شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مبارك بشير: حلق عاليا عاليا يا نانسي، ورحل! .. بقلم: جابر حسين
نشر في سودانيل يوم 20 - 02 - 2021


(1955/2021م).
-----------------
( لم نفترق،
لكننا لن نلتقي أبدا/
وأغلق موجتين صغيرتين علي ذراعيه
وحلق عاليا... ).
- درويش -
نهار الخميس11/2/2021، بمنزله المجاور لمقابر شمبات بالخرطوم بحري، رحل عن عالمنا وعنا، بذبحة صدرية مفاجئة، الصديق الشاعر والأكاديمي، الإنسان الرقيق الفنان مبارك بشير. كان رحيله خفيفا، هينا ولطيفا كغمامة عابرة، رحل مبارك في أقل من عشرين دقيقة كما قال صديق عبد المنعم عمر شقيق زوجته الأستاذة إنصاف عبد المنعم. هكذا، حال الدنيا، وحالنا نحن الذين فيها لا نزال، نشاكسها الحياة ونراوغها لكيما نكون فيها، في جدواها وبهجتها، لكن، وحالنا كذلك، فأن رحيل مبارك المفاجئ، جعلنا في الحزن الذي يشرق بنا، يؤلمنا حد التعب، حد الغياب، ذاك الذي في البياض، ولا فكاك!
مبارك، كان عالما وعارفا بحال قلبه، يعرفه ويصدقه، فما خانه أبدا، ولا لحظة طيلة حياته، لم يكن عصيا في رفقته إليه، ولا في القسوة عليه، بل كان حانيا عليه، مترفقا به حد يهدهده بلطف بالغ الحنين، ولا يغريه بمراوغة من أي نوع. لهذا، لأجل هذه الحميمية الرحيمة بينهما، كان مبارك حفيا ورفيقا به، يداعبه ويلاطفه كطفل صغير يحبه، ويحنو عليه، وكلاهما، صنوان، لكأنهما روحان في الجسد الواحد الأحد، يشتغلان، معا، في الحياة علي الذكري والحنان. لم يقسو أبدا، طوال حياته، علي أحد، لم يفعلها حتي علي خصومه ولو كانوا جلوسا إليه. قد يتململ إليه قلبه، فيشرع ( يطبطب ) عليه، لينجو من تلك البرهات التي يعدها في الطارئات الزائلات!
في زمان مضئ، كان الصديق الراحل، الصحفي والتشكيلي والشاعر، أبن كسلا وأحد مؤسسي رابطة أولوس الأدبية بكسلا، أحمد طه محمد الحسن ( الجنرال )، يتصيد حضوري للخرطوم فيأتيني ليأخذني إلي منزله، ويغريني بأن مبارك بشير سيكون معنا، وكانت المودات بيننا عامرة بالأنس الأنيق وبالحكايا في كل أمور دنيانا. مرة، في أحد تلك اللقاءات الحميمة، جلسنا ثلاثتنا، الجنرال ومبارك وأنا ذات مساء بمنزل الجنرال، وفجأة، مثلما مفاجأت الطبيعة، هبط علينا أثنان من شعراء الأغنية، دونما سابق إعلام، وكانا، علي شيوع أشعارهما في الأغاني والقبول، قريبان من نظام الكيزان، يتعاملان معه وفقا لفقه الضرورة والمصلحة كما تقول به الجماعة! كنت أنا صامتا، وكذلك مبارك، تلك اللحظة أحسست بأنه لم يرتاح لوجودهما، لكنه ظل صامتا. برهة قليلة حتي نهض واقفا وأشار لي أن أتبعه إلي الردهة المجاورة لصالون البيت. قال لي: ( يضايقني وجودهما، لا احتمله، فدعني أذهب عنكما ). ألححت عليه أن يبقي، فأن لم يذهبوا سنغادر معا. وعلي مضض، منه ومني، انتظرنا حتي ذهبا عنا! أنا لم أزره في منزله أبدا، هو من كان يأتيني إلي حيث أكون. فلم أر، ولا مرة، منزله الذي بجوار مقابر شمبات، وأنا الذي أكاد لا أري المقابر ولا أقترب منها أبدا. يقول صديق عبد المنعم، أن مباركا كان يرد علي من يسأله لماذا أختار أن يكون منزله مجاورا للمقابر قائلا: ( لأكون من هنا، يعني المنزل، إلي هناك، المقابر!)، يا الله يا مبارك، هكذا، تري، هل تعبت من درب الحليب إلي رؤاك إلي الحبيبة، هل تعبت صفاتك، يا حبيب العمر، حين يضيق الشكل عن معناك، ويتسع الكلام لديك أشعارا ومغني، فتفيض لديك المعاني واللغة؟
الأكاديمي
--------
مبارك، كان نجما لامعا في الفضاءات الثقافية والفنية أبان دراسته بجامعة الخرطوم، منصتا ومشاركا في الآداب والفنون بأداء رفيع ورشيق، يفعل ذلك بحياء ورهافة ونبالة تجعله محبوبا للجميع، ولم يشغله هذا الفعل الثقافي أبدا عن تجويد وتعميق نجاحاته في الأكاديميات التي جعل منها مشروعا مهما في حياته المهنية، حريصا ومثابرا عليها حتي حاز منها أعلي مراتبها:
1976- بكالريوس الفلسفة و اللغات، كلية الاداب جامعة الخرطوم.
1977- دبلوم فى الدراسات الافريقية و الاسيوية، جامعة الخرطوم
1977- دبلوم اللغة الفرنسية، المركز الثقافى الفرنسى، الخرطوم
1982- دبلوم اللغة الالمانية، معهد هيدر، المانيا الشرقية وقتذاك.
1983- ماجستير فى الدراسات العربية، جامعة ليبزدغ، المانيا الشرقية.
1986- الدكتوراه فى السياسيات الثقافية و التعليمية، مركز الدراسات الافريقية و الشرق أوسطية، جامعة ليبزدغ بألمانيا الشرقية وقتذاك.
وقد عمل مبارك بمصلحة الثقافة حين كانت تتبع لوزارة الثقافة والإعلام، وكذلك بالمركز القومي للبحوث، وبمركز الإعلام الإنمائي، ثم بأكاديمية السودان لعلوم الإتصال، وأخيرا كانت محطته المهنية الأخيرة بجامعة العلوم والتقانة مديرا للعلوم فيها حتي لحظة رحيله المفاجئ!
وعلي التأكيد أن لمبارك مشاركات وبحوث وأوراق علمية معتبرة انجزها في مسيرته العلمية، وفي ظني أنها، لوقيض لها أن تجمع وتطبع وتنشر، فسوف تشكل مجلدات علمية عديدة عظيمة القدر، فنتعرف، عندها، علي وجهاته وحقول معارفه العلمية، تلك المرتبطة بعمله المهني وتخصصاته العلمية والمعرفية. وفي هذا المجال، فأنني لأتمني علي صديق عبد المنعم، وهو القريب للأسرة والقادر علي الوصول إلي مكتبته الخاصة، أن يضع يده علي تلك الكنوز ويسعي، وفي مقدوره أن يفعل، فيعدها للنشر، تلك مهمة كانت ستسعده لاشك.
الشاعر
لربما، أستطيع القول، باطمئنان كبير، أن مباركا قد شهرته شاعرا متميزا قصائده المغناة وأناشيده للثورة وللوطن وللحبيبة، صدح بها محمد وردي و... وأحمد ربشة وغيرهم. لكنه، وهو بعد طالبا، في الثانوي والجامعة، كتب الشعر وتلاه في بعض منابرهما، في تواضع وخجل عرف عنه طوال حياته. ظللت، وأنا اتصفح شعره، وكم قرأ علي بعضه في جلسات ولقاءات متباعده معه، تداعب مخيلتي مقطوعة ف. بونج*، التي أسماها: ( لست أكثر من راو )، يقول فيها:
( أبصر نفسي في شئ ما: في العمق ما أحب، ما يمسني، أنه الجمال المدحوض، أنه ضعف الدليل، أنه التواضع نهاية. الذين لا يملكون الكلمة، هو الذي أريد أن أوجه إليهم " كلمتي ". ها هنا يتعانق موقفي السياسي مع موقفي الجمالي.
ما يهمني هو كسر شوكة الأقوياء أقل من تمجيد العامة.
العامة هم: الدولاب، العامل، الجمبري، جذع الشجرة وكل عالم الجماد، كل ما لا يفقه الكلام. فانا لست أكثر من راو. )...
لعل مباركا كان في هذا المنحي تجاه قصيدته، التي ظل حفيا بها ومخلصا لها طوال إشتغالاته الشعرية. صحيح، أنه ظل يشتغل علي تجاريب عديدة في قصيدته، لكنه، إذ يفعل ذلك، يظل ( ينوع ) علي الإيقاع الواحد فيجعله يكتسي أكثر من وجه، والعديد من الأردية الملونات، ينسجها كجدائل تتدلي، في لمعان وتوهج، فترافق جماليات قصيدته فتزيدها بهاء وجمالا.
قلنا، أنه كان ينوع علي الإيقاع، وللإيقاع موقعا جوهريا في قصيدته، لهذا نراه ( يغيره ) دائما، لآ، لا يبعده عن قصيدته، لكنه يجري عليه تنويعات لحنية فيجعله إلي حيث يشاء قلبه، نقول قلبه، وليس ضرورات تفرضها عليه مسارات الشعرية لديه، لكأنه يمتحن رؤياه الشفيفة في حديقته الأثيرة، ليري ما لدينا من دموع، ومن فرح، ومن مسرات الحياة. يفعل كل ذلك، وهو الواهب عطاياه كلها، القلبية والروحية، لنا عبر قصيدته الرشيقة الفاتنة.
ولعل هذه ( النزعة ) الموسيقية عنده، هي التي جعلته يجعل لبعض قصائده قدرة أن تجري عليها الألحان فتصبح ( مغناة )، كما في ( عرس الفداء )، وفي ( بسيماتك ) التي غناهما وردي، وفي ( عويناتك ) التي شدا بها محمد الأمين، وتجربة أحمد ربشة، في قصيدتيه( تسألين )،
و ( بيني ما بينك ) التي تظل علامة وإشارة، لكيف تكون القصيدة قابلة للتحول في صيغة الغناء، في سمته البسيطة وملامحه التي يختلط فيها الشعر، اختلاطا، مع الإيقاع والألحان، وأغنية (في الأسي ضاعت سنيني) التي تغني بها مصطفي سيدأحمد والعطبراوي، كل منهما بلحنه وأداءه، وأغنية ( كل المحبة ) لدي الجيلاني الواثق، و ( زمن التداعي ) لدي الكابلي.* ذلك، في ظني، ملمح هام تميزت بها قصيدة مبارك بشير، علاوة علي إنها، وهي بهذا المنحي، تجد لها قبولا واسعا لدي الجماهير، لكأن مباركا كان يود أن يكون في وجهة الذائقة الجمالية، في القصيدة والأغنية، لذلك الذي لدي عامة الناس، لربما، وذلك ما لاحظته لديه، في خضم المعترك الإبداعي اليومي لدي الجماهير التي هي، عنده، محل اهتمام وتقدير كبير، فلا يرغب البتة، ولا يريد أن تعيش قصيدته بمعزل عنها.
مبارك، يعد من ضمن شعراء الأكتوبريات، يساريا تقدميا بفكر ووعي مستنير، وكان الشعر، بهذا القدر أو ذاك، يمثل التمهيد الشعري للثورة، حاديا لركبها ومناديا بالتغيير الذي تجلي في أهازيج وأناشيد الثورة فيما ساد الساحة الثقافية والسياسية قبل الثورة وأبانها. ثورة أكتوبر أحدثت هزة مدوية بلغت الأعماق الساكنة في بؤرة الإبداع ومنابعه نفسها، كانت بمثابة دفقة، حارة وذات عنفوان موار، حيث مكنت مسارات ومسارب جديدة، كل الجدة، في بنية الوعي والنص الشعري حد أن تجولت القصيدة، تزهو بإشراق لامع، في الشوارع والساحات، تهتف وتغنيها جماهير الشعب، بواقعية ناهضة تسجل وقائع الأحداث، شاهدة عليها، مشاركة فيها، محللة وموجهة لها. يقول عبد الهادي الصديق، عن مرحلة ثورة أكتوبر وما بعدها: ( ولذا فأن فهما جديدا للشعر قد انبثق علي ضوء هذه التجارب، وإن تغييرا اساسيا قد طرأ علي قصيدة الشعرعلي صعيدي الشكل والمحتوي. فقد عاد الإلتزام الموضوعي تجاه القضايا الإنسانية والحياة والمجتمع، ولم يأت هذا الإلتزام هذه المرة فرديا أو مبعثرا إنما جاء داخل إطار مدرسة لها تعاليمها وفصولها، هي تجمع الكتاب والفنانين التقدميين " أبادماك "، واصدرت هذه الحركة " المانفيستو " الذي ينظم طريقة التفكير والعمل، واتاح هذا التجمع، ولأول مرة، لقاء الشعراء لمدارسة أشعارهم ومحاورة بعضهم والوقوف علي السلبيات والإيجابيات واستشرافا لحركة شعرية معاصرة متكاملة )*. مبارك، كان أبن هذه البيئة الشعرية الطالعة، عاصر رموزها وتشرب بفكرها ورؤاها، فتشكلت في وعيه بذور ( التجديد ) والالتزام جانب الشعب والوطن. وهو، في ظني، قد اشتغل علي (تجديد) الواقعية الشعرية وعمل علي تطويرها في ذات الوقت، فامتازت أشعاره بالحس الغنائي الرقيق واللغة الشعرية الرشيقة الفاتنة.
ولقد سبق لنا القول، فيما سبق، أن مباركا قد راهن كثيرا، بل نكاد نقول أنه جعل لقصيدته سمتا غنائيا موسيقيا، فالإيقاع لديه من جواهر قصيدته، وهو يعلم، قطعا، أن الإيقاع أوسع من الوزن الذي يمنح إيقاعا واحدا من بين إيقاعات عديدة لا متناهية، وأن الوزن ليس مقياسا يعول عليه لتحديد سمات النص أو دراسة شعريته، ثم أنه أجري محاولات عديدة علي لغته الشعرية فجعلها في السياق الشعري العام لقصيدته. أنظر إليه يقول في بعض" زمن التداعي ":
( أنا أم انتِ
أم زمن التداعى
أكتب الآن إلتياعى
يرحل الاحباب من غير وداعِ
يرحل الاحباب من غير وداعِ
اليوم نقتحم الغياب فلا تُعزينا.....تماسك
تماسك قبل أن يهوى كِلآنا
هذه الدنيا بطوع بناننا تمشى
ودمعك يجرح القلب المسافر و البقية....
أنا بالفعل خنت بشاشتى
وعقرتُ ناقة رحلَتى
وصرختُ ملء فمى.....
ياقوم ضاع الود فى المدن الشقية
ياقوم ضاع الود فى المدن الشقية
ياقوم ضاع الود فى المدن الشقية ).
أو حين يناجي البلاد، لكأنما هو يجعلها في منزلة الحبيبة، أو هي الحبيبة نفسها، في مخيلته وفي رؤاه، يقول:
( يلتقى الإنسان خله الوفى
زمانَ تهبطين...
تبدأ الشمس مسارها اليومى
ويهبط المساء فى دمى
وفى الكواكب المجاورة
ثم لا يكون فى القلب
سوى غرامك البِهى
فارتحلى...كما تهوين فى العيون
والحقائب المسافرة
مكان تهبطين......تلتقين بى
زمان تهبطين....تصبحين لى
إذن...تماسكى بجانبى
ولا تسافرى ).
لربما تتاح لنا برهة ننظر فيها إلي أشعاره بصورة أكثر شمولية لو أعطينا العمر.
فيما بين مبارك ونانسي ومحجوب شريف
كانت أخر مرة أحادث فيها مبارك عبر الهاتف، في 5/11/2020م، اليوم التالي لوفاة الفاتح التلب والد الشاعر والكاتب مأمون التلب. وقفت العربة بهم، كمال الجزولي وأبنه أبي، ومبارك بشير، أمام الشقة التي كان يشغلها الراحل الفاتح بحي الشعبية بالخرطوم بحري، الوقت كان مساء ذلك اليوم، هاتفني كمال يسأل عن مأمون لكي يقدموا إليه العزاء. الشقة كانت مغلقة ومظلمة لا ضوء فيها! أخبرت كمالا أن هاتف مأمون مغلقا منذ الأمس، وأنه علي الأرجح سيكون في بيت والدته الراحلة رشيدة حبيب الله في بيت المال بأمدرمان، ثم أعطي كمال هاتفه لأتحدث مع مبارك وأعزيه أيضا. أتاني صوته الهادي الحنون بنبرته اللطيفة الخفيفة يخالطها حزن غامض، كما تصورت، كرر علي أن نلتقي عند تواجدي بالخرطوم فوعدته، وذكرته أننا سبق واتفقنا أن نتحاور حول شعره الغنائي وغيره، وهو، كعادته، كان يحتفي، أيما احتفاء، بأن يكون شعره مدار حوار وتفاكر، لكأنما يريد أن يري تجربته الشعريه، مثلما الأكاديمية، تحت أضواء النقد والدرس والتقييم، قلت له، وأنا مطمئنا إلي تحقيق بعضا من ذلك، أن ذلك سيحدث متي ألتقينا، وبالفعل كنت عازما أن أكون بالخرطوم وبرفقته، هو وكمال، متي خف الحظر والكورونا، ولكنها الحياة، رحل عنا مبارك، رحل، مثلما غمامة خفيفة تمضي في البياض، فلم تتركنا الحياة لشأننا لنكمل ما رغبنا فيه من ذكري وجدوي وحياة، فتركني، خلي الوفئ وصاحبي، وملء الحزن قلبي، أردد ما قال به درويش يوما:
( وجدت نفسي حاضرا ملء الغياب.
وكلما فتشت عن نفسي وجدت
الآخرين. وكلما فتشت عنهم لم
أجد فيهم سوي نفسي الغريبة،
هل أنا الفرد الحشود!؟ )*.
كنت قد ذكرت، في مخطوطة كتابي عن نانسي عجاج، الذي لم يطبع بعد، كيف كان يري محجوب شريف ووردي، كلاهما، أن في المشروع الفني لنانسي، فرصا كبيرة متاحة للنهوض العفي بالأغنية السودانية إلي ذري عاليات، ومستقبلا تحف به أضواء المستقبل الأجمل لرؤي ووجدانات شعوبنا، بل أنهما قالا بضرورة الإهتمام بمشروعها ومؤازرة تطوره النامي باستمرار. في هذا الاطار، ووفقا لهذا المنظور، كنت قد تمنيت، أكثر من مرة، علي نانسي أن تنظر، بتأمل فني عميق، إلي قصيدة مبارك بشير التي كتبها بعد رحيل محجوب*، لأجل أن تجري عليها الألحان، وهي مسنودة في تضاعيف القصيدة نفسها، وتقوم بتقديمها (هدية)، ورد جميل، لمحجوب، قلت بذلك، وأنا أعلم العلاقة الفنية الحميمة التي يتشاركانها، محجوب ونانسي، وفي ظني، أن ذلك، لو قيض له أن يكون، سيغدو العمل الفني غير المسبوق في تخليد ذكري محجوب. والآن، والحال كذلك، فأنني أجدد ( التمني ) علي نانسي، في الملأ هذه المرة، أن تفعل، ليكون، أيضا وأيضا، تخليدا وتقديرا لكليهما، محجوب ومبارك بشير. القصيدة تجري علي ( لوحات ) متتالية، تسع لوحات تستلهم مسيرة محجوب، السياسية والاجتماعية والشعرية والفنية ومساهمته في قضايا المجتمع المدني والخيري، وكل من تلك اللوحات، تكاد تكون لوحدها، ( مقطعا ) صالحا ليكون في اللحن والموسيقي والغناء. وكنت قد استأذنت، مسبقا، مبارك لتقديم القصيدة لنانسي، فوافق بابتسامته الرقيقة الأنيقة، وأضاف، ( أن ذلك سيسعده جدا ). والآن، وقد رحل مبارك، فماذا أنت فاعلة بهذا ( التمني ) يا نانسي؟ للننتظر ونري.
مبارك بشير: ( قصيدة إلي محجوب شريف )
( أبوي بشير
وصاني قبال ما يموت:
لا تمدح الحكام، مصيرهم
تنحرف بيهم غشاوات البيوت
يطيب مقامهم في الدهاليز الشراك
والمنافقين حولهم ما بستحوا
يأكلوا رأسهم بالكلام الهبهاني
اصلو مما هذه الدنيا ابتدت
قصة (السلطة) ابتدت
حجوة الزول الفلاني
كيف يشوف وسط البهارج
والسرايات البوراج
والطبول الخاوية في مرج
الحشود
دمعة صفير !
****
أبوي بشير
وصاني قبال يموت:
لا تمدح الدهب المجمر في الخزاين
لا تضوق طعم الثمار المرة
في تلك الجناين!
ما تعاين في الوجوه
النادية
ما عطشانة او رويانه
في الاخر ، شرابهم سلسبيل!
من علقم الناس المساكين في
الضهاري
ومن حنضل الغبش، المنازل
في المجاري
الدم عرق، سال في الهدوم
الما هدوم
العظام مرقت علي لحم
الجلود قبل الفطام
غضبانة من غفوة ضمير!
***
طول عمري حافظ
للوصية
لا بنكسر قلم الكتابة علي
مخدات البنوك
ضهبان دوام عمدآ من
الناس البلية
واقفين علي باب السلاطين
الهلوك
مع انو ما فضل علي وش
البلد درهم حرير!
***
وبغني لي (محجوب شريف)
رضيان ومرتاح ضمير
لا خيل بيسرجها لي هدية
ولا دنانير!
لا راجي منو عشم وظيفة
في المجال السندسي
محجوب شريف انسان
نضيف
من يومو جانا من (عرب المدينة)!
بالنهار عنوانو في (مدرسة الاساس)
في المساء بكتب اغاني
شاعر الشعب المفضل
والاثير!
***
وهكذا ، اشتقت مرة اغني
ليك
زي ما بتغني لينا كلنا
بصراحة يا (محجوب شريف)
والله لا يأئس ولا خايب
رجا
حكمة قصايدك بعرفها
كل الحبيبات (الجميلات مستحيلات)
هذا الوطن سر اغنياتك
من زمان
من ايدي لي ايد تغازل
في البلد الملهمة
هذا الوطن (حدادي او مدادي)
قد اوشك يضيع بين
الاعادي!
كيف ترضي يا سمح
الاناشيد والغنا
وانت الذي صارعت كل
الانظمة
وسرجت خيل كل القضايا
في الوطن
نسجت من وتر الشهادات
القصائد
كل المشاعر مستعدات
للشجن
نحن انتصرنا بيكا في كل
الظروف المؤلمة
(محجوب) اغاريد
الوليدات والبنيات
الشقيات الغلابة
(محجوب) تباشير
الصباحات البترجع
بعد اليالي المدلهمات
والوجع
(محجوب) حنان طفلا
كبير
لاكنو دائما مفتري
علي كل ظالم ومدعي
كيف ينحني هذا المغني
المستحيل
هذا الذي
صدع الطواغيت الصغار
قدام زيادة (سكري)!!
و... بعد: قد كنت قارئا جيدا يا مبارك، تقول لك الحروف الغامضات ما تقول، وأنت تقرأ، وأنت تكتب، تكتب حتي تكون، وتقرأ كي تجد، تجد اللغة والمعاني والصور، وتأسرك الدلالات التي في المعاني والصور:
( وأذا أردت القول تفعل،
يتحد ضداك في المعني...
وباطنك الشفيف هو القصيد )*...
العزاء لأسرته، زوجته إنصاف عبد المنعم، أولاده والبنات، للحزب الشيوعي السوداني، لكمال الجزولي، صديقه وخله في الوعي والشعر والنضال، للعشاق في بلادنا وللشعراء ولليسار العريض في مساره الكبير، لبنات وأولاد شعبنا، ولأهل الموسيقي والغناء والفنون. و...كن لنا يا مبارك في الخلود، في الرؤي المزهرات التي بذرتها وسقيتها في تربة الوطن البلاقيك في نهارات الصمود الضوء، ألم تقل:
( في هذه الأمسية الدافقة الشجن
أغنيتي لخاطر الوطن،
لأنني بغير شدوه العظيم...
لم أكن )*...
مع السلامة يا مبارك بشير، و... إليك كثير السلام العميق العميق.
هوامش:
--------
* فرنسيس بونج ولد بمدينة مونبيليي الفرنسية 1899، في عائلة ميسورة ومثقفة وبروتستانتية، تميزت حقبة دراسته برسوبه في الامتحانات ذات الصيغ الشفوية، وقد ظلت تلازمه صعوبة أن يعبر عن نفسه شفويا حتي رحيله عام 1988عن عمر 89 عاما.
* ( اتجاهات الشعر السوداني المعاصر )، عبد الهادي الصديق/ دار الخرطوم للطباعة والنشر والتوزيع، ط. أ.1995م، ص(47).
* ( جدارية محمود درويش )، صدر عن دار رياض الريس للكتب والنشر
بيروت، ط. أ. يوليو2000م، (23).
* ( قصيدة إلي محجوب شريف )، د. مبارك بشير/ نشرت بجريدة
الصحافة العدد الأسبوعي الذي حوي ملفا كاملا عن محجوب شريف لمناسبة رحيله، الجمعة 4 أبريل 2014م العدد (7419).
* ( جدارية محمود درويش )، المصدر السابق، ص (25).
* ذلك ما ذكره مبارك في حوار معه أجرته فائزة عبد الحسين ونشر بموقع ( موسوعة التوثيق الشامل ) بالنت في3/10/2013م.
* المصدر السابق، الحوار مع مبارك بشير.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.