والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة في نتائج الإنتخابات ... بقلم: د. عمر القراي
نشر في سودانيل يوم 07 - 05 - 2010

(كذلك كذّب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين) صدق الله العظيم
أعلن مولانا أبيل ألير، رئيس المفوضية القومية للانتخابات، نتائج انتخابات الرئاسة، في مؤتمر صحفي عقد بقاعة الصداقة، وأذيع مباشرة من التلفزيون، في ظهر يوم 26/4/2010م، وذلك بعد ان بدأ الناس يضجرون، ويتساءلون عن تأخير إذاعة نتائج الانتخابات.. وكان مما ذكره أن السيد عمر حسن احمد البشير، قد فاز برئاسة الجمهورية، وحصل على نسبة 68.24 % من جملة أصوات المقترعين. وبلغ عدد الأصوات التي حصل عليها 6,901,694.. وذكر ان السيد سلفا كير ميارديت، قد فاز برئاسة حكومة الجنوب وحصل على 92.99% من جملة أصوات المقترعين بالجنوب، وبلغ عدد الأصوات التي نالها 2,616,613 (تلفزيون السودان 26/4/2010م). وكانت المفوضية قد أعلنت في وقت سابق، أن عدد الذين سجلوا 15,778,154 مواطن، فإذا نظرنا الى ما حصل عليه السيد البشير، من جملة أصوات المسجلين نجده 43.74%.. ومع ان القانون قد نص على ان نسبة ال 50% +1 إنما تحسب من أصوات المقترعين، إلا ان اعتبار المسجلين، يجئ هنا، من أن الذين سجلوا ولم يقترعوا، إنما فعلوا هذا عمداً بإعلانهم مقاطعة الانتخابات.. وهؤلاء الذين قاطعوا، إنما هم معترضون على سياسات الحكومة، فهم من ثم ضد السيد البشير، ويجب أن تخصم أصواتهم منه، وهذا لا يمكن ان يتم، الا باعتبار أن المرجعية عدد المسجلين وليس عدد المقترعين.. وهذا المنطق لا يحرم السيد البشير من الفوز، ولكنه يوضح مدى هزال ذلك الفوز من الناحية المنطقية. ومع كل ما حدث، فقد صرح السيد ياسر عرمان، في مؤتمر صحفي، عقد بعد إعلان فوز البشير مباشرة، بأن البشير لم يحصل على نسبة ال50% +1 وانما (أخذ له قرض غير حسن من اصواتنا)!! (أجراس الحرية 27/4/2010م). لقد تحدثنا في مقال سابق، عن تزوير الانتخابات، وكيف انه أمر قد أجمع عليه كل السودانيين، فالحركة الشعبية صرحت أكثر من مرة، بتزوير الانتخابات في الشمال.. كما صرح المؤتمر الوطني، بتزوير الانتخابات في الجنوب، فقال الرئيس البشير (الانتخابات في الجنوب مزورة وغير نزيهة ونحن نعلم الطريقة التي تمت بها وان الناخب الجنوبي لم يمنح حقه كاملاً في التصويت... نحن نعلم تفاصيل التفاصيل بما حدث في مراكز الاقتراع بالجنوب) (سودانيزاونلاين نقلاً عن الشرق الأوسط 2/5/2010م). فإذا أقر شريكا الحكم بأن الانتخابات مزورة فلماذا قبلا بها؟! ولماذا اشاد البشير بالمفوضية، وهي المسئول الأول إذا تم تزوير للانتخابات بالجنوب؟! ومهما يكن من أمر، فقد فاز في الجنوب من هم ضد الحركة، وسقط بعض منسوبيها، ولكن في الشمال لم يفز غير المؤتمر الوطني، مما يدل على شمولية التزوير، وفجاجته.. وإذا سلمنا بما قاله السيد ياسر عرمان، من ان البشير لم يكمل النسبة، واخذ له اصوات من مرشحين آخرين، فالسؤال هو: لماذا وافقت الحركة الشعبية، على هذا التزوير الفاضح؟!
ولقد اجمع المجتمع الدولي، حتى الذين يسعون الآن لمصلحة حكومة المؤتمر الوطني، على ان الانتخابات مزورة.. وفي هذا الصدد نقرأ (المبعوث الأمريكي سكوت غرايشن في زيارة تستغرق خمسة أيام يزور خلالها دارفور وجوبا ويلتقي عدداً من المسئولين ويناقش المسئول الأمريكي خلال محادثاته تشكيل مفوضية الإستفتاء وترسيم الحدود ولم تستبعد مصادر تحدثت للصحافة ان تستوضح الحكومة غرايشن قبيل دخوله في المباحثات عن ما نسب اليه من تصريحات في بعض وسائل الإعلام وصف فيها الانتخابات بالمزورة وقال ان موافقة واشنطن عليها تأتي من حرصها على استقلال الجنوب) (الصحافة 1/5/2010م). أما وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون فقد أعلنت (إلتزام بلادها بتقديم المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور الى العدالة الدولية وقالت كلينتون لتلفزيون (أن. بي.سي) ان الولايات المتحدة ترى ان الانتخابات التي أعيد من خلالها انتخاب الرئيس عمر البشير معيبة بكل المقاييس...)(الصحافة 3/5/2010م). ولم يكن هنالك أي مراقبين دوليين، أو محليين أثناء تجميع الأصوات.. وإنما ظن المراقبون ان عملهم انتهى بالفرز، هذا مع ان أحد ضباط معهد كارتر، كان قد نبه في اجتماع مع منظمات المجتمع المدني السودانية، إلى أن معظم التزوير، يحدث في تجميع الأصوات. ولقد أعلنت المفوضية، بعد الاقتراع، بأن البيانات لم يمكن ادخالها في الكمبيوتر، حتى يتم التجميع آلياً، وأنها ستضطر إلى العمل اليدوي، وحين احتجت بعثة الاتحاد الأوربي لمراقبة الانتخابات، أذاعت المفوضية أنها رجعت للتجميع والعد الإلكتروني!! وإذا كان المؤتمر الوطني، وأعضاء المفوضية، قد مارسوا التزوير في المراكز، ومعهم مراقبين، فهل نتوقع الا يفعلوا ذلك في مرحلة تجميع الأصوات التي لم يكن بها مراقبة، وتم جلها بالعمل اليدوي؟! ومهما يكن من أمر، فإن النسبة التي حصل عليها المرشح عمر حسن أحمد البشير، واصحب بموجبها رئيساً للجمهورية، بعد هذا التزوير الواسع، نسبة قليلة، لا تكفي لأن تدرأ عنه تهم المحكمة الجنائية الدولية، خاصة وان منافسه السيد ياسر عرمان، قد انسحب، فإذا تصورنا الانتخابات دون انسحابه، ودون أي تزوير، فهل كان البشير سيحصل حتى على مرتبة المرشح الثالث لرئاسة الجمهورية؟! (واعتبر سلفا كير حسب اليوم السابع أمس أن فرصة فوز ياسر عرمان مرشح الحركة الشعبية المنسحب كانت أكبر في الفوز من فرصة البشير مؤكداً ان حصول البشير على نسبة ضئيلة من اصوات الجنوب (8%) لا يعني بالضرورة نيّة جماهير الجنوب في الانفصال عبر الاستفتاء) (أجراس الحرية 4/5/2010م). والبشير لم يسقط في الجنوب فقط، وإنما في كل الهوامش، التي اندلعت فيها الحروب، وعايشت ويلاتها، وعانت من النزوح.. فقد حصل على 2% في منطقة أبيي، و31% في الشرق، و15% في جنوب دارفور، و23% في النيل الأزرق، ولم يفز بصورة سافرة الا في الشمالية 94%، وولاية النيل 91%، وبين المغتربين 93%.. وما كان له ان يحصل على نسبة كبيرة وسط المغتربين، لو لم تتولى السفارات المهمة، وتسلم أصوات الجميع، على أنهم مؤتمر وطني، لا تستثنى حتى المقيمين في هولندا، التي يقيم جميع السودانيين فيها كلاجئين سياسيين، منحوا الإقامة لما لقوا من نظام البشير!!
على أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: مادام المؤتمر الوطني، هو الذي اشرف على التزوير، كما تشير كافة الأدلة، فلماذا أعطى البشير نسبة فوز ضئيلة، لا تكاد تصل الى نصف المسجلين، بينما أعطى الولاة، وكافة منسوبي المؤتمر الوطني، نسب تتجاوز التسعين بالمئة؟! يرى بعض المراقبين المهتمين، أن المؤتمر الوطني قد ناقش هذا الموضوع، ولم يستطع بسبب تدني أصوات البشير في الهامش، ان يعطيه نسبة كبيرة، حتى لا تظهر النتيجة بشكل لا يمكن قبوله.. على أن آخرين، أقرب إلى المؤتمر الوطني، زعموا أن التيار الإسلامي داخل المؤتمر الوطني، سعى عن قصد، لتحجيم البشير.. وحرص بمبالغة غير مسبوقة، بأن يأتي ببرلمان كله من التيار الإسلامي، حتى لا يجد البشير مناصرين، حالة اختلافه مع الإسلاميين في أي أمر من الأمور. فالبرلمان الجديد، لا يحتاج حتى لمناقشة القضايا، لأنه وجهة نظر واحدة.. وهذا أسوأ أنواع البرلمانات، حينما تكون البلاد مواجهة بقرارات مصيرية، مثل انفصال بعض أجزائها عنها، واحتمال الرجوع إلى الحرب، وزيادة تهميش الهامش. وفي اتجاه التركيز على إخلاء البرلمان مما عداهم، لم يترددوا حتى في إبعاد لوائح التمثيل النسبي، التي ما سمح بها القانون الا لاعطاء فرص للاحزاب الصغيرة، أن تدخل بعض ممثليها البرلمان، فلا يمكن لأحد ان يصدق ان يعجز المؤتمر الشعبي، عن النسبة الضئيلة، التي يمكن على الأقل ان تدخل د. الترابي للبرلمان، ولكنهم لم يسمحوا بذلك.. وكان محتوى الرسالة، التي وجهت بهذه الفعلة، هي الانفراد بالسلطة، وتحجيم البشير، والاحاطة به، بهدف توجيه قراراته، والتخلص منه في الوقت المناسب، كما تم التخلص من الترابي من قبل.
لقد اتسم الدور الأمريكي بالغموض والتناقض، فهو يريد ضمان قيام الاستفتاء، الذي يمكن الجنوب من إقامة دولته المستقلة، ولعل ذلك بضغوط مقدرة، ومفهومة، من اليمين المسيحي في الولايات المتحدة.. والإدارة الأمريكية، في سبيل تحقيق تلك الغاية، تغض الطرف بقدر ما، عن تزوير الانتخابات، وفسادها ظناً منها أن المؤتمر الوطني سيقوم فعلاً بالاستفتاء كما وعد، والمؤتمر الوطني، يمكن أن يسمح بذهاب الجنوب، ولكنه لا يستطيع ان يقبل ذهاب البترول، إلا إذا استطاع الأمريكان أقناع حكومة الجنوب، أن تواصل مد الشمال بالبترول، حتى بعد انفصال الجنوب.. وهو أمر صعب، ولا يقبل بدون مقابل، والمؤتمر الوطني ليس لديه ما يقدمه للجنوب، غير الالتزام بعدم التدخل في شئونه، وعدم إثارة النعرات القبلية، وتغذية الجهات المعارضة للحركة الشعبية، التي تثير ما يهدد الاستقرار، ويعوق التنمية، التي يمكن أن تقوم بها حكومة الجنوب. ونيل الجنوب استقلاله، لن يكون نهائية المطاف، وإنما ستتبعه مطالبة دارفور، ثم جهات أخرى.. وأمريكا لا تمانع من تقسيم السودان الى دويلات، وقد يرى بعض محلليها، ان كبر السودان، من أسباب فشل حكوماته المتعاقبة، على ان تفتيت السودان، لن يتم بهدوء وسلام، ومتى ما بدأت الصراعات، أصبح السودان مرتعاً للجماعات الإسلامية المهووسة، التي تثير الإرهاب وتمثل الهاجس الأول للولايات المتحدة.. ونظام المؤتمر الوطني، لن يقف ضد هذه التيارات المتطرفة لصالح أمريكا، مهما انتفع من صداقتها، ومن هنا، من مهادنة نظام فاشي في تزييفه للديمقراطية، وعدم تصور مآلات هذه المهادنة، قلنا بخلل، وتناقض، الموقف الأمريكي.
إن من أول النتائج العملية، لفوز المؤتمر الوطني في الانتخابات، حدوث اضطرابات في الجنوب، اتهمت الحركة الشعبية المؤتمر الوطني بإثارتها.. فقد جاء (حذرت الحركة الشعبية من انهيار عملية السلام الشامل بالبلاد واتهمت شريكها المؤتمر الوطني بالبدء في زعزعة الاوضاع الامنية بالجنوب بهدف تعطيل إجراء الاستفتاء في مواعيده وأكدت انها ستثير تلك القضية مع دول الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيقاد) والأمم المتحدة والدول الداعمة لعملية السلام بالبلاد. وقال الأمين العام للحركة باقان أموم إن المؤتمر الوطني يدعم ما يسمى بالحركة الشعبية التغيير الديمقراطي في تكوين مليشيات أشار الى أنها بدأت فعلاً ضرب مناطق في الجنوب قاطعاً بأن الهدف من ذلك زعزعة الأوضاع الأمنية بالجنوب لتأجيل أو منع إجراء الاستفتاء في مواعيده وشدد "هذا خطر ويعد خيانة لاتفاق السلام الشامل" وأكد ان تلك الممارسات ستضر بعلاقة الشريكين وستقود لإنهيار السودان وتعطيل السلام بجانب خلق الفوضى)(الصحافة 2/5/2010م).
وأما النتيجة العملية الثانية لفوز المؤتمر الوطني، فهو ما حدث في دارفور، من قتل، وضرب، واعتقالات واسعة، في ما عرف بمأساة سوق المواسير. فقد جاء (بلغ عدد القتلى 24 قتيل، وأكثر من 65 جريح، جراء إطلاق الرصاص من قوات الشرطة، وقوات الأمن، في وجه مجموعة من المتظاهرين، الذين نظموا مسيرة سلمية، انطلقت صباح أمس الأحد 2/5 وفي تمام الساعة الثامنة والنصف صباحاً، من أحياء الوحدة والربع الخامس وسوق المواشي ووسط الفاشر متوجهة إلى منزل الوالي عثمان محمد يوسف كبر بغرض تسليم مذكرة تطالب بإرجاع حقوقهم. إلا أن قوات الشرطة والأمن كانوا بالمرصاد وقبل وصول المسيرة الى السوق أطلق عليها الرصاص إلى جانب الغاز المسيل للدموع فسقط 9 شهداء في الحال الا ان المتظاهرين واصلوا المسيرة باصرار متحدين كل العقبات وهتفوا "مليون شهيد لوالي جديد" ورفضت السلطات تسليم الجثامين الى ذويهم...)(سودانيزاونلاين 3/5/2010م).
وقصة سوق المواسير، تصلح لأن تكون مسلسل عن خداع توظيف الاموال.. فهي باختصار ان جهة مجهولة، دفقت أموال طائلة في السوق، في يد اثنين من قيادات المؤتمر الوطني، اللذين ترشحا وفازا في الانتخابات الأخيرة.. فقاما بافتتاح شركتين باسم شركة ابو قحطان، لصاحبها أدم إسماعيل، وقوز عجيبة لصاحبها موسى صديق، وقاموا بفتح حوالي 70 معرضاً، يشترون كافة البضائع من أصحابها بأسعار تزيد الضعف أحيانا عن ثمنها، مقابل شيك يصرف بعد شهرين أو ثلاثة.. وكان الموضوع في البداية يسير بصورة مرضية، إذ ربح كثير من المواطنين، حتى تحولت المدينة الى سوق كبير. بدا التوجس حين أشار بعض الأئمة إلى حرمة هذه المعاملات، واعتبارها ربا، ولكن تم اعتقالهم،وتهديدهم، ومنعهم من الخوض في أمر هذا السوق. وحين طارت شائعة قبل الانتخابات، بان المواطنين، قد لا يجدوا عائدات من شيكاتهم، خاطب الوالي عثمان كبر الموطنين، قائلاً (هذا السوق مسئولة عنه الدولة وكذلك أموال السوق وإذا ما أردتم استمرار السوق فصوتوا لي ولعمر البشير وإذا فعلتم ذلك سأضمن لكم الاستمرار ودفع كل ديونكم واستحقاقاتكم وإلا فستدفعوا الثمن باهظاً) وقامت إدارة السوق ببث دعاية، وملصقات في كافة أرجاء المدينة تقول (الشجرة تفوز حقك محفوظ) (تعطي الديك حقك عيييك)!! ومعلوم أن الشجرة هي رمز البشير، ورمز كبر، أما الديك فهو رمز أقوى منافسيه إبراهيم سليمان. ولقد اضطر المواطنون إزاء هذا التهديد بضياع أموالهم، آن يصوتوا لكبر، ففاز فوزاً ساحقاً.. ولكنهم فوجئوا بان شيكاتهم لم تصرف، وحقوقهم لم تحفظ، فاشتكوا، وفتحت النيابة بلاغات، بمبالغ طائلة، تخص آلاف المواطنين. ولدهشة أهل الفاشر، قام الوالي كبر بدعوة عشاء لوكلاء السوق في بيته، وبعد العشاء استدعى لهم الشرطة وقبض عليهم، وأودع 63 منهم سجن شالا الشهير، على طريقة غدر بني أمية والعباسيين بخصومهم.. وكان من ضمن المعتقلين آدم إسماعيل، وموسى صديق.. ثم وجه الوالي أئمة المساجد، أن يذكروا في خطبهم، أن معاملات سوق المواسير ربا، وتتعارض مع الشريعة الإسلامية، والقوانين المحلية.. وأذاع من الإذاعة ان على المتضررين اللجوء للقضاء. وكون المتضررون رابطة جعل المواطن ضرار عبد الله ضرار المدير التنفيذي لها، وهو الذي مد الصحف بما جرى في سوق المواسير. وما تزال البلاغات مفتوحة بحوالي 10 مليون جنيه. وحين خرج المواطنون المتضررون بمسيرة لتسليم مذكرة للوالي، تم ضربهم بالرصاص(راجع تفاصيل الموضوع في: الأهرام اليوم، الصحافة، اجراس الحرية، وسودانيزاونلاين من 1-5/5/2010م).
وهكذا كشفت قصة سوق المواسير المحزنة، وما جرى فيها من تضليل، وتشويه لقيم الدين، من اجل الكسب السياسي الرخيص، وما حدث في الجنوب من اضطرابات، النتائج الحقيقية لفوز المؤتمر الوطني، وكيف انه لم يفكر بصورة جادة فيما ينتظر منه كحزب فاز بانتخابات، يحتاج ان يرسخ على ضوئها ممارسة الديمقراطية، التي تضفي على الفوز، الزائف، بريقاً، هم في اشد الحاجة إليه، ما داموا قد فقدوا قيمة المحتوى.
د. عمر القراي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.