مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    شاهد بالصورة والفيديو.. سودانية تحكي قصتها المؤثرة: (أبوي وأمي اتطلقوا وجدعوني ودمروا حياتي)    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    جاهزية متكاملة واعتماد حكام دوليين لبطولة العرب للشباب في ألعاب القوى بتونس    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كردستان العراق وجنوب السودان .. أيهما أذكى؟!! ... بقلم: د. ابوبكر يوسف إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 13 - 12 - 2010


بسم الله الرحمن الرحيم
هذا بلاغ للناس
([email protected])
 كردستان العراق – كما نعلم جميعاً - هي الجزء الشمالي من جغرافية العراق المتاخم للحدود مع تركيا وإيران ؛ وهي إقليم ضمن أقاليم الفيدرالية العراقية التي إرتضتها جميع مكونات الشعب العراقي بعرقياته وطوائفه وملله ونحله ؛ وقد خاض الأكراد حرباً شرسة بقيادة الزعيم التاريخي الملا مصطفي البرازاني من أجل المطالبة بحقوق لهم كعرقية ذات خصوصية وثقافة خاصة تشعرون بأن همشت وأن حقوقها قد هضمت من قبل نظام توتالياري ؛ بالاضافة إلى الأكراد نذكر أيضاً التركمان والاشور والمسيحيين والصابئة على سبيل المثال لا الحصر ؛ فالعراق فسيفساء من عدة اعراق واقليات كوّنت من نسيجها الاجتماعي والثقافي الحضارة البابلية . هذه التنوعات كانت مصدر إثراء ثقافي تفخر به مكونات العراق منذ القدم . تحادد كردستان العراق الحدود التركية والايرانية بحدود مشتركة طويلة وبتداخل عرقي سكاني في المدن التماس بين الدولتين شجع عليه وحدة العرق بين الأكراد في الدول المجاورة . وبالتالي فأن كردستان العراق لا بد وأن تشعر بعامل قوة وطمأنينة وأمان إذا ما نظر إقليمهم بإتجاها الجوار لوجود سكان يجمعهم عرق واللسان.
 كردستان العراق لديها مطالب جغرافية في مدينة كركوك الغنية بالنفط ؛ زاعمة أنها مدينة ذات أغلبية كردية أي أن الوضع شبيه بوضع " ابيي" ؛ ومع عدم حلحلة هذا المعضل لكنها لم تذهب مغاضبة ؛ أوتطالب بالانفصال ؛ أو حق تقرير المصير ؛ مع ميزة نوعية لصالح كردستان العراق من ناحية الجغرافية الديمغرافية التي لا تتوفر لجنوب السودان . وها هي كردستان تفاوض تطالب بتنفيذ الدستور فيما يختص بالنزاع حول هذه المنطقة متمسكة بأن الدستور طرح أمر تقرير المصير للسكان القاطنين بها من كل العرقيات وليست كما هو الحال في معضل ( أبيي).!!
 كردستان عرقية أثنية واحدة تدين بالاسلام وقد وفر هذا لقادتها ولسكانها استقراراً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ؛ مقارنة مع جنوب السودان بتبايناته القبلية والعقدية وعددية تنظيماته السياسية المقصاة من الممارسة والتي ترجع أسبابها لهيمنة واحتكار الحركة الشعبية على الساحة السياسية ة ة والاعلامية ؛ بينما في كردستان العراق يوجد عدد قليل من التنظيمات والأحزاب السياسية تحسب على أصابع الكف الواحد ومع ذلك فهناك حزبان رئيسيان يتقاسمان السلطة والحزبان أحدهما بقيادة مسعود البارزاني في أربيل ؛ والثاني بقيادة جلال الطالباني في السليمانية. في كردستان لم يُقصَ حزب من المشاركة في حكم الاقليم ؛ كما هو حال إقصاء القوى الجنوبية الأخرى إذ انفردت الحركة بالحكم وتمتلك القوة العسكرية لضرب أي حزب أو تنظيم جنوبي مجرد أن يفكر في اقتسام السلطة معها.!!
 نعم ؛ قد ساندت أمريكا الأكراد عند احتلالها العراق ولكن الأكراد لم يتباهوا بهذه العلاقة بمثلما تباهت وتتباهى بها الحركة الشعبية ؛ بل وتتفاخر بالدعم الفاضح معها ومع الغرب عموماً بل وتهدد علناً باللجوء إليهما ؛ وتجيد تمثيل دور المضطهد المغلوب على أمره حتى تقودهما للضغط على الشمال – في الفاضية والمليانة - ؛ فكان لجوء المفاوض الجنوبي لأمريكا والغرب مفضوحاً وأشبه بالطفل المدلل وذلك متى ما برزت أي عقبة يستأسد ويستقوى بهما وكأن الجنوب إذا ما انفصل لن يكون جاراً للشمال وسنتقل بموقعه الجغرافي إلى القطب المتجمد ؛ بينما يجب أن تراعي الحركة أن حفظ شعرة معاوية والحفاظ على علاقات مستقبلية طيبة لدولة لم تنشأ وهي ستبدأ طور تكوين بناها ؛ وهاهي قبل أن تنشأ بدأت تشكو من هجمة عمالة الدول المجاورة لها دون أن تدرك أن لكل شيء ثمنا . تصرفت الحركة الشعبية عكس تصرفات الأكراد الذين عملوا ويعملون لتغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي كانوا يعانون منه فلم يلتفتوا ولم يتنادوا لا بانفصال ولا بتقرير مصير إلا لمجرد الضغط لنيل مكتسباتٍ أكبر ؛ لكنهم بالمقابل اتجهوا نحو التنمية كأكراد العراق وضمن فيدرالية أعطتهم الحق في حكم ااقليمهم بالكامل في مناطقهم الجغرافية ولهم حقوق مثلما عليهم واجبات مثلهم مثل أي مواطن عراقي بصرف النظر عن العرق أو الدين أو الطائفة. كل نصيب كردستان من البترول ذهب لتنمية حقيقية انعكست على معيشة وعيش المواطن الكردي في صحته وتعليمه وأمنه الذي تصونه البشمركة ولم يوجهوا نصيبهم من مداخيل النفط نحو شراء السلاح للتحارب كما هو حال الحركة الشعبية ؛ بل وبذكائهم وحنكةٍ سياسية حمّلوا مسئولية الدفاع وتكلفته للحكومة المركزية.!!
 السؤال الذي يطرح نفسه هو ، ما دام هناك حق متفق عليه لأكراد العراق العراق في " حق تقرير المصير " شأنه شأن اي شعبٍ آخر كما حدث في جنوب السودان فلماذا لم ينفصل الأكراد؟! والاجابة هي أن الأكراد درسوا الأمر من واقع الربح والخسارة وسألوا أنفسهم : ماذا سنربح من الانفصال وماذا سنحسر إن بقينا ضمن الفيدر الية العراقية؟! فرأوا أنه لا بد ؛ ومن المُهم ان يتأقلم الأقليم تدرجاً مع المكونات العراقية الاخرى بعد أن نال حقوقه وذلك مع الابقاء على " مبدأ " ان يختار الكُرد في يومٍ ما الانفصال إذا لم يستمر الوضع على ما هو عليه أو إن نكث أحد الاطراف بتعهداته لأن حق تقرير المصير حقٌ دستوري يخولهم بالانفصال ، ولكنهم لم يلجأوا لهذا الخيار ، ربما يلجأؤون لذلك مستقبلاً إن خُرقت الاتفاقات وبلغ السيل أو الخرق الى مداهُ الأقصى . الحنكة السياسية والخبرة والوطنية جعلت الأكراد يوازنون بين مصالحهم الاقتصادية ورفاه شعبهم فلم ينفصلوا ، وانفصالهم ممكن وبدون إراقة دماء وبدون معارك عبثية وبطولات دونكشوتية ؛ بل رأوا أن في الإتفاق والشراكة والمصالح المشتركة مصلحةُ لشعبهم وأنها صفقة مصالح مشتركة رابحة . ولكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه هو: لماذا لم يطالب اكراد العراق بتنظيم استفتاء حق تقرير المصير والانفصال وهو حق مكتسب ومتاح وقد نص عليه في الدستور بعد مرور ست سنوات؟!، هل بسبب عدم تنفيذ هذا البند حققت كردستان مكتسبات ما كانت لتكسبها في حال الانفصال ؟ وهل أصبحت كردستان العراق هي " رمانة " الميزان المرجحة في كفة مطبخ القرار العراقي السياسي ؟!. الحقيقة لقد أدراك أكراد العراق أنه قد أصبح لهم دورٌ مؤثر داخلياً وخارجياً فما الحاجة للإنفصال وهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم . هذا يقودنا لطرح سؤالأ هام في حال جنوب السودان: ما هي النتائج التنموية التي ستوفرها الحركة لشعب جنوب السودان وهي دولة وليدة في لا تملك أبسط مقومات البنى التحية للدولة إن لم تُحسن جوارها وتمد جسور التعاون؟!. إن اكراد العراق فكروا بايجابية في مصالح شعبهم ولم ينحصر تفكيرهم في طموحات شخصية نخبوية عبر شعارات شعبوية لإثارة الحماس حالما تنكشف حقائقها بعد الانفصال ولا يصبح هناك شمالاً كان بمثابة المشجبا الذي تعلق عليه الحركة اخفاقاتها.!! ومع ذلك فمن وقتٍ لآخر يخرج مسعود البرازاني ملوحاً في مؤتمرات حزبه بحق تقرير المصير ؛ فيوقفه جلال الطالباني بمعارضته لتنفيذ هذا المطلب مذكراً بأن الملا مصطفى البرازاني القائد التاريخي أكد أن كردستان عراقية وجزء من مكونات العراق. جلال الطالباني والبارزاني يمارسان لعبة السياسة بحنك ويجيدان توزيع الادوار فيما بينهما.
 كردستان العراق أدركت أنها دولة مغلقة لا منفذ لها على البحر ؛ وبرغم الميزات النوعية في توحد العرقية مع أقاليم دول الجوار المتاخمة لحدودهم خاصة أن الحدود المشتركة هي مع دول عريقة ذات بأس ؛ لكن الأكراد فكروا بلغة المصالح الوطنية فلم ينتهجوا نهج الحركة التي تعتمد على منهج تنفيذ رغبات النخب والقبليات وشعب الجنوب هو آخر الاهتمامات في أجندة طموحاتهم . قد يضمن المرء استقرار الاوضاع لعقدين من الزمان في كردستانالعراق ولكن من يضمن استقرار الأوضاع في جنوب السودان لسنتين حال الانفصال مع تباين العرقيات ومناطق الثروة.؟!
 لنأخذ أمثلة أخري ؛ ففي اسكتلندا هناك حزب قوي ، هو الحزب الأسكتلندي القومي ، يقود الحكومة المحلية ويتبنى دعوات الانفصال عن بريطانيا منذ سنوات طويلة ، ومع ذلك لم ينجح في تعبئة أغلبية السكان لتؤيده في مطلب الانفصال لأن هناك إرادة ديمقراطية حرة وليست هناك هيمنة على قرار أحد . والسبب في ذلك أن الأسكتلنديين أنفسهم يرون أن فوائد الوحدة والبقاء ضمن التاج البريطاني أكثر وأنفع من عوائد الانفصال. وفي ويلز أيضاً هناك نزعات انفصالية قومية شبيهة وإن كانت أضعف بكثير من تلك الأسكتلندية ، بيد أنها هي الأخرى لا تلقى شعبية واسعة. وفي قلب أوروبا يقدم المثالان البلجيكي والسويسري حالتين ثرّتين بالعبر ، إذ تقوم وحدة بين قوميات وإثنيات مختلفة ، تتفق معظمها على خيارالبقاء معاً على الانفصال . وفي المقابل كان حالة أخرى هي التشيك والسلوفاك بعد انتهاء الحرب الباردة ؛ فكان الانفصال الودي أفضل للطرفين من التوحد المُفتعل ؛ فانقسمت تشيكوسلوفاكيا إلى بلدين يتمتعان الآن بعلاقات طيبة وتكاملية مع بعضهما بعضاً بل وتوحدا ضمن الاتحاد الأوروبي.
 لنرجع للمقاربة بين أكراد العراق وسكان جنوب البلاد فمنطقتا كركوك وآبيي هما مصدر نزاع لا شك في الحالتين ؛ وأسباب التنازع عليهما بين الاطراف في كلا الدولتين هو ما قيل من أنهما تعومان على بحيرتا نفط وهذا ما هو مؤكدٌ فعلاً بالنسبة لكركوك ؛ ولكنه مصدر شك بالنسبة لأبيي ؛ فمخزونها النفطي الضئيل ناضب لا محالة كما تشير الدلائل الاستكشافات ؛ ولا شك أن كركوك مشهورة بحقولها النفطية التي تضخ منذ زمن ليس بالقصير وعائداته تشكل العمود الفقري الاقتصادي الرئيس والاول بالنسبة لكل سكان العراق وأكراد العراق على وجه الخصوص ؛ ولكن ماذا عن أبييي وبترولها الناضب؟ الآ يمكن إذا ما أُتْبعت للجنوب أن يشكو أهلها الفقر مستقبلاً ويحس أو يتململ بقية الجنوب من أنها أصبحت عالة عليه ؟! . لو تفحصنا بعين المراقب على مر تاريخ وامتداد الحروب التي شُنت في هاتين المنطقتين شمال العراق وجنوب السودان مع حكومات المركز فسنجدهما تسير في نهج واحد وثقافة وسياسة واحدة وهي ربما تكون مشكلة الهوية أو العرق او القومية . ففي جنوب السودان يعتقدون انهم افارقة وكذلك الى ديانتهم المسيحية التي فرضت كدين أغلبية وفي الحقيقة هي ليست كذلك فهناك المسلمين والأعراف والوثنية ويتعللون بأنهم لا يقبلون بالحكم الاسلامي العربي الشمالي لأنه حرمهم حقوق المواطنة ؛ وحرمهم انشاء مصنع للبيرة في الخرطوم، وذلك دون أن يقروا بمنطق الفيدرالية وإذا ما كانت الخرطوم قد عارضت إقامة مصنع البيرة في جوبا؟! أما في الحالة الكردستانية فالعكس صحيح في شمال العراق إذ ينظرون الى أن قوميتهم الكردية يمكنها التعايش بيسر ولا ضير من أن تبقى تحت الحكم الفيدرالي طالما أن الجميع توافق وارتضى القبول بعراق متنوع الثقافات والعرقيات والديانات مع ضمان الحكم الذاتي لكردستان كأساس للبقاء متوحدين ؛ وبالتالي فالأكراد لم يتجهوا ذات التوجه كالنخب السياسية الجنوبية السودانية من قادة الحركة الشعبية للمطالبة بالدولة المستقلة على الرغم من ان هذين الاقليمين يتمتعان بالحكم الذاتي ضمن نظام فيدرالي ؛ بل أن في شمال العراق عاصمتين للإقليم اربيل لمسعود لبارزاني والسليمانية لجلال الطالباني ؛ أما هنا فجوبا هي أقليم الجنوب السوداني ؛ هذا اضافة الى النسب المالية التي يحصل عليها الاقليمين من الحكومات المركزية ناهيك عن تواجد قاداتهما في مراكز قيادية مهمة في الحكومتين الاتحاديتين.
 رغم كل ما أوردته من مقاربات أقول : لينفصل جنوب السودان بالحسنى وليتم ذلك بالتوافق وحسن الجوار، لا بالكراهية والعداء وتسطير فصلٍ لمستقبل مسموم بين الشمال والجنوب ينضح بالمرارات والعداوات كنتيجة لاستفتاء لا تنطبق عليه الشفافية أوترك حرية للمواطن في الاختيار - والمُقرر في قيامه شهر يناير القادم ؛ والنتائج تكاد تكون معروفة مقدماً ومن الآن ، فمزاج النخب الجنوبية لا يحتاج إلى عبقرية متميزة للتكهن بما سيحدث لأن توجهات الانفصال أضحت صارخة وعلناً . فلماذا إذن لا يُصار إلى تيسير الولادة كي تتم بطريقة طبيعية دون القيصرية وحتى لا يأتي الوليد مشوهاً وحاقداً على من وقفوا في وجه قدومه . الاتهامات الانفعالية المُسبقة بأن جنوب السودان سيكون ضد العرب وحليفاً لأعدائهم تصب زيت قصر النظرالسياسي على نار العواطف المتهيجة التي ترى في كل حدث سياسي ما ؛ جزءً من مؤامرة كونية على الذات.
 ومع ذلك علينا أيضاً أن لا نبريء الغرب أو نكون حسُني النوايا حد السذاجة حتى لا يغرر بنا المشروع الغربي الصهيوني ؛ فهو مقبل ومتربص بالدول العربية ، المنشغلة بتشرذماتها الضيقة ، أو الغارقة في حياة العبث السياسي والفساد الاقتصادي ، مع أن مواقف حلفاء إسرائيل تقوم على فكرة أساسية هي أن لا تكون أي دولة عربية في حجمها الراهن أكبر من دولة إسرائيل أو تتفوق عليها عسكرياً ؛ وقد رأينا ما آل إليه العراق، لأنه رفض منذ 1948 قيام دولة إسرائيل، أو إقامة علاقة سلام معها ؛ فويل لنا جميعا من انفصال جنوب السودان ، خاصة وأن ثقافة الانفصال أصبحت هي الحل في نظر من يحاولون الهروب من الظلم والفساد داخلأوطاننا.
 النكبة والخوف هما أن يصبح جنوب السودان ، ما لم يَسُد صوت العقل ، صومال آخر بسبب التخلف وتعدد القبائل والأثنيات وغيرها، حتى إن بعض العقول السياسية السودانية الشمالية بارك هذا الانفصال للتخلص من أعباء الحرب والاقتصاد والقضايا الاجتماعية ، وقد يأتي الانفصال في أيامه الأولى سلساً، وفي ذات الوقت لن يكون بمثالية انقسام التشيك مع السلوفاك، بل ربما يكون أكثر حدة مثلما هو حال تيمور الشرقية مع أندونيسيا، لأن هذا القطاع ظل أميّاً، وشبه بدائي من حيث التعليم والتطور، ومع أن الحق القانوني يعطيهم ذلك إذا اتفقت كل الأطراف ، فالموقف الدولي وخاصة أمريكا يبقى مريباً، إذ لم تُحدث أي تغيير بفرض رغبتها تحقيق دولة فلسطينية كما تفعل في السودان وتعمل لفصل جنوبه، لأن الطرف الإسرائيلي، وباتفاق مع أمريكا، هو من يسعى إلى تقسيم العرب، وربما السودان والعراق على القائمة اللاحقة.. وأدعو الله أن يتوقف الأمر عند هذا الحد.!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.