مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يا انقاذيون: الدين النصيحة .... بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
نشر في سودانيل يوم 28 - 04 - 2010


[email protected]
(1)
مثلما قوم موسى الذين كتب الله عليهم ان يتيهوا فى البرية أربعين عاماً، فقد قدر لنا المولى، نحن ابناء هذا الوطن الممحون، ان نتيه فى صحراء الانقاذ عشرين عاما، تزيد ولا تنقص. حتى اذا وافتنا البشريات تؤذن بالخروج من محنة التيه، فاستبشرنا وصلينا صلاة الشكر ثم ركبنا الرواحل مع الراكبين فى مسيرة التحول الديمقراطى وسارت بنا القافلة خمس سنوات حسوما، منذ ميثاق نيفاشا فى يناير 2005 وحتى انتخابات ابريل 2010، داهمتنا الدواهى من حيث لم نحتسب فاذا بمذاق الأمل بين اللسان واللهاة يتبدد على حين غرة لتحل محله مرارات غصّت بها كل الحلوق بلا استثناء. واذا بنا، مثل آكلى الربا الذين لا يقومون الا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس، وقد ألفينا انفسنا - غداة الانتخابات الرئاسية والنيابية – واجمين ذاهلين وقد عدنا سيرتنا الاولى نضرب فى فلوات تيه جديد ونطشٌّ فى بيداء الانقاذ، كما طششنا من قبل، فالحمد لله ثم الحمد لله، خالق الشعوب ومميتها، وواهب الحريات وقابضها، الذى لا يحمد على مكروه سواه، هو حسبنا ونعم الوكيل، وهو المستعان على ما تصفون.
بيد اننا - برغم تطاول رحلة التيه - نظل نؤمن ايمانا لا مزيد عليه بأنه "لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة"، كما علمنا قبل مائة عام نبى الوطنية المصرية مصطفى كامل. والحال كذلك فاننا نعود لنعزى انفسنا ونعزى بنى وطننا فنقول: ليس صحيحاً أن الانتخابات هى رأس الديمقراطية وعمودها وذروة سنامها كما خيّل للكثرة الكاثرة من قومنا. ليس صحيحا انه اذا صحّت العملية الانتخابية صحّت صلواتنا فى محراب الديمقراطية، واذا بطلت فرائضها وسننها فشابتها الشوائب وخالطتها التخاليط بطلت الصلاة واحاطت بنا الخطيئة. وانما الانتخابات - من قبل ومن بعد - آليةٌ من آليات النظام الديمقراطى، فقط لا غير. أما الديمقراطية فى جوهر أصلها وتمام أمرها فانها تشير الى بيئةٍ اومناخٍ معين تسوده وتحكمه ثقافة سياسية موصوفة. وهى البيئة او المناخ الذي تتوافر فيه وتتضافر حوله حركة جماهيرية واعية ومنفعلة بقضاياها، واحزاب سياسية ناهضة وناضجة، وسياسيون ذوو مهارات قيادية مختبرة، ومجتمع مدنى حيوى وفاعل، وصحافة حرة تحترم سلطتها وتمارسها ممارسةً منتجة، وقضاء مستقل يحفظ امانته ويرعى الله والوطن والضمير فى احكامه.
(2)
ولئن شاءت اقدار الله الغالبة ان تتواطأ العناصر الشمولية قصيرة النظر داخل نظام الانقاذ الحاكم لوأد حلم التطور الديمقراطى السلمى واجهاض التجربة الانتخابية الصبية، التى كنا نحملها فى حدقات العيون ونخشى عليها من خطرات النسيم ان تدمى لها بنانا، فارتاد بها اصحاب العقل الطرير والفكر العضير موارد الشبهات وسلكوا بها المسالك المريبةِ المعيبة، ولطخوا شرفها فى وحل ممارساتٍ شائهةٍ مخزية يمجّها الخلق الديمقراطى القويم وتأباها الفطرة الوطنية السليمة، توسلاً لاحتكار الحكم والاستئثار بالسلطة، فإن هذه العناصر العائبة الخائبة ما كسبت من وراء شغلها الأثيم سوى انها أصابت فكرها ونظامها وتجربتها فى مقتل. كما أساءت ابلغ اساءة الى الذين أحسنوا الظن بها، وبموعودها لمناظريها ان تخفض لهم جناح الذل من الرحمة، وان تستقيم لهم على منهج التقوى، وان تنازلهم فى العرصات وتسابقهم فى المضامير على سننٍ تستضئ بمعانى الفحولة والمكارم والهمم العالية، ثم خذلتهم خذلاناً مبينا. وقد رأينا، ورأى العالم من حولنا، رأى العين، المكارم والهمم العالية لدى منسوبى الحزب الحاكم فى مركز الاقتراع الأشهر بدائرة الأوليب بولاية البحر الاحمر، الذى اصبح قذىً فى عين العصبة المنقذة ومسبةً تلطخ جبينها. رأيناهم وعليهم أردية وشارات المفوضية القومية للانتخابات وبأيديهم اختامها وهم يحشرون البطاقات المزورة بالمئات والآلاف فى صناديق الاقتراع، ثم "يخجّون" الصندوق خجّا، حتى يقول هل مزيد. واشرطة الفيديو فى مواقع الشبكة الدولية توثق الصنيع الشنيع وتبذله للسابلة. ولا نلوم العصبة المنقذة، بعد ذلك، ان اصابها الخزى وأحدق بها العار، فعمدت هيئتها القومية للاتصالات الى حجب الموقع عن مستهلكى خدمة الانترنت داخل السودان، ولكن نقول: أن لله جنوداً من اليوتيوب!
(3)
لا بد ان الذين راهنوا على انتخابات ابريل 2010 وعوّلوا عليها كآلية مركزية من آليات التحول الديمقراطى، وكاتب هذه الكلمات فى معيتهم، أمضوا أياماً غير قليلة وهم يعاقرون الاحباط الممض وينادمون خيبة الأمل، وهى كما يقول الاحباب فى شمال الوادى "خيبة أمل راكبة جمل". الرهان والتعويل كان على مصداقية الارادة الوطنية للموقعين على اتفاقية نيفاشا من جانب، وعلى وعى ونضج وكفاءة القوى السياسية المعارضة من جانب آخر. ولم يكن اياً من هؤلاء الفرقاء - الحاكمين منهم والمعارضين - على مقدار الرجاء المعقود عليهم من حيث الوفاء والأداء. ولما كانت الصحائف مشرعة امام الجميع لتقويم وقائع الانتخابات ونتائجها المباشرة وتداعياتها البعيدة المدى، فلا بأس من ان نخوض مع الخائضين فنسجل بعض الملاحظات على مجمل المشهد السياسى الذى انتهى به الحال الى ما نراه اليوم من تشرذم واستقطاب وشقاق زاد طين الانتخابات الابريلية بلة، من حيث كان الظن ان تكون بلسماً يرد فصائل الامة الى كلمةٍ سواء. ولكننا نحاول قبلها - وذلك هو الأكثر اهمية - قراءة اللوحات الخلفية التى تربض خلف ذلك المشهد.
(4)
أخطأت أحزاب المعارضة وأيّم الحق كونها استركنت الى ظنون من الوهم بأن انتخابات 2010 عند الخواتيم المفترضة والافول المأمول لنظام شمولى تماثل فى جوهرها انتخابات 1986 التى جاءت بعد زوال الشمولية المايوية وانحسار ظلها كلياً عن الساحة. فى الحالة الاولى قبل ربع قرن خاضت الاحزاب والقوى السياسية المختلفة الانتخابات فى ميدان فسيح خال تماماً فاكتسحتها بغير منافس. ولكن الانتخابات الابريلية "غير شكل" كما يقول الشوام، اذ خاضتها القوى السياسية ضد الدولة والحكومة، وهى ليست اى دولة ولا اى حكومة. هى دولة الانقاذ وحكومتها التى تؤمن وتمارس التخطيط بعيد المدى، وفى البال فكرة السودان العربى الاسلامى التى تصادف هوىً عند قطاعات واسعة من شعوب الوسط والشمال، وورقة المفكر البراغماتى عبد الرحيم حمدى عن محور دنقلا سنار كردفان التى تجاهر مجاهرةً فاضحة بأمر تخصيص المشروعات الخدمية والتنموية للتجمعات الحضرية والريفية المستأنسة بالانقاذ.
أما نحن فقد كنا نعلم علما نافيا للجهالة ان حزب المؤتمر الوطنى، حزب الدولة والحكومة، سيحرز النسبة الاعلى للاصوات، وانه ستكون له اليد الطولى فى تشكيل الحكومة الجديدة. وكان فى حسباننا ان تنال القوى السياسية الاخرى عدداً مقدراً من مقاعد البرلمان إما تؤهلها للاضطلاع بدور المعارضة النشطة فى بيئة ديمقراطية حقيقية، تلقى من ورائها فى مزبلة التاريخ بتلك النماذج الشائهة فاقدة الشرعية التى خلقتها وزرعتها داخل برلمان الانقاذ المصطنع الاتفاقات الثنائية بين الحكومة الاسلاموية والتجمع الوطنى الديمقراطى الهالك، أو - فى بديل آخر - تهيئة هذه القوى للمشاركة فى الحكم ورسم السياسات واتخاذ القرار مشاركةً نسبية، بحكم الشرعية الانتخابية والتفويض الشعبى النسبى، فينتهى بذلك الى غير رجعة عهد الحكومات القومية الزائفة التى يجتمع فى حظيرتها النطيحة والمتردية وما أكل السبع من ضعاف النفوس والأرزقية والآكلين على الموائد من اهل التنظيمات السياسية الورقية. لم نكن قط من الواهمين الذين يعيشون خارج اسوار الواقع، ممن راودتهم انفسهم بأن نتائج الانتخابات الابريلية ستؤدى الى تفكيك نظام الانقاذ والعودة الى شرعية السيدين والقوى الحديثة. بل انحصر رجاؤنا فى ان تكون الاجواء الانتخابية موئلاً لروح جديدة تتعزز بداخلها معانى الممارسة الديمقراطية، وفكر جديد تتكرس معه الحقوق والحريات، فيتخلق فى رحم المستقبل المنظور واقع حيوى يؤدى الى تجربة انتخابية أنصع وأبدع واكثر اشراقاً فى العام 2014.
(5)
فى محاضرة سياسية اقيمت فى أجواء الانتخابات التى تلت الانتفاضة الشعبية عام 1985 ذكر السيد الصادق المهدى، وهو يسخّف تنظيم الجبهة الاسلامية القومية، الذى كان يومها فى طور الانشاء، ويبخس من قدره "ان عضوية الجبهة لا تزيد عن عضوية هيئة الخريجين فى حزب الامة". وكان ان اتى السيد الصادق بعدها بالاخبار من لم يزود فأعلمه من العلم ما لم يكن يعلم، اذ حصدت الجبهة من مقاعد البرلمان اكثر من خمسين مقعداً بالتساوى والتوازى مع الحزب الاتحادى الديمقراطى، اكبر واعرق الاحزاب السياسية السودانية، ثم فرضت نفسها فرضاً من خلال فوهة صندوق الاقتراع حليفاً استراتيجياً لحفيد المهدى. ومن علل واقعنا السياسى الراهن ان هناك قطاعات واسعة فى المعسكر المعادى لنظام الانقاذ ادمنت تكرار روايات قديمة عفا عليها الدهر عن هامشية الوجود السياسى للحركة الاسلامية وعزلتها وافتقارها للمشروعية السياسية والسند الشعبى. واغلب الظن ان الركون الى مثل هذه التصورات الرغائبية أدى الى تغبيش الوعى بحقائق الاشياء. وفقدان الاتصال بالواقع وضعف القدرة على التفاعل معه والانفعال به من اخبث الامراض التى يمكن ان يصاب بها العقل السياسى. صحيح ان الوصول الى السلطة بطريق الانقلاب كلف الحركة الاسلامية أكلافاً هائلة منها عار خيانة العهد الدستورى الديمقراطى ومضامينه المعنوية المرذولة، ومنها تراجع وانسحاب اعداد كبيرة من المتعاطفين مع اطروحاتها الاصلية. الثابت تاريخياً هو ان الالتفاف حول رايات التنظيمات العقائدية وهى فى حيز المعارضة تبث الافكار الحداثية المثالية اليسارية واليمينية يعلو ويضطرد بما لا يقاس. ولكن الامر يختلف فى حال الوصول الى السلطة حيث الالتحام بالواقع الصادم والتعامل مع الحقائق الجافة والعجز عن الوفاء بحقوق المُثل والشعارات التى تتحاشد تحت بريقها الجموع الجامعة.
كل هذا صحيح. لكن الذى يغيب عن البعض هو ان نظام الانقاذ تمكن – كما سبقت الاشارة – عبر تخطيطات وتدابير مدروسة من تبديل الواقع الاجتماعى والاقتصادى فى السودان بصورة شبه جذرية وبنجاح مطلق على المستويات المدينية، ونجاح نسبى على مستوى الارياف، وتمكن تبعا لذلك من حصد ثمار عشرين عاماً من التخطيط والتدبير. هناك نواة صلبة، بمصطلح علم الاجتماع السياسى، فى غالب المدن السودانية شهدت ارتفاعاً نوعياً فى مستويات حياتها، ومن الطبيعى ان ترتبط المصالح العامة لهذه النواة المدينية الفاعلة ارتباطا معنوياً بنظام الانقاذ. الاصل ان الفئات الاجتماعية التى تشهد تطوراً نوعياً فى مستوياتها الحياتية توالى النسق السياسى والاجتماعى السائد وتلتف حوله، وتمقت التغيير وتتحاشاه وتتوجس من مغبّته، حتى فى غياب اى رابط فكرى او ايديولوجى مع النظام القائم. لماذا؟ لأن من ذاق طيبات التطور النوعى فى طبيعة ودينامية حياته اليومية الفردية او الاسرية، مهما كانت درجته ومقداره، فاستدامها وادمنها، يستبطن تلقائيا مودة النسق السياسى والاجتماعى الذى افرز ذلك التطور الايجابى فى حياته ويستأنس بها. ومثل هذا الفرد يفتقر الى اليقين، فهو يتشكك ويرتاب فى ان تغيير ذلك النسق قد يضر بمكتسباته الراهنة، بل وقد يعيده سيرته الاولى. وربما يمكن ان نقيس على ذلك – مع الفارق الواسع فى طبيعة الحالين – نموذجاً من حالة المهمشين من حاملى السلاح فى مناطق دارفور ممن لم يعرفوا فى دنياهم غير حياة البؤس والمسغبة، فلما عرضت على الواحد منهم بندقية الكلاشنكوف وتدرب عليها وعرفها وصادقها ثم لوح بها فى وجوه الناس فاذا بهم يرفعون اياديهم فى الهواء استسلاما له او يركضون خوفا منه أحس بقيمة التغيير النوعى فى حياته، اذ لم يعد من سقط المتاع، بل صار كائناً مرهوباً. ومثل هؤلاء يخشون اليوم الذى يطلب منهم فيه القاء السلاح على الارض، اذ يراودهم دوماً كابوس فقدان الهيبة المكتسبة واحتمالات العودة الى حياة البؤس والمسغبة والتهميش الاجتماعى.
ثم ان كثيرين فى معسكرات المعارضة فى الداخل والمهاجر يميليون الى نسيان ان نظام الانقاذ وحزبه الوطنى ليس هو الجبهة الاسلامية القومية. بل هو الدولة وبهيلها وهيلمانها والحكومة بقضها وقضيضها. هى الدولة والحكومة التى تقبض بيد من حديد على ما يعرف فى العلوم السياسية بأدوات القمع الثلاث: مالية الدولة، ومفاتيح صياغة الرأى العام من اجهزة الاعلام والتوجيه، وقوات الردع النظامية. وفى البلدان المتخلفة، المسماة تأدباً بالنامية، تلتحق القطاعات الاوسع من المواطنين فى المدن والارياف تلقائياً باحزاب الدولة والحكومة اذ ان معيار الانتماء والولاء هنا هو ضرورات الحصول مشغولات البال العام من تنمية وخدمات ومصالح جهوية.
لو كنا قد اجبنا على السؤال حول العوامل التى تأسست عليها قناعاتنا بأن العصبة المنقذة كانت فى واقع الامر الاكثر تأهيلاً للخروج من مولد الانتخابات بأكبر نسبة من الحمص، بغير حاجة منها الى معرّة التزوير، فان ذلك يبقى فى كل الاحوال هو السؤال الأيسر. اما السؤال الاكثر تعقيدا فهو: طالما كان الامر كذلك فما الذى حدا ببعض العناصر من حزب الانقاذ الحاكم الى ان تتورط فى وهدة الفساد وشبهات التجاوزات الاقتراعية وخلط الاوراق؟!
(6)
إن من اعمق جوانب الازمة الراهنة هو ان القوى المعارضة لنظام الانقاذ ظلت على الدوام تغلّب منطق الانتقام وترتقى به فوق منطق المصلحة الوطنية. وذلك موقف لا يصح ولا يستقيم حتى فى مجال العلاقات الشخصية الفردية والسلوك الاجتماعى، ناهيك عن عظائم القضايا. القطاع الاكبر من المعارضة السياسية فى الداخل والمهاجر تتمنى لو ان بيدها عصاً سحرية تضع القيود الحديدية على يدى الرئيس عمر البشير وخمسين من قادة نظام الانقاذ وتقتادهم اسارى ثم تطير بهم فوق بساط الريح الى سجن المحكمة الجنائية الدولية بلاهاى. وكل من هب ودب فى شارع السياسة السودانية يعرف ان احدا من هؤلاء المعارضين لا ينطلق فى ذلك الموقف الكيدى عن حرص أكيد على ميزان العدالة وحقوق الانسان فى غربى السودان، بقدر ما يستند الى رغائب شمالية ثأرية نفسية مستقلة بذاتها. الخلاص من الرئيس البشير وشيعته من خلال التدخل الخارجى يظل هو المعامل الحقيقى حتى فى ضمير القوى التى اتخذت من الامر مواقف علنية زئبقية عائمة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. ولكنه فى حالة قوى اخرى، مثل حزب المؤتمر الشعبى، يظل موقفاً مجاهراً لا يعتذر ولا يستتر فى دعوته الى تسليم الرئيس وزمرته الخمسينية الى نسوة لاهاى. وبالتالى فان تمكين مثل هذه القوى من رقبة السلطة ولو بمقدارٍ محسوب، يعنى فى الواقع العملى تمكينها من رقبة السلطان نفسه. ومن شأن مثل هذه المعادلة ان تطفف فى زاوية المنظور الاستراتيجى للفريق الحاكم من قيمة التحول الديمقراطى الراشد ومغزاه، وتستعلى تبعاً لذلك بمنطق "يا روح ما بعدك روح". والحال كذلك فان التخندق فى مواقع الحكم والاستمساك بمقاليد السلطة بالنسبة لنظام الانقاذ لا يعد من قبيل الترف السياسى والبطر الشخصى، وانما يبقى ضرورة قسرية حتمية لا فكاك من استحقاقاتها وفواتيرها. وربما كانت التخاليط والشوائب والممارسات التزويرية التى سارت بذكرها الركبان جزءاً من هذه الفواتير. وزبدة القول هنا هو ان القوى السياسية السودانية امامها خياران: الوفاء لعقيدة الديمقراطية او الاستنامة الى روح الانتقام. والقربان المتوخى على مذبح الخيار الديمقراطى هو التوافق على برنامج وطنى شامل يعالج ثوابت أساسية فى مقدمتها رفض التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية على مستوى اجماع وطنى مستقر وصريح، فضلا عن قضايا اخرى حساسة ذات طبيعة أمنية.
(7)
لست من الذين يتعسفون الاحكام ويطلقون القول على عواهنه. وليس بين يدى ما يحملنى على الزعم بأن رؤوس القوم فى النظام الحاكم وملاّك الأمر منهم قد اجتمعت كلمتهم على اتخاذ التزوير شرعةً ومنهاجاً للفوز، ومطيةً الى حصان السلطة فيأخذون أعنّتها غلابا. ولست أجد فى كل ما دلق على الورق من أحبار، وكل ما نثر على الأثير من أخبار، ما يبين على وجه يطمئن اليه الوجدان ما اذا كانت ممارسات التزوير والتعابث بالعمليات الاقتراعية وما تلاها من خطوات واجراءات قد تمت وفق خطط مبرمجة ومنظمة تنظيماً مركزياً وقف عليه خبراء ومدراء وخفراء من لدن السلطة الحاكمة. أم ان تلك الممارسات الفاحشة، التى يستخزى لها أصحاب الفطرة سليمة والضمير الحر، تمت فى اطار مبادرات مستقلة ومشروعات معزولة، على نحو ما يصف مصطلح الفرنجة Free lancing))، من قبل مجموعات وأفراد من الاخسرين اعمالا الذين يحسبون انهم يحسنون صنعا.
ولأهل النظام ان يردوا تهمات التزوير والتعابث بنتائج الانتخابات، وهى تهمات أمرُّ من العلقم وأحدُّ من شوك الصبّار. ولهم ان يقولوا ما طاب لهم القول فى تأكيد فوزهم بثقة الشعب وتأييده وتفويضه. ولهم أن يتخذوا من المواقف المتحدية لخصومهم السياسيين وللدنيا باجمعها مايشاؤون. ولكن الشبهات التى احاطت بالانتخابات ونتائجها المعلنة ستبقى معلقة فى رقبة النظام وسدنته كما الأجراس فى رقاب القطط. ولا عاصم للعصبة المنقذة اليوم من ان تتعامل تعاملا مسئولاً مع الأزمة المستحكمة التى انتجتها الشبهات وأفرزتها الشكوك والتساؤلات، ليس فقط لانها تمس مصداقية العملية الانتخابية ونتائجها الدستورية، بل لأنها تلقى بظلال قاتمة على شرعية الحكومة القادمة التى تزمع العصبة المضى قدماً بمهمة تشكيلها. البديل عن ذلك هو أن تعود الانقاذ بنفسها ونظامها القهقرى عشرين عاماً، الى المربع الاول، مربع الانقلاب والاستقطاب واللاشرعية. وهو الكابوس الذى خاضت العصبة المنقذة مغامرة التحول الديمقراطى بأسرها بأمل الانعتاق من ربقته. البديل هو لوحة سياسية سيريالية سودانية جديدة يجتمع فى تضاعيفها "انقاذ" الفرح الكاذب و"معارضة" الغضب العاجز.
(8)
نحمد الله انه ما يزال تحت اليافوخ بقية من عقل نستلهمه ونلوذ بسلطته. ولو استلهمت العصبة المنقذة عقلها واستفتت ضميرها لهداها العقل الفالح والضمير الصالح الى ان تتواضع مع كافة القوى السياسية السودانية على ميثاقٍ جامع، تلك التى أحسنت الظن بعهود الانقاذ فأقبلت على صناديق الاقتراع، وتلك التى ساءت ظنونها فأدبرت. (ولأننا دعاة وفاق، غايتنا صفاء المناخ السياسى الوطنى، فاننا نتجاوز الاغراء الذى يلح علينا بأن نقول: ان العصبة المنقذة يتساوى فى شرعتها إحسان الظن بها وإساءته. كله عندها صابون، الاحسان والاساءة.)
أما الذى ندعو نظام الانقاذ ومؤتمره الوطنى للتعاهد عليه مع القوى السياسية الاخرى على مستوى الوطن الكبير فهو ان يقيم النظام حكومته الجديدة على أرضية الوحدة الوطنية، فتنخرط فى نسيجها الفاعليات ذات الوزن المقدر، مع التزامٍ قاطع بالدعوة الى انتخابات رئاسية ونيابية جديدة فى ابريل 2012، اى بعد عامين فقط من يومنا هذا، وليس اربعة اعوام كما هى العُهدة الدستورية. والدستور القائم، يحدد اربعة سنوات كحقبة زمنية مثالية قصوى، ولكن ليس فى بنوده ونصوصه ما يجعل من العهدة الرباعية شرطاً لازماً. وفى سنن الديمقراطيات المتقدمة والناهضة، الرئاسية والبرلمانية على قدم المساواة، فان الدعوة للانتخابات المبكرة تكاد تكون من الممارسات المألوفة متى دعت الدواعى السياسية وحتّمت الضرورات الدستورية. ويستتبع ذلك التوافق بالضرورة العمل المشترك بين الحكومة والمعارضة وقطاعات المجتمع المدنى والقوى الاجنبية الصديقة على انشاء كيان قومى فاعل ومؤهل ومستقل للاشراف على الانتخابات المبكرة فى 2012، يحل محل مفوضية الانتخابات الراهنة التى سقطت فى امتحان ابريل سقوطاً مدوياً، سارت بذكره الركبان فى المشارق والمغارب.
ولو أخذ الله بيد العصبة المنقذة وشرح قلبها الى ما ندعوها اليه فاننا نرجو لبلادنا ان تبدأ خطواتها الاولى باتجاه التعافى من شر الوباء الوبيل الذى ابتليت به جراء شبهات التزوير الأرعن، التى أصابت كبد الوجدان الوطنى، وزعزعت يقين الأمة، وكادت أن تبدد فى النفوس أقباس الأمل فى دفع عجلة التحول الديمقراطى الراشد. إن بلادنا تواجه غداة يومها هذا تحديات الاستفتاء على وحدة السودان الذى يرقد منا على مرمى ثمانية أشهر فقط تنقص ولا تزيد، وتنتظرها استحقاقات تكملة تنفيذ بنود اتفاق السلام الشامل، وتعاظل تداعيات ازمة دارفور البالغة التعقيد التى ما زالت تلقى بحممها على الوطن الكبير. ومن الخير، كل الخير، ان يتداعى الحزب الحاكم وقوى المعارضة الى وفاقٍ يرعى مقتضيات أمننا القومى، ويتجاوز عقابيل الازمة الراهنة، ويصوّب النظر باتجاه القضايا المصيرية التى تهم السودان فى حاضره ومستقبله وأصل وجوده.
اللهم يا عظيماً ليس فى الكون قهرٌ لغيره، ويا كريماً ليس فى الدهر يد لسواه، خذ بيد السودان واجعل أعداءه الأخسرين.
نقلاً عن صحيفة " الاحداث" – 28 ابريل 2010
مقالات سابقة:
http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=مصطفى%20عبدالعزيز%20البطل&sacdoid=mustafa.batal


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.