الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    مجلس السيادة ينعى للشعب السوداني وفاة 21 شخصا من منطقتي ديم القراي وطيبة الخواض    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حول مزاعم (عبد الرسول النور) عن "البُغض والكراهية" والتسليح في جنوب كردفان/جبال النوبة .. وتداعيات الوضع الراهن في الإقليم (2-2) .. بقلم: عادل شالوكا
نشر في سودانيل يوم 15 - 08 - 2020

في المقال السابق إستعرضنا إدِّعاءات (عبد الرسول النور) في محاولته للإجابة على السؤال الذي إعتبره (مُلِحَّاً) – و هو كذلك – و لكن ما جاء في إفاداتِه كان مُجافياً للحقائق. و لذلك رأينا ضرورة توضيح الحقائق (مُجرَّدة) في سعينا لطوي هذا السفر المُظلم في تاريخنا الحديث، و هو الأمر الذي نحتاج إليه بشِدَّة في حوارنا المُستمر لإنهاء الحروب في السُّودان. و نحن لا نهدف إلى نبش المطمور و تجديد الجراح، بقدر ما نسعى لتشخيص و تشريح الأزمة من جذورها بغية الإعتراف بالحقائق التَّاريخية و التصالُح مع الذات و مع الآخرين، و الوصول إلى مرحلة القطيعة التَّاريخية بالماضي، مما يُمهِّد الطريق للتساكُن مع الآخر و التعايُش مع الأغيار، لأن (النوبة) و (البقَّارة) لهما مصالح مُشتركة .. و كذلك مصير مشترك.
فالحقيقة التي يجب أن يعلمها الجميع هي إن : أول من سلَّح القبائل هو (محمد أحمد المحجوب) رئيس الوزراء عن (حزب الأمة) في ستينات القرن الماضي لمواجهة (الأنانيا)، و لقد زار مناطق (التماذُج) و سلَّح القبائل العربية مُستخدماً مبدأ (فرِّق تسد) بين المُكوِّنات الإجتماعية لجنوب السُّودان و جنوب كردفان / جبال النوبة. و هذا موثَّق في كتاب : (الحرب الأهلية في السودان) للكاتبين (بروفسير/ مارتن دالي – و الدكتور الباحث/ أحمد عوض أحمد سكنجا). و من بعده واصل (جعفر نميري) بالتنسيق مع ضُبَّاط حزب الأمة بقيادة (فضل الله برمة) و الناظر (عز الدين حريكة) و آخرين تسليح القبائل العربية كذلك - و في ذلك الوقت لم تصل الحركة الشعبية إلى جبال النوبة إطلاقاً. و قد واصل أيضاً (سوار الدهب) في الفترة الإنتقالية (1985 – 1986) هذا المشروع بالتنسيق مع قيادة حزب الأمة. و بعدها تولَّى (الصادق المهدي) المُهمَّة في فترة ما يسمَّى بالديمقراطية الثالثة (1986 – 1989) و هو رئيساً للوزراء مُستخدماً (عبد الرسول النور) و أجهزته الأمنية .. حسب إفاداته في مقاله. لتأتي الجبهة الإسلامية القومية (1989 – 2019) و تواصل مشروع الإبادة و التَّطهير العرقي في الإقليم بعد إصدارها لقانون (قوات الدفاع الشعبي- 1989) و التي كانت (قوات المراحيل) سابقاً.
و ماذا حدث في جبال النوبة :
و منذ إكتمال هذا المشروع (الشرير) إرتكبت هذه المليشيات بعد تسليحها العديد من المجاذر و الإنتهاكات في حق شعب جنوب كردفان / جبال النوبة، و تسبَّبت في أضرار كبيرة للطرفين : (النوبة) كضحايا من جهة، و (البقَّارة) من جهةٍ أخرى كمجموعة تم إستخدامها ك(وقود) و (مخلب قط) ضد النوبة. و هنا نذكر بعض (المجاذر) على سبيل المثال :
مجزرة (اللوبا) بمقاطعة أم دورين (29 نوفمبر 1987) :
في صبيحة الأحد الموافق : 29 نوفمبر 1987 و في تمام الساعة الخامسة صباحاً هاجمت مليشيات (البقَّارة) مُدجَّجة بالسلاح و مدعومة بقوات حكومية قرية (اللوبا) الواقعة فى مُقاطعة (أم دورين) و هي قرية تقطُنها عشيرة (أرنبق) التابعة لقبيلة أومارنق (مورو) و قتلت (79) من الأطفال و المُسنين، و نهبت المُمتلكات و أبادت الحيوانات، و حرقت القرية بأكملها، و هجَّرت من تبقُّوا على قيد الحياة بعد فرارهم من الموت الحتمي.
مجزرة (الكوتنق منديو) - 10 أبريل 1989 :
بتاريخ 10 أبريل 1989 قامت قوة من مليشيات الدفاع الشعبي من عرب الحوازمة في منطقة (الحمرة) مدعومة بسيارات تتبع للقوات المُسلَّحة بمُهاجمة قرية (الكوتنق منديو) بمقاطعة البرام و هي قرية يسكنها النوبة (شات)، و كانت القوة قد تحرَّكت بتدبير من الحكومة يوم 9 أبريل و تمركزت في (الأحيمر) إستعداداً للهجوم، و في صبيحة يوم 10 أبريل 1989 في تمام الرابعة صباحاً نفَّذت الهجوم بعد أن أحكمت الحصار على القرية، و تم قتل (80) شخص من سكان القرية و حرق (350) منزل.
هذا فقط نموذج من سفر كبير للإنتهاكات، و لا يسعنا الحديث عنه حالياً في هذا المقال.
و قد قامت منظمة African Rights بإجراء تحقيق دقيق عن الأوضاع في الإقليم عبر مُقابلات مع الضحايا و المُعاقين و تصوير القرى المحروقة، بما فيها المنازل و الكنائس و المساجد. كما قامت بإصدار كتاب شمل نتائج ذلك التحقيق بعنوان :
) Facing Genocide : The Nuba of Sudan)
نوبة السُّودان و مواجهة الإبادة - أصدره (أليكس دي وال – و يوهانس أجاوين) في العام 1995.
و قد أشارت المُنظمة إلى أن تقريرها - و هو الأول من نوعه بالنسبة للمنطقة - إستند على شهادة أكثر من مائة و ثلاثين شخصاً من ضحايا إنتهاكات حقوق الإنسان، و وثائق سرية من أوراق القوات المُسلَّحة السُّودانية. و لهذا التقرير أهمية بالغة بتوثيق معلومات دقيقة مُعظمها مُستقاة من شهادات الضحايا و ذويهم و نُشطاء (حقوق الإنسان) على الأرض في المنطقة.
أيضاً إهتمت مُنظمة العفو الدولية بنشر تقارير وافية و مُفصَّلة عن تلك الإنتهاكات.
و تظل دلائل و بيانات كثيرة عن الأحداث التي قامت بها القوات المُسلَّحة و مليشيات الدفاع الشعبي - و التي تعد مُخالفات و إنتهاكات صريحة للقانون الإنساني الدولي - تقتضي مُحاسبة و مُحاكمة المسؤولين عن إرتكابها.
كما تضمَّنت التقارير السنوية التي تقدَّم بها المُقرِّر الخاص للأمم المُتَّحدة (الدكتور/ قاسبار بيرو) منذ توليه أعباء منصبه في العام 1993 م حتى إستقالته في 1998، أدلة دامغة تؤكِّد إرتكاب تلك الجرائم. و قد وصف في تقريره إن النزاع الدموي كان بين (العرب) و (النوبة) في إشارة إلى المليشيات التي سلَّحها (عبد الرسول النور) و حزب الأمة. و قد تعرَّض – التقرير الذي قدَّمه - إلى فترة الديمقراطية الثالثة و إنشاء المليشيات العربية التي عُرفت بإسم (المراحيل) التي أُعيد تنظيمها في سنة 1989 حينما عُرفت بإسم "قوات الدفاع الشعبي"، التي أضفَى عليها نظام (الجبهة الإسلامية القومية) طابعاً قانونياً بموجب مرسوم صادر في نوفمبر 1989 مما جعل مواطني المنطقة عرضة لكافة أنواع الفظائع التي ترتكبها قوات الدفاع الشعبي و الجيش و الأجهزة الحكومية الأخرى – (حسب التقرير).
هذه تقارير وافية و موثَّقة و موجودة لدى المؤسَّسات الدولية. و هي كافية لإدانة (حزب الأمة) و (الصادق المهدي) و (عبد الرسول النور) و قادة المليشيات آنذاك. و الآن والي الولاية (حامد البشير إبراهيم) – و هو "حزب أمة" أيضاً - في طريقه للإنضمام إلى هذه القائمة بمسؤوليتهِ المُباشرة عن تحريك القوات المُسلَّحة و قوات الدَّعم السريع بآليات ثقيلة من (كادقلي - فيو - و هبيلا) لفرض عبور (مُرحال) الحوازمة (و هي قبيلته) عن طرق مسار (خور الورل) الذي يرفضه سُكان المنطقة.
و ما هي مسؤولية عبد الرسول النور :
أولاً : بعد إنتخابات 1986 (الجزئية)، تم تعيين (عبد الرسول النور إسماعيل) في عام 1988 حاكماً على كردفان، ليواصل مسلسل التسليح و التجييش للبقَّارة كما ذكر في مقاله. و قد قام (عبد الرسول النور) بواسطة أجهزته الأمنية بتصفية المئات من المُثقَّفين و قيادات الإدارة الأهلية من النوبة، حيث زاد هذا التعيين من الإنتهاكات و التوتُّرات مما دفع المزيد من شباب النوبة لحمل السلاح، حتى جاءت فرقة (كوش) من الجيش الشعبي - التي حكى عنها عبد الرسول النور في مقاله – و كان ذلك خلال توليه حكم الإقليم (مارس 1989). و قد لعبت هذه الفرقة (كوش) دوراً مُهمَّاً في حماية المواطنين و تثبيت الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السُّودان في جبال النوبة إلى يومنا هذا.
و للحقيقة و التَّاريخ - لم تكُن معارك (الكُتن) و (الحمرة) في مارس 1989 و التي ذكرها (عبد الرسول النور) في مقاله هي بداية لتنظيم المُتطوِّعين من (البقَّارة) لإسناد ظهر الجيش كما ذكر، و إنما بدأ تسليح و تنظيم (البقَّارة) منذ الستينات كما ذكرنا، ثم بعد ذلك في العام 1983 بواسطة (جعفر نميري)، و (فضل الله برمة ناصر) كجزء من إستراتيجية المركز (الإسلاموعروبي) لإبادة و إحتلال أراضي النوبة في جنوب كردفان، و (الفونج) النيل الأزرق، و شعب دارفور. و قد كان دور (عبد الرسول النور) داعماً و مُكملاً للإستراتيجية، و تمثَّل ذلك في صب الزيت على النار خدمةً للإستراتيجية المُعدَّة سلفاً بالمزيد من التسليح للقبائل (العربية)، و المُناداة بإجازة قانون (الدفاع الشعبي) لمُساعدة القُوات المُسلَّحة في حرب الإبادة.
ثانياً : ذكر (عبد الرسول) في ندوة القاهرة عام 1998 - و التي أشار إليها في مقاله المذكور : (أن المسيرية وصلوا إلى جبال النوبة في القرن الثالث عشر الميلادي، و ذلك قبل وصول النوبة إليها بقرنين) ..!!!. و بدون تقديم أي أدلة على ذلك ... !!!. يبدو أن الكلام في السُّودان (ببلاش) .. و يمكنك أن تقول ما تشاء طالما آلية التغييب المركزية لا زالت فاعلة و تعمل بجانب مُصادرة و تقييد الحريات، و على رأسها حرية التَّعبير. هذه أكبر أكذوبة في تاريخ السُّودان – و على (عبد الرسول النور) إثبات ذلك. و على الجميع مُراجعة كتابنا : (المناطق المُهمَّشة في السودان : كفاح من أجل الأرض و الهوية - 2015) و مُراجعة المصادر و الوثائق الواردة فيه. و لو ل(عبد الرسول النور) أي أدِلَّة أو مراجع تدحض ما جاء في هذا الكتاب .. أن يأتي بها. و مثل هذه التَّصريحات (الجُزافية) و الحديث المجَّاني، هو الذي يؤجِّج نيران الحروب و الإقتتال لما فيه من نوايا سالبة و سيئة ترتبط بالتَّاريخ و الأرض.
ثالثاً : تحدَّث عبد الرسول النور عن من وصفه ب(الصديق/ يوسف كوه)..!!. و ذلك ليس صحيحاً .. لأن الصداقة (قيمة، إحترام، و معزَّة). و لكن ما قام به عبد الرسول بإزاء تلك الصداقة (المزعومة) هو العكس تماماً. لأن أول إنجاز لهذه (الصداقة) قام به (عبد الرسول النور) بعد تعيينه حاكماً على كردفان في 1988 - هو مُصادرة قطعة أرض درجة أولى بحي البترول ب(الأبيض) كان قد تمَّ منحها ل(يوسف كوه مكي) كغيره من نواب مجلس الشعب الإقليمي الذين من ضمنهم (عبد الرسول النور إسماعيل) .. تم ذلك في غياب (يوسف كوه) ..!! و بقرار فوقي من دون مُحاكمة .. !!. فقط بقرار فوقي كدليل للإستبداد بالسُّلطة، و حقد دفين لم يفهم (يوسف كوه) كنهه حتَّى وفاته ... !!!. هذه هي حقيقة العلاقة بين عبد الرسول النور و القائد/ يوسف كوه مكي.
تداعيات الوضع الراهن في الإقليم :
الأدهى و الأمرَّ في مقال عبد الرسول النور - هو قوله إن : (القبائل المعنية هي بالطبع القبائل "البدوية المُحادِّدة لمناطق النزاع" أو تعيش داخله) .
هنا يُثار تساؤل : (نزاع بين مَن و مَن ؟). دار (الحرب) و دار (الإسلام) ؟ أم دار (العرب) و دار (الأفارقة) ؟.
قيل : إن كل إناءٍ بما فيه ينضح ( العنصرية التوسُّعية).
تلك هي العقلية الإستعمارية التي كانت وراء تقسيم السُّودان. و ذلك عندما قال (البشير) للمجتمع الدُّولي أن (جون قرنق) يسعى للتَّمدُّد على حساب (الشمال) بمحاولتهِ ضم إقليمي جبال النوبة / جنوب كُردفان و (الفونج) النيل الأزرق، و هي خارج حدود 1956 إلى الجنوب. و نتيجة لموقف (البشير) ذاك، قام الوسطاء بتسمية الإقليمين مرة ب(مناطق النِّزاع) و مرة (مناطق إنتقالية بين الشمال و الجنوب) و مرة ب(المنطقتين) تفادياً لمحمولات تلك التَّسميات. و إن حديث (عبد الرسول) هذا فيه تأكيد لذلك التوجُّه الذي نطق به (البشير)، بأن المنطقتين في منظور هذه الفئة ليست جزءاً من السُّودان، بل مناطق (مُتنازع عليها بين السُّودان و جنوب السُّودان). و لقد كان (البشير)، و حالياً (حزب الأمة) و (الصادق المهدي)، و (عبد الرسول النور)، و والي جنوب كردفان الحالي (حامد البشير) يريدون ضمَّها و بسط هيمنهم و نفوذهم عليها، أو إحتلالها بالقوَّة كما حدث في منطقة (خور الورل). و هذا ما يُفسِّر مشاريع التَّطهير العِرقي و الإبادة و القتل على أساس هوية (النوبة) عبر تسليح القبائل العربية و إستخدام القُّوات النُّظامية في الإحتلال و (الإزاحة) و (الإبدال).
هذه العقلية و المُمارسات تًبرِّر ما يقوله الكثيرين من أبناء الإقليمين بأن جبال النوبة و الفونج (النيل الأزرق) لم تتم إدارتهما ضمن شمال السُّودان حتى عام 1953، و ذلك بسبب إدارتهما تحت قانون المناطق المقفولة. علماً بأن الجنوب كان قد تم إلحاقهِ بالشَّمال عقب مؤتمر جوبا في العام 1947. هذا دون الإشارة للدور الذي لعبته تلك القبائل في التعاون مع الإستعمار التركي المصري و المهدية بإستغلال الموارد المادية و البشرية لهذه المناطق (جبال النوبة، النيل الأزرق، دارفور، أعالي النيل، و بحر الغزال) عبر تجارة الرقيق و الإسترقاق .. ليتواصل نفس المسلسل عندما قامت السلطة المركزية بتسليم المُهمَّة ل(عبد الرسول النور) و عرَّابيه .. و الذي لم يترك أمام أبناء القبائل الأخرى - كما يُسمِّيها عبد الرسول النور - إلَّا المُقاومة و البحث عن السِّلاح لحماية أنفسهم و التحرُّر من تلك العقلية الإستعلائية الإستعمارية التي إنتهكت حقوقهم في المواطنة و العيش بكرامة .
ما ذكره حزب الأمة في بيانه الصادر بتاريخ 6 أغسطس 2020 بأن (مسار) مُرحال (خور الول) كان يُستخدم قبل (300) سنة !!! مُجرَّد إفتراء و تزييف للتاريخ لأن تاريخ وصول البقَّارة إلى المنطقة المعروفة فى تلك الفترة ب(دار نوبة) كان فى بداية العام 1800. و المجموعة التي يُزَج بها حالياً للقتال في منطقة (خور الورل) لا يتجاوز- تاريخ إحتكاكها بهذه المنطقة - ال(100) سنة و تشكَّلت بالتخالُط و التعايُش و تسامُح النوبة و هم رُعاة (مُستعربين)، و هي أكثر مجموعات (البقَّارة) إحتكاكاً بمناطق النوبة و يُعرفون ب(الحوازمة). و كلمة (الحوازمة) تعني (التحزُّم) أو الإرتباط مع بعض، و قد قاموا بتأسيس حلف (الحوازمة) عن طريق القسَم على القرآن، حيث أقسمت هذه المجموعات بالدفاع عن المجموعة كلها والوقوف معها فى حالة الحروب و النزاعات و بمرور الوقت أصبح الحوازمة أكثر من مُجرَّد حِلف إثني يُعبِّر عن مجموعة مُترابطة إثنياً، حيث أصبح الحلف مرناً يستطيع أن يضُم مجموعات أخرى من خلفية غير عربية، فمثلاً إنضم إلى حلف (الحوازمة) ستة مجموعات على النحو التالي :
(1/ الزُنَّارة 2/ التكارير 3/ جلَّابة 4/ الهوَّارة 5/ الجوامعة 6/ البديرية .. بالإضافة إلى بعض بقايا الرقيق). كل هذه المجموعات صارت جزءاً من (الحَلفَا) - أي الذين "حلفوا" أو أقسموا - و قد أقسمت "قسم الحوازمة" و إنضمت إلى الحِلف في منتصف القرن الثامن عشر خلال الحكم الثنائي (التركي - المصري). و يتكوَّن الحوازمة من ثلاثة مجموعات مُتَّحِدة : (1/ الحَلفَا 2/ أولاد عبد العال 3/ الرواوقة)، و كل مجموعة تنقسم إلى عدة فروع. فالرواوقة ينقسمون إلى : (دار جامع / دليمية / أولاد نوبة). مؤخَّراً بعض المجموعات غير العربية (الشوابنة / فلَّاتة البرداب / التكارير).
و حالياً الإدارة الأهلية للرواوقة تضم ستة عموديات (1- الدليمية 2- أولاد نوبة 3- دار جامع 4- الشوابنة "عقب" 5 – شوابنة "السمَّة" 6- فلَّاتة "البرداب").
كانت مواطنهم قبل ذلك في القوز أو المناطق الجنوبية بشمال كردفان ( علوبة، جعيبات، شيكان ..الخ .. الخ)، و نتيجة للزحف الصحراوي و تدهوُّر البيئة إضطروا للسير جنوباً بقطعانهم سنوياً في فترة الصيف ( يناير - أبريل)، بحثاً عن المياه لشرب ماشيتهم و المراعي لتغذيتها .. فبدأوا بالتوغُّل عبر عشرات السنين جنوباً. و بسبب (الآيديولوجيا الإسلاموعروبية) التي تبنَّتها الدولة المركزية بعد خروج المُستعمر و إنحيازها و دعمها للمجموعات المُستعرَبة للتملُّك و إحتلال أراضي المجموعات الأصيلة بمبدأ (كل أرض وطأتها حافر بقرتها هي ملكها) .. بدأت النزاعات. و لقد ذكرنا من قبل دور (الصادق المهدي) شخصيَّاً في تغذية هذه التوجُّهات عند المُستعرِبة من (البقَّارة) .. بالشحن السلبي و التَّحريض العنصري للقيام بإحتلال أراضي السُّكان الأصيلين منذ العام 1967 حيث قال لهم : إن (ضهر التور لا يُمكن أن يكون لكم وطناً). و عليكم بإحتلال أراضي النوبة، و ستكون الدولة - مُمثلة في أجهزتها من قضاء و شرطة و ضُبَّاط إداريين بالمراكز معكم سنداً و عوناً فى حالة إحتجاج أصحاب الأرض من النوبة .. لتبدأ الفتنة منذ العام 1968.
تلك هي مُشكِلة دار نعيلة أو نعولة (المُحرَّشة) و التي تحوَّلت إلى وقود لمعارك و مطامع (حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي، و والي الولاية حامد البشير) و مُخطَّطاتهم العدوانية، و طموحاتهم الشريرة، فتم دفعها لمعركة و صراع (خور الورل) لفرض أمر واقع على الأرض. و الحوادث المُتكررة و الإنتهاكات التي يرتكبها ال(حوازمة) داخل كادقلي و حولها لدفع النوبة للخروج منها - تُفهم في إطار هذا السياق التَّاريخي .
الطريق إلى السلام :
حزب الأمة غير مؤهَّل على الإطلاق لحل و مُعالجة الصراع في جنوب كردفان أو في أي منطقة في السُّودان، فهو لا يملك حلول لمشكلات البلاد و لكنه يملك عقلية إقصائية عُنصرية لتقسيم السُّودانيين. و المُحاولات التي يقوم بها لعقد الورش لمُناقشة هذه القضايا هي محاولات لزر الرماد في العيون و تضليل الشَّعب السُّوداني و إستقطاب البُسطاء، مثل الورشة التي نظَّمها الحزب بتاريخ 4 يوليو 2020 و خاطبها (الصادق المهدي). و الورشة التي نُظِّمت في كادقلي بتاريخ 12 أغسطس 2020 و هي محاولة من الوالي (حامد البشير) لتمييع القضايا و الإلتفاف على جذور الصراع و الأسباب التي أدَّت إلى الحروب في السُّودان. و الأدهى في الأمر إن غالبية أعضاء لجنة الورشة أو مؤتمر الصلح هم من عناصر المؤتمر الوطني البائد بما في ذلك رئيسها (صالح إبراهيم يعقوب) الذي رفضته لجان المقاومة في الولاية كما رفضت المُشاركة في المؤتمر، و هذا المؤتمر لن يخمد فتيل الأزمة .. و سيكون مصيره الفشل الحتمي.
القضايا التي أسَّست للصراع في الإقليم – كغيرها من قضايا السُّودان الأخرى - مطروحة الآن للنقاش على طاولة المفاوضات و لن تُعالَج بهذه الطريقة التي تشبه في طبيعتها (الجوديات) لأنها تتعلَّق بمظالم تاريخية و تهميش بنيوي و هيكلي، و قضايا مثل (علاقة الدين بالدولة، الأرض، الهوية، ... و غيرها). و على الحكومة إن كانت جادَّة و راغبة في إنهاء الحروب و إستعادة الأمن و السلم و الإستقرار في السُّودان، أن تسعى إلى تسوية سياسية شاملة تُعالج جذور هذه الأزمات و تضع البلاد في الإتجاه الصحيح.
المراجع :
1/ MacMichael, Harold A: The Tribes of Northern and Central Kordofan. London: Frank Cass, 1912/1967.
2/ K. D. D. Henderson, "A Note on the Migration of the Messiria Tribe into South-West Kordofan, (1939)"Sudan Notes and Records 22, no. 1: 5
3/ Ian Cunnison, Baqqa-ra Arabs: Power and Lineage in a Sudanese Nomad Tribe (Oxford: Clarendon Press, 1966);
4/Facing Genocide: The Nuba of Sudan - by: Alex Duval & Yohannes A. Ajawin- 1995.
5/ Guma Kunda Komey – Land Governance Conflict & the Nuba of Sudan- Eastern Africa Series 2010.
6/Mohamed Salih, M. Abdel Rahim. "Resistance and Response: Ethnocide and Genocide
in the Nuba Mountains, Sudan." Geo-Journal 36, no. 1 (1995): 71–78.
7/Ibrahim, Agricultural Development Policy, Ethnicity and Socio-political Change- (1988/1998).
8/ د . محمد سليمان محمد - السودان : حروب الموارد والهوية – دار كمبردج للنشر – الطبعة الأولى - 2000.
9/ الحرب الأهلية في السودان - بروفسير/ مارتن دالي – و الدكتور/ أحمد عوض أحمد سكنجا).
10/ المناطق المُهمَّشة في السُّودان : كفاح من أجل الأرض و الهوية – عادل شالوكا 2015.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.