شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة في نتائج الإنتخابات ... بقلم: د. عمر القراي
نشر في سودانيل يوم 07 - 05 - 2010

(كذلك كذّب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين) صدق الله العظيم
أعلن مولانا أبيل ألير، رئيس المفوضية القومية للانتخابات، نتائج انتخابات الرئاسة، في مؤتمر صحفي عقد بقاعة الصداقة، وأذيع مباشرة من التلفزيون، في ظهر يوم 26/4/2010م، وذلك بعد ان بدأ الناس يضجرون، ويتساءلون عن تأخير إذاعة نتائج الانتخابات.. وكان مما ذكره أن السيد عمر حسن احمد البشير، قد فاز برئاسة الجمهورية، وحصل على نسبة 68.24 % من جملة أصوات المقترعين. وبلغ عدد الأصوات التي حصل عليها 6,901,694.. وذكر ان السيد سلفا كير ميارديت، قد فاز برئاسة حكومة الجنوب وحصل على 92.99% من جملة أصوات المقترعين بالجنوب، وبلغ عدد الأصوات التي نالها 2,616,613 (تلفزيون السودان 26/4/2010م). وكانت المفوضية قد أعلنت في وقت سابق، أن عدد الذين سجلوا 15,778,154 مواطن، فإذا نظرنا الى ما حصل عليه السيد البشير، من جملة أصوات المسجلين نجده 43.74%.. ومع ان القانون قد نص على ان نسبة ال 50% +1 إنما تحسب من أصوات المقترعين، إلا ان اعتبار المسجلين، يجئ هنا، من أن الذين سجلوا ولم يقترعوا، إنما فعلوا هذا عمداً بإعلانهم مقاطعة الانتخابات.. وهؤلاء الذين قاطعوا، إنما هم معترضون على سياسات الحكومة، فهم من ثم ضد السيد البشير، ويجب أن تخصم أصواتهم منه، وهذا لا يمكن ان يتم، الا باعتبار أن المرجعية عدد المسجلين وليس عدد المقترعين.. وهذا المنطق لا يحرم السيد البشير من الفوز، ولكنه يوضح مدى هزال ذلك الفوز من الناحية المنطقية. ومع كل ما حدث، فقد صرح السيد ياسر عرمان، في مؤتمر صحفي، عقد بعد إعلان فوز البشير مباشرة، بأن البشير لم يحصل على نسبة ال50% +1 وانما (أخذ له قرض غير حسن من اصواتنا)!! (أجراس الحرية 27/4/2010م). لقد تحدثنا في مقال سابق، عن تزوير الانتخابات، وكيف انه أمر قد أجمع عليه كل السودانيين، فالحركة الشعبية صرحت أكثر من مرة، بتزوير الانتخابات في الشمال.. كما صرح المؤتمر الوطني، بتزوير الانتخابات في الجنوب، فقال الرئيس البشير (الانتخابات في الجنوب مزورة وغير نزيهة ونحن نعلم الطريقة التي تمت بها وان الناخب الجنوبي لم يمنح حقه كاملاً في التصويت... نحن نعلم تفاصيل التفاصيل بما حدث في مراكز الاقتراع بالجنوب) (سودانيزاونلاين نقلاً عن الشرق الأوسط 2/5/2010م). فإذا أقر شريكا الحكم بأن الانتخابات مزورة فلماذا قبلا بها؟! ولماذا اشاد البشير بالمفوضية، وهي المسئول الأول إذا تم تزوير للانتخابات بالجنوب؟! ومهما يكن من أمر، فقد فاز في الجنوب من هم ضد الحركة، وسقط بعض منسوبيها، ولكن في الشمال لم يفز غير المؤتمر الوطني، مما يدل على شمولية التزوير، وفجاجته.. وإذا سلمنا بما قاله السيد ياسر عرمان، من ان البشير لم يكمل النسبة، واخذ له اصوات من مرشحين آخرين، فالسؤال هو: لماذا وافقت الحركة الشعبية، على هذا التزوير الفاضح؟!
ولقد اجمع المجتمع الدولي، حتى الذين يسعون الآن لمصلحة حكومة المؤتمر الوطني، على ان الانتخابات مزورة.. وفي هذا الصدد نقرأ (المبعوث الأمريكي سكوت غرايشن في زيارة تستغرق خمسة أيام يزور خلالها دارفور وجوبا ويلتقي عدداً من المسئولين ويناقش المسئول الأمريكي خلال محادثاته تشكيل مفوضية الإستفتاء وترسيم الحدود ولم تستبعد مصادر تحدثت للصحافة ان تستوضح الحكومة غرايشن قبيل دخوله في المباحثات عن ما نسب اليه من تصريحات في بعض وسائل الإعلام وصف فيها الانتخابات بالمزورة وقال ان موافقة واشنطن عليها تأتي من حرصها على استقلال الجنوب) (الصحافة 1/5/2010م). أما وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون فقد أعلنت (إلتزام بلادها بتقديم المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور الى العدالة الدولية وقالت كلينتون لتلفزيون (أن. بي.سي) ان الولايات المتحدة ترى ان الانتخابات التي أعيد من خلالها انتخاب الرئيس عمر البشير معيبة بكل المقاييس...)(الصحافة 3/5/2010م). ولم يكن هنالك أي مراقبين دوليين، أو محليين أثناء تجميع الأصوات.. وإنما ظن المراقبون ان عملهم انتهى بالفرز، هذا مع ان أحد ضباط معهد كارتر، كان قد نبه في اجتماع مع منظمات المجتمع المدني السودانية، إلى أن معظم التزوير، يحدث في تجميع الأصوات. ولقد أعلنت المفوضية، بعد الاقتراع، بأن البيانات لم يمكن ادخالها في الكمبيوتر، حتى يتم التجميع آلياً، وأنها ستضطر إلى العمل اليدوي، وحين احتجت بعثة الاتحاد الأوربي لمراقبة الانتخابات، أذاعت المفوضية أنها رجعت للتجميع والعد الإلكتروني!! وإذا كان المؤتمر الوطني، وأعضاء المفوضية، قد مارسوا التزوير في المراكز، ومعهم مراقبين، فهل نتوقع الا يفعلوا ذلك في مرحلة تجميع الأصوات التي لم يكن بها مراقبة، وتم جلها بالعمل اليدوي؟! ومهما يكن من أمر، فإن النسبة التي حصل عليها المرشح عمر حسن أحمد البشير، واصحب بموجبها رئيساً للجمهورية، بعد هذا التزوير الواسع، نسبة قليلة، لا تكفي لأن تدرأ عنه تهم المحكمة الجنائية الدولية، خاصة وان منافسه السيد ياسر عرمان، قد انسحب، فإذا تصورنا الانتخابات دون انسحابه، ودون أي تزوير، فهل كان البشير سيحصل حتى على مرتبة المرشح الثالث لرئاسة الجمهورية؟! (واعتبر سلفا كير حسب اليوم السابع أمس أن فرصة فوز ياسر عرمان مرشح الحركة الشعبية المنسحب كانت أكبر في الفوز من فرصة البشير مؤكداً ان حصول البشير على نسبة ضئيلة من اصوات الجنوب (8%) لا يعني بالضرورة نيّة جماهير الجنوب في الانفصال عبر الاستفتاء) (أجراس الحرية 4/5/2010م). والبشير لم يسقط في الجنوب فقط، وإنما في كل الهوامش، التي اندلعت فيها الحروب، وعايشت ويلاتها، وعانت من النزوح.. فقد حصل على 2% في منطقة أبيي، و31% في الشرق، و15% في جنوب دارفور، و23% في النيل الأزرق، ولم يفز بصورة سافرة الا في الشمالية 94%، وولاية النيل 91%، وبين المغتربين 93%.. وما كان له ان يحصل على نسبة كبيرة وسط المغتربين، لو لم تتولى السفارات المهمة، وتسلم أصوات الجميع، على أنهم مؤتمر وطني، لا تستثنى حتى المقيمين في هولندا، التي يقيم جميع السودانيين فيها كلاجئين سياسيين، منحوا الإقامة لما لقوا من نظام البشير!!
على أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: مادام المؤتمر الوطني، هو الذي اشرف على التزوير، كما تشير كافة الأدلة، فلماذا أعطى البشير نسبة فوز ضئيلة، لا تكاد تصل الى نصف المسجلين، بينما أعطى الولاة، وكافة منسوبي المؤتمر الوطني، نسب تتجاوز التسعين بالمئة؟! يرى بعض المراقبين المهتمين، أن المؤتمر الوطني قد ناقش هذا الموضوع، ولم يستطع بسبب تدني أصوات البشير في الهامش، ان يعطيه نسبة كبيرة، حتى لا تظهر النتيجة بشكل لا يمكن قبوله.. على أن آخرين، أقرب إلى المؤتمر الوطني، زعموا أن التيار الإسلامي داخل المؤتمر الوطني، سعى عن قصد، لتحجيم البشير.. وحرص بمبالغة غير مسبوقة، بأن يأتي ببرلمان كله من التيار الإسلامي، حتى لا يجد البشير مناصرين، حالة اختلافه مع الإسلاميين في أي أمر من الأمور. فالبرلمان الجديد، لا يحتاج حتى لمناقشة القضايا، لأنه وجهة نظر واحدة.. وهذا أسوأ أنواع البرلمانات، حينما تكون البلاد مواجهة بقرارات مصيرية، مثل انفصال بعض أجزائها عنها، واحتمال الرجوع إلى الحرب، وزيادة تهميش الهامش. وفي اتجاه التركيز على إخلاء البرلمان مما عداهم، لم يترددوا حتى في إبعاد لوائح التمثيل النسبي، التي ما سمح بها القانون الا لاعطاء فرص للاحزاب الصغيرة، أن تدخل بعض ممثليها البرلمان، فلا يمكن لأحد ان يصدق ان يعجز المؤتمر الشعبي، عن النسبة الضئيلة، التي يمكن على الأقل ان تدخل د. الترابي للبرلمان، ولكنهم لم يسمحوا بذلك.. وكان محتوى الرسالة، التي وجهت بهذه الفعلة، هي الانفراد بالسلطة، وتحجيم البشير، والاحاطة به، بهدف توجيه قراراته، والتخلص منه في الوقت المناسب، كما تم التخلص من الترابي من قبل.
لقد اتسم الدور الأمريكي بالغموض والتناقض، فهو يريد ضمان قيام الاستفتاء، الذي يمكن الجنوب من إقامة دولته المستقلة، ولعل ذلك بضغوط مقدرة، ومفهومة، من اليمين المسيحي في الولايات المتحدة.. والإدارة الأمريكية، في سبيل تحقيق تلك الغاية، تغض الطرف بقدر ما، عن تزوير الانتخابات، وفسادها ظناً منها أن المؤتمر الوطني سيقوم فعلاً بالاستفتاء كما وعد، والمؤتمر الوطني، يمكن أن يسمح بذهاب الجنوب، ولكنه لا يستطيع ان يقبل ذهاب البترول، إلا إذا استطاع الأمريكان أقناع حكومة الجنوب، أن تواصل مد الشمال بالبترول، حتى بعد انفصال الجنوب.. وهو أمر صعب، ولا يقبل بدون مقابل، والمؤتمر الوطني ليس لديه ما يقدمه للجنوب، غير الالتزام بعدم التدخل في شئونه، وعدم إثارة النعرات القبلية، وتغذية الجهات المعارضة للحركة الشعبية، التي تثير ما يهدد الاستقرار، ويعوق التنمية، التي يمكن أن تقوم بها حكومة الجنوب. ونيل الجنوب استقلاله، لن يكون نهائية المطاف، وإنما ستتبعه مطالبة دارفور، ثم جهات أخرى.. وأمريكا لا تمانع من تقسيم السودان الى دويلات، وقد يرى بعض محلليها، ان كبر السودان، من أسباب فشل حكوماته المتعاقبة، على ان تفتيت السودان، لن يتم بهدوء وسلام، ومتى ما بدأت الصراعات، أصبح السودان مرتعاً للجماعات الإسلامية المهووسة، التي تثير الإرهاب وتمثل الهاجس الأول للولايات المتحدة.. ونظام المؤتمر الوطني، لن يقف ضد هذه التيارات المتطرفة لصالح أمريكا، مهما انتفع من صداقتها، ومن هنا، من مهادنة نظام فاشي في تزييفه للديمقراطية، وعدم تصور مآلات هذه المهادنة، قلنا بخلل، وتناقض، الموقف الأمريكي.
إن من أول النتائج العملية، لفوز المؤتمر الوطني في الانتخابات، حدوث اضطرابات في الجنوب، اتهمت الحركة الشعبية المؤتمر الوطني بإثارتها.. فقد جاء (حذرت الحركة الشعبية من انهيار عملية السلام الشامل بالبلاد واتهمت شريكها المؤتمر الوطني بالبدء في زعزعة الاوضاع الامنية بالجنوب بهدف تعطيل إجراء الاستفتاء في مواعيده وأكدت انها ستثير تلك القضية مع دول الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيقاد) والأمم المتحدة والدول الداعمة لعملية السلام بالبلاد. وقال الأمين العام للحركة باقان أموم إن المؤتمر الوطني يدعم ما يسمى بالحركة الشعبية التغيير الديمقراطي في تكوين مليشيات أشار الى أنها بدأت فعلاً ضرب مناطق في الجنوب قاطعاً بأن الهدف من ذلك زعزعة الأوضاع الأمنية بالجنوب لتأجيل أو منع إجراء الاستفتاء في مواعيده وشدد "هذا خطر ويعد خيانة لاتفاق السلام الشامل" وأكد ان تلك الممارسات ستضر بعلاقة الشريكين وستقود لإنهيار السودان وتعطيل السلام بجانب خلق الفوضى)(الصحافة 2/5/2010م).
وأما النتيجة العملية الثانية لفوز المؤتمر الوطني، فهو ما حدث في دارفور، من قتل، وضرب، واعتقالات واسعة، في ما عرف بمأساة سوق المواسير. فقد جاء (بلغ عدد القتلى 24 قتيل، وأكثر من 65 جريح، جراء إطلاق الرصاص من قوات الشرطة، وقوات الأمن، في وجه مجموعة من المتظاهرين، الذين نظموا مسيرة سلمية، انطلقت صباح أمس الأحد 2/5 وفي تمام الساعة الثامنة والنصف صباحاً، من أحياء الوحدة والربع الخامس وسوق المواشي ووسط الفاشر متوجهة إلى منزل الوالي عثمان محمد يوسف كبر بغرض تسليم مذكرة تطالب بإرجاع حقوقهم. إلا أن قوات الشرطة والأمن كانوا بالمرصاد وقبل وصول المسيرة الى السوق أطلق عليها الرصاص إلى جانب الغاز المسيل للدموع فسقط 9 شهداء في الحال الا ان المتظاهرين واصلوا المسيرة باصرار متحدين كل العقبات وهتفوا "مليون شهيد لوالي جديد" ورفضت السلطات تسليم الجثامين الى ذويهم...)(سودانيزاونلاين 3/5/2010م).
وقصة سوق المواسير، تصلح لأن تكون مسلسل عن خداع توظيف الاموال.. فهي باختصار ان جهة مجهولة، دفقت أموال طائلة في السوق، في يد اثنين من قيادات المؤتمر الوطني، اللذين ترشحا وفازا في الانتخابات الأخيرة.. فقاما بافتتاح شركتين باسم شركة ابو قحطان، لصاحبها أدم إسماعيل، وقوز عجيبة لصاحبها موسى صديق، وقاموا بفتح حوالي 70 معرضاً، يشترون كافة البضائع من أصحابها بأسعار تزيد الضعف أحيانا عن ثمنها، مقابل شيك يصرف بعد شهرين أو ثلاثة.. وكان الموضوع في البداية يسير بصورة مرضية، إذ ربح كثير من المواطنين، حتى تحولت المدينة الى سوق كبير. بدا التوجس حين أشار بعض الأئمة إلى حرمة هذه المعاملات، واعتبارها ربا، ولكن تم اعتقالهم،وتهديدهم، ومنعهم من الخوض في أمر هذا السوق. وحين طارت شائعة قبل الانتخابات، بان المواطنين، قد لا يجدوا عائدات من شيكاتهم، خاطب الوالي عثمان كبر الموطنين، قائلاً (هذا السوق مسئولة عنه الدولة وكذلك أموال السوق وإذا ما أردتم استمرار السوق فصوتوا لي ولعمر البشير وإذا فعلتم ذلك سأضمن لكم الاستمرار ودفع كل ديونكم واستحقاقاتكم وإلا فستدفعوا الثمن باهظاً) وقامت إدارة السوق ببث دعاية، وملصقات في كافة أرجاء المدينة تقول (الشجرة تفوز حقك محفوظ) (تعطي الديك حقك عيييك)!! ومعلوم أن الشجرة هي رمز البشير، ورمز كبر، أما الديك فهو رمز أقوى منافسيه إبراهيم سليمان. ولقد اضطر المواطنون إزاء هذا التهديد بضياع أموالهم، آن يصوتوا لكبر، ففاز فوزاً ساحقاً.. ولكنهم فوجئوا بان شيكاتهم لم تصرف، وحقوقهم لم تحفظ، فاشتكوا، وفتحت النيابة بلاغات، بمبالغ طائلة، تخص آلاف المواطنين. ولدهشة أهل الفاشر، قام الوالي كبر بدعوة عشاء لوكلاء السوق في بيته، وبعد العشاء استدعى لهم الشرطة وقبض عليهم، وأودع 63 منهم سجن شالا الشهير، على طريقة غدر بني أمية والعباسيين بخصومهم.. وكان من ضمن المعتقلين آدم إسماعيل، وموسى صديق.. ثم وجه الوالي أئمة المساجد، أن يذكروا في خطبهم، أن معاملات سوق المواسير ربا، وتتعارض مع الشريعة الإسلامية، والقوانين المحلية.. وأذاع من الإذاعة ان على المتضررين اللجوء للقضاء. وكون المتضررون رابطة جعل المواطن ضرار عبد الله ضرار المدير التنفيذي لها، وهو الذي مد الصحف بما جرى في سوق المواسير. وما تزال البلاغات مفتوحة بحوالي 10 مليون جنيه. وحين خرج المواطنون المتضررون بمسيرة لتسليم مذكرة للوالي، تم ضربهم بالرصاص(راجع تفاصيل الموضوع في: الأهرام اليوم، الصحافة، اجراس الحرية، وسودانيزاونلاين من 1-5/5/2010م).
وهكذا كشفت قصة سوق المواسير المحزنة، وما جرى فيها من تضليل، وتشويه لقيم الدين، من اجل الكسب السياسي الرخيص، وما حدث في الجنوب من اضطرابات، النتائج الحقيقية لفوز المؤتمر الوطني، وكيف انه لم يفكر بصورة جادة فيما ينتظر منه كحزب فاز بانتخابات، يحتاج ان يرسخ على ضوئها ممارسة الديمقراطية، التي تضفي على الفوز، الزائف، بريقاً، هم في اشد الحاجة إليه، ما داموا قد فقدوا قيمة المحتوى.
د. عمر القراي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.