ما زال البعثي فيصل محمد صالح -يكذب ويتحرى الكذب .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف    الحركة الشعبية لتحرير السودان: الموقف من مشروع لائحة مجلس شركاء الفترة الإنتقالية    مذكرات الفريق أول ركن صالح صائب الجبوري العراقي وحكاية " ما كو أوامر!" .. بقلم: الدكتور الخضر هارون    التاريخ والسرد واللاوعي السياسي.. أو ماذا فعل الطيب صالح بالمحمودين؟ .. بقلم: أحمد حسب الله الحاج    لا لن نحيد .. بقلم: ياسر فضل المولى    الحكومة هى عرقوب هذه الأمة!! .. بقلم: طه عبدالمولى    حركة/ جيش تحرير السودان تنعي الأستاذ/ محمد بركة المحامي    الذكرى السادسة لرحيل الاستاذ حسن بابكر عازف الكمان و مبدع اجمل الالحان !! .. بقلم: أمير شاهين    ما رأيكم؟! .. بقلم: كمال الهِدي    الدولة كمزرعة خاصة .. بقلم: الحاج ورّاق    دار الريح .. الزراعة هي المخرج ولكن! (2) .. بقلم: محمد التجاني عمر قش    نحو مذهب استخلافى في الترقي الروحي .. بقلم: د.صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلامية فى جامعة الخرطوم    يا حمدوك والحلو الودران خليتوهو وراكم في أمدرمان: حرية العقيدة في أصول القرآن أكثر كفاءة من العلمانية!! .. بقلم: عيسى إبراهيم    (213) حالة اصابة جديدة بفايروس كورونا و(4) حالات وفاة .. وزارة الصحة تنعي (7) اطباء توفوا نتيجة اصابتهم بفايروس كورونا    السودان: وزارة الصحة تعلن وفاة (7) أطباء في أسبوع    ترمب وديمقراطية سرجي مرجي!. بقلم: عمر عبد الله محمد علي    السودان والموارد الناضبة (2) .. بقلم: د. نازك حامد الهاشمي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    النصري في زمن الكورونا .. بقلم: كمال الهِدي    طريق السالكين للمحبة والسلام .. بقلم: نورالدين مدني    لابد من إجراءات قبل الإغلاق الكلي .. بقلم: د. النور حمد    ترامب يستثمر عيوب المسلمين .. بقلم سعيد محمد عدنان/لندن، المملكة المتحدة    وفاة(4) مواطنين إثر حادث مروري بحلفا    بيان لوزارة الداخلية حول ملابسات حادث محلية كرري    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تكريم الفيلسوف وعالم الاقتصاد أمارتيا سين .. بقلم: فرانك- فالتر شتاينماير .. تقديم وترجمة د. حامد فضل الله / برلين (أوراق المانية)
نشر في سودانيل يوم 23 - 10 - 2020

منح اتحاد بورصة الكتاب الألماني، يوم الأحد 18 أكتوبر 2020، عالم الاقتصاد والفيلسوف الهندي أمارتيا سين جائزة السلام لهذا العام. وبسبب انتشار فيروس كورونا المستجد "كوفيد 19"، لم يتسن لسين الذي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، الحضور بنفسه لكنيسة سانت بول في فرانكفورت أم ماين للمشاركة في هذا الحدث الجميل- وشارك بدلا عن ذلك عبر اتصال الفيديو من بوسطن.
لقد كان مقررا أن يلقي الرئيس الألماني فرانك- فالتر شتاينماير كلمة التكريم لسين، وكما تم الغاء مشاركته أيضاً، قبل فترة قصيرة من الاحتفال، نظرا لوجوده بالحجر الصحي بعد ثبوت إيجابية فحص كورونا لدى أحد حراسه. وألقى الممثل الألماني المعروف بورجهارت كلاوسنر كلمة فالتر ستاينماير نيابة عنه.
وقالت رئيسة اتحاد بورصة الكتاب الألماني كارين شميت- فريدريشس إن أمارتيا سين هو حامل اللقب المناسب لعام كورونا، وأوضحت ذلك بقولها: "لأن ما يكتبه سين عن الهوية والعدالة، يبدو لي أساسا مناسبا لبناء عالم أفضل بعد فيروس كورونا".
وجاء في حيثيات مجلس أمناء منح الجائزة أن سين "تعامل بصفته رائدا فكريا مع مسائل تتعلق بالعدالة العالمية منذ عقود، وأضافت أن أعماله ذات صلة حاليا أكثر من أي وقت مضى".
ونشير بأن الجائزة تُمنح منذ عام 1950، لشخصيات مرموقة، ممن أسهموا في تحقيق فكرة السلام في الأدب والعلم والفن.
إلى نص كلمة التكريم:
أصبحت قاعات معرض الكتاب في كنيسة سانت بول شبه مهجورة ويتيمة، والفائز بجائزة السلام في قارة أخرى هذه أوقات غير عادية حقاً. الأوقات، التي تثقل القلب. لا توجد حياة طبيعية في هذه الأوقات. ومع ذلك فمن الجيد أننا نتمسك بحفل توزيع الجوائز هذا. واليوم نكرم الشخص الذي يرتبط بشكل لا مثيل له، بفكرة العدالة العالمية. أن البحث عن العدالة والحرية يجب ألا يأخذ فترة راحة، خاصة تحت ضغط وباء الكورونا. من سيكون قائد هذه الحملة، أفضل من الحائز على جائزة اليوم؟ بتكريمنا أمارتيا سين، أنما نكرم المواطن العالمي، والمفكر العام العظيم، والسلطة الأخلاقية.
عزيزي أمارتيا سين، إن الوقت الآن مبكر بشكل غير عادي بالنسبة لك، فصباح الخير لك في بوسطن! كنا نود أن نرحب بكم شخصيًا في فرانكفورت. وباء الكورونا يجعل ذلك مستحيلا. وكما أنك اليوم بعيداً، ومع ذلك قريباً جدًا منِّا في عين الوقت. لأن 6000 كيلومتر وست مناطق زمنية تفرقنا. وقريب، لأن أفكارك ورؤيتك تتغلب على أي مسافة - بين القارات والثقافات ووجهات نظر الحياة.
لا يمكن للعالم الرقمي أن يحل محل الاتصال الشخصي. لكن نادراً ما كنت سعيدًا باختراع الهاتف المرئي كما أنا اليوم. نحن نتطلع بسرور إلى خطاب فوزك!
قال أمارتيا سين عن نفسه إنه "ولد في مُخيم جامعي" ويبدو أنه عاش في بعض منها، طوال حياته – كامبريدج، دلهي، هارفارد، ستانفورد وييل. لقد حصل على درجة الأستاذية الأولى في كلكتا عندما كان عمره 22 عامًا فقط. قام الطلاب الغاضبون بتلطيخ جدران الكلية ورسم "مهد طفل" على الجدار.
أمارتيا سين أكاديمي قلباً وقالباً، لكن عمله لا يظل أكاديميًا - على الأقل ليس بالمعنى المجرد، أي من البرج العاجي إلى البرج العاجي. أراد أن يُفهم. وكعالِم، لم يكن يريد فقط فهم العالم فحسب، بل أراد تغييره. أمارتيا سين غير العالم.
تمتد أعماله على مدى ستة عقود وتتراوح من النظرية الاقتصادية إلى فلسفة الأخلاق. كتبه هي الأكثر مبيعا. أمارتيا سين حاصل على أكثر من مائة شهادة دكتوراه فخرية ؛ وفي عام 1998 حصل على جائزة نوبل في علم الاقتصاد.
والآن جائزة السلام لبورصة الكتاب الألماني أيضاً. تساءل بعض المراقبين: هل يحتاج الفائز بجائزة نوبل، لهذه الجائزة؟ أتفق مع كارلو شميد: جائزة نوبل للاقتصاد قد تكون تاج الخبراء في الاقتصاد، وجائزة السلام هي "تاج المواطن للإنسانية".
اليوم نسلم تاج المواطن لفيلسوف لا يريد أن يكون ملكاً فيلسوفاً. وبدلاً من ذلك، يريد سين أن يحول الحكام إلى "فلاسفة حقيقيين وشاملين"، إلى سياسيين مستنيرين للحرية. التحرر من الجوع والعنف والقمع. حرية التعليم والمعرفة والتنمية الشخصية.
أمارتيا سين يكتب ضد عدم المساواة والظلم في هذا العالم. لا ينظر مؤشر التنمية البشرية الخاص به إلى الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل ينظر إلى رفاهية الناس أيضاً. لأن المجتمع، كما يقول سين، "يمكن أن يكون فعالًا اقتصاديًا للغاية، لكنه بشع تماماً في نفس الوقت".
إذن، من كان يستحق هذه الجائزة أكثر من شخص يميز عمله، رغم كل تألقه الفكري، شيئًا واحدًا فوق
كل شيء: الإنسانية. لذا فإن جائزة السلام تُكرم شخصية أمارتيا سين، وشخص أمارتيا سين يُكرم الجائزة
ونتطلع نحن هنا في المنزل وأمام التلفزيون إلى الاحتفال في الكنيسة، ونحتفل جميعا في هذه اللحظة:
الحق في تقرير حق المصير لكل شخص بغض النظر عن أصله ولون بشرته، بغض النظر عن جنسه أو ميوله الجنسية، الحق في التعليم، وتحقيق الذات، وأخيراً وليس آخراً، مسؤولية الدولة ومؤسساتها لتمكين ذلك بالضبط: هذه معتقدات أمارتيا. هذه قناعات جوهرية لديمقراطي، التي أتحدث بها من قلبي.
كما أثر أمارتيا سين على أجيال من الطلاب والزملاء الأكاديميين، وكذلك قارئاته وقراءه في جميع أنحاء العالم أيضاً. كما وسعت كتاباته من وجهة نظري للاقتصاد. كيف نقيس ثروة المجتمع؟ ما الذي يشكل تنمية اقتصادية جيدة؟ كيف نحقق المزيد من العدالة العالمية؟
يتلاشى النداء من أجل المزيد من العدالة العالمية، إذا لم ندقق في أعمالنا بشكل نقدي. تستفيد ألمانيا بشكل كبير من التقسيم الدولي للعمل. تمتد سلاسل ابداعات شركاتنا إلى جميع أنحاء العالم، وتنتج في جميع أنحاء العالم أيضاً. يعتمد ازدهارنا على التجارة العالمية الحرة. نحن نتحمل نصيبا كبيرا من المسؤولية للتجارة العالمية العادلة.
لكن مسؤوليتنا تذهب أبعد من ذلك. لا يمكن أن تنجح العدالة العالمية بين الشمال والجنوب إلا إذا أدركنا الاختلالات وعدم تناسق القوة والتبعية المتبادلة أيضاً. وإذا تصرفنا وفقًا لذلك، أو على حد تعبير أمارتيا سين: لن تنجح العدالة العالمية إلا إذا "تقاسمنا العالم".
لا يزال هناك أكثر من سبعين مليون طفل حول العالم يتعين عليهم العمل لتحاشي الجوع. يتم استغلالهم في المناجم والمحاجر، في حقول القطن ومزارع الموز. هؤلاء يجب عليهم الجلوس على مقاعد المدرسة!
الملابس الموجودة في متاجرنا جاءت أيضاً من مصنع النسيج ذاك في مدينة دكا (عاصمة بنغلاديش)، حيث جلس آلاف الأشخاص على ماكينات الخياطة في مكان ضيق. اندلع حريق. لنتذكر: المصنع لم يكن به مخرج طوارئ. مات أكثر من مائة امرأة بسبب نيران الحريق المندلع.
دكا ليست حادثة منعزلة. تمثل دكا ظروف العمل غير الإنسانية في كثير من الأحيان، وفي آلاف مصانع النسيج في جنوب آسيا وأفريقيا. دكا هي رمز لعقلية الإهمال واللامبالاة في مدن الشمال الكبرى، والتي يعاني منها سكان مدن الجنوب غالباً.
في عالم متشابك، حيث نحن كمنتجين ومستهلكين، حيث يرتبط العملاء والمشترون ارتباطًا وثيقًا، نحتاج في هذا العالم إلى قواعد للعولمة. هذه القواعد ليست من الله، إنها من صنع الإنسان. إذا أدركنا أن هذه القواعد غير عادلة، ألا يتعين علينا تغييرها؟
جاء في العديد من الصفحات المتخصصة عن الفائز بجائزة السلام لهذا العام: العدالة العالمية، الحرية ولكن، ألا توجد قضايا أكثر إلحاحاً في هذه الأوقات العصيبة؟ مثل احتجاجات المناخ وحركة "حياة الأسود مهمة"
* Lives Matter Black هذا قول صحيح وعادل.
ولكنني أعتقد وجود سوء فهم هنا. لأن أمارتيا سين معني الآن، بالأساسيات والعاجل منها بشكل خاص. عندما يتحدث سين عن العدالة الاجتماعية والبيئية، فإنه يهتم دائماً بشيء واحد أساسي: الديمقراطية. فالديمقراطية بالنسبة له، هي شرط أساسي لتحقيق العدالة. والعدالة شرط أساسي للديمقراطية.
النضال ضد التمييز أو ضد أزمة المناخ التي تهدد الحياة - هذه أسئلة ملحة تتعلق بالعدالة، ويجب أن تجد ديمقراطياتنا إجابة لها. نعم، أليست هذه الأسئلة الأساسية المتعلقة بالعدالة التي يمكن للديمقراطية تحديدًا أن تجد إجابة لها؟ ما هي الصيغة الأخرى لنظام الحكم التي يمكنها إعادة تنظيم والتفاوض بشأن العدالة للجميع في ظل الظروف المتغيرة؟
يعرف سين بنقاط ضعف الديمقراطية. ويقول إن "الديمقراطية"، "ليست العلاج التلقائي للظلم". "الديمقراطية وسيلة لتمكين الناس، للدفاع عن العدالة". ويقول: "الديمقراطية ليست علاجًا تلقائيًا لأي شيء. إنها ليست مثل دواء الكينين لقتل الملاريا. الديمقراطية وسيلة للتمكين". الديمقراطية أداة لتمكين النضال من أجل العدالة.
مئات الألوف من الشباب الذين شاركوا في احتجاجات المناخ أظهرت القوة الهائلة التي وضعوا بها المسألة البيئية في قلب السياسة، ومدى قدرة الديمقراطية على تمكين الناس من الدفاع عن قناعاتهم وتوجيه السياسة. النقد والمعارضة والاحتجاج - خارج الإجراءات المؤسسية - جزء مهم من الديمقراطية. أنها تشجع التغيير الاجتماعي. ويمكن أن تجعل آراء الأقلية سائدة. لكن الاحتجاج لا يحل محل الأغلبية الديمقراطية داخل مؤسسات صنع القرار. لا يزال التفاوض بشأن تضارب المصالح هناك، شاقاً ومضجراً في الغالب. وتظل النتائج في كثير من الأحيان، بمثابة حل وسط وليست مرضية دائمًا. نعم، الديمقراطية ليست كاملة. وأبدا لن تكون. إنها ليست أكثر كمالا من الناس الذين يعيشون فيها.
هذا هو التحدي الذي يواجه ديمقراطيتنا: المنافسة بين الأنظمة السياسية، يجب عليها أن تظهر مراراً وتكراراً ما إذا كانت لديها إجابات أفضل على الأسئلة الكبيرة في عصرنا، وإنهاء التمييز.
الديمقراطية هي أنها الأفضل بالقيام بكل من التحول البيئي: فعل ما هو مناسب لكوكب الأرض، والحفاظ على العدالة الاجتماعية أيضاً.
الديمقراطية لا تحمينا من القرارات الخاطئة. لكنها تتيح لنا تصحيح الأخطاء. لا يوجد شكل آخر لنظام الحكم لديه قدرة داخلية على تصحيح نفسه. فالقدرة على التصحيح تكمن في انتخابات حرة ونزيهة ومتساوية وسرية.
يعود الأمر لنا فيما إذا كانت الديمقراطية ستحتفظ بقدرتها على المنافسة بين الأنظمة. دعونا نواجه هذه المسؤولية!
كان شعار فرديناند الأول، إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، هو العدالة بأي ثمن حتى لو قاد ذلك إلى نهاية العالم؟
أمارتيا سين براغماتي فيما يتعلق بقضية العدالة. هدفه ليس القتال من أجل عالم عادل تماماً، حتى لو كان هناك اتفاق على الشكل الذي يجب أن تبدو عليها.
أمارتيا سين معجب بفلسفة جون راولز عن العدالة، بسبب تألقها النظري. إن خلق عالم عادل وراء "حجاب الجهل"، بغض النظر عن وضع المرء، يبدو مغريًا. ومع ذلك، لا يعتبر سين هذا أمراً عملياً أو واقعياً. إنه يريد القضاء على المظالم الملموسة والواضحة في الوقت الحاضر.
يبدو سين واعياً، ودون أية أيديولوجية، سواء أكان المزيد من الدولة أم المزيد من الأسواق هو الأنسب لذلك. بالنسبة له يعتمد الأمر على النتيجة، فهو يريد أن يعرف: كيف تمكّن الدولة الناس في أن يعيشوا حياة يقررونها بأنفسهم؟ كيف يزدهر العدل والحرية من خلال المسؤولية الشخصية؟ وأين يتحقق التضامن المطلوب، حتى خارج حدود دولتها؟
هذه ليست أسئلة مجردة أبدًا والتي أصبحت، أكثر واقعية في الأزمات الكبرى الحالية. نحن نعلم: أن الأزمات لم تكن أبدًا عاملاً لجمعنا، كما كانت كثيرا ما تُوصف بذلك. الأزمات تعمق الانقسامات. يصيب وباء الكورونا كل الناس والبلدان، لكنه لا يصيب الجميع بالتساوي. أينما كان هناك نقص في هياكل الرعاية الصحية، حيث يكون الوضع الغذائي سيئًا، وحيث يوجد الفقر المدقع، فإن الفيروس يصيب هناك بشكل أكبر.
إن وباء كورونا هو اختبار حاسم للتضامن الدولي والتعاون العالمي في مجالي البحث والسياسة. لا يوجد مكان يتبلور فيه هذا أكثر، من مسألة التوزيع العالمي العادل للقاح. التوزيع العالمي العادل، ذو شقين: المصلحة الذاتية، وهذا مفهوم جيداً، والتزام مطلق في عين الوقت. دعونا نفعل كل ما في وسعنا، للتأكد من أن البشرية تجتاز اختبار إنسانيتها!
بالنسبة لسين، لا توجد عدالة حقيقية بدون حرية سياسية ولا حرية سياسية بدون ديمقراطية. لا يمكن تصور واحد دون الآخر. وبالتالي، فإن الديمقراطية بالنسبة له ليست سلعة فاخرة للدول الغنية، كما أنها ليست مجرد مشروع معياري للغرب. إنه شوق ووعد عالميين. كما يذكرنا بذلك، المتظاهرات والمتظاهرون في شوارع كاراكاس ومينسك وهونغ كونغ!
عالمية الديمقراطية وحقوق الإنسان الأساسية - هذه حجر الزاوية لفلسفة سين. هذا هو جوهر المعرفة الأساسية التي تتعرض للضغط مرة أخرى اليوم.
يدمج سين كتابات من اللغة السنسكريتية مع التاريخ الفكري الأوروبي، ويربط جون ستيوارت ميل مع جون راولز، وبهاغافاد جيتا مع يورجن هابرماس. إنه يريد أن يُظهر أنه في أجزاء كثيرة من العالم توجد أفكار ذات صلة بالعدالة والديمقراطية والحرية.
وبالتالي فإن المطالبة العالمية بحقوق الإنسان الأساسية ليست فكرة غربية أو شرقية، وليست أوروبية أو آسيوية، وليست فكرة ألمانية أو هندية، - ويعلق أمارتيا سين أهمية على هذا - إنها فكرة إنسانية.
قبل سبعين عاماً، كان من الممكن إعطاء هذا الأمل أساساً مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق". ليس الأوروبيون أو الأمريكيون الشماليون لديهم هذا الحق فقط. وهو ليس إرثًا يهوديًا مسيحيًا حصريًا. لقد شارك الأفارقة والآسيويون والبوذيون والمسلمون والهندوس في كتابة هذه الجملة وتبنيها. حتى لو لم يكن هذا الوعد مثالياً أبداً، ولم يكن أبداً للجميع على قدم المساواة، فبالرغم من جميع عيوبه، فإنه لا يزال إنجازاً عصرياً.
لكن ما تم تحقيقه، لا يعني ذلك ضمانه. أننا نرى في جميع أنحاء العالم دلائل على أن مستوى الحضارة الذي تم بلوغه أصبح موضع تساؤل، وأن الالتزامات بموجب القانون الدولي يتم تجاهلها. يتم تحدي المبادئ الديمقراطية الأساسية حتى في جوارنا. يتم تقويض حقوق الحرية، ويتم وضع وسائل الإعلام المستقلة والعدالة تحت سيطرة الحكومات.
حيثما تتآكل الديمقراطية، تتآكل حقوق الإنسان. وحيث تتآكل حقوق الإنسان، تتآكل الديمقراطية أيضًا. الديمقراطية لا تموت في الظلام، وإنما تموت في رابعة النهار، وأمامنا أعيننا جميعًا. أننا نرى كيف يتذبذب النظام الدولي، وكيف أن الميول الاستبدادية والقومية آخذة في الازدياد في جميع أنحاء العالم. هل مازال هناك أمل؟
نعم، بالتأكيد، والأمر متروك لنا. في هذه الأوقات من الوباء، ألم يتم إثبات أن ديمقراطيتنا يمكنها الرد على التهديدات الوجودية بسرعة وكفاءة وقوة. وفي نفس الوقت يمكنها الحفاظ على الحرية. سواء أكانت قادرة على الحفاظ على الأمن والحرية في حالة توازن أم لا، فهذا ليس تلقائيًا. كل هذا يتوقف علينا.
الثقة والعقلانية والتنوع والتضامن - هذه هي نقاط القوة في ديمقراطيتنا. إذا واصلنا الاعتماد على نقاط القوة هذه، فلدينا كل الأسباب للأمل. اليوم، بعد 75 عاماً من نهاية الحرب العالمية الثانية وفي العام الثلاثين لتوحيد ألمانيا، يمكننا نحن الألمان أن نقول بثقة: الديمقراطية لم تفشل تاريخياً. لقد فشل أعداء الديمقراطية. دعونا نستمد الشجاعة والأمل من هذا.
في افتتاح معرض الكتاب، وصف ديفيد غروسمان الأمل، بأنه نوع من المناط. قال: "عندما يسقط المناط ، فإنه يظل متمسكا بالمستقبل". الإيمان بالمستقبل والأمل - هذا ما ترمز إليه جائزة السلام. ولهذا نكرم اليوم أمارتيا سين.
أمارتيا سين يكتب النثر، لكنه يحب الشعر. وغالبًا ما يقتبس من الشاعر البنغالي رام موهان روي:
"تخيل، كم سيكون يوم موتك فظيعًا.. سوف يستمر الآخرون في الحديث، لكن لن تتكمن منِ الاِجابة".
أمارتيا، هذا مماثل للخلود. نعم، رؤياه خالدة - وهي تتطلب إجابات! دعونا نعمل على ذلك!
تهانينا عزيزي أمارتيا سين على جائزة السلام لبورصة الكتب الألمانية لعام 2020 !
* حركة دولية ظهرت داخل المجتمع الأمريكي الأفريقي في الولايات المتحدة تقوم بحملات مناهضة للعنف الموجه ضد السود أو الأشخاص ذوي البشرة السمراء وتنظم احتجاجات ضد قتل ضباط الشرطة للسود وعلى قضايا أوسع، مثل التنميط العنصري وعنف الشرطة والعنصرية.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.