والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المسيرية حقها في رجليها .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 19 - 12 - 2010


1-القاضي الخصاونة وأبيي: كيمياء الرأي المخالف
وددت لو استصحبت صفوة الرأي تقرير القاضي عون الخصاونة، عضو محكمة العدل الدولية، الذي خرج فيه برأي مستقل عن قضاة تحكيم أبيي في يوليو 2009. ولم أرشحه للقراءة على أيام تأزم مسألة أبيي هذه لأنه تنبأ بأن قرار الأغلبية جزافي ظالم للمسيرية. ما دفعني لترشيحه أنه مكتوب بحرفية مما نريد لأهل القانون عندنا، بل والقاريء الشغوف، أن ينطبعوا بها. و أن نقف بذلك عن كثب على كيمياء الرأي المخالف لأنه ليس ممارسة فكرية في بيئتنا الطائفية "راكب". فالرأي المخالف مرذول نضرسه بناب ونطأه بمنسم. وقد اعجبني وقوف القاضي هنري رياض مخالفاً في قضية "اسماء محمود محمد طه ضد حكومة السودان" (1985) التي قضت فيها الأغلبية .ببطلان حكم قضاة نميري على الأستاذ محمود.
وسنرى في قرار الخصاونة كيف أن للخلاف ثمنا. فقد نظر الرجل متوكلاً في كل مستند نظر فيه القضاة الأغلبية ليكشف عن فساد رأيهم. فالمخالف يركب الصعب تكتنفه الوحشة وسهر الليل ليكون الواحد الأغلبية. ورغبت لو أن دوائرنا القانونية في القضائية وكليات الحقوق ونقابة المحامين والمجتمع المدني بين المسيرية والدينكا النقوك خاصة تناصروا على نشر قرار المحكمة السائد والمخالف ورأي لجنة الخبراء لتنويرنا بمادة أوسع من خلاصة قرار المحكمة الذي نختصم جرائه ولا نعرف دقائقه وسياقاته. فقد غاب المثقف والأكاديمي السوداني، شمالاً وجنوباً، من حقول القرار حول أبيي غير من مرجع يسير للدكتور عبد الباسط سعيد. وكان استثمار دوائر القانون عندنا (بل وعلماء الاجتماع وشعبها) في العناية بمستخرج تحكيم لاهاي مما نتمسح به ب"تراب ميري القضية" بعد أن فاتتنا مشاهدها الأصل.
ولست أعرض هنا لحجة الخصاونة بل لبيانه. فقد جاء إلى كتابة تقريره بخبرة كثيفة في العبارة. فالرجل تخرج بمادة التاريخ والقانون من جامعة أكسفورد ثم عمل بالدبلوماسية الأردنية ولايته الاتفاقيات الدولية. ثم صار لفترة وجيزة رئيساً للديوان الملكي لعلو كعب أسرته ونفوذها في الأردن. فانتخبته الجمعية العامة للأمم المتحدة قاضياً بالمحكمة العليا. ومن حصائد هذه الخبرات في التعبير كتب رأياً هو بوجه من الوجوه قطعة أدبية نادرة.
تجده طَعّم رأيه بالمجاز فأمتع. فرأي المحكمة عنده قد بٌني على باطل. بل وصفه بأنه "صفعة بوجه علم الحدود". فلم تقصد به إحقاق الحق بل عقد صفقة سعيدة للأطراف جمعاء. واستدعى ذلك من القاضي الرجوع إلى حافظ الشيرازي (1320) ليقول بأن المحكمة تركت الحق وتعلقت بالأمل. ولكن:
قوائم بيت الأمل على الرمال
وجاء عن القرنون سوينبيرن بكلمة عجيبة. فقد وصف المحكمة بأنها ظلت تدور حول نفسها لتحدد منطقة أبيي تطلب ذلك الحل السعيد. وقال إنها ربما حسبت أن لفها حول حججها ودورانها سيبلغ بها السداد وإن طال السفر. ولكن لا بأس من المحاولة:
فحتى أكثر الأنهار إعياء يبلغ البحار بسلام
ومن مآخذه على المحكمة أنها تغاضت عن الحق في تصميمها لعقد حل وسط مما أوقعها في زلات اللسان الفرودية الفاضحة للغرض المبيت. فأكثرت من القول: "إنه أكثر نفعاً للمحكمة" في تمييز الوقائع التي بين يديها. فالنفع شيء والحق شيء. وختم الخصاونة كلمته بقوله إن المساومة من طبع البشر. والتفت إلى الشاعر البريطاني رايدارد كبلينغ الذي كتب "الفزي وزي" عن شعب البجا. وقال إنه ربما عرف شيئاًً أو آخر عن السودان. وهو القائل
الإنسان دب في معظم علاقاته
ودودة ومتوحش في غيرها
الأنسان يعرض التفاوض على الطاولة
ويقبل بالمساومة الناتجة
وبدا لي أن الخصاونة كمن يقول: "ولكن الصدق منج دائماً. أما المساومة فلا".
2-أخرجت البادية اثقالها وقالت الصفوة مالها
كنت أخشى دائماً أن يصبح تبخسينا ل"العقل البدوي" (لذي تعتقد صفوة الرأي أنه من وراء خيباتنا الكبرى) سبباً لخرق حقوق الجماعات الرحالة بالنظر إلى أسلوب حياتهم. وقد سبق لي القول إن ما عقّد قضية المسيرية في أبيي، التي تقف الآن كعقبة كوؤد في طريق السلم السوداني، إلا ظننا أنهم شعب سيًّار "محل ما تمسى ترسى". فلا يتواشج المسيري مع الأرض معاشاً ووجداناً ومعاداً. فهو "هائم" ( roaming ) بأرض الله الواسعة. فحتى المؤتمر الوطني، الذي يظن الناس أنه الذي يحرض المسيرية على حق مزعوم بأبيي، باعهم بعد أن حصل من تحكيم لاهاي على بعض حقول النقط بينما خسر المسيرية الأرض. وقال الدرديري محمد أحمد، ممثل الحكومة بلاهاي، إنه يعتقد أن التحكيم جاء نصراً للحكومة.
الاستخفاف بذوق البدوي للأرض وارتباطه بها وحيله لتأمينها فاش. فآخر ما انتهت إليه أحزاب المعارضة بشأن الحقوق في أبيي هو طلبها من أمريكا أن ترفع يدها عن المسألة وأن تترك للدينكا والمسيرية ترتيب تلك الحقوق بالسوية. وهذا هرب للأمام من المعارضة وتنصل عن دراسة تلك الحقوق بصورة مسوؤلة لتستقل برأي يعين المسيرية والدينكا معاً على التسوية. وددت مثلاً لو جاءت المعارضة برأي مدروس حول شرط "الإقامة" للتصويت في استفتاء أبيي. فالإمريكان، الذين طلبت المعارضة منهم ترك المسيرية والدينكا لحالهم، حاولوا مراراً وتكراراً تعريف تلك الإقامة بما يقرب من وجهات نظر أطراف النزاع.
ويمكن بالطبع لجهات أخرى أن تدلو بدلوها في الموضوع وتلقى القبول و"ترفف" الأمريكان الذين "دنا إبعادهم". فالتصويت في الاستفتاء لن ينعقد بدون تحديد لشرط "الإقامة" مقبول للأطراف مهما طال السفر. من جهة أخرى يكشف رهن المعارضة حل مسألة أبيي بالأطراف "القبلية" المعروفة عن قصور كبير في بروزة الصراع حول أبيي في السياق القومي. وكشفت رسالة للماجستير كتبها عبد الوهاب عبد الرحمن (1982) عن كيف تواثقت الأطراف القبلية مع القوى القومية والحكومية منذ منتصف الستينات وتحالفتا مما يجعل حل النزاع القبلي بعيداً عن تلك القوى المركزية والإقليمية أمراً بعيد الاحتمال. فقد فرضت المسيرية مرتين على حكومة الخرطوم ألا تقبل بتقرير الخبراء ولا تحكيم لاهاي.
ولعل أوضح صور التحامل على المسيرية من جهة أسلوب حياتهم اختصار مطلبهم في "حق الرعي" في الأرض دون حق التملك. فكانت مساومة الأمريكان للمسيرية في طور من الأطوار أن تجعل ذلك "الحق" جاذباً. بمعني أنها وعدتهم بتطوير المراعي والخدمات في دارهم بما ينسيهم أبيي "وسقطها". ولم يقبل المسيرية بهذه "الجذرة" الأمريكية.
ويقصر منصور خالد أيضاً مطلب المسيرية على حق الرعي دون المواطنة. فهو يعيد علينا نص بروتكول أبيي (2004) الذي « يحتفظ المسيرية والأشخاص الآخرون (فيه) بحقهم التقليدي لرعي الماشية وتحرك الأفراد عبر إقليم أبيى». وقال إن الحركة الشعبية رعت هذا الحق في أوقات الحرب فكيف تصد عنه في وقت السلم. ومنطق منصور هنا كالعادة فاسد. فقوله إن الحركة رعت حق المسيرية في الرعي وقت الحرب فما بالك في وقت السلم بلاغي لا غير. فالمقارنة في وضعنا الراهن لا تكون بين وقت حرب ووقت سلم كما ذهب منصور بل بين وقت كان فيه السودان واحداً وقبل به المسيرية بخيره وشره ووقت سيتفرق فيه السودان. ومتى تفرق ربما صارت أبيي، التي للمسيرية حجة حسنة على تملكها، إقليماً في الجنوب. ولهذا يصر المسيرية على التصويت في الاستفتاء كمواطنين (لا مجرد مستخدمين للأرض) لترجيح بقاء أبيي في دولتهم. فليس بوسع منصور نفسه تأمين حقوق جماعة بادية في بلد آخر على علو كعبه في دولة الحركة الشعبية.
ونواصل غداً عرض بقية منطق منصور ونعرج على رأي سقيم آخر لعمر القراي.
3-أبيي: مواطنون لا رعاة
تسفر الصفوة اليسارية أو المعارضة لنظام الإنقاذ عن خبيئتين متى ما عالجت حق شعب المسيرية في التصويت في استفتاء أبيي الموعود. بالخبيئة الأولى يسترجعون احتجاجهم القديم على ما يصفونه بضلوع المسيرية مع الإنقاذ (وحكومة السيد الصادق قبله) في حرب الحركة الشعبية. فيقول منصور خالد إن المسيرية هي من قبائل الشمال التي "وجدت نفسها في أتون حرب لم تشنها إبتداءًا، ولم تَجنِ فائدة منها في النهاية". ولا أعرف إن كان في عرف المواطنة والديمقراطية مصادرة حق التصويت من ذلك الذي يشن حرباً بالوكالة ولم يجن فائدة. فلو صح هذا العرف لطوينا وستمنستر في بريطانيا طي السجل لأن توني بلير حمل بريطانيا على شن حرب على العراق بالإيعاز ولم تجن فائدة.
ويمت قول منصور عن استخدام المسيرية وفشلها إلى ما وصفته في حواري مع بلدو وعشاري مؤلفيّ كتاب "مذبحة الضعين" (1987) ب "تخليب" قبائل التداخل العربية في حدود الجنوب. فقد أخذت عليهم نظرهم لتلك القبائل كمجرد "مخلب قط" في حربها الحركة الشعبية. وهو مفهوم يٌفرغ القوام العربي في منطقة التمازج من كل هوية أو مطلب "أناني ذاتي" في المراعي ويجعله "جنجويداً" خالصاً للحكومة. وتستنكر الصفوة اليسارية والمعارضة إدخال الحكومة لتلك الجماعات في دورة حربها لجيش الحركة الشعبية ويغضون الطرف عن إدخال جيش التحرير للدينكا في دورة حربه للحكومة. وصحيح الأمر أنه لا المسيرية ولا الدينكا مجرد مخلب قط. إنهم حلفاء لا أجراء.
وأوضح ما تكون خبيئة التخليب على المسيرية عند عمر القراي. فيتفق مع المٌخلبين بقوله إنه "ومع بداية انتصارات الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب، بدأت حكومة الشمال بقيادة السيد الصادق المهدي، تسليح المسيرية، بغرض إستخدامهم، لوقف الجيش الشعبي لتحرير السودان من أن يزحف شمالاً." ولم يكتف بوصف المسيرية بالمخلب بل بالجبن. فقال إنه كانت مراحيل المسيرية تنتهز غياب شباب الدينكا في جبهات الحرب الأخرى لتهاجم كبار الدينكا وصغارهم ونسائهم وتتسراهم. هذا عن تخليب المسيرية. ولكنه من الجهة الأخرى يذكر بالزهو والامتنان كتيبة دينكا نقوك كأحدى أول الفصائل التي قادت حركة الثورة في بداية الحرب الأهلية الثانية (1983-2005م). وهذا هو السبب، بحسب القراي، لتميز ابناء النقوك في قيادة الحركة. ما الذي يجعل هذه قدماً وتلك كراعاً يا دكتور القراي؟
أما الخبئية الثانية فهي محض حزازة أولاد بندر لا يستمزجون مسألة البادية ويعتقدون أنها من خوالف التاريخ وعار الحداثة. والمسيرية والدينكا سواء في بؤس ظن الصفوة بهم لاشتراكهم في أسلوب للحياة خالف وبدائي. ولولا أن الدينكا نقوك "إتحاوا" في طرف الحركة الشعبية ما أعارتهم صفوة الحداثة نظرة. فحق المسيرية في أبيي عند الصفوة الحداثية المعارضة قاصر على رعي بهائمهم (أو تفسيحها في النكتة القديمة) فقط. وللتأكيد على كفالة حق الرعي للمسيرية عقد منصور مقارنة بين رعاة المسيرية والرعاة عابري الحدود في أفريقيا بعامة. وقد صار الأخيرون كما قال موضوعاً لاهتمام الاتحاد الأفريقي الذي ظل يعقد الندوات لتأمين حقوق هذه الجماعات البادية التي لا تلقي بالاً للحدود الوطنية. ولعل المثال الأقرب لهذه الجماعات هم الأمبرور. وهذه مقارنة عرجاء جداً. فقد نسي منصور أن المسيرية ليست بعابرة لحدود ليست هي طرفاً فيها بالمواطنة إبتداء. فهي ليست مجرد مستخدم عابر للأرض ممن تتبرع الحركة الشعبية أو الاتحاد الأفريقي له بضمان حقوقه في الرعي. فالمسيرية في الاستفتاء القادم في أبيي مواطنون . . لا رعاة.
ونختم غداً بالتعليق على كلمة القراي الجاهلة.
4-المسيرية: حقها في رجليها
أسفر القراى في مقالاته عن أبيي عن كل عيوب الصفوة المعارضة للإنقاذ حيال مطلب المسيرية التصويت في استفتاء المنطقة القادم. فهو بندري "ود مدن" وكالة أو أصالة يستهجن حياة البادية السيارة. فلا يأتي بطلب المسيرية إلا ويسارع بالتذكير بأنهم " لا يقيمون في المنطقة، بل يتجولون فيها". فحق المسيرية إذاً "في رجليها". ولا يطرف لمثل القراي، ممن "فلقونا" بحقوق الإنسان، جفن وهو يفرق بين الناس بالنظر إلى أسلوب حياتهم. وحجبت حداثته عنه حقيقة أن "التجوال" لا يصادر حق "الجائلين". فالكبابيش التي زرتها في آخر الستينات جائلة حتى ناظر عمومها. ولها دار حدادي مدادي. ولكن تحكيم القاضي هيز في أوئل الخمسينات حمى دارها من دعاوى قبائل أخرى فيها.
والقراي كذلك يقصر حق المسيرية التاريخي في منطقة أبيي على الرعي. ولذا فإن تحول ابيي إلى الجنوب، في قوله، لن يمنعها "أن تواصل حقها في الرعي، كما كانت تجوب المنطقة شمالاً وجنوباً." وفي نظر القراي أنه لم يحرم أحد المسيرية الرعي. فضمنه لها تحكيم لاهاي والحركة الشعبية. وزاد بأن ذلك "هو ما يمثل مصلحتهم الحقيقية ولكن المؤتمر الوطني، يريد ضم أبيي للشمال ليحوز كل البترول في المنطقة، وهو لو فعل، لن يعطي المسيرية منه شئ، كما لم يعط كل أهل السودان الذين ازدادوا فقراً بعد ان ظهر البترول". وغاب مطلب المسيرية بحق تاريخي في أبيي في غبار صراع الإنقاذ ومعارضها.
والقراى مثله مثل عتاة معارضي الإنقاذ بالسليقة "يٌخَلِب" المسيرية ويعاقبهم على ذلك. ف"التخليب" هو اعتقاد رائج بين أولئك المعارضين مفاده أن المسيرية في نزاعها مع الدينكا والحركة الشعبية كانت مجرد مخلب قط لحكومات الشمال. فسلحتهم باسلحة متقدمة للإغارة على قرى الدينكا المشتبه في ولائها للحركة الشعبية لتحصد الغنيمة من الرقيق والبقر. وأعاد على مسامعنا كل تقرير لحقوق الإنسان جرَّم المسيرية لعدوانها على الدينكا. والتخليب معناه أن المسيرية لم تكن لها مصلحة خاصة في خصومة اقتحمت صحن دارها. وهذا شطط. فأبيي منذ الستينات صارت عظمة نزاع لاصطفاف جديد تحالفت فيه الدينكا مع الحركات القومية الجنوبية المسلحة واقترنت المسيرية بالدولة المركزية بما شرحته في كتابي "الثقافة والديمقراطية" (1996. بل رأينا القراي أمس ينوه ب "كتيبة دينكا نقوك" التي كانت من طلائع جند الحركة الشعبية. وعاد القراي إلى التخليب بسؤال المؤتمر الوطني إن كان يريد أن يزج بالمسيرية هذه الأيام" في حرب ليس لهم مصلحة في خوضها، مادام حقهم في الرعي محفوظ، ولم يقل أحد بحرمانهم منه؟"
كل ما تقدم من عيوب القراي من فساد الرأي وعتو الغرض. وهو مستنكر من عالم مثل القراي حسن التدريب بالضرورة. وهي سقطات مقدور عليها. أما أن يخوض العالم في ما لاعلم له به فهو عوار وجلافة. فلا أعرف كتاب القراي المنير الذي دله على أن الدينكا نقوكك "مزارعون ورعاة مستقرون" في منطقة أبيي بينما المسيرية رحل جوابون فيها. ومن أين عرف أن المسيرية "لم يكونوا ابداً مستقرين كقبائل الدينكا"؟ ومهما كان الرأي في زعم المسيرية بحقهم في أبيي إلا أن الدينكا نقوك سيارة مثل المسيرية. ومؤسف أن يحمل القراي إصراً على بداوة المسيرية يذهله عن هذه الحقيقة البسيطة من حقائق سبل كسب العيش في السودان. فلولا هذا الغل لتحوط كما ينبغي لحامل دكتوراة مثله من التفريط في لسانه بجهالة ولتحقق من المعلومة في مرجع مناسب.
العلم نور. وهو شفاء لا تشفياً كما قلت قبل نحو 25 عاماً لدي صدور "مذبحة الضعين" لبلدو وعشاري.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.