مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    شاهد بالصورة والفيديو.. سودانية تحكي قصتها المؤثرة: (أبوي وأمي اتطلقوا وجدعوني ودمروا حياتي)    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    جاهزية متكاملة واعتماد حكام دوليين لبطولة العرب للشباب في ألعاب القوى بتونس    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



باليه الشاعر .. لبنان الشاعر في وادي النيل: بحثاً عن هوية سودانية .. بقلم: جمال محمد ابراهيم
نشر في سودانيل يوم 09 - 05 - 2010

قرأته وأنا في الصبا الباكر، أتحسس طريقي الى اكتساب معارف جديدة، وألهث وراء الكتب، لأزيد حصيلتي من الأدب، ولأعرف كيف يكتب الكتاب وكيف يتناولون القضايا المهمة. ذلك كان كتاب «باليه الشاعر» للأديب والدبلوماسي السوداني الراحل محمد عثمان يسن. كان معلم اللغة العربية في المدرسة الابتدائية في أم درمان، رجلا مثقفا، ذا طلعة بهية وحضور مفرح وروح مفعمة بحب الأدب العربي. تساقينا منه جلّ خمر الأدب التي أسكرتنا برحيق من عند العقاد وطه حسين وشوقي وحافظ ومحمود سامي البارودي من مصر، وايليا ابو ماضي وبشارة الخوري من لبنان، وعبد الله البنا والعباسي من شعراء السودان. لا أنسى إنشاده لنا قصيدة طاهر الطناحي في سبعينية العقاد. كان وحده الذي دلنا على الكتب التي تهيئنا لإطلاع مفيد في الأدب. في الرواية، يشير بوجه خاص علينا لأن نقرأ نجيب محفوظ، والقصص القصيرة، يدلنا بحزم، لنقرأ لمحمود تيمور، والشعر ان نقرأ لشوقي وحافظ البارودي وايليا ابو ماضي. لم يكن من مناصري الشعر الحديث، ولكنه كان يغض الطرف عن دواوين نزار قباني الصغيرة، التي يأتينا بها خلسة صديقي في الفصل حمد السيد، من مكتبة شقيقه الشاعر بعشر، مد الله في أيامهم جميعا.
لكن من دلني على «باليه الشاعر» المطبوع في بيروت عام ,1963 في تلك الأيام الخوالي؟ أهو معلمي في المدرسة، أم صديقي في الفصل الدراسي..؟ من دلني على الكتاب؟
في تلك السنوات البعيدة، كنت ألتقط الكتب من سوق الكتب القديمة في مكان يقع خلف مكاتب البريد في مدينتي أم درمان، عاصمة السودان الوطنية. هي ما يماثل سوق الكتب القديمة عند «سور الأزبكية»، في القاهرة. مصروف الجيب الضئيل، لا يتيح زيارة مجدية لمكتبة كبيرة عريقة مثل «سودان بوكشب» المشهورة في وسط العاصمة. عثرت على كتاب «باليه الشاعر» لمؤلفه الدبلوماسي محمد عثمان يسن، بثمن بخس من سوق الكتب القديمة. لا أعرف كيف أصف لك الاثر الذي تركه الكتاب في نفسي، ولكن مع غرابة الفكرة التي في الكتاب، فإني ربما لم أستوعب المراد من الكتاب. إذ كانت فكرته تدور حول طرح الكاتب لرؤية ثاقبة في بعض نماذج الشعر العربي، وجد فيها من الصور والأخيلة، ما يمكن أن نجسده عملا راقصا محسوسا مثل أعمال الباليه التي يعرفها الأوروبيون منذ أزمان، ولم نقترب منها نحن في العالم العربي أو الافريقي، وان ظللنا نتلقاها بإعجاب، ونستذوقها بمتعة لا ننكرها. باليه؟ لا..! لم تستهوني الكلمة ولم يكن لها من رنين في الذهن. وقتها كنت دون الخامسة عشرة، فمن أين كنت سأسمع عن الباليه؟ كلا لم نرَ في السودان عروضا ترسخ بالذهن، غير ذكرى بعيدة لفرقة روسية راقصة، استقدمها وزير الاستعلامات المرحوم اللواء طلعت فريد، بمناسبة افتتاح المسرح القومي في أم درمان، اوائل الستينيات من القرن العشرين. أهملت الكتاب ولم أعد اليه ثانية، بل ضاع مع الكثير من كتبي التي نهشتها أيد لا أعرفها، ولكن أسأل الله أن يؤجرني، إن كانت إفادت من اقتناها «عنوة» مني ولم يعدها لي.
وبعد أن صرت دبلوماسياً، عرفت وقتها من هو محمد عثمان يسن، الوكيل الدائم لوزارة الخارجية السودانية. إداري وسفير ولكنه أديب مطبوع وعاشق للشعر، فنان أريب، قبل أن تعرفه ردهات الدبلوماسية، مؤسسا لوزارة الخارجية ومهندسا لإداراتها وأقسامها، وسفيرا باسم السودان في الخارج. كان من أصدقائه الجمالي الذي كان سفيرا للبنان في الخرطوم في الستينيات، كما كان مقربا من الشاعر بشارة الخوري وكثير من أدباء الشام، حين جاء الى الاردن خبيرا دوليا في الادارة. ضاع من ذهني كتاب «باليه الشاعر» وأنا في تجوالي وتسفاري من موقع دبلوماسي لآخر. ولكن الله أعزني بصديقة أقدرها، اسمها أميرة محمد عثمان يسن، هي كريمة الراحل المقيم مبتدع «باليه الشعر». حكت لي عن أمل راود والدها قبيل رحيله، في ان يخرج العمل في شكله الفني وعلى خشبة مسرح، حتى تنمو وتكبر نواة هذا الفن في السودان. كان الامل ايضا وقد احتفل السودان بعام الثقافة العربي في عاصمته عام ,2005 ان تقوم وزارة الثقافة بإخراج العمل على مسرح العاصمة السودانية. ذلك للاسف لم يقع، ولم يلتفت أحد لكتاب صغير، لا يكاد يلتفت أحد لأهميته الثقافية والفنية والاجتماعية.
قطار الزمن يمضي، ولا وقوف ولا استكانة له في محطة، ولا رجوع له القهقرى الى محطة. بيد اني أعود بك ل«باليه الشاعر»، وقد عثرت على الكتاب في صيف عام ,2006 وبعد جهد في البحث مضن، في مكتبة قديمة قصية.. أين؟ لن تصدق! وجدت الكتاب في «أزبكية» أم درمان، في ذات الموقع الذي اقتنيت فيه الكتاب بدريهمات من مصروفي، قبل أكثر من ثلاثين عاما! نعم، وجدته خلف مكاتب البريد، في سوق الكتب المستعملة في ام درمان، وليس بعيدا عن مقهى جديد للانترنت، تلمع لافتة براقة في واجهته. وزادت دهشتي، ان وجدت الكتاب في ذات طبعته الأولى، وبذات ورقها البيروتي الصقيل، يزين غلافها رسم «جميل» من ريشة فنان السودان التشكيلي الأول: ابراهيم الصلحي.
إخراج قصيدة الأخطل الصغير
تدور الفكرة كما نوّهنا، حول تجسيد وإخراج قصيدة شعرية للشاعر اللبناني الأخطل الصغير، في رثاء أمير الشعراء أحمد شوقي، في شكل مسرحي راقص بما يشبه الباليه. كتب عامر غديرة، أستاذ الأدب العربي في جامعة الزيتونة بتونس، تلخيصا لفكرة يسن، في مقال نشره في مجلة «الفكر» التونسية، وهي مجلة رصينة (كان أحد مؤسسيها الاستاذ محمد مزالي رئيس وزراء تونس الأسبق)، وذلك في عددها رقم 10 لشهر يوليو عام ,1963 وأورده محمد عثمان يسن في كتابه «باليه الشاعر»:
«قسّم يسن مختاراته الى خمسة مناظر: يتصور اللوحة الأولى في جنة الخلد عند سدرة المنتهى، فيظهر فيها الشاعر ومن حوله الكواعب الأتراب يرقصن ثم يقصصن شعورهن ويجعلن منها ستائر لمقاصيره. ويتخيل اللوحة الثانية في الدنيا عند هجرة «الحسن» و«الاحسان» من جنة لبنان الى وادي النيل: و«الحسن» (فتاة فارعة القوام، دعجاء العينين، شهباء الشعر)، والاحسان «(شاب سمهري طويل القامة، عريض المنكبين مليء بالحياة والفتوة)، ويرقصان طويلا على ضفة الجدول ويتحاوران بالرقص في معنى الفراق والوصل ويعبران بالرقص عن معنى الترحال وأتعابه، وعن الوصول الى وادي النيل الخصب. ثم يتصور اللوحة الثالثة في مناظر الطبيعة والوحوش وقد أذنت باقتراب الكارثة، وأحست بأن الشاعر سيموت. ويصور المنظر الرابع أحمد شوقي طريحاً على فراش الموت ومن حوله «الحسن» و«الاحسان»، يرقصان رقص المعالجة ويلتحق بهما الطبيب من حين الى آخر، ثم الاحزان في شكل فتيات لابسات السواد فيرقصن رقصة الموت. ويرجع بنا في المنظر الخامس الى جنة الخلد، فيرى الخلد في بهائه وجماله، ويرى الحور وأتراب مريم ورهط جبريل، ويرى «أبولو» و«كوبيدون» يغنون وتظهر في نهاية المسرح ثريات من النور، تنير الواحدة تلو الأخرى حتى تكون شكل أهرام من النور ويجلس الشاعر على قمته وعلى يمينه إلهة الشعر وعلى شماله آلهة النثر، ويعود جميع الممثلين فتنزل إلهة النثر من أعلى الهرم فتناجي الشاعر راقصة...».
يبدأ الشاعر اللبناني الكبير بشارة الخوري (الأخطل الصغير) قصيدته:
قف في رُبى الخلدِ واهتف باسم شاعرهِ
فسدرة المنتهى أدنى منابرهِ
وامسح جبينك بالركن الذي انبلجتْ
أشعة الوحي شِعراً من منائرهِ
ثم أنظر كيف يستصحب الشاعر رؤى التسامح في مرثيته لشوقي، فيجسد الباليه الذي يرسمه لنا يسن في صورة بهية لطفلات جميلات من «أتراب مريم»، يحملن شموعاً (إشارات مسيحية)، ثم ترافقهن طفلات في ملابس عربية داكنة وصغار في لبس جزيرة العرب (إشارات إسلامية):
أتراب مريم تلهو في خمائله
ورهط جبريل يحبو في مقاصرهِ
والمُلهَمون بنو «هومير» ما تركوا
لما أهلّ لهم سجعاً لطائرهِ
وأقف معك على نظر بعيد، يصوره محمد عثمان يسن في «باليه الشاعر»، وذلك حين يصور صراع الخير والشر، ويجسده في اصطياد فتيان قبيلة «المورلي»، وهي قبيلة سودانية نيلية، يتميز فتيانها السود بقوام فارع وبروح قتالية وشجاعة، لأسد متربص فيقضون عليه. يتنزّل المشهد من بيت الأخطل الصغير:
فاطعم الجودُ من كفي قساورهِ
وأشرب الحسن من عيني جآزرهِ
وإني أقرأ بعين معجبة، كيف يزاوج يسن في فكرته لباليه الشاعر والتي سمّاها الأكاديمي التونسي عامر غديرة: «الباليه الأخطلية» بين تنوع العقائد: مسيحية وإسلام وحضارات يونانية، ثم ايضا بين التنوع الاثني الذي يتجاوز عقد اللون وتباين السحنات، بما يحمل رسالة ذكية في التسامح، لم نتجرأ حتى الآن في أن نرى مسرحا في السودان أو في أي بلد عربي آخر، يجمع هذه السحنات المتنوعة على خشبة مسرح واحد، ناهيك عن باليه راقص. كل هذا التزاوج الخلاق، يستلهمه يسن من قصيدة الشاعر اللبناني الكبير بشارة الخوري في رثاء شاعر كبير هو أمير الشعراء أحمد شوقي. ترى لو قدر لهذا العمل الفريد أن يخرج تجسيدا مسرحيا بكل هذا التنوع وكل هذا التزاوج، على خشبة مسرح واحد، ثم سرنا ممسكين بنهج يسن في عرض آدابنا وفنوننا، أما كان ممكناً لنا في السودان أن نشكل تلك الثقافة المبدعة التي ستأخذ من الثقافة العربية مثلما تأخذ من الثقافة الافريقية أنقى فضائلها، تعلو بها وتسمو، ثم تهمل في ذات الوقت، مسالب كليهما فنصل في تفاعل خلاب لهوية متناسقة بريئة من شبهة التعالي وظلال الهيمنة؟ ولا أغالي لو زعمت أن مفارقتنا لروح التنوع الخلاق هذه، قد تكون مسؤولة كامل المسؤولية، عن التردي الذي دفعنا اليه الاحتراب، دفعنا مؤذيا للذات، فوصلنا الى حواف «مفاصمة» الثقافات، واستعداء أطرافها بعضهما ضد بعض، بل بلغ الغلو بالمتربصين أن ألقمونا نظامين أو ربما ثلاثة في البلد الواحد، ومن بين الملفات المؤسفة في الصدد بالطبع ملف دارفور الشهير! ولكن تلك مسألة ليس فحصها من موضوع هذا المقال..
فيما وجدت في «باليه الشاعر»، فإن القراءة الموسيقية الراقصة لقصيدة الأخطل الصغير، هي من القراءات الذكية، التي رمت الى أن تسبغ على الشعر العربي بعدا جديدا، فيكون مرئيا مثلما هو مسموع. ويصف المؤلف السوداني محمد عثمان يسن مصيبا، ان الشعر العربي نشأ في منتديات وحضور مسرحي، كما كان حال الشعراء الفحول قبل الإسلام، ينشدون في سوق عكاظ. لعل الشعر العربي في بداياته كان هو الأقرب الى التجسيد المسرحي، بأكثر مما أتيح للشعر الغربي أن يجسد قصة روميو وجولييت وبحيرة البجع كمثالين في البال. ولكن ثمة أسباباً تحليلية كثيرة، ليس المجال مناسباً للخوض فيها هنا، قد تفسر تراجع التجسيد المسرحي في إلقاء الشعر، وجموده في مرحلة الالقاء والتي لم يبرحها لآفاق أبعد من ذلك.
السيمفونية
لكني شغفت أيما شغف بمقاربة محمد عثمان يسن لقصيدة الأخطل في رثاء سعد زغلول، بالسيمفونية الخامسة والسادسة لبيتهوفن. اقرأ معي ما كتب يس: «ان المتأمل في سيمفونية بيتهوفن الخامسة لا بد له ان يلاحظ انها تبدأ بأربع نغمات سميت «القدر يطرق بابك» يليها بيت القصيد leit motiv وان بيتهوفن استعمل بيت القصيد هذا كأساس لسيمفونيته الخامسة (....) وقصيدة بشارة الخوري في رثاء السياسي المصري سعد زغلول تبدأ بمطلع واضح هو بيت القصيد، حيث يقول:
قالوا دهت مصر دهياءٌ فقلت لهمْ
هل غيّضَ النيلُ أم هل زلزل الهرمُ
قالوا أشدّ وأدهى قلتُ ويحكمُ
إذن لقد مات سعدٌ وانطوى العلمُ»
ما أعمق نظر السفير الأديب محمد عثمان يسن!
كتب الأديب السوداني الراحل علي المك، معلقا ذات مقال:
«ان المترجم سفير. سفير هو من طراز آخر. هو مبعوثنا الى اللغات الآخر. يعود إلينا بجواهرها وبلآلئها الباهرات..». ولقد وقفت طويلا عند قوله هذا، فإني أراه يصف محمد عثمان يسن أصدق وصف، وان لم يكن ذكره في البال. لقد كان يسن سفيرا وسفيرا مثقفا، وأنجز على صعيد سفارتيه السياسية والأدب إنجازات باهرة، وبأفضل مما وصف علي المك. لقد سبر غور الدبلوماسية مثلما سبر غور الشعر، واستلهم موسيقاه فصانعها، ولانت له، فجاء على يديه أجمل تجسيد لقصيد عربي، تحسس جذوره في «عكاظ»، وسمق به الى أعالي سيمفونيات بيتهوفن، ثم سبح به الى أطراف «بحيرة البجع». ان عظمة محمد عثمان يسن، لهي في تنبيهنا لخيط التناغم الثقافي الذي ينتظم هذه الرقعة الممتدة والمتناهية الاطراف، عادات وألوان وعقائد وألسنة وسحنات، من رُبى لبنان وعبق المتوسط ومزج البحرين وائتلاف الجبل والصحراء والغابة. في خاتمة المقال، نجزم أن لا وجه ولا صلاح ولا اعتدال، لما هو في الأصل مسخٌ وقناعٌ وسوءٌ ومنكرٌ واعوجاجٌ وميل.. ذلك الذي اسمه «الشرق الأوسط الجديد»، ان أغفل وظني انه سيفعل ما دفع بالراحل محمد عثمان يسن لأن يبتدع هذه الفكرة البهية، منذ ستينيات القرن العشرين، تكوينا استلهم التناغم لا الشتات، الوحدة لا المفاصلة.
عصر يسن وهوية السودان
وإن دعوة ثقافية مثل التي جاء بها يسن، كان من الممكن أن تفضي بصاحبها في هذا الزمن الطالباني الصعب، الى مصير يقارب مصير كتّاب وصحافيين كثر. ولعلي أنبّه ثانية هنا، ان الزمن الذي عاش فيه محمد عثمان يسن، مؤلف «باليه الشاعر»، وكان مفكرا فاعلا، هو عصر ستينيات القرن العشرين، وتلك لعمري فترة لا تشبه أي فترة اخرى في تاريخ البشرية، لو أبحت لنفسي أن أجامل جيلا شهدت في طفولتي ويفاعي، بعض انتصاراته ومنجزاته. لم يكن العصر كله وردياً، كما لم يكن خلواً من المنغصات، على صعيد السياسة والاقتصاد أو الثقافة والاجتماع.
كانت الحرب الباردة في أوج اشتعالها. التجسس سمة العصر، لأنه زمن الغزو الحربي البارد. ربما على مستوى الانطباعات الشخصية، فإن المعارك التي سمعنا عنها، هي معارك من صنف مغامرات «جيمس بوند»، و«الأميركي القبيح». حروب جنوب شرق آسيا، كانت مادة لأفلام أعدت لترويع شعوب العالم الثالث، لكنه مع مآسيه، كان ذلك العصر، هو عصر ألفيس بريسلي ومارلين مونرو وجيمس دين. كان عصر فوكنر وهيمغواي وشتاينبك وآرثر ميلر وجان بول سارتر وساغان ريدرز دايجست! كنا نسمع من فورة الثقافة في مصر وفي بيروت. كان هناك شوقي وحافظ والأخطل الصغير وابو ماضي وجبران وأمين نخلة ونعيمة والعقاد وطه حسين، أمثلة في الخاطر. في آن واحد، ترامى إلينا شيء عن الموسيقى الكلاسيكية والاوبرا وعروض الباليه. وكان مجرد سماع، إذ لا مجال لتخيّل مثل هذه الثقافة، التي كانت في عداد أحلام تعشعش في رؤوس فتيان القرن العشرين. محمد عثمان يسن.. كان من حالمي القرن العشرين عندنا في السودان، لا مراء.
على أيامه، بدأت حركة فكرية مثيرة في الخرطوم، سمّاها النقاد «مدرسة الغابة والصحراء»، والاشارة الرمزية هي للافريقانية والعروبة، كما هو جلي، ولعلك لاحظت عزيزي القارئ، إشارتي اليها ولمسي لها، أعلاه. كان هاجس المثقفين السودانيين وقتها، هو البحث عن مكوّنات هوية ما هو «سوداني»، تجاوزا لإشارة اللون العنصرية السالبة التي لا تعني شيئا، والهوية بعد، ليست لوناً تدركه العين، بل هو إدراك متاح لسائر الحواس، وفق التعريف الانثروبولجي. والاغرب ان أصحاب اللون الاسود الحقيقيين في القارة الافريقية برغم ضعف أهمية مدلوله تخلصوا من الاسم والصفة. القليلون يعرفون الآن، ان «السودان الفرنسي»، كان يشمل تشاد، وبعض أطراف تصل الى النيجر ومالي وداهومي (وأظنها الآن صار اسمها بوركينا فاسو.. ذلك الاسم الذي أصبح مدعاة لهزء عادل إمام بهم في إحدى مسرحياته!) واحتفظنا في السودان، نحن الخلاسيين، من عرب وأفارقة، بهذا الاسم الذي يشي بلون واحد، يناقض كل الالوان الاخرى، مثلما يشي بشر مستطير! وربما لان الاسم جاءهم من خارج محيطهم الافريقي، بل من خارج لغتهم ولسانهم فأسقطوه، واستبقيناه عندنا نحن في وادي النيل، اسما ووصفا لشتاتنا المتنافر، ثم حولناه ليكون مدلولا ثقافيا، وحملناه رموزا من غابة ومن صحراء.. وأرجّح ان محمد عثمان يسن أصغى مليا لمدرسة «الغابة والصحراء»، ولمقابلها في الرسم التشكيلي: «مدرسة الخرطوم»، وكان عماد حركة الرسم التشكيلي في السودان الفنان العالمي الاشهر ابراهيم الصلحي، أمد الله في عمره، ويعيش في لندن الآن، وهو من اهم مؤسسيها، اذ هو صاحب الرسوم التوضيحية البديعة لكتاب «باليه الشاعر». ولعلي أقول مستيقنا، ان الرجل ومعه الصلحي، حملا معا رؤية كانت تؤمل أن يكون للقارة الافريقية سهم في حركة الفنون الراقية. وبات علينا في العالم الثالث، وفي قارتنا الافريقية، التي دمغوها بالجهل والمرض والتخلف، بل التخلف العقلي، مما تواتر الينا من بعض دعيي علم الانثروبولوجيا، ومن علماء الاجناس القدماء، بات علينا بكل الصدق، أن نقدم للبشرية، بعض ما يلينا في كتاب الثقافات الانسانية، من إسهام يليق بنا كأناس نعيش في عصر نفضنا فيه عن بلداننا أقمصة الاستعمار وجلابيب التبعية وأيادي التسوّل.
كان محمد عثمان يسن حصيفا وهو يقرأ صحيفة العصر. لو فتحنا أعيننا وأذهاننا في السودان، لكان «باليه الشاعر» الذي صاغه وأبدعه الرجل، من قصيدة الشاعر اللبناني الكبير بشارة الخوري «الأخطل الصغير»، في رثاء أمير الشعراء أحمد شوقي، اللبنة الأولى والثابتة، نحو إسهام يعطي الندية معناها في تعاطي الثقافات، تلاقي أو تلاقح بعضها بعضا. في تفاعل مكوناتها وإسهاماتها، تساوت الاكتاف بعد إنهاء الاستعمار في سنوات منتصف القرن العشرين، واستفتحنا عصرا مشوبا بندية ثقافية بائنة. يكفي دليلا على قولي جائزة نوبل للآداب التي تداولت في القرن العشرين، بين رموز كبيرة، مثل ماركيز وسوينكا ونجيب محفوظ، وأضرابهم من أدباء العالم الثالث.
غير اني أقول، ان سنوات الحرب الباردة لم تكن كلها سالبة، بل كانت تنوي على تحفيز ثقافي، وسباق خفي لإثبات الذات، برغم الحروب الاقليمية، وبرغم التوتر الناجم من إمكانية دمار كوني محتمل بعد اكتشاف انفلاق الذرّة والنواة! مجيء أفكار نيرة مثل التي جاءت من محمد عثمان يسن، كان أمرا طبيعيا. لكن الآن، ونحن قد ودعنا سنوات الحرب الباردة، فقد استولى على العالم أو جله الأعظم، زعماء بلا مقدرات، فعاثوا إفسادا سياسيا وبلطجة غبية، خرجت بنا من سمو الدبلوماسية الذي عهدناه في العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين، الى ما نحن فيه الآن من انهيار في السياسة الدولية، انقلبت فيه الموازين، وتعالت نبراتها المزدوجة، والتحاكم الى العنف سبيلا لتأديب الشعوب. ثم إني أرى التطرف يستشري، سواء في هذا المعسكر أو ذاك، استشراء لا رادّ له، ولا كابح. لا يغيب عن البال الدبلوماسية الكيسنجرية الراقية في السبعينيات من القرن الماضي، برغم مثالبها، لا تقارن بدبلوماسية التأديب والجلد والعصا، التي تمارس هذه الآونة من طرف قوى عظمى!
أليس طبيعيا أن تكون دعوة الأديب السوداني الراحل محمد عثمان يسن، لباليه «افريقي عربي»، متسقة تمام الاتساق مع المناخ الثقافي والسياسي الذي ولدت فيه..؟
ثم أليس طبيعيا ان يطوي النسيان، دعوة مثل دعوته، ونحن في مفتتح القرن الواحد والعشرين، نلوّن سنواته بألوان الدم والتصادم العنيف بين الحضارات، من طرف أناس. من عينة رؤساء يقيمون في بيوت ملونة بالأبيض أو الوردي أو القرمزي، أو من طرف عينة من متطرفين، يختبئون في الكهوف الدينية في أفغانستان، أو الدهاليز الكنسية في روما؟
ولكن بعيدا عن كل ذلك، تبقى في النهاية قيمة كتاب «باليه الشاعر»، كونه منحنا فرصة نادرة لتلاق بين ابداع لبناني وآخر سوداني.. وان قدرة الابداع لإنجاز هذا التلاقي هي بلا شك اكثر فعالية من جهد الحكومات والوزارات والسياسات، التي لم تفلح إلا في ان تديم وصلا أقوى بقليل من شعرة معاوية التي يحكى عنها في الأثر!
نقلا عن صحيفة السفير اللبنانية
jamal ibrahim [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.