سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاستفتاء بين تكتيكات الشريكين وإخفاقات أوباما وتهديدات بن لادن (1-2) .. بقلم: إمام محمد إمام
نشر في سودانيل يوم 09 - 01 - 2011

تحاول الحركة الشعبية جاهدة مجاراة المؤتمر الوطني في الاتكاء على أساليب تكتيكية متعددة، بُغية الوصول إلى تحقيق استراتيجية محددة، متعلقة بجعل مُخرجات انفاذ استحقاق الاستفتاء على حق تقرير المصير حول جنوب السودان في التاسع من يناير 2011، ضمن استحقاقات اتفاقية نيفاشا للسلام، تتجه إلى تغليب خيار الانفصال بالنسبة للناخبين الجنوبيين. من هنا حرصت الحركة الشعبية على أن تكون محاور أساليبها التكتيكية ضمن الإجراءات المختلفة للاستفتاء، خاصة تلك المتعلقة بعملية التسجيل للاستفتاء، وأرفقت هذه الأساليب التكتيكية، بمكايدات سياسية، ظناً منها أنها بذلك ستقترب من تحقيق حلمها السياسي بانفصال الجنوب عن الشمال. ووصلت هذه المكايدات السياسية ذروتها في هذه المرحلة الخطيرة من مراحل تنفيذ استحقاقات اتفاقية نيفاشا للسلام، وذلك بترحيب الحركة الشعبية بزيارة عبد الواحد محمد نور رئيس حركة تحرير السودان إلى جوبا، على الرغم من أن الدكتور رياك مشار نائب رئيس حكومة الجنوب ونائب رئيس الحركة الشعبية أعلن يوم الأربعاء الماضي لراديو "مرايا" "أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطة الرئيس عمر البشير لحل أزمة دار فور قبيل موعد الاستفتاء على حق تقرير مصير جنوب السودان"، نافياً "أن يكون الغرض من الزيارة هو العمل على زعزعة الاستقرار في دار فور وإثارة الحرب فيها". ونست الحركة الشعبية أو تناست، أن المؤتمر الوطني يمكن أن يحرض خصومها على القتال، ولكن المؤتمر الوطني رد غاضباً من خلال بعض قيادييه على هذه الزيارة، بالإضافة إلى اتهام الحركة الشعبية بخرق اتفاقية السلام، وتصعيد الأجواء العسكرية، وذلك من خلال إيوائها لقادة حركات دار فور المسلحة في الجنوب. ووصف بعض قياديي المؤتمر الوطني هذا العمل بأنه عدائي واستفزازي، وذهب بعضهم إلى أنه إعلان حرب، وسيسهم إسهاماً فاعلاً في تقويض اتفاقية السلام برمتها، إن لم تتدارك الحركة الشعبية مغبة عملها العدائي. وأكد الدكتور محمد مندور المهدي نائب رئيس المؤتمر الوطني في ولاية الخرطوم "أن احتضان الحركة الشعبية لقيادات حركات دار فور المسلحة في الجنوب وتزويدها بالسلاح والإمدادات والوقود والسيارات يُعتبر إعلاناً للحرب على الشمال". وقال الدكتور مندور لوكالة "رويترز" يوم الأربعاء الماضي "إن حركة العدل والمساواة حركت قواتها إلى الجنوب بهدف التدريب"، مشيراً إلى "أن مساندة الحركة الشعبية لمتمردي دار فور تؤثر (سلباً) على المحادثات الخاصة بالترتيبات الأمنية بعد الاستفتاء"، مشدداً "على ضرورة اتخاذ الحركة الشعبية قراراً بطرد القوات من أراضيه"، معرباً عن أمله في التوصل إلى تسوية لهذه القضية حتى لا تؤثر على الاستفتاء سلباً.
والخطير في هذا التراشق الكلامي، ومشاكسات الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، تبادل الاتهامات بين القوات المسلحة والجيش الشعبي، حيث اتهم المقدم الصوارمي خالد سعد المتحدث باسم القوات المسلحة في تصريحات صحافية يوم الأربعاء الماضي، الحركة الشعبية بتجاوز اتفاق السلام بعد إيوائها قادة حركات دار فور المسلحة في جوبا، موضحاً "أن قيام الحركة الشعبية بإيواء قادة الحركات الدار فورية في الجنوب يصب في خانة الأعمال العدائية وهو مرفوض تماماً من جانبنا، ويُعد خرقاً لاتفاق السلام وسيشكل عائقاً لاستمراره"، منوهاً "لترتيب الحركة الشعبية نشر قوات متمردي دار فور على الشريط الحدودي بين الشمال والجنوب، للتعامل معها في حال انفصال الجنوب بموجب الاستفتاء". بينما اتهم الجيش الشعبي، القوات المسلحة بمهاجمته في الجنوب. وقال قيليب أقوير المتحدث باسم الجيش الشعبي في بيان صحافي "تعرض مواقع الجيش الشعبي في كيرايم بولاية شمال بحر الغزال، لهجوم أسفر عن إصابة أربعة جنود واثنين من المدنيين".
ويذهب بعض مراقبي الشأن السياسي السوداني داخل السودان وخارجه، إلى أن الحركة الشعبية في اتخاذها لمثل هذه الأساليب التكتيكية، والمكايدات السياسية، نسيت أو تناست أمرين مهمين هما: الأول: الخبرة التراكمية للمؤتمر الوطني في استخدام أساليب تكتيكية مختلفة لمواجهة الكثير من القضايا، سواء في عهد الإنقاذ أو ما سبقه من عهود وتقلبات مرت بها الحركة الإسلامية السودانية، لا سيما تلك التي تحتاج إلى إعمال فقه الضرورة، وفقه التقية الذي توسعت فيه الحركة الإسلامية السودانية توسعاً مشهوداً. كما أنها أكثر الحركات السياسية السودانية في اتقان استخدام أساليب تكتيكية في ما يتعلق بالإبطاء الزمني لمسار أحداث معينة لتفادي تداعياته، إلى الدرجة التي أسر إليّ فيها أحد كبار قياديي الحركة الشعبية، عندما التقيته في إحدى زياراته إلى بريطانيا، حيث قال ليّ أنه قال ممازحاً لبعض قياديي المؤتمر الوطني، لكثرة انشغالهم بالتكتيكات، وتجاهلهم للاستراتيجيات "إن الشيخ (الدكتور حسن عبد الله الترابي) علمكم فن التكتيكات وأخفى عنكم حقيقة الاستراتيجيات)، أردت بذلك أن أقول أنه حتى بين قياديي الحركة الشعبية مَنْ يعم علم اليقين إجادة قياديي المؤتمر الوطني لفن التكتيكات وضروبها المختلفة. الثاني: أن الأساليب التكتيكية أحياناً تواجه بأساليب تكتيكية أكثر مضاءً، وأشد حيلة، وأدق توقيتاً، وأكثر إقناعاً من تلك بالنسبة للمتلقين سواء في المجتمع المحلي أو المجتمع الدولي، والأمثلة على ذلك كثيرة، بدءاً من مصالحة الحركة الإسلامية، ضمن مصالحة الجبهة الوطنية، الشهيرة مع الرئيس الراحل جعفر محمد نميري، والانخراط في تنظيماته السياسية، وإنشاء تنظيمات فئوية (الشباب والنساء) موازية، إلى تطبيق مقولة زعيمها الشهيرة "اذهب إلى القصر رئيساً، وسأذهب أنا إلى السجن حبيساً"، ليلة الجمعة 30 يونيو 1989، في مزاوجة لفقهيّ "الاضطرار" و"التقية"، والتي انطلت على دهاة السياسة السودانية، ودهاقنة الاستخبارات الإقليمية والعالمية. فهذا ليس من باب المدح أو القدح لأساليب المؤتمر الوطني التكتيكية، ولكن من باب تذكير الحركة الشعبية أن استخدام الأساليب التكتيكية، سلاح ذو حدين، فعليهم قبل المضي في هذا الطريق معرفة معالمه، وإدراك فوائده ومضاره، قبل الاتكاء عليه عند اتخاذها لقرارات مصيرية مهمة، في مستقبل القادمات من الأيام.
وتبادل الشريكان (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، اتهامات تتعلق بعرقلة عملية ناخبين للاستفتاء، إذ اتهمت آن إيتو نائب الأمين العام للحركة الشعبية عناصر في الحزب الحاكم بمنع الجنوبيين من السفر إلى الجنوب، وعرقلة تسجيلهم في الشمال. وكانت إيتو قد دعت في تصريحات صحافية المجتمع الدولي إلى التدخل من طريق زيادة عدد المراقبين الدوليين، بعدما لمح المؤتمر الوطني إلى امكان عدم قبوله نتائج الاستفتاء. بينما هدد المؤتمر الوطني بعدم الاعتراف بنتيجة الاستفتاء لجنوب السودان، "إذا لم تتدارك المفوضية القومية للاستفتاء الخروقات الكبيرة التي تتم في عملية التسجيل للاستفتاء". وازدادت نبرات التصعيد، وتصاعدت وتيرة التوترات بين الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) مع اقتراب موعد انفاذ استحقاق الاستفتاء على حق تقرير المصير حول جنوب السودان في التاسع من يناير المقبل، الذي تبقى له 42 يوماً فقط، حيث لازمت عملية التسجيل للجنوبيين في الشمال بعض العقبات، انعكست في ضعف واضح في إقبال الجنوبيين على التسجيل، ونتيجة لبعض المضاغطات من هنا أو هناك، بدأ الآلاف من الجنوبيين موسم هجرة من الشمال إلى الجنوب. واتهم الدكتور محمد مندور المهدي نائب رئيس المؤتمر الوطني بولاية الخرطوم في مؤتمر صحافي بالخرطوم، الحركة الشعبية بارتكاب خروقات واضحة لعرقلة عملية التسجيل للاستفتاء في ولاية الخرطوم، وممارسة الترهيب والتهديد للجنوبيين الذين يعملون على حث المواطنين الجنوبيين على التسجيل. وعدد الدكتور محمد مندور المهدي هذه الخروقات ب50 خرقاً، منها التهديد بالسلاح أو الطرد من داخل المراكز بواسطة بعض قياديي الحركة الشعبية، والتهديد بالقتل. واستغرب السيد سلفا كير ميارديت النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب ورئيس الحركة الشعبية من تقدم المؤتمر الوطني بشكوى للمفوضية القومية للاستفتاء، متهماً الحركة الشعبية بمنع المواطنين الجنوبيين من التسجيل للاستفتاء، وحول خروقات في عملية التسجيل.
وفي تطورٍ لافتٍ، اتهم الدكتور لام أكول رئيس الحركة الشعبية – التغيير الديمقراطي في مؤتمر صحافي بالخرطوم، جهاتٍ، لم يسمها، تسعى لعرقلة عملية تسجيل الجنوبيين للاستفتاء، خاصة في ولاية الخرطوم، والولايات الشمالية بصفة عامة، وأن هذه الجهات تهدد الجنوبيين بالقتل والطرد. واستبعد الدكتور أكول نزاهة العملية، وحرية التصويت.
وفي ظل هذه التوترات، لم يجد السيد علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس المؤتمر الوطني للشؤون التنفيذية، سوى التأكيد على أن الاستفتاء سيجري في موعده المحدد في التاسع من يناير المقبل، وأن الحكومة السودانية ستعترف بنتيجة الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب، شرط ألا تحدث أي تأثيرات جانبية أو تشويشات عليه، حسب نص اتفاقية نيفاشا للسلام، مؤكداً دعم الدولة الكامل لخيار الوحدة الطوعية بين الشمال والجنوب. وتعهد احترام نتائج الاستفتاء، إذا كانت تلبي بصدق رغبة المواطن الجنوبي.
وأحسب أنه في إطار استخدام الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، واشتداد مشاكستهما، وضراوة خلافاتهما، في ما يتعلق بمسار عملية التسجيل للاستفتاء، لم تجد المفوضية القومية للاستفتاء مناصاً من اللجوء إلى جامعة الدول العربية، وإن كان حالها في ذلك، حال "المستغيث بعمرو عند كربته، كالمستغيث بالرمضاء من النار"، إذ طالبت المفوضية القومية للاستفتاء، جامعة الدول العربية بالتدخل لإثناء الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) عن تبادل الاتهامات، وخلق جو ملائم يساعد المفوضية في أداء عملها.
أخلص إلى أن المجتمع الإقليمي والدولي يرقب بشيء من القلق، وكثير من الاهتمام، قضية انفاذ استحقاق الاستفتاء على حق تقرير المصير حول جنوب السودان في التاسع من يناير المقبل، بحرية ونزاهة وشفافية وسلاسة وسلام، إذ ان الفشل في الايفاء بهذا الاستحقاق الذي يُعد من أبرز استحقاقات نيفاشا للسلام التي أرست السلام والاستقرار لأكثر من خمس سنوات، يعني حدوث كارثة لا تقتصر مخاطر تداعياتها على الشمال والجنوب، بل تمتد نيرانها إلى القارة الأفريقية بأكملها. فلا غرابة أن تسارع المجتمع الدولي والمجتمع الإقليمي إلى عقد سلسلة من اللقاءات والملتقيات، ولم يغب الشأن السياسي السوداني في أي مؤتمر أو اجتماع أو ملتقى على المستويين الإقليمي والدولي، من أجل بذل الجهود لحسم القضايا الخلافية العالقة بين الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) قبل إجراء الاستفتاء في التاسع من يناير المقبل. وبدأت تترى التحذيرات من شركاء الايغاد ودول الجوار، عرباً وأفارقةً، والمجتمع الدولي، غرباً وشرقاً، حكوماتٍ ومنظماتٍ، إضافة إلى مؤسسات ومعاهد ومراكز أبحاث محلية وإقليمية وعالمية، كل ذلك خشية أن يحدث ما لا يُحمد عقباه، نتيجة للإفراط في استخدام الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) أساليب التكتيكات والمشاكسات والمكايدات السياسية، وتجاهل أهمية التركيز على الاستراتيجيات في هذه المرحلة الخطيرة والمنعطف الخطير في تاريخ السودان الحديث. من ذلك تحذير ملس زيناوي رئيس الوزراء الأثيوبي من عواقب مروعة لأفريقيا، إذا عاد السودان إلى الحرب بعد استفتاء تقرير مصير الجنوب. وقال زيناوي "يتعين علينا فعل كل شيء في استطاعتنا لمنع حدوث أي حرب"، مضيفاً "أن البديل سيكون بالغ التدمير ليس للسودان أو القرن الأفريقي فحسب، بل للقارة بأكملها". وقال وليام هيغ وزير الخارجية البريطاني في كلمته أمام اجتماع مجلس الأمن حول السودان يوم الثلاثاء 16 نوفمبر الحالي في نيويورك "إن من شان سودان مستقر أن يساعد في بناء الأمن والازدهار في المنطقة، ويعني ذلك أن السودان لن يعود ثانية ليصبح قاعدة للإرهاب أو مصدر للاجئين الفارين إلى الأقطار المجاورة، والأهم من ذلك، أنه سيساعد الشعب السوداني في الحصول على المنافع الملموسة للسلام الذي داعب أخيلتهم ردحاً طويلاً من الزمن". كما حذرت "مجموعة الأزمات الدولية" كلا من حكومة الخرطوم وجنوب السودان من "المراهنة" على اتفاق سياسي في اللحظة الأخيرة قبل الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب. وقالت إن فشل المفاوضات يمكن أن يغرق المنطقة في الفوضى من جديد. حتى إسرائيل أدلت بدلوها في هذا الخصوص، محذرة من تدهور الوضع الأمني في جنوب السودان، حيث صدر عن مركز بحوث الأمن القومي الإسرائيلي تقريراً بعنوان "السودان قبيل التفكك.. عن النفط والاستفتاء الشعبي والتدخل الأجنبي"، يشير هذا التقرير إلى أن "الاستفتاء الذي يزمع اجراؤه في 9 كانون الثاني (يناير) 2011 يرمي الى الحسم اذا كانت ستضاف دولة أخرى إلى المنطقة، وليس أقل. جنوب السودان، الغني بالنفط وبغالبية سكانه المسيحيين أو عبدة الأصنام، سيقرر إذا كان سينفصل عن الشمال المسلم في معظمه، الشحيح بالنفط والذي يتطلع الى تطبيق قانون الشريعة على كل الدولة. مع أن الخلافات التي تهدد وحدة السودان ليست من نصيبها وحدها فللشكل الذي توزع فيه الطوائف والقبائل في الشرق الأوسط أرباح النفط بينها ثمة تأثير جوهري على المنطقة بأسرها. ولكن، خطير على نحو خاص هو الوضع في السودان الذي من شأنه أن يتدهور، مرة أخرى، إلى حرب أهلية، حيث يتسلح فيها الطرفان حتى الرأس، ويبحثان عن دعم من لاعبين خارجيين، لها مصالح جوهرية في السودان". ويكشف التقرير اهتمام إسرائيل باستفتاء السودان، إذ يقول ".. مع أن اسرائيل كفيلة بأن تكسب دولة تقيم معها علاقات دبلوماسية (مسؤولون في حكومة جوبا أبدوا في السنة الأخيرة استعداداً لذلك)، وهو أمر ليس بسيطاً في منطقتنا، ولكنها كفيلة ايضاً بأن تعاني، على الأقل في المدى القصير، من تعاظم وتيرة التسلل عبر حدودها المنفلتة في الجنوب إذا ما تدهور الوضع الأمني في السودان".
وفي الحلقة الثانية من هذه العُجالة سنبسط القول حول إخفاقات الرئيس الأميركي باراك أوباما في سياساته الخارجية، بما فيها سياسته تجاه السودان، وتأثير تطورات الأحداث في كوريا ولبنان على المشهد السياسي السوداني، وبحث ين لادن وقاعدته لمواطئ قدم في السودان، ومضاعفة تهديداته لأميركا، إذا تجددت الحرب بين الشمال والجنوب، أو كما قال زيناوي إن الحرب الشاملة في السودان "محتملة وليست حتمية". والمأمول أن يعمل الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) جاهدين على تفادي تجدد الحرب، واستدامة السلام والاستقرار في السودان.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ".
وقول الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى:
وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيْمَةً وَتَضْرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ
فَتَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَا وَتَلْقَحْ كِشَافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ
Imam Imam [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.