كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رجل إسمه جوزيف أبوك .. بقلم: الرفيع بشير الشفيع
نشر في سودانيل يوم 08 - 12 - 2010

كنت حريصا جدا على حفظ التوازن الإنساني بيني وبين نفسي عند التحدث معها عن كل ما يخص جنوب بلادنا ، خصوصا إنسانه ، وعلاقتي الوجدانية به كجزء من الوطن يحيك في قلوبنا أسىً وألما ودماء ومكابدة ، وتظلما ، ويمثل في حياتي دوائرا سحيقة من جهل به وغرابة عنه ، إذ أن أحساسي به يشوبه غبش غريب الديار والمسافة النفسية التي تربطني بترابه وبشره مسافة شاسعه سحيقة ، كأنه جزء من بلاد الواق ، على الرغم من علاقة الدم التي تربطني بأبناء عمي عبدالكريم الشفيع الذين هم من صلب إمرأة من قبيلة الدينكا ، والذين لا أعرف أنني قد لاقيتهم في حياتي إلا مرة واحدة أمام بوابة بيت أخي في حي شمبات الحلة حينما تباكينا جميعا لأننا أول مرة نرى بعضنا وقد سمعنا عنهم قبل زمان وهم بالجنوب ، وعلى هذا فقد آليت على نفسي الأ توسوس بجفاء أو سلبية من أي نوع سرا أو علانية بما يسلب حق أي من أخوتنا في الجنوب علي لا أزيد ألما على ألم ، أو اوسع دوائر الجفاء الواقعية أوالمصطنعة بيننا وبين هؤلاء القوم بيد أن بيني وبينهم نسبا ورحما ، وظللت على هذا الحال أبتلع كل قَصَة أو مرارة أسمعها عمن يطوي في نفسه عنا غبنا يكاد يصل لدرجة الجنون كأمثال المدعو جويف أبوك، أبتلعت حتى مآلات الحروب والموت والدمار والقتل الذي حاق بالجميع، عسى أن يؤوب الجميع شمالا وجنوبا لرشده يوما .
وظللت هكذا لا أرِدُ أي موردٍ ينقص من شأن القوم ، إلا خرجت منه بكرامتي وأدبي محتفظا بخيط العنكبوت الذي يربطني نفسيا بهؤلاء القوم .
صحيح أن البلاد قد مرت بمرارات أليمة نال من شؤمها الجنوب والشمال ، وصحيح أن العلاقات الإنسانية والثقافية والتواصل الأثني والديني بيننا ليس بالمتانة التي تصل لدرجة خلطنا لنصير شعبا واحدا برحم واحدرورحمة ، إلا أن تطغى حالات من النفاق بيننا لنشعر أننا أمة واحدة ، وصحيح أن شعوري بالجنوب ليس كشعوري بالشمال والغرب والشرق والوسط ، ولا أكذب على نفسي أن وجدتني متوغلا في أحراش الجنوب أو مدنه أو قراه أني سأري لوني ولساني وديني وحميميتي بنفس القدر مما أجده إذا هاجرت شمالا أو غربا أو شرقا أو وسطا ، اللهم إلا مجاملة أو تزلفا أو تقربا لا يحويه وجدان أو يحس به إنسان ، كما يحمل نفس ذلك الشعور أي إنسان جنوب حتى وإن عزف الطمبور في أقصى الشمال أو رقص الكمبلة في الشرق أو الصقرية في الوسط أو الطمبور في الغرب ، وسوف يكون منافقا أيضا إذا خدع نفسه بذلك ، وأن الحدود النفسية والمزاجية بيننا واضحة البرازخ لا تتداخل ولا تلتئم إلا في حدها الإنساني والبشري والمصلحي الذي حتم علينا أن نستقبل الشمس عند شروقها وغروبها في آن واحد ، وأن تجمع بيننا نفس السماء وقطعة من الأرض متجاورة تحدها تلك الحدود النفسية الواضحة البيان ، وترسمها وقائع في التاريخ دامية ومريرة لكل الأطراف ، إذن الأمر واضح وأن ينفصل الجنوب بحدود جغرافية ما هو إلا تأطير لهذا الواقع .
بذلك أعتقد أن الإنفصال بين الجنوب والشمال قد تأخر ثلاث وستون عاما، منذ مؤتمر الرجاف ، وأنه كان ينبغي ان يستمع فيه الشنقيطي وزمرته لرأي لوليك ورهان وكلمنت أمبورو بالإنفصال ، وأن الإبقاء بينهما من قبل الإنجليز ، ما هو إلا تأزيم للعوامل النفسية وإشعال للعداءات بين هذين الشعبين الذين كانا ينبغي أن يكونا جارين فقط ، تداخلهما عوامل الحوجة والمصالح ، ويعايشهما ما يَحِوج الجارين لأن يكونا جارين بمقاييس وقوانيين ومواثيق الحدود الدولية المعروفة ، حينها كنا نرى ونعرف قيمة الجنوبي كإنسان له ذاتيته ويعرف الجنوبي قيمة الشمالي كجار له وزنه وقيمته أيضا ، وتكون النفوس صافية بلا إدعاء لغمط حقوق أو إنزال للدرجة الإنسانية الثانية أو الثالثة ، ووالله أن هذا إدعاء مضحك ! من قال أن في دولة مثل السودان شخص من الدرجة الأولى أو الثانية إلا الشعور بالدونية المدعوم بالمصالح والأوهام ، أو أزرار القنابل الموقوتة التي أنبأت عنها كلنتون المخون ورقصت على أنقامها عندما تحدثت عن أبيي ، هذه القنابل يراد لها أن تفجر الآن ، كما كان يراد لبترول السودان أن يخرج بعد خمسين عام حسب حوجة الغرب ، إذن كان ينبغي أن يكون هذا الإنفصال منذ تلك الفترة ، لا ضرر ولا ضرار ، وما ضرنا أن نكون جيران لكينيا أو مصر أو أثيوبيا أو أريتريا ؟ وهل ينقصنا أن يكون أخوتنا في جنوب السودان دولة ذات حدود كما يريدون وذات سيادة كما يريدون ، ترفرف فيها أعلامهم وترعى فيها أغنامهم ، وهم شعب من شعوب الله الكثيرة كأي شعب من الشعوب ، ينعمون بخصوصية تزيل عنهم الغبن وتهبهم الشعور بالحرية ؟ وتزيل عن عناء إقناع الاخر المتوهم بأنه ليس أنسان سواء مع الأخرين .
أنا لا أقول ذلك منقصة لإنسان الجنوب أو رفعة لإنسان الشمال أو منقصة له، إذا أننا في قدر الأفرقة سواء ، الأفرقة هذه بكل أمراضها وسرطاناتها التي قد حرثنا شقاءها بعد أن زرعه الزارعون ، ونحن أيضا شركاء الأن في هذا العالم المجنون الذي تدور عجلته بلا قيم أنسانية أو ربانية أو أخلاقية ، وشركاء أيضا في الفقر والمرض و(التهميش) كلمة الحق التي أريد بها باطل والتي قصمت ظهر البلاد وقسمت العباد ، كما أكلت كلمة (الإرهاب) قواعد الجهاد في الإسلام ، ونحن شركاء أيضا في الغباء والبله الذي يدع غيرنا يديرنا من الخارج كما تدار النعاج ، ويرعانا كما تُرعى الغنم في مراعيها ، يهشنا حين يريد ويدُعنا نرتع حين يشاء ، وشركاء في العدم والإفقار ، والتعمية والتضليل العالمي الذي قسم الشعوب لمصالح وقطّع الأمم إلى أوصال ، وما زال يُقطِّع حتى يصير العالم فعلا قرية صغيرة تدار بذات الكرابيج التي تبعج جلودنا ليل نهار ، غير أن أخوتنا في الجنوب أكثر إنبطاحا وتجاوبا منا لهذه الكرابيج ، وأننا أكثر منهم غباءا وأكثر حلما، وأقعد نخوة في التجاوب العاقل بنفس الكرابيج ، ولكنا كلنا نكربج الأن ، وكلنا يستلب حقه وكلنا خاسر بلا محالة في نهاية الأمر ، وسوف يبين للناس هنا وهناك ما المراد بهذه الزفة البائرة نحو الشقاق .
أقول الزفة البائرة نحو الشقاق ، بين هذه الرقع من قطعة الشعب الذي سمى يوما نفسه الشعب السوداني ، تجاوزا وتجاوبا لحب ال(الغزرة) والتوحد . الشقاق وليس الإنفصال لأن الإنفصال كما بينت بليس هو إنفصال جغرافية أو طقس أو مدارات ، إنما هو إنفصال نفسي ووجداني وإنساني وكياني موجود في قعر أنفسنا ، وما يحدث الآن ما هو إلا إنزال هذه الحدود من طينة النفس إلى طينة الأرض ، والتي أيضا لم تتداخل شعوبها إلا من خلال مصلحة لهذا أو ذاك . وأقول الشقاق لأن الإختلاف موجود أصلا والإنفصال الذي يلهث وراءه القوم الآن إنما يعمق هذا الإختلاف وينزله لطينة الأرض والواقع أيضا ، وسوف يكون لهم ما يشاءون ، مهما تورمت أقدام بعض المواربة أنفسهم بالغبش في خطب ود الوحدة العرجاء .
الوحدة يا أخوتي تحتاج لكثير من التطهير والطهر في النفوس وخلع الغشاوات والحد من النفاق والتعامل الإنساني والوجداني الحقيقي بين الأطراف التي تريد التعايش ، وتحتاج لشعور بها ، شعور يشعر به الطفل الجنوبي بين أترابه الشماليين بأنه ليس طفلا غرييا حين يلعبون ، وتشعر به الأم الشمالية إذا طلقت طفلها يلعب بين أطفال جنوبيين ولا يشعر بالوحشة والغربة ، والوحدة أن تكون لغة أحلامنا ولغة أغنياتنا من دواخلنا ، لا كالأناشيد الخرصاء التي يضعها تلفزيون السودان ، وتخرج متبلدة لا تخاطب الجميع ، ويشعر المرء منها أنها بكماء عمياء وكل كلماتها رياء ، والوحدة يا أخوتي تنضح من العيون رضا وأوشواق ومودة ، لا كالتي تنبعث من أعين جنوبي تمت مقابلته بكمرات التلفزيون وترى فيهما إزورار الخوف والمجاملة ، والوحدة أن يمتنع المصلحيون عن مصالحهم الذاتية وأن يكيل الناس فيها بالقسطاط ويبتعدوا عن التطفيف ، والوحدة إنسجام ورضا وإبتسام ولجم للخصام .
سوف لن تقوى وحدة على أنفاس الجنوبيين الحرى والزافرة بالغبن والمكيلة المعبأة بالأشواق للولوج في الوطن الموعود والكيان المشهود ، بما لا يمكن أن يسد مطامعهم في ذلك إلا الموت للجميع .
والوحدة يا أخوتي سوف لن تقوى على إصطبار الشمال على ما ينال الأن من صفعات من أمثال جوزيف أبوك ، لا يتحملها عيال شايق وعيال جعل وعيال كاهل المولدون كما قال جوزيف أبوك ، وسوف لن يصبروا كثيرا على تلك الصفعات .
نحن في الجنوب والشمال لا نعرف بعضنا ، وما يحاول أن يقوم به السياسيون هنا وهناك من مسح على الجبائر سوف لن يبرء القروح التي يدثرها ذلك الجبير ، وما يعتور الأنفس تاريخيا لا يمكن أن تُسَكِنه الإبتسامات الصفراء والمجاملات البائرة في دهاليز السياسة ، نحن نحتاج لتقارب حقيقي وتعارف حقيقي وتسامح حقيقي وإعتراف بالإخطاء التاريخية هنا وهناك ، وبمسح الدموع وإنهاء الجوع ، وإعمار الربوع ، لا نحتاج لنيفاشا أو توقعيات الأحبار الخضراء ، التوقيعات على إتفاقيات سياسية سوف لن تبرء الجروح أو تعطينا رؤية واقعية وواضحة يري فيها الشمالي (سواد الجنوبي وشلوخه في الرأس وطهورته في الإسنان) على أنها تراث وحضارة ورجولة ووسمة شجاعة وبيان للقبيلة وأفتخار ، وهو مقبول وعادي ، بلا أمتعاض ، وسوف لن تعطي الجنوبي قناعة على أن يري شلوخ الشمالي وعمامته وجلبابه الطويل ، وجِماله وأحماله على أنه شيء منه أيضا ومقبول لديه ، وهذه التوقيعات سوف لن تنهي شعور الجنوبيين على أنهم من الدرجة الثانية ، حتى وإن كان السبب في ذلك ظروفهم المعيشية في الشمال التي دعتهم للخوض في (ملاطم) الخرصانات أو في أكناف العمارات التي لم يتم بناءها يواجهون الأمطار والأهواء وصقيع الأيام ،وسوف لن تحد من عبارات المندكورو والجلابة والعرب ، وخلافها ، وسوف لن ينهي شعور الشمالي ووسواته نحو الجنوبي وما يحمله في دواخل نفسه على أنه (جنقاوي) ، ولا يراه إلا بهذا المستوى ، وما يقوم به المؤتمرون بأمرنا في الشمال الآن من هجرة بالقطارات المليئة بشُوَن المواد الغذائية والأدوية ، وإقامة للدورات المدرسية الآن قد فات أوانه ، وهو مضحكة عند أمثال جوزيف وهو ملطشة وبرطشة لا يمثل إلا نتيجة واضحة من الغباء والسذاجة التي تدع أمثال جوزيف أبوك في برنامج منبر الإعلام Media Forum يستفرغ كل ما في نفسه من إستغباء نحو (الأرب المندكورو) في الشمال ، وما يعطي فرصة له ولأمثاله أن يتغيأ كل هذه الأوساخ التي تحيك في نفسه من قديم ، والتي يدعي أن الشمال هو الذي أسس للونه أن يكون أكثر سوادا ولحظه أن يكون أسوأ حظا منا في الشمال ولعثراته أن تكون أكثر إيلاما ولكبواته أن تكون كبوات العُرج في مزالق الوحل الذي يُوِحل فيه .
ما كنت أكثر شماتة مني عندما أستمعت لجوزيف ، على أولئك الذين لا يزالون ينقلون خيرات الشمال للجنوب كنقل النمل الأحمر لجحوره تغذية لأمثال جوزيف ، وخطبا لوده والتقرب منه والتوحد معه ، وما كنت أكثر إنحناءة لرأسي وأنا أستمع لهذا (الكوكورج Cockroach ) كل يوم ثلاثاء في تلفاز الجنوب SSTV في منبر الإعلام Media Forum وهو يمطرنا كشماليين سخرية وإستهزاءا ، وذلا يجعل المرء يتمنى أن لم يك سودانيا تجمعه بمثل هؤلاء البشر حتى روابط البشرية ، وما كنت أكثر غبنا وشماتة أيضا وإستحقارا لجموع اليسار السوداني الذي أسس لهذا الهراء أن يكون وأوصل أمثال جوزيف أن يعتلي أمثال هذه المنابر ، وما كنت أكثر حنقا وأدمى قلبا مني علي أمثال الميرغني والترابي والمهدي وزمرة الحاكمين الآن في الشمال أن يوصلوا أمثال جوزيف أبوك لمثل هذا المُعتلى الذي يصب فيه حنقه وكذبه وهراءه في كل يوم ثلاثاء ، وما كنت أكثرإستصغار لنميري وعدنان الخاشقجي الذين مكنا هذا الآبق أن يكون رئيسا لمجمع الدراما في الجنوب وأن يبنوا له دارا ويعمروا له مكتبنا يغذي به أوصال أطفال الجنوب بكل هذا الحقد والكذب والرياء .
عندما يتفوه هذا (الأبوك) فأنفاسه عبارة عن تعفن ينبعث عن كرش حمار كبيرة أنفتحت بعد شهر من التعغن في غرفة مغلقة الأبواب والنوافذ ، فهو لا يعرف مسواكا لحق أو فرشاة تجوص فمه المعلوك بنتن الغباء والكذب إلا فرشاة الشمال وأكباد شعب الشمال التي يلوكها كذبا وأدعاء كل أسبوع ، ينزل من بركة إنحطاطه الآسنة كل ما سم وعم .
تخيلوا أن من أمثال (أبوك) يأتي ليحكي لنا تاريخنا منذ دخول عبدالله بن أبي السرح على أننا شعب (بغال ) توّلَد من تزاوج مكذوب مغشوش من أصلاب العرب الغازية هذه ببنات أبناء النوبيين (الذين هم أجداد أبوك أصحاب كوش) ، بعد أن خدعوهم وأغروهم بالمال بهذا التزاوج ، وأقنعوهم أن المولود من الرجل هو الذي يجب أن يكون ملكا وهكذا سرقت ملكية هذا البلد من النوبيين للعرب المسلمين ، وقد تولد عن ذلك تلك الأشكال التي ترونها في الشمال ، الواحد فيهم (نخرتوا أطول من أضانو ، وأضانو كذا وعينو كذا !) .
وأبوك هذا هو الذي يمسح تاريخ الشمال نوبة وعربا وبجا وفور تماما ، بما يدعي بأنهم كجنوبيين ضاربون في التاريخ وأن أجدادهم هم الذين أقاموا حضارة وادي النيل وبنوا الإهرامات وقاموا بحماية النيل وبنوا الممالك ، وأنه لم يبدأ تاريخنا في 1983 بل كنا راسخين في التاريخ كما هو مبين في كتابات اليونسكو وكتاب مصر القديمة .
وأن الإنفصال في الجنوب قد بدأ بمؤتمر جوبا ، مؤتمر الرجاف عندما أعلن السادة ، كلمنت أمبورو وريهان ولوليك الإنفصال في ذلك المؤتمر ولكن غش أغلبهم الشنقيطي وأغراهم بإقتسام الثروة والسلطة إذا قبلوا الوحدة ، ولكن السيد لوليك رفض وقال أن الجنوبيون سوف يندمون يوما إذا قبلوا بالوحدة مع العرب الذين يستندون على ثقافة الحروب كأجدادهم ، ولم يكن السودان قبل 47 دولة واحدة وفقا لقانون المناطق المقفولة الذي كان يمثل إذن المرور فيه بين الشمال والجنوب الجواز حاليا مما يعني أننا كنا دولتين .

أمثال جوزيف أبوك لا يدَعْون للفرد حِلما أو تعففا في اللسان أو رحمة في الوجدان ، ولا يدعون لك فرصة إلا أن تكون أمينا مع نفسك غير مغال أو منافق ، وأن ترى الحقيقية البلجاء في البرزخ الشمالي - الجنوبي الآسن !
لا أدري لماذا تعمي الحكومة في الشمال الناس أن يشاهدوا كلهم ما يدور يوم الثلاثاء في تلفزيون الجنوب ! لماذا تعمى الحكومة نفسها عن حقيقة الإنفصال ؟ وأن تجري وراء هذا السراب المقيت؟ حتى تشفي قلوب أمثال جوزيف وتدع له فرصة أن يسم الناس ، ومتى تملك هذه الحكومة الرؤية الحقيقية وتكشف الحقائق بالإنفصال حتى لا تفجأ العامة بالإنفصال في يوم إعلانه ! وكيف ينطلي على الحكومة دعوات الأمريكان برفع اسم السودان من قائمة الإرهاب ؟ وهل كان هنالك سودانيا إرهابيا أم يسبح القوم في إتجاه التيارات التي تريدها أميركا ، ثم وإن رفع إسم السودان من تلك القائمة ماذا سيحدث ، سوف يرفع يوم القبول بمآلات الإنفصال وسوف يضمن في اليوم الذي يليه ! وهل أقدر من أمريكيا التي خدعتكم مرارا وتفعل فيكم ما تريد؟ وأشتعلت دارفور بعد أسبوع واحد من نيفاشا؟ وهي تدخر إعلان إنفصالها مباشرة بعد نتيجة إنفصال الجنوب حتى تكون اللطمة لطمتان يتبعهما التخويف بالشرق والشمال.
ما يقوم به جوزيف أبوك ومقدم برنامجه مويي غندورو وضيوفه في هذا البرنامج المأفون لا يدع أحدا في الشمال له طرف يرف أو لسانا يعف أو قلب يخف إلا ورأى أنه سوف يكون أكثر إنفصالية من جوزيف نفسه ، وأكثر فرحا وسرورا وأكثر تهليلا وتطبيلا لمآلات التصويت للإنفصال ، وصدقوني أن الغبن الذي يصيب الشمالي الواحد الآن من هذا البرنامج لا تماثله محصلة الغبن المكنون لدي كل الجنوبيين منذ مؤتمر الرجاف ومنذ إنطلاق الأنانيا التي حدت من إنبعاث الإسلام والعروبية كما يدعي جوزيف .
ما يقوم به أبوك وأمثاله في الجنوب لا يدع للفرد إلا أن يكون واقعيا غير موارب ، وإنكفائيا لا يرى الأسود إلا أسودا ولا يرى الأبيض إلا أبيضا بلا غبش أو مناطق رمادية! ولا يدع للفرد مجالا إلا أن يكون جلابيا (أربيا) جنجويديا وإرهابيا خالصا وعنيدا .
وأبوك هذا لا يدري أننا نحمل له ولأمثاله ما يمنعنا عنه ديننا وحياءنا أن نذكره ، وهو لا يدري إن وصفنا بالبغال ، أي وصف له عندنا يصمت عنه الضمير ويضحك حتى البعير ، ولكنا نمتنع عن هذا أيضا شعورا منا بأن في بعض أخواننا في الجنوب ما يجب أن نحترم من أجله بقية الهفوات الزمانية كأبوك وغندورو . وأن من أبناء الجنوب حتى وإن طالب بالإنفصال فإنه حقه ويطالب به بكل ذوق وأدب ، كالسيد المؤدب سلفا كير وأمثاله ، وسلفا هذا لا يجب أن يمثله في منابر الإعلام أمثال جوزيف وغندورو ، لأننا عندما يتحدث الرجل بأدبه الجم وصبره فإننا لا نقوى إلا أن نصفق له وأن نحبه ، رغم أنه يرمي لنفس الهدف – الإنفصال ، الذي لا نحمل على طالبيه حقدا أو ندعي حقا لآن الإنفصال خيار ، ولانه حق مشروع ، ولكن أمثال جوزيف لم يرضعوا من أدب سلفا إلا نكدا وكذبا ورياء .
الدول الحديثة لا تبنى على الغل والكذب والغباء الذي يتعبأ به أمثال جوزيف ، ومهما تحمل قلوب غلف مثل قلوب جوزيف فإنها سوف لن تعمر أرضا ولن تحفظ عرضا ولن تزيل فقرا ومرضا ، ولا يدري هذا الجوزيف أننا لو خيرنا في الشمال خيار الإنفصال هذا فإننا سوف لن ننظره ليوم موعود ، وشاهد ومشهود ، وسوف نعلنه جهارا نهارا في أي وقت نشاء وسوف لن ننتظر سيدا ، وسوف لن نواري ونماري .
إن كنت في الشمال لا تعي من تكون وأين تكون حدودك ، وإن كنت تريد أن تشتم عفنة وصفك عند أمثال أبوك فأستمع لبرنامج ميديا فورم كل يوم ثلاثاء ، فإني قد أمتلأت أجنابي بما لم يوفر عندي أي خيط كنت أحفظه لود البقاء في شمال به جنوب ، وعلى ما كنت أوفر من مساحة لشعرة معاوية بيننا ، وإن كنت تريد أن تكون إنفصاليا حتى الرضا ، فأستمع لهذا البرنامج فإنه سوف يغينيك مؤونة اللهاث أن تدعي أو تظن أو تحلم بشمال و جنوب ! وسوف تُغني فجأة في دواخلك للإنفصال ، وسوف تخلع عن نفسك ربقة كل بصيص من رجاء في أن تحلم (جنوبا) كما يحلم الحالمون في الشمال ويتوهمون !
والله المستعان .
Elrafei Elshafei [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.