تحقيق الأهداف و المقاصد المشتركة المُتوَخىَ إنجازها إبَّان المرحلة التاريخية الانتقالية و التحرر من إسار نظم الاستبداد التعسفية و ولوج فضاء الديموقراطية الرحب.
رابعا : إنَّ عملية عبور برزخ المرحلة التاريخية الانتقالية إلى ما بعدها من أطوار يتطلب (ضمن معطيات أخرى) تبني أهداف بعينها تتواضع و تلتف حولها مشيئة إرادة جميع مكونات المجتمع ، إذ ْ أنَّ تحديد الأهداف يكون بمثابة بوصلة خريطة الطريق التي تبين معالم المسار نحو الهدف.
خامسا : إنَّ النجاح في إنجاز مهام التحول الديموقراطي في المرحلة التاريخية الانتقالية لا يتم فقط بتوافر شرط توافق مشيئة إرادة النخب الحزبية السياسية ، و زعامات التنظيمات العسكرية الخاصة ، و قيادات منظمات المجتمع المدني ، بل يتطلب أيضا نضوج وعي الجماهير القاعدية و إدراكها و إيمانها بمبادئالديموقراطية و تمثل قيمها و صيرورتها بعضا من المكون الثقافي و النفسي ، بل نمطا سائدا في السلوك الاجتماعي الحياتي اليومي المتجلي في العلاقات الاجتماعية و الممارسات الحياتية اليومية لتلك الجماهير على كافة الأصعدة الأسرية ، المدرسية ، العملية ، و الأنشطة الثقافية و الدينية . إنَّ صيرورة قيم الديموقراطية بعضا من مكونات و محركات و ضوابط السلوك الاجتماعي مرهون بتوافر عامل نمو معدل الوعي العام من حيث تلاشي الأميتين الأبجدية و السياسية و تدني معدل الفقر و العوز من جهةٍ، و يُسْر عمليات التواصل الاجتماعي المباشر و غير المباشر بين قطاعات المجتمع سيما الشبابية الفاعلة سياسيا من جهةٍ أخرى.
سادسا : إنَّ نجاح إنجاز مهام التحول الديموقراطي خلال المرحلة التاريخية الانتقالية إلى جانب نضوج ومواتاة الظرف الذاتي الحاكم في المجتمع الحاضن لعملية التحول ، يتطلب أيضا توافر ظرف موضوعي يتمثل في تدخل خارجي إيجابي داعم لعملية التحول الديموقراطي سيما المُعاضدة السياسية ، الاقتصادية ، و السوقية و العسكرية عند الاقتضاء. انتهت خلاصة البحث .
ثبت المراجع :
1- الأنصاري، محمد بن مكرم بن علي بن أحمد، لسان العرب.
إعلان حكومة المرحلة الانتقالية في روسيا عقب تنحي القيصر نيكولاس الثاني 1917.-2
3- الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية في ليبيا لعام 2011.
الإعلان الدستوري في مصر 2011.-4
5- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948.
6- البستاني ، المعلم بطرس، محيط المحيط 1987.
7- دستور جمهورية بلغاريا الشعبية الصادر في 16 من مايو من عام 1971
8- دستور جمهورية بلغاريا لعام 1991.
9- دستور جمهور اتحاد جنوب أفريقيا الانتقالي لعام 1993.
دستور جمهورية هنغاريا الشعبية الصادر في 19 من أبريل من عام 1972. -10
11- دستور جمهورية هنغاريا الصادر في عام 1997 .
12- دستور الولايات المتحدة الأمريكية 1789 .
13- الرَّازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصحاح، (بيروت: دار المنار، 1411ه).
14- السخاوي، محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين، الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التاريخ، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1986).
15- الشهرستاني ، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، الملل و النحل، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992).
16- الشيرازي،محمد بن المهدي الحسيني ،فلسفة التاريخ ،(بيروت -:مؤسسة الوعي الإسلامي للتحقيقوالترجمة الطباعة و النشر 2005).
17- صبحي، أحمد محمود، في فلسفة التاريخ، (الإسكندرية: مؤسسة الثقافة الجامعية، 1975).
18- الفيومي ، أحمد بن محمد بن علي، المصباح المنير، (بيروت: مكتبة لبنان، 1987).
19- قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لغام 2004.
20- قانون تسجيل مواطني جنوب أفريقيا وفقا لأعراقهم لعام 1950م.
21- قانون حظر الاختلاط بين البيض و غيرهم من المواطنين في وسائط النقل العام في جنوب أفريقيا لعام 1953.
22- قانون حظر الزواج بين مواطني جنوب أفريقيا ذوي الأعراق المتباينة لعام 1949.
23- قانون الهيئة الوطنية العليا للمساءلة و العدالة لعام 2008 (العراق)(قانون العزل السياسي في العراق).
24- قانون العزل السياسي في ليبيا لعام2012.
25- ميثاق من أجل جنوب إفريقيا ديموقراطية لعام 1991.
26- الميثاق العربي لحقوق الإنسان لعام2004.
27- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية للإنسان لعام1976 .
28- الأنصاري، محمد بن مكرم بن علي بن أحمد، لسان العرب، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ب.ت).
انتهى ثبت المراجع
1
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.