جرائم الاحتلال الاثيوبي في الفشقة .. بقلم: عادل عبد العاطي    لو كنت رئيساً - ماذا سأفعل ؟ .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة    8 بنوك و3 شركات طيران تجار عملة .. بقلم: د. كمال الشريف    حتى لا يرتد الوهج سميكا .. بقلم: عبدالماجد عيسى    في ذكري الكروان مصطفي سيد احمد .. بقلم: صلاح الباشا    في ذكرى الاستقلال ذكرى عبد الواحد .. بقلم: جعفر خضر    "شوية سيكولوجي8" أب راسين .. بقلم: د. طيفور البيلي    المحكمة ترفض طلبا للدفاع باستبعاد الشاكي في قضية علي عثمان    مقتل مواطن سوداني في انفجار جسم غريب    ارتفاع حصيلة أعمال العنف القبلي بالجنينة إلى 243 شخصاً    الثروة الحيوانية قد لا تظل طويلا ثروة متجددة! .. بقلم: اسماعيل آدم محمد زين    ويسألونك عن العيش .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    أهلي شندي يسقط أمام الشرطة القضارف .. فوز هلال كادوقلي على مريخ الفاشر    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





موسم الخراب الغريب .. بقلم: سامية محمد نور
نشر في سودانيل يوم 02 - 09 - 2020

قراءة حول الطيب صالح وعبد العزيز بركة ساكن والبير كامو
في روايات موسم الهجرة ألي الشمال-الرجل الخراب –الغريب
"لا يمكن لأي كان أن يتهرب من التعامل مع ثنائيات الشرق والغرب، والشمال والجنوب، والمالك والمملوك والإمبريالي والمناهض للإمبريالية والأبيض وذي البشرة الداكنة. لا يمكننا تجاهلُ أي من هذه الثنائيات والتظاهرُ بأنها غير موجودة، فالاستشراق المعاصر يتلاعب بها مما يزيد من اتساع الهوة ما بين الطرفين ويزيد من احتقان علاقتهما لتتحول من مرض عارض إلى مرض مزمن".
(إدوارد سعيد – الاستشراق)
يقول الطيب صالح: "إن العلاقة بيننا وبين أوروبا ليست علاقة رومانسية كما يصورها الأدب العربي، إنها علاقة قائمة على الصراع ما بين حضارتين مختلفتين. هذا لا يعني أن قدرنا خوض صراع مع أوروبا إلى الأبد، ولعلنا نصل إلى حلّ ينهي هذه الصراعات ويردم الفجوة بيننا، ويبلّغُ شعوبنا مكانة مرموقة بين الأمم".
كتب رواية "الرجل الخراب" السوداني عبد العزيز بركة ساكن الحائز على جائزة الطيب صالح للرواية في دورتها السابعة في عام 2015 أي قبيل الثورة السودانية بقليل.
كتب الطيب صالح روايته في منتصف الستينات وقت خروج دول أفريقيا والعالم العربي من الأستعمار الأوربى.
الغريب لالبير كامو كتبت عام 1942 خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر وقد حصلت علي جائزة نوبل.
أنتهي الأستعمار الأوروبي الشمالي الابيض للقارة السوداء في الجنوب. أنزل أعلامه وجمع جنوده ورحل ليظهر في مكانه شكل جديد من أشكال الأخضاع والسيطرة . هذا الشكل ما بعد الكولونيالي هيمن علي أفريقيا وبقية المستعمرات بقوة الأمبريالية الحديثة التي تتضمن ذات الأخضاع الثقافي والأقتصادي والسياسي .
تتقارب الرويات الثلاثة موسم الهجرة ألي الشمال للأديب الطيب صالح، الرجل الخراب لعبد العزيز بركة ساكن الغريب لألبير كامو في تناولها لقضايا مشتركة معاصرة مثل الهجرة وتأثيرها علي المهاجر التطرف والعنف والجريمة.الكولونالية والأمبريالية ، وصعوبة أندماج المهاجرين وقضايا الهوية والدين. الجنس. ونسبية الأحلال بين قيم القديم والحديث وسط مكونات المجتمع المتحضر ذات الطبيعة المختلفة.(ما عدا رواية الغريب لالبير كامو حيث تفد فرنسا علي الجزائر) وتأثير الأمبريالية اللاحقة للأستعمار كامتداد له علي مجتمعات ما بعد الأستعمار. وتجمع الروايات الثلاث علي مرارة تركة الأستعمار وعمق شروخه علي بنية المجتمعات المحررة التي لن تعود أبدا كما كانت قبل أن تبتلي بهذه التجربة
تروي القصص الثلاث جرائم عنف يرتكبها أشخاص خارج محيطهم الطبيعي وفي ظروف من القهر والكبت النفسي المترتب علي ضعف التواءم مع المحيط مما يصنع من البطل مجرما وليس مواطنا. وتأتي نهايات الأبطال كنتائج تشابه الأفعال أو تمثل امتدادا لها فيختفي مصطفي سعيد فيما يشبه الأنتحار ويقتل درويش علي يد زوجته قتلا اشبه بالأنتحار ويعدم مورسو الفرنسي في الجزائر في دراما تؤكد من خلالها فرنسا عدلها بين أبناءها البيض وأبناء مستعمراتها السود.
وأمر أخر عريض عن تقبل أوروبا(المستعمر) للهجرة السوداء وما تأتي محملة به من تطرف وهوس ديني يرتبط بخطة دفاعية مسبقة تهدف لحماية معتقدات الوافد وحظه من التعليم وسلامة بناء شخصيته وقدراته حيث أن مجتمعات المهاجرين غالبا ما تكون ضعيفة علي كافة المستويات مما يجعل المهاجرعبئا علي المهجر وليس أضافة أو اثراء له بل قد يكون خصما علي أمن البلاد في حال نشاط الفصام الديني واللجوء للعنف لأيصال رسالة ما. وكثيرا ما تتواجه الهجرة مع الأمبريالة في صدام لا يسبر غوره بالمعايير المتعارفة العادية فتطفو ألي السطح عناصرالصراع التقليدية متأرجحة بين الاقصاء والقبول .
كان الأستعمار الأستيطاني أقوي أثرا علي مستعمراته من حيث تأثيره المباشرعلي ثقافتها وتراثها وبنيتها السكانية بإحلال المستوطنين محل المواطنين، وفي الجزائر تحديدا أمتد ألي مطامع فرنسية حول امتلاك أراضي البلاد وتوزيعها علي المستوطنين وأقصاء المواطنين بل وتهجيرهم قسرا وأرسالهم ألي فرنسا للقيام ببعض أعمال السخرة (مشروع مترو باريس) حيث عاشوا كأقلية سوداء مضطهدة .وقد هدف هذا الأستعمار ألي أحلال شعب فرنسي الجنسية والثقافة بالجزائر العربية الأفريقية ،مما هدد هوية المواطن وانتماءه كصاحب أرض وثقافة وفضاء حر يمارس فيه وسائل عيشه كما عرفها وورثها عن أجداده. لجأ الفرنسيس للعنف والقتل والأبادة الجماعية لتنفيذ مشروعهم الأستيطاني، ومارسوا سياسة فرق تسد بالمفاضلة بين العرب والبربر وتقديم المسيحيين علي المسلمين وفرض اللغة الفرنسية كبديل للعربية.
علي أن درجة قبول المستعمر لثقافة المستعمر (بكسر العين) ومحاولته للحفاظ علي هويته ودفاعه عنها تبدت في مقاومة الجزائر العنيفة للوجود الفرنسي بأرضها ألي أن رحل عنها ولكنه خلف تركته السامة في أشكالات الهوية المتمثلة في اللغة والثقافة والخلافات العرقية..... يقول البير كامو: (نحن الفرنسيون منصفون ولسنا عنصريون فعندما قتل أحد منا جزائريا عربيا أعدمناه في تطبيق منصف وصارم للقانون)..
موسم الهجرة ألي الشمال ،هذه الرواية كتبها الطيب صالح في حقبة الستينات ،وقتها كان الأستعمارالأوربي قد رحل ألة وجنوداعن دول أفريقيا والعالم العربي فكانت هذه الدول تلعق جراحها وتلملم كبريائها وتبحث لذاتها عن صوت وهوية وسط العالم الذي اختل توازنه ،فخروج الأستعمار لم يؤثر علي المستعمر فقط بل أثرعلي المستعمر بذات القدر. فالجنود العائدون من ويلات الحرب والموت والقناصل والموظفون العائدون من الصحراء ومن خط الأستواء لم يكونوا هم أنفسهم ذات الشباب الذي اندفع نحو المغامرة والأستكشاف في تلك المنافي البعيدة . (رأيت الجنود يعودون يملؤهم الذعرمن حرب الخنادق والقمل والوباء... رأيتهم يزرعون بذور الحرب القادمة في معاهدة فرساي.ورأيت لويد جورج يضع أسس دولة الرفاهية العامة). هذا علي المستوي الأنساني والنفسي العاطفي ومن خلال التجارب الشخصية التي مر بها هؤلاء، أما علي المستوي الاقتصادي فالمستعمر قد فقد الذهب والقطن والعمالة والأرض والهيمنة المرتبطة بكبرياء الرجل الأبيض والتي استندت علي تدفق هذه الأموال والموارد من المستعمرات.هذان العنصرن فقط كفيلان بتسليط الضوءعلي نتائج رحيل المستعمرعن المستعمرات علي الطرفين معا ومع ذلك يظل هناك الكثير مما يمكن رصده.
وتمر الرواية بثلاث مراحل تاريخية متصلة يبرز في كل مرحلة منها شخصا أو أشخاصا ينعكس من خلالهم تأثير المرحلة وحمولتها علي حياة الفرد والجماعة .في مرحلة البداية الأولي يظهر جد الراوي بتوازنه واستقراره الفريد ممثلا سودان القرية في وحدة جغرافية وتاريخية قبل أن يتلوث بجرثومة الاستعمار ووجود الأخر وتساؤلات الهوية (نحن بمقاييس العالم الصناعي الاوروبي فلاحون فقراء لكنني حين اعانق جدي احس بالغني).
والمرحلة اللاحقة لها يمثلها مصطفي سعيد وهي تنظر ألي مجتمع ما بعد الأستعمار وعلاقته بالمستعمر القائمة علي البغض وعدم الثقة والمرارة الناتجة عن تشوه الهوية خلال سنوات الأحتلال الطويلة التي غاصت في عمق الثقافة واتلفتها من الجذور وغادرتها محقونة بسموم يصعب التعافي منها بعد أن أعمل فيها الأستعمار خرابا، وتنقسم جغرافية هذه المرحلة بين القرية السودانية ومدينة لندن الأوربية.
أما المرحلة الثالثة، مرحلة ما بعد الأحتلال العسكري الأمبريالية فتظهر في واجهتها شخصية الراوي وهو يحاول التعاطي بتوازن منطقي مع تركة الأستعمار المزدوجة التي غيرت طبيعة المجتمع بتدخلها الثقافي مما زعزع البنية التقليدية القديمة فأفقدها صورتها الأولي ومن المنظور الأخر لذات المجتمع نري أنه بسبب أفتقاده لهويته الأولي فشل في مواكبة الحداثة . فظهرت ألي السطح ثقافة هجين مزدوجة تري بعينين وتتحدث بلسانين .نلاحظ أن الراوي أيضا قد عاش وتعلم في أوروبا ( لقد عشت أيضا معهم لكنني عشت معهم علي السطح لا أكرههم ولا احبهم.كنت أطوي ضلوعي علي هذه القرية الصغيرة الوجوه هناك كنت أتخيلها قمحية أو سوداء فتبدو وجوه لقوم أعرفهم هناك مثل هنا ليس أحسن ولا أسوأ لكني من هنا).
مرت شخصية مصطفي سعيد بعدة تساؤلات وجوديه بدأت بضبابية ظهوره ألي الحياة فهو لم يكن له أب موجود بل أن الكاتب نسب هذا الوالد المتوفي (عمدا) ألي قبيلة العبابدة وهي مجموعة متنقلة بين الحدود السودانية المصرية ومتباعدة عن وجدان الدولتين القومي في تأكيد لذات السياق ،وكذلك لم يكن لمصطفي أخوة يؤكدون وجوده ويضمنون استمرارية هذا الوجود بل كانت هناك أم من قبيلة بعيدة لا أسرة لها ارتبطت به في علاقة غريبة لا تشابه في شيء علاقات الأسرة داخل مجتمع السودان التقليدي، فالراوي بالمقابل له جد وأب وأم واخوة وبيت روائح وأصوات وصديق ،يمثلون القالب النمطي للمجتمع والأسرة في السودان.وتواصله، وبعد سنوات طويلة تأتي نهاية مصطقي ضبابية أيضا فلم يتحدد مصيره بالضبط هل غرق أم انتحر أم ارتحل ملبيا النداء الذي عجز عن تجاهله حتي أن الراوي يتشكك (أن مصطفي سعيد لم يحدث أطلاقا، أنه فعلا أكذوبة) بيد أن حضوره الكاريزمي للامتناهي يبدأ ويستمر حتي النهاية بعد رحيله مجسدا في ما مرت به زوجته حسنة وفي تذكر زملاءه السابقين له وعشرات الكتب التي الفها. وقد تقرأ أيضا نهايته مفتوحة الأطراف حالة عدم الوضوح التي تشكلت من خلالها هويتة عقب دخولها في تجارب ومواقف أثرت عليها دون أن تصل بها ألي وضع محدد المعالم قابل للقراءة والتأويل.
دخول مضطفي سعيد ألي المجتمع البريطاني أرتبط بنبوغه المدرسي حيث انحصر عقله في تلقي العلم وانفتح له علي مصراعيه، بينما ظل قلبه في المقابل مغلقا خاويا بلا مشاعر (كحقل من جليد) ،فحتي والدته لم تنشيء معه علاقة الأمومة والبنوة الكلاسيكية تماما كما وصف البير كامو بطله مورسو فارتحل مصطفي بعد أن بلغ غاية التعليم في السودان بلا وداع وحيدا ألي مصر ليتلقي المزيد في مدارسها، حيث استضافته أسرة روبنسون الأنجليزية المقيمة في القاهرة وارتبطت به ورعته كأبن لها وليس كزائر عابر ، مع ذلك لم يحفل بالحب الذي اسبغته عليه رغم أنه طاف برفقتها معالم التاريخية للبلاد وتعلم منها موسيقي باخ وشعر كيتس وعرف مارك توين وفي هذه الفترة بدأ انبهاره بثقافة الغرب وميله أليها يشاركه في ذلك درويش بركة ساكن الذي وفد ألي أوروبا جاهلا بالفنون والأدب والموسيقي ولما تعرف أليها خلال مهجره الطويل اكتشفها فأحبها (ذهبنا ألي السينما والمسرح وكل المعارض التشكيلية بسالزبورج) وعرف فان جوخ والموسيقي الكلاسيكية وحفظ قصائد تي أس أليوت!.
تبدوغرابة أحساس مصطفي سعيد بمسز روبنسون لحظة التقاءه الأول بها في الأثارة الحسية التي أعترت سنواته الأثتي عشر (كانت تعلم أنني أشتهيها) والتي تطورت لاحقا في لندن ألي علاقات عابرة عديدة مع نماذج مختلفة من النساء الأوروبيات قبل أن يتزوج مما يعكس افتتانه بالسيدة البيضاء. وقد عاش مصطفي سعيد سنوات دراسته في مصر بلا ذكريات ولا مغامرت عاطفية أرتحل بعدها ألي لندن فودعته أسرته الأنجليزية بالدموع من طرف واحد، ويبدو رغم ذلك أن علاقته بأسرة روبنسون قد أستمرت لأن الزوجة حكت فيما بعد عن أعتراضها علي زواج مصطفي من جين مورس ولما حكم عليه بالسجن كانت موجودة لمساندته وكذلك أبدت أهتماما بأسرته بعد وفاته من خلال مراسلات تمت بينها وبين الراوي.
رحل سعيد ألي لندن لتلقي المزيد من العلم وفي نفسه مرارة المستعمر الأفريقي تجاه المستعمَر الأوربي (الرجل ابيض لمجرد انه حكمنا في حقبة من تاريخنا سيظل أمدا طويلا يحس نحونا بالأحتقار الذي يحسه القوي تجاه الضعيف) هذا الموقف الأستباقي هزمته في مصر حرارة أستقبال أل روبنسون ألي مصطفي بيد أنه لم يدفعه ألي أعادة النظر في تفكيره فوصل ألي عالم جين مورس مقدما نفسه كغاز أفريقي يقاضي أوروبا ثمن استعمارها لبلاده (اني جئتكم غازيا في عقر داركم . قطرة من السم الذي حقنتم شرايين التاريخ).المعطيات التكنولوجية والدرجات العلمية التي تحصل عليها لم يعترف بفضل المستعمر فيها (البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز وسكك الحديد أنشئت أصلا لنقل الجنود ولقد أنشاوا المدارس ليعلمونا كيف تقول نعم بلغتهم أنهم جلبوا ألينا جرثومة العنف الأوروبي الأكبر).وألي جانب التحصيل الأكاديمي تعرف مصطفي سعيد علي أدوات ووسائل للثقافة لم تعرفها بلاده فارتاد السينما والمسرح واختلف ألي منابر الخطابة الحرة وتعرف علي الشعر والموسيقي والمحاضرات العلمية. (أقرأ الشعر،أتحدث عن الدين والفلسفة أقول كلاما عن روحانيات الشرق) لا ليتشارك معارفه مع المجتمع بل ليتصيد النساء بطعم العلم . يفعل كل شيء حتي يدخل السيدة ألي فراشه ثم ينطلق ألي صيد أخر،يوظف ما تعلمه في أوروبا لخدمة تلك الغاية (أنت يا مستر سعيد خير مثال علي أن مهمتنا الحضارية في افريقيا عديمة الجدوي فأنت بعد كل المجهودات التي بذلناها في تثقيفك فكأنك تخرج من الغابة لأول مرة) أستجابت لأساليب أغراءه سيدات من كل أوجه المجتمع الأنجليزي، لكنه سعي وراء الفتاة الوحيدة التي رفضته (لن أرقص معك) لبث يطاردها ثلاثة أعوام حتي تزوجها. (وتزوجتها،غرفة نومي صارت ساحة حرب،أمسكها فكانني أمسك
قال له القاضي في المحكمة (أنك يا مستر سعيد رغم تفوقك العلمي رجل غبي، لذلك بددت انبل طاقة يمنحها الله للناس:
غادر المستعمر السودان بعد أن بذر فيه بذرة الفرقة من خلال الخارطة الجغرافية متناقضة الأطراف وعزل جنوب البلاد عن الشمال لفترة طويلة وكذلك من خلال الأحزاب التقليدية التي كانت مطية المستعمر وما مارسته من أقصاء أوتقريب مرده الخلاف الايديولوجي والناظر المتمعن ألي دوافع الهجرة من السودان يجدها ذات صلة بأحد أو أكثر من هذه المسببات: عرق دين وايديولوجيا.
المستعمر: هذا البلد الذي تتحكم فيه الخرافات ها أنتم الأن تؤمنون بخرافة من نوع جديد خرافة التصنيع وخرافة التأميم والوحدة العربية ،خرافة الوحدة الأفريقية ،أنكم كالأطفال تؤمنون أن في جوف الأرض كنزا ستحصلون عليه بمعجزة.
نظرة المستعمر للمستعمر(انظرو كم نحن متسامحون ومتحضرون هذا الرجل الأفريقي كأنه واحد منا أنه تزوج ابنتنا ويعمل معنا علي قدم المساواة).
الأوربيون المتظاهرون بالتحرر لا يقلون شرا عن المجانين المؤمنون بتفوق الرجل الأبيض في جنوب أفريقا وفي الولايات الجنوبية من الولايات المتحدة .نفس الطاقة العاطفية المتطرفة تتجه ألي اقصي اليمين أو أقصي اليسار نظرة المستعمر للمستعمر. وفي بلاد الغرب الأمبريالية يعرف ويعامل المهاجر كأجنبي غريب بغض النظرعن أصوله سلوكه ومعتقداته ولهذا التمييز فاتورة يجب أن تسدد تظهر في رفض توظيف الملونين أو التخوف من المسلمين أو التجاهل والبرود الاجتماعي نحو المهاجرعموما مهما ظهر خلاف ذلك فالمحكات كفيلة بأجلاء هذه الحقيقة حتي ولو في صورة أشارات مثل بركة ساكن: توني لا يكره العرب
بركة ساكن: ( ستدفع اوروبا ثمن استعمارها لبلادنا غاليا سنسترد ثمن قطن الجزيرة وبطاطس جبل مرة صمغ كردفان.قال انه سيسترد ذلك يوروهات وسلاما ورعاية صحية واجتماعية وعن طريق العمل والجهد).
الطيب صالح: (وكونهم جاءوا الي بلادنا لا أدري لماذا، هل معني ذلك اننا نسمم حاضرنا ومستقبلنا ؟أنهم سيخرجون من بلادنا عاجلا أو أجلا كما خرج قوم كثيرون عبر التاريخ من بلاد كثيرة ،سكك الحديد، البواخر والمستشفيات والمصانع والمدارس ستكون لنا وسنحدث لغتهم دون أحساس بالذنب ولا أحساس بالجميل. سنكون كما نحن قوم عاديون وأذا كنا اكاذيب فنحن اكاذيب من صنع انفسنا)
أن مصطفي سعيد قد أعاد صياغة شخصية حسنة من القروية الجاهلة الخاضعة لوصاية الرجل ̧ألي سيدة مستقلة وحرة وواثقة لأنه ببساطة تفاعل معها بعقلية الرجل الأوربي المؤمن بالمساواة (زوجتي تعلم كل شيءعن مالي،وهي حرة التصرف، وأنا أثق بها) هذه المكتسبات الأدبية الحديثة والندية والأستقلالية المادية وضعت حسنة بهويتها الجديدة المغايرة في مواجهة عنيفة مع مجتمع القرية برفضها الزواج من ود الريس المسن المزواج المستهتر بالمؤسسة الزوجية (بعد مضطفي سعيد لا أدخل علي رجل).وبالفعل يبدي استهانته بها (هل تظن أنها ملكة أو أميرة؟ الأرامل في هذا البلد أكثر من جوع البطن) ويستند في فرض هذا الزواج عليها ألي العرف الأجتماعي (هذا البلد فيه رجال قوّامون على النساء) ويجد في رفضها له فرصة جديدة لأعمال ثقافة الاضطهاد ضدها في عنف متأصل بحكم القبول والزمن يشتمل علي عقدة فوقية (لن أتزوج غيرها، ستقبلني وأنفها صاغر) ومدافعا عن فكرة تعدد الزوجات (أنتم رجال المرأة الواحدة).
ثم يوسع ود الريس دائرة الحرب من الاضطهاد النسائي ألي أخر حضاري (ستتزوجني رغما عنك وعنها الكلام الفارغ الذي تتعلمونه في المدارس لا يسير هنا) وفي هذا السياق يضع بت محمود في ذات المجموعة مع الراوي كحملة ثقافة ورؤية مختلفة يرفضها مجتمع القرية التقليدي.حتي محجوب صديق الراوي المتعلم نوعا ما دافع عن حق ود الريس في فرض نفسه علي حسنة مبررا هذا الفرض باعجاب العجوز بها، في حوار شبه فيه النساء بالحمير!.وللمفارقة فأن هويتها الجديدة (كنساء المدن )هي بالضبط ما لفت الأنتباه لها (كأمرأةٌ أحسُّ حين ألقاها بالخطر. أمرأة نبيلة الوقفة، أجنبية الحُسن).
ترفض حسنة ممارسة فعل الزواج المفروض عليها بعنف والدها وأخوتها بل وترد عليه بعنف أكبر في موقف أستعلائي مستحق ضد الأستغلال الزوجي، حينما تقتل ود الريس ثم تغرس ذات السكين في صدرها تماما كما قتل مصطفي سعيد زوجته في موقف استعلائي مماثل تبناه بزواجه منها (لقد جئتكم غازيا) ووضعها بالتالي في خانة المستعمر الأبيض و كان بغرسه السكين في صدرها أنما يرفض وينهي هذا الأستعمار.وفي صوت نسائي أخر يرفض الأضطهاد والأستغلال الزوجي تعجب زوجة ود الريس الأولي بشجاعة بت محمود التي انتقمت لها منه (ود الريس حفر قبره بإيده، وبنت محمود بارك الله فيها، خلصت منه القديم والجديد) وتطلق الزغاريد فرحا بالقصاص الذي لم تكن تجرؤ علي المطالبة به علنا.
تقبل مجتمع القرية ضرب محمود لابنته حسنة وتزويجه لها من ود الريس قهرا، ولم يتقبل قتلها لزوجها الذي لم ترده من الأساس لأن ثقافة المجتع تنص علي أن القهر يأتي من الرجال نحو النساء فيما يسمي بالقوامة وليس العكس.
في ذات السياق حلم درويش بأنه يزوج أبنته ميمي قهرا ودون استشارتها لأبن خالها في قريتهم البعيدة في السودان ،علي أن تلك الرغبة لم تتجاوز الحلم لأن المجتمع الذي هاجر أليه يسمح بحرية الحلم ويمنع القهر!.
تتطابق شخصيات مصطفي سعيد و حسني درويش ومورسو في تناولها الشرقي للجنس كوسيلة لاضطهاد الرجل والعشيرة فوجد مصطفي بذلك أنتقامه من الأستعمار الأوربي في ممارسة الجنس مع حسناوات أنجلترا. ووجد درويش من ذات الزاوية أعتداء علي كل قيمه في ممارسة توني للجنس مع ميمي أبنته فاستمات في الدفاع عنها حتي مات.وساعد مورسو جاره في استدراج عشيقته العربية ثم ضربها في تأديب جنسي جزاء خيانتها وعندما تصدي أخوها للدفاع عنها قتله مورسو بدم بارد.هذه الزاوية في تناول قضايا الجنس وربطها بالعنف والأنتقام تكرس ثقافة ضيقة ،لا مكان لها في المجتمع الأوربي الذي لا يفهمها وتؤكد بالتالي علي صراع الثقافات الأنتقائي لدي هؤلاء القتلة الثلاث، فكل منهم عاش في أوروبا زمنا طويلا كفيلا بعمليات أحلال وأبدال ثقافي وكل عرضت عليه سيدة أوروبية الزواج وقبل ( مورسو لم يكتمل زواجه ) وبالتالي أسس أسرة أوروبية النهج رسخ بها قيمة الأستقرار،وكل اطلع علي ثقافة المجتمع الأخر من خلال الكتاب والموسيقي والمسرح الأوربي وكل قد فشل رغم كل هذه المعينات في تخطي ثقافته الخاصة وبالتالي الأنفتاح علي مجتمعه الجديد ومن ثم الاندماج فيه.
الغيرة الغريزية وطبيعة الرجل الشرقي المحبة للتملك التي أبرزها مصطفي سعيد في تشبيه ذاته بعطيل تبدت في قتله لزوجته المتكبرةعليه كسيدة بيضاء مستقلة تستطيع أن تتأبي وتتعالي عليه وأن ترفضه كزوج في حرية مستحقة محمية بعرف وقانون بلادها في مواجهة ثقافة مصطفي التي تقهر النساء.
طرح مصطفي في المجتمع الأنجليزي هويته كأفريقي غاز لأوربا ومسلح بما سيحرر به أفريقيا كما صرح علي لسان أحد ابطال الرواية وفخور أيضا بجيناته : نعم هذا أنا وجهي عربي كصحراء الربع الخالي ورأسي أفريقي يمور بطفولة شريرة. تلقت عشيقاته الأوربيات هذه الشخصية بفضول وانبهار ظهر في تهافتهن عليه وفي تبنيهن لخطاب ينسجم مع هذا الطرح:
أيزابيلا سيمور: أغتلني ايها الغول الافريقي.أحرقني في نار معبدك أيها الأله الأسود.
شيلا غرينوود:ما أروع لونك الأسود لون الغموض والسحر والأفعال الفاضحة.
أن همند:أريد رائحتك كاملة رائحة الاوراق المتعفنة في غابات أفريقيا.
نستثني من حريمه جين مورس صاحبة الموقف المضاد التي أعلنت منذ البداية عن رفضها واحتقارها له بل أنها أهانته قائلة : أنت بشع لم أر في حياتي وجهًا بشعًا كوجهك. وكانت وقتها تدرك تماما دلالة ما تقوله علي أعتزازه بملامحه الأفريقيه.
ومرة أخري دمرت تحف مسكنه المؤثث برمزية خاصة تشير ألي هويته من خلال لوحات لمزارع البن وغروب شموس وتماثيل أفريقية في عالم حار أقامه لنزواته وغزواته وقد عززه بمباخر النحاس والصندل المحروق والند وعطورشرقية نفاذة ودهون ومساحيق استحضر من خلالها طقس (الجرتق) في الزواج السوداني والذي يقام قبل المعاشرة مباشرة فعاشر به نساء أوروبا في بيئة سودانية مكتملة وفي أشكال من الخضوع النسائي له تبدي في الحوار بين الطرفين وفي دور الجارية الخانع الذي تبنته أن همند مما أتاح لمصطفي الشعور بالسيطرة والتملك والاخضاع.
ذلك العالم المصنوع لم تدخله جين مسحورة منبهرة كبقية النساء لأنها ببساطة كشفت مصطفي سعيد ولعبته منذ الوهلة الأولي وعرفت عقدته الأستعلائية ووسائل وأسلحة معركته وحلمه بغزو بلادها وسبي نساءها. فواجهته بأسلحتها الخاصة بعيدا عن فخاخه الساحرة وشهرت في وجهه اضطهادا أعلي من الأستعمار فكانت بإساءتها لأدميته وتدمير عالمه تبلغه رفضها لشخصه ولثقافته الدخيلين علي عالمها بتعال شديد العنف ودفعت ثمن كل ذلك عندما قتلها لاحقا ( ضغطت الخنجر بصدري حتي غاب كله بين النهدين وأحسست بدمها الحار يتفجر من صدرها) وقد كررت زوجته الثانية وتلميذته حسنة ذات الجريمة (كان الدم حارا يبقبق من قلب بت محمود وبين فخذي ود الريس)
حرص مصطفي سعيد علي أغلاق كل ما يتعلق بحياته السابقة في أوروبا في غرفة منفصلة داخل منزله ولم يطلع عليها أحدا حتي زوجته .غرفة أوروبية الهندسة بسقفها البلوطي المثلث وأعمدة مرمرها .أثثها بصور سيدات مررن بحياته فقتلهن بجرثومة عنفه وبمئات الكتب ومقاعد فيكتورية وبصحيفة التيمز بل ومدفأة ضخمة في هذه الأرض التي لم تترك الشمس فيها قتلا لقاتل!! وحرص علي أبعاد أسرته عنها حتي موته ربما ليحميها من جرثومة العنف الأوروبي التي تشرب بها وربما لأنه غير فخور بتجربته الأوروبية ،أو لكي يجنب أبنيه الأحساس بالفضول نحو عالم لم يعرفاه فيحبب اليهما الرحيل والأستكشاف ،عكسا لرغبته في بقاءهما قي القرية الأمنة التي لم تواجه الأخر ولم تصب بفيروس العنف (إذا نشآ مشبعين بهواء هذا البلد فإن حياتي ستحتل مكانها الصحيح كشيءٍ له معنى).أذا ظن مستر سعيد نفسه قد أغلق فصول حياته السابقة المسمومة داخل هذه الغرفة فانه يكون قد أغفل حقيقة هامة،هي أن عدوي السم قد تسللت ألي جسد وعقل حسنة بت محمود حتي تحولت ألي قاتلة مثله تماما.
ما الذي فعله مصطفي سعيد بزوجته حسنة ودرويش بزوجته نورا فحولاهما من والدتين وزوجتين الي قاتلتين؟.
أما في قصة (الرجل الخراب) فنجد أن درويش بمحاولة قتله توني يمثل عنف الأفريقي العربي المسلم الذي يواجه الثقافة الأوروبية الصلبة المتكبرة علي أمثاله بسلاح دينه وثقافته فخسر المعركة.
نورا بقتلها درويش تمثل عنف رفض المستعمر الأوربي المتعالي للوافدين من مستعمراتها السابقة حيث التخلف والقذارة والبشرة السوداء في محاولة التساوي معها في أرضها بالذات بل وفرض ثقافتهم عليها.
تشكل هذه الرواية إضافة ثرية مواكبة لمجريات العصر في طرحها الذي يتناول الأنتقال من دول العالم الثالث إلى دول الغرب المتقدم، وما يرافق هذا الأنتقال من معايشة قضايا ومواقف حددناها أعلاه.
عاني درويش منذ طفولته الأولي من جنسيته الهجين كطفل نصف مصري ونصف سوداني مما أربك تكوين شخصيته في أولي مراحلها فرغم تقارب الدولتين الجغرافي ووحدة الدين واللغة ألا أن العامل الثقافي لكل دولة له سمات محددة تشكلت عبر ملايين من السنوات والتجارب وتدخل التاريخ والحروب والهجرات والنزوح والديانات و شخصيات الزعماء أنذاك وميولاتهم وطقس ومناخ كل دولة علي حدة . هذه الثقافة ذات التكوين الصعب يستحيل تغييرها أو تطويعها لتفسح مجالا لثقافة دولة أخري تقاسمها موقعها داخل شخصية الفرد مهما تقاربت الملامح. أتحدث هنا عن دولتي جوار هما مصر والسودان وما سببتاه من اضطراب في تكوين شخصية درويش فما بالك بذات الدرويش يحاول تبني الثقافة الأوروبية المتعالية. ويستبدل بشموس خط الأستواء ثلوج أعياد المسيح .
واجه درويش محنته الأولي عندما جاء ألي مصر في معية والدته أبنة الأسرة المصرية العريقة ليفاجأ برفض تسجيله في المدارس المصرية بحجة أنه أجنبي وهو تعبير اقصائي صادم لطفل هو نصف مواطن مما دفع بأمه للتصدي لمدير المدرسة فكان أن دخل المدارس المصرية غير مرحب به فيها . وعاني في ذات الوقت من اختلاف ملامحه ولونه عن بقية أخوته المنتمين لأب مصري مما عمق أحساسه بالغربة وأذ تقدم في دراسته نحو الجامعة تاكدت له استحالة دخولها من مصر فكان لزاما عليه العودة ألي السودان ليجتاز الأمتحانات من مقاعد البعثة التعليمية المصرية وهي أحدي الثمرات المرة لأتفاقية السد العالي التي أغرقت الهوية النوبية تحت ماء النيل المقدس قربانا لارتواء مصر .
تبدت مشكلة الأنتماء لدرويش في السودان حيث ظهر اختلاف لونه وملامحه الموروثة عن الدم المصري مما وضعه فورا في خانة الحلب وهو تعبير يستعمل في السودان لوصف ذوي البشرة البيضاء من الأجانب. ليجد نفسه أجنبيا غريبا عن وطنيه. ولأن شخصية درويش متكتمة تجيد أخفاء مشاعرها لم يبد علي لسانه أحساسه باضطراب هويته ولكنه بلا شك شعور مؤلم بالأقصاء والدونية.
ضعف انتماء درويش الأسري الناتج عن تركيبته الهجين ألي جانب زواج أمه التي كانت تدافع عنه وترعاه (يدرس في مصر ليكون تحت نظري وسمعي ويدي) وعدم انسجامه في المجتمع السوداني بجانب قلة تجربته في الحياة ،دفعت به ألي الأنخراط في صفوف الجماعات الأسلامية مع بدء دراسته الجامعية. لم تحتاج هذه الجماعة ألي غسل مخ درويش لأنه كان فارغا من الخبرة والمعرفة تماما فملأت هذا الفضاء بالفكر المتطرف فانساق اليها بولاء أعمي وجاهل لا يفرق بين الفكر الأصيل والأدعاء الكاذب، حتي وجد نفسه في مواجهة أجهزة الدولة الأمنية بكل عنفها وقهرها تهدده بنموذج أزلي من أساليب أنظمة دول العالم الثالث في تسوية حساباتها مع الخارجين علي أجندتها العتيقة: الأخصاء.
لتمويل حلمه بالهجرة والحياة الرغدة في دول أوروبا أو كما لخصت زوجته نورا: (من من الناس لا يرغب في وضع معيشي جيد وكل مميزات انجازات الحضارة الاوروبية؟) لجأ درويش ألي بيع أرض كان قد ورثها عن والدته وتبدو دلالة انتزاع الجذور واضحة من حيث أهمية الأرض للعربي والأفريقي فهي تحقق الشعور بالأنتماء والأستقرار والثروة أحيانا في تلك المجتمعات (كما أسلفنا في الحديث عن الاستعمار الأستيطاني الفرنسي بالجزائر لكامو) وأن كان درويش قد أنتزع جذوره راحلا من خلال هذا الفعل، فأن بطل الطيب صالح مصطفي سعيد قد قام بعكس ذلك تماما لأثبات ذات النظرية (أشتري أرضا تفرق وارثوها ) وفي ذلك دلالة علي الأنتماء والأرتباط الأبدي بالمكان.
وصل درويش الأراضي الأوربية عبر رحلة غير شرعية نظمتها مجموعة من اللصوص والمزورين وتجار الأعضاء والمهربين من مختلف الجنسيات وقد مرت رحلته بدولة اليونان الوسيطة بين الهاربين وأروبا حيث واجه أحتمالية انكشاف أمره وبالتالي التعرض لعنف يصل حد القتل في سجونها المخيفة.
وتعرف درويش خلال رحلة هجرته علي رب الأسرة سعد الاريتري وهوضحية أخري لأنظمة دول العالم الثالث القمعية. صلاح أختبر بسبب كتاباته الصحفية في سجون بلاده التعذيب الجسدي والنفسي مما دفعه لأدمان المخدرات وتركه رجلا محطما ضائعا وملاحقا أيضا فاضطر للفرارمخلفا قلبه مع زوجته وبناته ويظهر فرار سعد وناديا ودرويش صورا من قهر أنظمة الحكم العنيف في دول أفريقيا حيث لا قيمة للأنسان كما أورد الكاتب.
دخل درويش أوروبا في شاحنة خنازير من أثينا ألي فينا في رحلة تساوي فيها مع الخنازير قذارة ومارس خلالها جنسا لا مسوغ له مع رفيقة شتاته ناديا الرواندية في ظرف من النتانة والرعب والبرد وهاجس انكشاف أمرهما في أي لحظة ،ولما لم يكن الظرف مناسب أبدا لمثل هذه العلاقة فيمكن ردها الي رغبة درويش في الألتصاق الجسدي بأنسان ما بحثا عن الأمان فهو رجل يموج بداخله خوف كبيروهو ضعيف التواءم مع المحيط من حوله . التصق بوالدته في مرحلة من حياته فكانت تحميه وتقررعنه ،ولما كبر قليلا أتصل بجماعات الأسلاميين وانصهر فيها بحثا عن الأنتماء ثم التصق بناديا لدرء الخوف عن قلبه ولما وصل لنمسا طلب السماح له بالبقاء في النادي السوداني عوضا عن الخروج ألي العالم واكتشاف الوطن الجديد وفور أتخاذه وظيفة أرتبط أسريا بالسيدة لوديا مخدمته العجوز الوحيدة فاحتوته كأبن لها وأورثته جل أموالها عرفانا دون أن يخطر ببالها أنه أنما فعل ذلك بحثا عن أمانه المفقود وتهدئة لمخاوفه الذاتية المتجددة وليس ولاء لها.وعند وفاتها ولضيق محيطه وليد رهبته الأبدية فانه تزوج فورا بأبنتها نورا حتي مماته كل هذا يعكس خوفه الكامن من مواجهة وحدته وحاجته ألي شخص ما بجانبه يطمئن هواجسه طوال الوقت وحتي فى مواجهة أكبر محنة في حياته عندما اتخذت أبنته صديقا علي الطريقة الأوربية أستعان علي مصيبته بمرافقة الخمر حتي يشوش علي نفسه قوة صدمة المواجهة ،وفي حلمه المرتد نحو قريته الأم لم يكن وحيدا بل كان في معيته أبن عمه يوجهه ويتخذ عنه القرار.
دخول درويش ألي أوروبا محاطا بالخنازير يمثل أشارة ألي أن الدين قد يكون أحد القرابين التي تذبح لتحقيق حلم الهجرة وكذلك عمله قبل زواجه من نورا في رعاية كلاب والدتها يعمق ذات الفكرة ويؤكد النظرية الأنتقائية في تناول درويش لأمور دينه الاسلامي: أي أن يأخذ من الدين ما يخدم غرضه مع ترك الباقي لصعوبة الألتزام به ورغم أنه قد قطع ولو ظاهريا علاقته بالعرب والأسلام وصرح بأنه لايهتم لموضوع الأديان كثيرا، فأن درويشا يضع الدين في خدمة فصامه الأجتماعي والعقائدي مقدما العشيرة علي الشعيرة.
نعود ألي رفيقة هجرة درويش ناديا المهاجرة الرواندية التوتسية المسيحية التي عبث المستعمر بوحدة بلادها بطريقة كلاسيكية تقليدية أنتجت تفرقة قبلية أستغلها لخدمة أغراضه وتشديد قبضته علي عنق البلاد المتفتتة ولم تنته هذه الفرقة برحيل المستعمر أو بمذبحة التوتسي والهوتو ،بل أستمرت بين الهدوء والاستعار حتي الأن كتركة أستعمارية ثقيلة يصعب التعاطي معها. ناديا الهاربة من الموت في بلادها نموذج أفريقي مسيحي اختاره الكاتب بذكاء ووضعه في مواجهة المهاجر الأخر دوريش العربي المسلم، فكلاهما عانت بلاده من الأستعمار الغربي فقط بدرجات مختلفة من التلقي والقبول أو الرفض وبالتالي الأنفصام أو الأنسجام. فالأستعمار الغربي لدول عمق أفريقيا الذي كان أقل صداما مجتمعيا من نظيره في الشرق
العربي بسبب ضعف عامل الدين وظله الثقافي علي المجمعات الأفريقية التي كانت قبله كانت تؤمن بكريم المعتقدات و بعض ديانات محلية مبنية علي ثقافة المجتمع المحلي القائم علي الزعيم والكجور في تناسق متماسك النسيج داخل المجموعة الواحدة، وأن كانت المجموعات المختلفة متناحرة فيما بينها في ذات البقعة الجغرافية .وكانت هناك ايضا مجموعات لا دينية تماما مما يضعف أو يلغي اثر العامل الديني في تعميق هذا الخلاف .
أحضر المستعمر الطعام والعلاج والتعليم والتعاليم ألي هذه المجتمعات الأفريقية فأظهرت ميلا نحو ديانته المسيحية واعتنقتها دينا وثقافة فانشغلت بالأنجيل والمبشرين بينما انشغل المستعمر بالأرض وخيراتها ومواردها السطحية والدفينة والبشرية .هذا الترتيب الخبيث من المستعمر ضيق الشق بين الطرفين وأجل المقاومة الوطنية زمنا. ورغم أنه ثبت قبولا محليا علي المستوي الديني الذي هو أحد مستويات الصراع الحي الأن ضد الامبريالية ولكنه ترك فيما يسمي بسياسة فرق تسد، صراعا أثنيا لا تلوح له بوارق حل وهو صراع التوتسي والهوتو الذي راح ضحيته حينها ثمانمائة ألف نسمة في فترة مائة يوم فقط كتركة أستعمارية يصعب جمع طرفيها لأعادة رتق النسيج الأجتماعي دامي الأكفان.
المهاجرة ناديا عاشت رعب الحرب الأهلية الرواندية التي غرس بذورها السامة المستعمر بتأليب جماعة الهوتو ضد التوتسي وتعرضت فيها قبيلتها للإبادة الجماعية سنة 1994 ولم يحرك لها العالم ساكنا فغادرت بلادها بحثا عن الامان في ذات بلاد المستعمر. ولا تصلح هنا عبارة مصطفي سعيد المليودرامية : لقد جئتكم غازيا ،لأن ناديا لم تكن تملك سلاحا تواجه به مستعمرها أو تحاسبه به. بل جاءت ترتمي تحت قدميه يدفعها حب الحياة.
وقد اختبرت في رحلة الفرار بحياتها حياة العاهرات واللصات وتبدوهنا ملاحظة أنها ضحت بكليتها بأن وهبتها لتجارالأعضاء في صحاري شمال أفريقيا ثمنا للوصول ألي اوروبا حية ،بينما رفض درويش مجرد الأدعاء بأنه مثلي ليتحصل علي أقامة في بلاده الجديدة مما هدده بالترحيل القسري فيما بعد بسبب تصنيفه ضمن الهجرة الأقتصادية .ورفضه ادعاء المثلية مرده كما يراه نظرة مجتمع بلاده ألي فكرة المثلية المستندة ألي ضعف الرجولة والأحتقار الأجتماعي أكثر من استنادها علي التحريم الديني في بلاد تتفوق فيها عبارة (العيب) علي عبارة (الحرام).
فنجد ناديا بعد سنوات تعمل كراقصة محاولة أن تشق طريقها في مجتمعها الجديد مستندة علي جمالها وهمتها دون أن تفكر في قضايا الرقص والسفور وأظهار الجسد في شوراع سالزبورغ ،علي عكس درويش المسلم المشغول بقضايا الشرف والنساء.
(لم يحس درويش بأنه متناقض في أي يوم لأنه لم يختبر أفعاله في مقابل ما يؤمن به)
فرغم أنه هاجر ألي أوروبا بحثا عن الحرية بعيدا عن التكميم والقهر السائدين في بلديه نجد غرابة في موقفه من ذات الحرية حينما خبرته زوجته بأن ابنته قد وجدت لنفسها صديقا حسب العرف الأجتماعي الأوروبي النمساوي وبكل أضطهاد العنصرية الأوروبية ضد البشرة السوداء التي يرونها أقل درجة من الإنسان. يتبدي هذا الأمر في بداية الرواية: توني لا يكره العرب.
هنا برز الفصام بين هيرنش الأوروبي مخري الكلاب ودرويش الصيدلي العربي الأفريقي فبدلا عن ابداء موقف يتماشي مع ثقافته الجديدة التي عاشها اكثر من عشرين عاما تزوج خلالها وانشأ أسرة أوروبية التوجه ولم تأت هذه الهوية المشوهه من طبيعة البيئة العربية وإنما من طبيعة تلاقي البيئة الأوروبية مع البيئة الإفريقية، فيستعين درويش بقريته ألتماسا لمخرج فعاد به خياله ألي البلد ثم القبيلة والعشيرة حيث طفت ألي السطح صراعات حدية بين ما نشأ عليه في بلاده التي تختزل الشرف في عذرية النساء وبالتالي تحمي العرف بالسلاح والدم في مواجهة ثقافة المجتمع الأوروبي القائمة علي الحرية الجنسية والدينية وحقوق المرأة في أختيار الصديق والزوج وسيادة القانون الذي يحيل أمر هذا الأختيارلأصحاب الشأن أنفسهم لا لولاة الأمر.
فتظهر بجلاء الصدامات الثقافية والأجتماعية والدينية بين مجتمعات الشمال الجغرافي البارد ضد الجنوب الأفريقي الحار وتأثير الاستعمار والهجرة كأهم وأقوي عاملين يضعان الشرق والغرب في مواجهة سافرة. أختار درويش قريته أرضا لمعركة شرفه المختزل في عذرية أبنته كونها الميدان الذي يعرف مداخله ومخارجه وأعرافه بدءا من طريق الرجل الميت الذي شوهدت فيه ابنته تسير برفقة رجل، (أنا الغازي الذي جاء من الجنوب وهذا هو ميدان المعركة الجليدي الذي لن اعود منه ناجيا)مصطفي سعيد.
(أخبره أبن عمه بالأمر بكلمات محددة وحادة كأنها معدة منذ قرون لكي تقال في مثل هذه المناسبة الثقيلة علي القلب: سندفنهما أحياء) (قصاص للعار ينفذ فيه قانون العرف باليدين) حلم درويش تاكدت فيه عذرية أبنته ،بشهادة والدته وزوجته و القابلة التي أجرت عليها الخفاض سابقا (نجزهن كما تجز البهيمة) وصادق عليها ديك وحماران وأهل القرية بالنهيق والرصاص والزغاريد وتم تزويجها فورا لقريب يكبرها بثلاثين عاما في عنف شديد قادت فيه الجدة العجوز التقاليد عبر الاجيال. والدة درويش(الجدة في الحلم) والقابلة العجوز وجد راوي الطيب صالح هم حماة المجتمع القديم وعاداته.
تنفيذ قصاصه في الحلم بدلا عن الواقع وفشله في تقويم ابنته بحرية مستحقة من وضعه كولي لأمرها كما يحلم ،في ظل ثقافة القرية والعم والجدة واضطراره لقبول سلوكها الأوروبي تحت حماية قانون البلاد الذي ذاق ويلاته من قبل عندما حاول تطبيق أعراف القرية بيديه في أوروبا وفشله في التصدي لما يسمي في بلاده بالأنحلال الأخلاقي الذي يبيح الجنس بلا زواج كل هذا أشعر درويش بعنف أستعماري يمارس عليه كوافد من أراضي المستعمرات القديمة يعجز عن التصدي لهذا التدخل في تنشئة أبنته كما يريد فكانت النتيجة غضب عنيف دفعه لمحاولة قتل صديق ابنته كعلامة للرفض من جانبه ورد علي أحساسه بالسجن في التقاليد، فشعر بأنه سجين الحرية الأوروبية أذا جاز التعبير. وكرجل حالم وخيالي رأي في قفص الببغاوات القائم علي جانب الطريق ذاته السجينة وفي الكروانات فشل أحلامه التي تبقيه حيا متفاءلا بالخلاص وهو خلاص كما تأكد له لاحقا لا يتأتي ألا بالموت لذا سالت دموعه رثاء لذاته عند مروره بالقفص السجن.
فاجأت ميمي الأبنة الوحيدة لنورا شولز وحسني درويش والدها بخبر أسلام صديقا توني الذي تمتدحه الأم نورا كصديق غير عنصري ومناسب لابنتها التي تخطت أخيرا عقدا ورثتها جينيا عن والدها وأخري تكونت داخلها جراء أسلوبه في التعامل معها ومحاولته تنشئتها كفتاة مسلوبة الأرادة وضعيفة فيما يقوم هو باتخاذ القرارات عنها ورأت الأم أن وجود توني في حياة ميمي دلالة مادية علي تعافيها النفسي بعد أن أنفقت مالا وزمنا لدي الأطباء النفسيين للوصول بها ألي هذه المرحلة الطيبة.
صدم الخبر درويشا فنصب نفسه علي الفور حاميا للأسلام في مواجهة توني المنحدر من عائلة يهودية ذاقت الخوف والقهر والتشرد بيد الألة النازية حتي هربت من بلادها ألي النمسا حفاظا علي حياتها فاستثمر درويش هذا الأسلام في محاولة أبعاد توني عن ميمي عن الطريق أبراز تحريم الأسلام للجنس خارج الزواج وتحريمه للخمر كذلك ،وللفصام فان درويشا كانت قد شرب كمية طيبة من الخمر قبل يبدأ هذا الجدال مع توني فتحول من التعريف بالأسلام ألي عنف التهديد بالقتل فورا في خلط متسق بين العرف والدين أنشيء عليه في بلاده البعيدة فروي لتوني قصة ختان سلاطين باشا علي يد الخليفة التعايشي في تاريخ السودان والألم الذي شعر به وحرق الجرح النازف باسلوب سرد مرعب دون أن يلاحظ أن توني قد يكون مختونا بالفعل حسب العرف الديني لليهود والذي يتطابق مع الاسلام في أمر ختان الرجال( وللمصادفة فقد اختار مصطفي سعيد سيرة سلاطين باشا ذاتها وأن أختلف السياق). كراهية درويش لتوني تأتي قبل كل شيء من هاجس ممارسة توني للجنس مع ميمي في حماية المجتمع والدين والشرطة وبالتالي الأعتداء علي شرف درويش الخاص وحتي محاولته لتلقين توني الأسلام لم تتجاوز أهمية مغالبة الغرائز وربط الجنس بالزواج ثم التهديد بالعنف.
بل أن درويشا ذهب بأفكاره أبعد من ذلك كالعادة حيث تصور أن توني يسعى لتجنيد ابنته لصالح الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تسعى لغسل الأدمغة الشابة، وتوجيهها لتنفيذ مهام إرهابية في قلب أوروبا وهنا لا يخشي درويش أن تقتل ميمي علي يد هؤلاء المتطرفين بل ينحصر خوفه في ممارستهم للجنس معها في صفوف طويلة من الذكور من كل جنسيات العالم فيما أسماه بالزنا.
شعر درويش بالندم لأنه لم ينشيء ابنته تنشئة أسلامية فهي مسلمة علي الورق فقط وتعيش حياة المجتمع الأوربي الذي ولدت وتربت فيه ولم تعرف غيره ،خلافا لأبيها القادم ألي بلادها بحمولة ثقافية ودينية مغايرة وقد فشل تماما في صهر الثقافتين بتناغم في عقله لاختلافهما البين كما فشل في أحلال المفاهيم الأوربية الشمالية محل الأفريقية العربية الأسلامية لغرابتها وعدم اتساقها مع ميراثه المتشكل أصلا في وجدانه، خاصة أذا لاحظنا أن هجرته قد جاءت في مرحلة متقدمة من عمره كانت مبادئه خلالها قد تحددت وتأطرت بل وتحجرت كذلك.
وتذكر درويش أنه في محاولته لحماية أبنته من تطرف المفاهيم الدينية قد شهر السكين في وجه معلمها للدين الأسلامي في عنف لا مسوغ له ولات ساعة مندم.
أدي تراكم الغضب داخل درويش وتجنبه للنقاش وشعوره بالعجز امام سطوة القانون الذي يحمي (التعدي علي شرفه ) ألي انفعال شديد خلق بداخله عنفا هائلا تجمع بصمت وطفا دفعة واحدة ألي السطح فقام بدفع صديق ابنته فجأة من حافة جرف نحو الهاوية محاولا قتله.نورا زوجته العالمة تماما بطباعه لم تندهش لتصرفه المتطرف بل يبدو أنها كانت تتوقعه فقامت في عنف ممثال بدفعه نحو الهاوية نفسها ليطوي الصمت صرخته وتم انقاذ توني
عنف نورا الخفي لم يفت علي درويش الذي تعرف علي مسيرة حياتها من والدتها بل يكاد يماثل في كمه عنفه هو المكتوم بداخله وأن أختلفت الخلفيات فنورا قد اعتدي عليها والدها العائد من ويلات الحرب النازية الدموية وأجهضت طفلها /أخاها في ثنايا صمت أقرب ألي التجاهل من جانب والدتها لوديا فتركت بيت أسرتها محملة بالغضب وعاشت حياة جيلها من الشباب الأوربي ضحية الحرب في عالم من المخدرات والعنف الأجتماعي ولم تشف أبدا من الأغتصاب والتشرد الذين تعرضت لهما في حياتها وأن حافظت علي سمتها هادئا.وهنا تبدو لمسة جميلة من التحضر خلال سنوات تشرد نورا فقد استثمرت كثيرا من زمنها في المطالعة وتثقيف نفسها كما حكي درويش فيما بعد بل أنها شجعته علي القراءة واعترف: نورا بذرت في جرثومة القراءة فعرفت كافكا غونترغراس وجبران و تي أس اليوت. وقد زار معها السنما والمسارح ومعارض الفنون التشكيلية درويش المتعلم غير مثقف لم يكن يقرأ أو يهتم بالموسيقي والمسرحيات والكتب قبل أن يعرف نورا أندهش حينما رأي كمية الكتب التي تمتلكها (تماما مثل مصطفي سعيد) وخاصة مع حياة التشرد التي كانت تعيشها حينذاك .للمفارقة فان ما اكتشفه درويش من خلال القراءة عن التاريخ والثقافة الأوربية لم يسهم في تطوير مفاهيمه الأجتماعية فظلت عصية علي التطوير مخلصة للقرية والقبيلة.
وعندما عادت نورا ألي منزل أسرتها الذي ورثه درويش عن والدتها تواجها كضحيتين مثاليتين لظروف قهر وعنف مختلفة علي خلفية من الحرب والأستعمار والتشرد قاتمة للغاية. ورغم ذلك تم بينهما زواج أملته الظروف ورغبة والدة نورا التي أحبها درويش كام له. نورا لم تحب هذا الشخص قط وإنما طلبت منه الزواج أنفاذا لمصالح مادية، وتعترف أنّ درويش دمّر حياتها بالفعل وسبّب عقدا نفسية لا حصر لها لأبنته اجتهدت هي في علاجها ورغم ذلك جاءت ميمي مثل والدتها تماما: ضحية لاختلاف ثقافة وهويتي والديها وارثي العقد والفصام. نورا تقول درويش أب وزوج لا يحتمل فهو معقد كثير الشك والغيرة صعب مؤلم كاذب عنيف ويكذب في أتفه الأشياء وغير قادر علي الأندماج في المجتمع الأوربي.
جريمة حسني درويش كانت مكتملة الأركان توفر لها الدافع والمجرم والضحية والخطة وفي أخر لحظة تغير القاتل من درويش المتطرف المنتقم لشرفه وثقافته، ألي نورا الأوربية المنتقمة لحريتها ولأبنتها من قهر درويش فهي لم ترد لميمي أن تكرر تجربتها مع عنف الأب وفصامه الجنوني وبالتالي تغير الضحية من توني اليهودي منتهك الأعراض ألي درويش الأفريقي المسلم الدخيل علي مجمتع أوروبي شمالي أبيض عجز عن مجاراته.
دفعت نورا درويش ألي هاوية كان يقف علي حافتها زمنا محكوما بالتردد، بانتظار لحظة مناسبة ليقفز منها أو ليدفعه أليها أحد ما ففشله في الحياة بتوازن بين الشرق والغرب، واستحالة عودته ألي القرية كما فعل مصطفي سعيد لم تكن ورادة كحل لمحنته ونورا أذ دفعته فانها كانت تعطيه مطلبه الذي هاجر لأجله: الحرية والأنعتاق التام. وتأكد ذلك فيما بعد في رسالة انتحاره النبيلة .
ميمي بعد موت درويش بصوت أمبريالي :لأول مرة احس بالحرية.!!!
تتمدد أحداث رواية «الغريب» على كل تناقضات العلاقة بين الشرق والغرب بدءا بالكاتب، الذي هو نفسه من نسل التجربة الإمبرياليّة الفرنسيّة في الجزائروقد عايش وتابع ميلاد ونمو الثورة الجزائريّة التي لفظت الأستعمار الأستيطاني الفرنسي بالجزائر، لتحتلها من بعده الثقافة الهجين التي تشكلت خلال محاولة فرنسا للقضاء علي الهوية والثقافة الجزائريتين وأحلال بديل فرنسي لهما،وكانت وسيلتها لهذا المشروع هي أمتلاك الأرض والموارد وأقصاء أو التخلص من السكان الأصليين.وقد كان الفشل هو النتيجة المباشرة لهذا التخطيط المريع لأسباب لن نتطرق اليها هنا ولكن يجب أن نوضح أن هذه المحاولة (لفرنسة) الجزائر قد أخلت وأضرت بنقاء الثقافة الأولي للمنطقة تماما.وعند الجلاء كانت تركة المستعمر عميقة البصمة والتأثير شديدة التعقيد حد أن الجزائر لم تشف منها حتي اليوم .
ألبير كامو فرنسي اللسان والقلب والثقافة والتعليم وقد تبني أفكار اليسار ودافع عنها، عاش داخل المجتمع الجزائري بنصف دم ولغة انسياقا للمشروع الفرنسي،وقد ظل بالتالي متجاذب بين هذين الطرفين النقيضين حيث لا توجد أرض محايدة وأن كانت كل المؤشرات تقرأ ميلا للجانب الفرنسي في تكوينه ورؤاه خصما علي الأخر العربي كما سنورد لاحقا أستنادا علي تحليل النص الذي الذي كتبه بيده وعلي قراءة ما بين سطوره.( لا أعول في ذلك علي رحليه ألي فرنسا وانضمامه للمقاومة وعمله كمراسل صحفي ورفضه المعلن لمنح الجزائر حريتها فيما بعد رغم أظهاره الحب نحوها وهو حب برر بأنه ولاء من جانبه للمشروع الكولونيالي القائم علي أن الجزائر جزء من فرنسا !!)وقد واجه كامو أسئلة مريرة ومباشرة عند اندلاع المقاومة الجزائرية المشهورة في وجه الأستعمار الأستيطاني الفرنسي تتعلق هذه الاسئلة بقضايا الأنتماء والولاء والهوية وصدق الأنتماء حيث تبدي الوجه القبيح للأستعمار في عنف القمع الذي قابلت به فرنسا ثورة الجزائريين وتبدي نقيضه في فيض الدماء الذي مهر به الجزائريون استقلالهم مما وضع كامو في مأزق جغرافي تاريخي يتعلق بهويته وانتماءه.أبرزهذا المأزق موقف كامو الأكثر تعاطفا مع فرنسا وللتوثيق فأن فترة كتابة كامو لرواية الغريب واكبت بدايات الثورة الفرنسية وقد كان في أحداث المرحلة ما يمكن أن يغني هذه الرواية بالكثير من الوقائع اليومية لكن الكاتب صم أذنيه وقلمه عن كل ذلك وسطر روايته بضمير فرنسي يعيش في فضاء الجزائر الجغرافي علي هامش الأحداث.
كتب أحد المحللين قائلا ( ينبغي النظر إلى الرواية بوصفها عنصرا من العناصر التي تقرأ فضاء الجزائر تماما كما شكلته فرنسا الإمبرياليّة بطريقة منهجية منظمة. مارسو، بقتله للعربي، يمثل لا وعي فرنسا في احتلالها للجزائر. لقد كانوا يريدون الأرض مع التخلص من أهلها الأصليين.) كتبت الرواية أبان أحتلال فرنسا للجزائر فهي تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا مرتبطة بهذا الأحتلال مما يجعل عاطفة الكاتب ليست محايدة تماما خاصة عندما يذوب كامو في شخصية مورسو أو العكس حد التطابق الذي يجعل منهما شخصا واحدا في معظم الوقت. وبالتالي يجعل الرواية ككل عملا فرنسي في أرض الجزائر المشمسة التي شكا الكاتب الفرنسي في كل صفحة منها تقريبا من الحر الذي الذي يزعجه والذي دفع به ألي قتل الرجل العربي فيما بعد.
الموت قوي الحضور وعميقه في هذه الرواية. بل أن هناك موتان وفاة والدة البطل في دار كئيب للرعاية وجريمة القتل التي اقترفها بعد ذلك . يتشابه الموتان في مرارة وكابة الظروف المحيطة بكليهما علي حدة
تبدأ الرواية بجملة مثيرة للأهتمام تجسد شخصية البطل الغريبة جدا حتي النهاية في نسق سردي منساب في خط مستقيم أذ يقول مورسو :(ماتت أمي اليوم. أو ربما أمس، لست أدري) دون أن يبدي أقل قدر من المبالاة أو الحزن تجاه الحدث!! .مورسو يجسد الأنسان ضعيف الأنسجام مع المحيط من حوله في أبسط صور التفاعل العادي التلقائي يتصف بلا مبالاة مستمرة وقدرة غريبة وغبية أيضا علي الصمت حيث يتوقع منه الافصاح عن رأي أو موقف قد يكون هاما أو مصيريا كما سنري لاحقا.كما أنه سيء الأختيار لبطانته وأصدقاءه. يفعل ما يريده بالضبط دون مراعاة لما أو لمن حوله.
طرح كامو في هذه الرواية الموت كحدث معيق للأحساس بزخم الحياة مما جعل بطله يساوي بين القيمتين ويسقط بالتالي الشعور بقيمة الحياة الأمر الذي جعله يقدم علي قتل العربي لأن الحياة كما أوضح لا تستحق أن تعاش!! ولو أنه أسند في التحقيق معه هذا الفعل المتطرف لتأثير الشمس عليه!! ومن ذلك قوله:(أنا ذو طابع خاص تشوش حاجاتي الجسدية علي عواطفي) تبدو ضالة التبرير مثيرة جدا أذا وضعناها في وعاء عملي يتيح لنا القتل والغضب لمجرد أننا نشعر بالتشوش!. أم أن هذا القتل الجزائري فعل ذو طبيعة كولونالية تقوم علي الفرق بين جنسيتي ولوني القاتل والضحية.
غرابة تفاعل موت مورسو مع موت والدته تعود ألي غرابة علاقته بها، فقد انطلق ألي مأوي العجزة حيث أودعها قبل سنوات ثلاثة مبررا ذلك بضعف موارده المالية القاصرة عن تلبية أحتياجاتها من ناحية وبسبب وصول علاقتهما معا ألي حد لم يعد عنده للحديث بينهما مكان كما عبر هو:(كانت أمي بالمنزل تنفق وقتها في متابعتي بعينيها صامتة). وللمفارقة فأن حياة والدته في المأوي مليئة بحوادث تناقض صفة الصمت المفتعلة بينهما ،فأثناء السهرعلي الجثمان بكت أحدي العجوزات بمرارة وبررت بكاءها بشدة فقدها لصديقتها الوحيدة مما يعكس مقدرة السيدة مورسو علي مد جسر علاقات سوية حية لا يحيطها الصمت وكذلك رافق الجثمان خطيب السيدة، السيد توما بريز وكان شديد الحزن علي فقدها كما أن زملاءها من العجائز قد حضروا للسهر بجانب تابوتها ثم شدوا علي يد مورسو معزين. هذا النشاط والتفاعل الأجتماعي للسيدة مورسو يؤكد بالفعل أنها لم تكن السيدة الصامتة كما حاول أبنها أن يصفها بل يوضح نقيض ذلك وهو أن الصمت بينهما كان من صنيعته، وسيبدو تأنيب الضمير أو الشوق ألي سماعها فيما بعد خلال وجوده بالسجن خاصة وأنه لم يزرها خلال عامها الاخير لأن الزيارات تكلفه أيام أحاده عدا المجهود البدني والمال.
أثناء رحلة مورسو لحضور جنازة أمه تتبدي غرابة سلوكه بدءأ من نومه معظم الطريق ألي القرية ولما بلغ المأوي عزف عن ألقاء النظرة الأخيرة علي والدته بل وجلس بقرب تابوتها يدخن ويشرب القهوة ويتبادل الحديث مع الحارس. وفي الليل نام بعمق مرة أخري. وقد غادر القرية فور انتهاء مراسم الدفن مباشرة وقد أدهش متعهد الدفن كذلك بجهله بعمر والدته. وقد تبدي مرة أخري جهله بشخصية والدته عندما أخبره مدير المأوي عن رغبتها في أن تدفن وفق الطقوس الدينية فأبدي أستغرابه لمعرفته بعدم أهتمامها بالأمور الدينية وأنبأه هذا الأمر بأن هناك تغيرا ما قد حدث لشخصيتها خلال أقامتها بالمأوى ولكن بسبب ضعف اتصاله بها لم يتمكن من التعرف علي مستجدات أفكارها.غادر مورسو فور انتهاء مراسم الدفن ألي مدينته حيث يعمل معبرا عن بهجته داخل الباص ورغبته ليس في البكاء علي والدته بل في النوم لمدة أثنتي عشر ساعة دون أي أحساس بفداحة فقده أو بتانيب الضمير.ومع ذلك نجد أن مورسو قد تبني موقفا دفاعيا تجاه سلوكه ازاء موت أمه تبدي في أحساسه بأن زملاءها في المأوي أنما جاءوا لمحاكمته.وقد قال له مدير المأوي لست مضطرا لتبرير أي شيء حينما حاول أن يبرر أدخال والدته الماوي وأيضا في حديثه مع مديره في العمل: (أنها ليست غلطتي). ومع ذلك نجد أحساسا مغايرا في قلب مورسو تجاه علاقته بأمه قبل موتها تبدي في موقف قوي حقا. عندما زارته ماري في السجن حكي بأن صوت المساجين وزوارهم خلال السور الفاصل بين المجموعتين كان كان عاليا مزعجا، عدا شاب ووالدته جلسا متقابلين يحدقان ببعضهما في صمت مؤثر، صمت قال كل ما لم يقال، حتي جاءت لحظة الوداع فتبادلا تحية طويلة صامتة أيضا وقال الشاب (وداعا يا أماه). تأثر مورسو بهذا المشهد يقرأ ندمه علي الأوقات التي اقتسمها مع أمه وقد سكن الصمت بينهما ،حتي دخولها دار العجزة حيث تحدثت وصادقت وخطبت واتخذت قرارات حول طريقة دفنها أي أنها عاشت هناك حياة سوية مكتملة!.
مورسو كما أسلفنا لا عاطفة في قلبه نحو أحد ( تماما مثل مصطفي سعيد الطيب صالح) لا أمه ولاعشيقته ماري أو أصدقاءه وجيرانه.هو محب لذاته حد التهتك فبعد دفن أمه انطلق ألي كل وسائل التسلية والترفيه في رفقة أصدقاءه وعشيقته دون أي أحساس بالحزن( كان ذلك حال مصطفي سعيد حينما بلغه نبأ وفاة أمه) ولعل مرد ذلك هوعادة السهر لمدة ثلالث ليال ألي جانب تابوت الميت التي حرمت منها السيدة مورسو حيث يجتمع أحباء الفقيد للسهر والحديث وتناول الطعام والخمر ، لكن حرارة الطقس الجزائري تطلبت الأسراع بالدفن ،كما أن هذه الثقافة غير موجودة أصلا في الدول العربية كعادة اجتماعية بسبب الدين. ولعل حرمان والدة مورسو من وجود الأصدقاء حولها لزمن كاف وسهرهم ألي جانبها في ذلك المشهد الأحتفالي الذي نشاهده في الافلام الغربية هو الذي حدا به ألي الأسراع بعد دفنها للأحتفال بالحياة في مشهد تعويضي كما سرد الكاتب!!.
البناية حيث يعيش مورسو يحوطها جو من العنف والغضب يعكسه شخص مورسو نفسه وطباعه وكذلك جاراه الأقربين الشيخ سلامانو وريمون. سلامانو يعيش مع كلبه كلاهما مريض جلديا وعجوز وكلاهما عنيف نحو رفيقه، وباغض له بلغته الخاصة ،تشف بالأحساس العيون، يسمع في السلم دوما صوت الشيخ يشتم كلبه وهو يجذبه بعنف من طوقه والكلب يئن أحيانا وينبح أخري.الكلب يجر الرجل حتي يتعثر ثم يقوم ليضربه. ثمانية سنوات عاشاها معا حتي صارا يتشابهان حتي في الملامح كما روي الكاتب! يتجولان في نفس الشوارع كل يوم بين شد وجذب وبين نباح وصراخ حتي هرب الكلب في يوم ما من صاحبه عند ساحة الملاهي، عندئذ تبدت فاجعة الحب المغلف بالعنف قال مورسو (علمت بأنه كان يبكي ولا أدري لم خطرت بخاطري أمي) ربما هو الحب المغلف بالصمت والتباعد. رفض الشيخ أن يحضر كلبا أخر بدلا عن ذلك الأجرب العجوز(لقد اعتدت عليه).ومثل ذلك مخاطبة ريمون لعشيقته العربية (لقد اشتقت اليك.لقد اشتقت أليك،سألقنك كيف تدفعينني للأشتياق اليك) وعلا صراخ المرأة! يبدو أن العنف في هذه البناية يمثل العنف الوجه الأخر للحب.
مورسومنعدم الضمير والمباديء تتساوي لديه الأمور دون معايير أخلاقية ويتجلي ذلك في مساعدته لجاره القواد ريمون الذي يحب سيدة عربية ورغم ذلك يتشكك في أخلاقها بسبب أخفاءها لمصادرها المالية عنه، وقد ضربها جراء هذا الشك بدلا عن التأكد من ظنونه ولم يصدق كذلك شقيقها حينما صارحه قائلا أنه ينفق عليها وبدلا عن ذلك ضرب هذا الشقيق ثم أجتهد في التفكير في وسائل قذرة للأنتقام منها فدعا مورسو للعشاء ثم طلب منه مساعدته علي تسطير رسالة لهذه العشيقة يستدرجها بها للحضور ألي منزله ثم يعاقبها علي خيانتها المزعومة ووعد مورسو كذلك بأنهما سيصبحان صديقين بعد هذا الامر وقد قبل مورسو أن يساعده وكتب الرسالة للفتاة العربية.وبالفعل وصلت الفتاة ألي منزل ريمون وعلا صياحهما بحيث سمعه الجيران فطلبت ماري من مورسو أن يستدعي الشرطة فرفض مبررا ذلك بأنه لا يحب الشرطيين. أحضر أحد الجيران الشرطة التي أوقفت ريمون وطلبت من الفتاة المغادرة ،وبعد ذلك دعا ريمون مورسو للخروج معه للترفيه وطالبه حينذاك بالشهادة لصالحه في مخفر الشرطة فلوي مورسو أقواله لدعم موقف جاره.وهنا يظهر كذب مورسو السافر متعارضا مع تحليل البير كامو لشخصية بطله الذي قال عنه أنه بفضل الموت علي الكذب وأبرز ذلك في حوار تم بين مورسو ومحاميه بعد مقتل العربي عندما نصحه المحامي بأن يدعي أنه كبت مشاعره يوم وفاة أمه لأن هذا القول سيدعم موقفه أمام القضاة فرفض مورسو أخلاصا لمبدئه الرافض للكذب.!!ومرة ثالثة دعا ريمون مورسو وماري للنزهة فانتهي مورسو ألي قتل شقيق العربية عشيقة ريمون صديقه اللدود !. وعن شخصية ريمون ورد علي لسانه شخصيا أنه فكر في الأنتقام من عشيقته باستدراجها وتسليمها لشرطة الأداب وذلك موقف أنتقامي يثير التساؤلات عن دوافع مورسو للتصادق مع شخص بهذه الضعة .( شد ريمون علي يدي قائلا:أن الرجال يفهمون بعضهم بعضا). أستحضر هنا شخصية سعد الاريتري القواد محادثا درويش يطل بركة ساكن:(نحن رجال ونعرف حاجات بعضنا البعض) مستدرجا أياه لمعاشرة فتاة رواندية في اليونان، ويبدو لي بناء علي تقارب المشهدين أن للقوادة سلوك ولغة عالميين فاتا علي مورسو !.
مورسو وافق علي طلب ماري للزواج منه دون ضرورة لذلك فهو لم يكن يحبها وقد أخبرها بوضوح أن الأمر لديه سيان،! لكنه (وقد صارحها بذلك) كان سيقبل بالطلب أيضا لو كانت المتقدمة له سيدة أخري يحبها! فلخصت ماري أنذاك شخصية مورسو الغريب قائلة أنها تحبه لغرابته وقد تكرهه لاحقا لذات السبب. وبعد هذه الخطبة الغريبة بلحظات وفيما كانا يتنزهان، لفت مورسو نظر ماري ألي جمال نساء المدينة !وفي وقت لاحق مساء ذات اليوم راقب سيدة دخلت المطعم أثناء تناوله للطعام محصيا تحركاتها حتي انتهت من تناول وجبتها أنطلق وراءها عبر الشوارع حتي فقد اثرها ثم عاد ألي منزله مفكرا أنها غريبة الأطوار.
طرح مدير العمل علي مورسو فكرة نقله ألي باريس للعمل بها (أنك شاب،وأعتقد أنه نمط حياة سيعجبك) فرد بأن الأمر لديه سواء وأن المرء لا يغير حياته البتة وأن كل الحيوات سواء! وهنا واجهه المدير بافتقاره للطموح والتفاف أجاباته وسوء تأثير ذلك علي العمل ففكر مورسو بأنه لا يريد أغضاب رئيسه لكنه راض بحياته كما هي وهو ليس تعيسا ، قال (ولما كنت طالبا كان عندي كثير من الطموح، ولكن لما قُدّر لي أن أترك الدراسة أدركت بسرعة أن كل هذا لا ينطوي على أهمية حقيقية).نتساءل هنا عن معيار مورسو لتقدير الأمور فهو يجامل جاره القواد والذي ليس صديقه ويجاريه في أفعاله حتي يتورط في جريمة قتل لاتعنيه علي أي مستوي(سعيت لأرضاء ريمون أذ ما كان لي سبب كي لا أرضيه) وفي ذات الوقت يرفض الأنصياع لمقترحات رئيسه التي ترتبط بعمله ومستقبله متعللا بقبوله لوضعه كما هو مفاضلا بين أرضاء رجل وعصيان أخر دون النظر للعواقب.
وقد حكي لاحقا لماري عن مقترح الذهاب الي باريس وأذ سألته عن البلاد أجاب بأن الناس هناك بيض البشرة.
دعا ريمون مورسو وماري للذهاب ألي الشاطيء في منزل صديق له والسباحة ونبه مورسو ألي مجموعة من العرب ظلت تلاحقه ، ومع ذلك ذهب مورسو وماري معه . بعد الفراغ من السباحة ألتقي مورسو وصديقيه مع شقيق عشيقة ريمون يرافقه صديق له عربي وحدث شجار جرح خلاله ريمون وهرب العربيان. خرج ريمون في جولة يرافقه مورسو والتقيا العربيين مرة أخري، كانا شبه مسرورين ويعزف أحدهما الموسيقي، أمسك ريمون بمسدسه يريد قتل شقيق عشيقته فردعه مورس ودعاه لمواجهته متعهدا بقتل العربي الأخر أذا تدخل! ومن ثم أخذ مسدس ريمون وهو ينوي استعماله. لكن العربيين تراجعا عن القتال وهربا للمرة الثانية فعاد مورس وريمون الي البيت.ثم قرر مورس العودة ألي الشاطيء رغم حرارة الشمس اللاهبة حيث وجد غريم ريمون قد عاد ألي مكانه السابق فأطلق عليه رصاصة أردته قتيلا وتلاها بأربع رصاصات لامعني لها ونتساءل هنا، لو كان العربي الأخر موجودا هل كان مورس سيطلق عليه الرصاص مستفزا بحرارة شمس الجزائر؟ وأميل للقول نعم. أتساء ثانية لو وجد مورس في مكان العربي حسناء فرنسية شابة هل كان سيقتلها وهو تحت تأثير ذات الشمس الحارقة؟ أقول لا.!! مورسو:أنا غير اسف علي ما قترفت.
حكي مورسو:(سال العرق المتجمع علي حاجبي دفعة واحدةعلي جفني وغطاهما بحجاب دافيء وسميك وما عدت أحس غير صنوج الشمس فوق جبيني وأنذاك ترنح كل شيء وزفر البحر لفحة كثيفة أخري وخيل ألي الشمس قد انفتحت علي مصراعيها لترسل مطرا من نار . توتر كياني كله وشدت يدي علي المسدس أنفلت الزناد ولامست سبابتي عقب المسدس الخشبي الصقيل وأذ ذاك في غمرة الصوت الجاف والمصم في الأن نفسه أبتدا كل شيء وأيقنت أني قد دمرت توازن النهار) مصطفي سعيد: قالوا أن امرأة من قبيلة المريصاب قتلت زوجها: بل هو مات من ضرية الشمس : الشمس هي العدو.
الجريمة وما قبلها وما بعدها يمكن اختزال مسبباتها وتداعياتها في محيط مورسو الأجتماعي العنيف، فهو لم يكن من أسبابها أبدا بل ان ظهوره فيها بدأ بظرفية تتعلق بسكناه قريب من الشخص الذي كان يفترض به أن يكون القاتل وتطور الأمر حتي انتهي بالحكم علي مورسو بالأعدام دون أن يكون جزأ من أو طرفا في النزاع وامتداده.
يتحدث مورسو عن نفسه وعن محيطيه القديم والجديد علي نحو يسلط الضوء علي غرابة شخصيته فأول ما أفصح به أمام قاضي التحقيق هو أنه يجد قضيته (قتل العربي) قضية بسيطة غاية البساطة وفكر علي نفس المستوي (بدا لي الأمر كله مجرد لعب) وعند انتهاء التحقيق كاد أن يمد يده للمحقق مصافحا لولا أنه تذكر في الوقت المناسب أنه قتل رجلا! وقال للقاضي أن المتهمين الاخرين عند مواجهتهم بالدين والضميريبكون (لأنهم مجرمين بالفعل) ماذا يري مورسو في قتله للعربي؟ هل ينسي أنه قتل؟ أم ينسي لأنه قتل عربيا؟ أم أنه غير مبال البتة؟.
هذا شأنه مع قاضي التحقيق أما فيما يخص محامي الدفاع الذي أوكلته المحكمة ليترافع عنه فقد رد علي أسئلته عن موقفه تجاه وفاة والدته وخطورته في الأدانة (بأنه قد توقف عن عادة مساءلة نفسه وبالتالي تصعب عليه الاجابة)،وأذ غضب المحامي من غرابة التعليل عبر مورسوعن رغبته في خطب وده ليس طمعا في دفاع أفضل بل لشعوره بانزعاج وغضب المحامي(لاحظت أني أزعجه)! (كان شيئا ما يلقي علي باللائمة بيد فأردت أن أوضح له أني مثل جميع الناس بيد أن كل ذلك كان بلا قيمة فعدلت عنه بدافع الكسل) وقد عبر مورسو عن أحساسه تجاه الجريمة التي اقترفها بأنه عوضا عن الندم يشعر بشيء من الأنزعاج وكان أثناء التحقيق يشعر بأنه فرد من العائلة في معية القاضي والمحامي ( كنت أبتهج تماما بنهاية جلسات التحقيق).
ومن أغرب تبريراته الأنصرافية أن قال ( أنا شخص ذو طابع خاص تشوش حاجاتي الجسدية علي عواطفي) !
أصبح السجن هو البيت الأليف لمورسو، والزنزانة المنفردة التي كان يحبس فيها تحتوي كامل تفاصيل حياته الجديدة تلك، وكانت أعز أمانيه أنذاك أن يتحول إلى جذع شجرة يابس يراقب السماء، ويأخذ في تذكر قول أمه له: (إن الأمر لينتهي بالإنسان على أن يتعود على كل شيء). في قرارة نفسه كان يعتقد أنه سيخرج من القضية بريئًا رغم أنه قد اعترف بإطلاقه النار على الشاب.
يحكي مورسو أنه خلال أيامه الأولي في الحجز كان يشعر كالرجل الحر ويفكر مثله بذات الرغبات المنتقاة والممكنة مثل الذهاب الي الشاطيء والتواجد مع عشيقته وشيئا فشيئا تحول مع مرور الزمن ألي تبني أفكار رجل سجين فصار يترقب ما يتاح له حسب قوانين سجانيه وليس رغباته الشخصية مثل ترقب ميعاد النزهة اليومية وزيارات المحامي وقد تحول شعوره نحو الحرمان من التدخين ألي عادة يومية بدلا عن كونه عقوبة وصار أحساسه بالزمن مرتبطا بتغير الألوان اليومي في السماء وتحولت الحياة تحت تكرار الروتين ألي يوم واحد يتكرر بلا تجديد. وصار تركيزه منصبا علي قتل الزمن فقط (ما كنت بائسا حقا، فالمسألة تختصر في قتل الزمن).
قال مورسو عن يوم محاكمته ( لا يعدم المرء متعة في أن يسمع الناس يتحدثون عنه) وفكر في المحلفين يدققون النظر فيه ليكتشفوا تفاصيله المضحكة أو جريمته!! والفرق بين الشيئين ليس كبيرا كما يري هو. أستفسر القاضي عن بعض الأشياء التي تتعلق بمورسو، خاصة سلوكه يوم دفن والدته وشعوره نحو وفاتها وكان محاميه قد نصحه بالأيجاز وترك التفاصيل له وأذ كان المدعي العام متطرفا في تناول الأدلة والقرائن فقد شعر مورسو برغبة في البكاء نتيجة أحساسه بكراهية هؤلاء الناس له ومع ذلك رغب في كسب ود المدعي العام (وددت لو اشرح له بود، لا بل بشيء من العطف). وقد ربط المدعي العام سلوك مورسو يوم الدفن مع جريمته قائلا (أن هذا الرجل قد دفن أمه بقلب مجرم).ولخص رأيه في هذه الشخصية الغريبة(أنه بلا روح. لا شيء أنساني به، ولا مبدأ من تلك المباديء الأخلاقية التي تصون قلوب البشر) وتعرضت تفاصيل حياته الخاصة مع ماري كذلك للطرح والنقاش العام وشعر بأن المحكمة قد تحولت إلى جلسة لتحليل شخصيته وكانت لديه رغبة بالكلام إلّا أنه لم يستطع ذلك، واكتفى بأن يستمع للمسرحية التي تدور حوله .سأله القاضي عن سبب ارتكابه للجريمة فاكتفى بالقول أن الشمس هي كانت السبب في ارتكابه للجريمة، فضجت قاعة المحكمة بالضحك.
أثناء المحاكمة لم ينتبه مورسو لوجود موظفي المأوي الذين استدعتهم المحكمة للشهادة ولا جيرانه وأصدقاءه حتي تمت مناداتهم بالأسم وحينئذ انتبه ألي قبعة ماري وبدلة سليست وزر ياقته الذهبي، هذه التفاصيل الأنصرافية خلال اللحظات الحاسمة بدت مرة سابقة حينما كان مورسو مع ريمون في مواجهة العربيين يحمل أحدهما مطواة ويحمل ريمون مسدسه لاحظ حينها مورسو أن احد العربيين تبدو أصابع قدميه متباعدة جدا.
مورسو: المدعي العام لخص الوقائع التي جرت منذ وفاة أمي وركز علي برودي تجاه الحدث قال مدير المأوي أنني ما رغبت في رؤية أمي وما بكيت مرة واحدة ولا كنت أعلم كم عمرها ولم يعلم أيضا متي توفيت. سالني أذا كنت أحب أمي أجبته نعم مثل كل الناس.
أمر أخر يتعلق بمورسو هو شعوره بالتعب وبالحرارة معظم الوقت فقد روي أنه نام خلال الرحلة ألي مرنغو بسبب الحرارة وهدهدة الباص، ومع ذلك غفا أمام تابوت أمه ونام طول الليل مع العجزة وكان يشعر بالتعب عند عودته لبيته بعد الدفن فنام أيضا.وفي يوم الجريمة أستيقظ من نومه متعبا! وشكا من حرارة الشمس. وأثناء التحقيق في مكتب القاضي حكي عن اضطرابه بسبب الصهد والذباب والحرارة. خلال زيارة ماري ورغم أن مورسو كان وراء القضبان لفترة طويلة مما يجعله متشوقا ألي الحديث معها قال أنه شعر بالمرض والدوار بسبب الضجيج والحرارة والضوء وأراد العودة ألي زنزانته. وخلال جلسة محاكمته أقر بأنه لم يستعد الأحساس بنفسه وبالمكان بسبب الحر المتعب ألا عندما نودي باسم مدير المأوي! وهكذا حتي نهاية الرواية نجد أن مورسو كان دائما مشوشا بسبب الحرارة وفي حال أقرب للمرض وقد برر بهذا الأحساس عزوفه عن الحديث وأيضاح بعض الحقائق الجوهرية الهامة أكثر من مرة.
أمر أخير يتعلق بغرابة الغريب هو سعيه لأرضاء أخرين لايهتمون فعلا لأمره ومع ذلك يهتم كثيرا بما يقولونه ويتأثربه مثل جاره ريمون الذي لم يكن يدين له بشيء ورغم ذلك ساعده في جميع جرائمه، وللغرابة لم يحضر ريمون لزيارته في السجن والأعتذار له كما يفترض بالرجل المحترم والصديق المخلص أن يفعل.!
يتكررنفس الموقف مع قاضي التحقيق والمحامي والمدعي العام كما أسلفنا فكل منهم كان يؤدي عمله وبدون أي ميول شخصية وبالتالي لم يكن مبررا سعي مورسو لأرضاءهما وشرح دوافعه لهما.
نقيض ذلك موقفه من رئيسه في العمل ومن القسيس، هاتين الشخصيتين كانت لهما صلة مباشرة بمورسو وحياته وكان أحري به كسب ودهما ، مما يوضح غرابة مواقفه وبواعثها.
حاول البير كامو أن يصور محاكمة مورسو بحيث تبدو وضعا محايدا بين رجل فرنسي وأخر عربي في أنكار ضمني لفكرة الأستعمار البعيدة عن الحياد. حاول الطيب صالح القفز فوق هذه الفكرة أو قلبها علي الوجه الأخر بحيث طرح مصطفي سعيد خلال جلسات المحكمة غازيا مستعمرا وليس ضحية (أنا احس تجاههم بنوع من التفوق فالأحتفال مقام أصلا بسببي أنا فوق كل شيء مستعمر أنني الدخيل الذي يجب أن يبت في أمره). ويقول مورسو في ذات السياق (لا يعدم المرء متعة في أن يسمع الناس يتحدثون عنه)
يتبدي أضطهاد العنصرية الأوروبية ضد البشرة السوداء التي يرونها أقل درجة من الإنسان بصورة عكسية ذكية في محاكمة مورسو الفرنسي الذي قتل عربيا والحكم عليه بالأعدام وأن كانت كل تداعيات الأحداث بما فيها التي لم تذكر تجاهلا أو تغابيا، والمشار اليها رمزا أو ضمنيا تؤكد عنصرية المستعمر الفرنسي نحو الجزائر العربية أو موقف أقرب للحياد المتسامح : (منصور وريشارد لم يكونا غاضبين ،كانا يقولا كلاما مثل هذا ويضحكان علي مرمي حجر من خط الاستواء تفصل بينهما هوة تاريخية ليس لها قرار). أما أذا نزعنا المحاكمات من أطارها الأستعماري وأسندناها ألي تقييم أجتماعي بحت نجد أن مصطفي سعيد كان يسعي للموت وينتظره كحكم تتخذه المحكمة في مواجهة جريمته التي اعترف بها. ومع ذلك حكم عليه بالسجن لسبع سنوات عجاف يقضيها خلف القضبان. أما مورسو الذي اعترف أيضا بقتله للعربي فقد سعي للحصول علي الحرية وليس السجن دون مسوغ ومن ثم حكم عليه بالأعدام أبعادا له عن مجتمع فشل في الأنصهار فيه ومجاراة أعرافه بل علي النقيض :صار خطرا علي ذلك المجتمع.
تشابهت المحاكم والقضايا والجرائم وأن أختلفت أفكار المجرمين ففكر مصطفي سعيد (كان المحامون يتصارعون علي جثتي ،لم اكن انا الهم كانت القضية هي المهمة) (شرق وغرب. مستعمر ومستعمر) كما قضية مورسو :جزائر وفرنسا، وهنا فكر مورسو(كان مصيري يتحضر دون استشارتي)
مصطفي سعيد(في قاعة المحكمة جلست أستمع للمحامين كأنهم يتحدثون عن شخص لا يهمني أمره)
كلاهما قاتل اتخذ ضحيته من أهل البلاد ،وكذلك كان يفترض أن يكون درويش بركة ساكن لو لم تسبقه زوجته بذات الفعل نحوه بفارق ثوان معدودات عنه، وكلاهم كان دافعه للقتل هو مجرد الأستفزاز ولا شيء أخر.فأي تراكمات ومرارات وأحبطات وأي غضب كان يسكن في قلوب وعقول هؤلاء الرجال بحيث يندفعوا ألي مثل هذا السلوك الحدي في تهور أعمي لم يتريث ليحسب العواقب؟
طرق القاضي معلنًا الحكم باسم الشعب الفرنسي المحتل على الغريب (مورسو) بالموت بالمقصلة في الساحة العامة في الجزائر، وفي تلك اللحظة مرت ذكرى والدته من أمامه وبسرعة كبيرة ثم أعيد مجددًا إلى الزنزانة حيث أصبحت الأيام الآن أكثر صعوبة ، فكل صوت كان يتناهى إلى سمعه يجعله يظن أن الجلادين قادمون لتنفيذ الحكم فيه، أصبح الخوف ملازمًا له ، وأنه لم يكن مستعدًا للموت وهو بهذا العمر بعد، فقد كانت لديه مشاريع تحتاج لعشرات السنين لتنفيذها.لذلك كرس كل زمنه للتفكير في أمرين: الأستئناف الذي تقدم بطلبه وينتظر الأن نتيجته ،أو الجلادون القادمون مع الفجر لتنفيذ حكم الأعدام عليه.
حكمت محكمة فرنسية بأعدام مورسو لقتله رجل عربي، نلاحظ علي امتداد الرواية غياب هذا (العربي) أو تغييبه مع بقية العرب الذين مثلوا خلفية الأحداث فلم يعطهم الكاتب أسماء بل ظلوا علي الدوام (عرب) في تجهيل مقصود وتهميش لا يخفي،ومن ذلك أن ورد في بداية النص وجود ممرضة عربية قرب تابوت والدة مورسو فلو لم يذكر الكاتب وجودها هناك ،أو لو محا هذه الجملة بعد كتابتها لما أحدثت فرقا!!!! فهي ليست ذات دور وأنما ممرضة عربية. وقوله أيضا في ذات الفصل كان بالغرفة أربعة رجال سود، فقط كانوا هناك، ومن ذلك أيضا وبصورة أقوي برزت في بداية الأحداث عشيقة ريمون العربية التي كتب لها مورسو رسالة استدراج. هذه السيدة تحديدا كانت ذات دور يستحق أن يحدده اسم ما بسبب تأثيرها المباشر علي القصة وتطورها(شقيقة القتيل) رغم أن الكاتب قد صبها في قالب العربية الأنتهازية العاطلة الكسول والمستغلة أيضا، وأذا وضعنا في اعتبارنا أن الرواية قد حدثت في أرض عربية فنحن نتوقع من العرب أثر أقوي في فضاءهم الجغرافي والتاريخي أنذاك والثقافي بحيث كان من الممكن أن يثروا الأحداث والوصف بالأنسجام والتناقض المطلوبين لتقوية الحبكة القصصية و بأبراز الاضداد بيد أن الكاتب فضل نفيهم عن ذات فضاءهم في وصف مسطح بلاعمق ولا دور كالرجال العرب في غرفة الحجز أوالنساء العربيات (الموريات) أثناء زيارة ماري لموسو في سجنه مما سطح العمل الروائي ككل وأفقده الكثير من عناصر تكوينه الاصلية ، ونجد في المقابل أن للفرنسيين أسماء ريمون،سلامانو ،سيليست، ماسون وماري ولهم كذلك صفات فحارس المأوي فرنسي وزوجة ماسون فرنسية وكما أخبر ماري فالناس في فرنسا بيض!
هذا التغييب لدورالضحية رغم الأحتمالات اللامنتهية التي كان يمكن أن يشارك بها هو وشقيقته ورفيقه في العمل القصصي من تصعيد لحبكة الدراما وتغيير الثقل وتوازن وتبادل أدوار الأبطال والشخصيات الثانوية مع ضعف أو عدم تأثير قتله يشعرنا بأن مورسو لم يقتل أنسانا وانما قتل عربيا فقط.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.