إكرام الميت دفنه .. عبارة تتردد كثيراً هذه الأيام لتشييع جثمان فقيد الوطن "جنوب السودان" .. وكان أكثر المتسارعين لمواراته الثرى أهله من القبائل الجنوبية.. ليس بهدف إكرامه بل ليبدأوا في توزيع التركة البترولية التي طالما سال لها لعابهم.. ودفعتهم لقتله .. دون أدنى اهتمام منهم بالعمل على تسديد ديون الفقيد التي تزيد على 18 مليار دولار .. ولسان حالهم يقول يدفعها الشريك الرئيس "الشمال" بحجة أنه دفعهم للإنفصال، وبالتالي هو المعني بدفع الديون، ويتوقع أن ينأى كل واحد منهما بنفسه عنها.. "وأضان الحامل طرشة"، خصوصاً وأن الخارجية السودانية، حلفت باليمين بأن الخرطوم لا تنوي أن تأخذ على عاتقها كامل الديون السودانية، مكذبة ما قاله كارتر لشبكة سي إن إن الاميركية، بأن الرئيس السوداني عمر البشير قال له إن هذه الديون المقدرة ب 36 مليار دولار، ينبغي أن تؤول الى السودان الشمالي في حال انفصال الجنوب. وفي قمة تسابقهم لإكمال مراسم الدفن .. لم يبد أي واحد منهم أي اهتمام .. بحادثة القتيل.. وكأنه مات فطيسة .. قضاء وقدر.. ولم يشعر أهله بفقده .. قتلوه وأنكره قاتلوه .. والتفوا في كفنه .. لإخفاء خيبتهم وفعلتهم القبيحة التي لا يقرها عقل أو دين .. فقط كتبوا في صفحة الوفيات " إنتقل إلى رحمة الله تعال ثلث السودان عن عمر يناهز آلاف السنين، ومساحة 250 ألف ميل مربع، ويتلقى ذووه التعازي فيه على الإيميل WWW.SUDAN.COM.. وعلى إمتداد السودان من وادي حلفا شمالاً حتى نمولى جنوبا .. نصبت السرادق لإستقبال المعزين، وتصدر السؤال عن القاتل الحقيقي ثرثرة ومحاور تجمعات التعازي .. هذا يتهم ذاك وآخر يتهم آخر.. وفي الأخير سجلت المحاكم الرسمية والشعبية في حيثياتها أن القاتل مجهول .. تاركة مهمة البحث عنه للأجيال المقبلة على الأقل ليعرفوا ما ارتكبه أجدادهم من جريمة شنعية .. ذبحوا الجنوب بسكين خرساء ليذرف الدماء لتخط على أرض الوطن " وأي وطن أضاعو" . بعد دفن جثمان الفقيد يخشى أبناء العمومة من إنفجار الوضع، لما سيواجهه أهله من صعوبة في التعامل مع المستجدات من غير والٍ يساعدهم في إتخاذ القرارات، بعد أن ترك لهم الحبل على الغارب، لتطل المشاحنات القديمة برأسها من جديد بين أبناء الجنوب، وكأنهم لسيوا أخوان بل من سحنات مختلفة، وبالأمس القريب هاجم مسلحون من قبيلة المسيرية العربية السودانية، موكباً جنوبياً عند الحدود بين الشمال والجنوب، ما أودى بحياة 10 مدنيين جنوبيين واصابة 18 آخرين. بقي أن نقول أنه يجب على الشريكين أعني الدولتين الشمالية والجنوبية، العمل سوياً على تسوية مسائل أساسية، في مقدمتها الأمن، المواطنة،احترام المعاهدات الدولية والاقتصاد، قبل يوليو المقبل، اضافة لتقاسم الديون والثروة النفطية التي تتركز 80 في المائة من مواردها الأساسية في الجنوب. وبعد مواراة الفقيد الأول " الجنوب .. هل ستتاح الفرصة ل" سفلة" جدد لتفكيك الوطن الذي كان متماسكاً ؟ هل يستمر اللون الأسود الداكن وشاحاً لنا حزناً على وطن أضعناه ؟ هل سنسمح لأي سفلة آسف لإستخدام هذه الكلمة للمزيد من التمزيق لهذا الكيان ؟ لا أدري إن كان إسماعيل الأزهري لا زال حياً بيننا أيرضى بهذا التفتيت المميت للوطن ؟ ألف سؤال وسؤال تطرح نفسها بشدة هذه الأيام على وريقة ممزقة لكثرة تجاذب أبناء الوطن لها ، متسائلين عن مصير بلادهم .. بعد الإنفصال الذي سيفتح كل الجبهات كما ذكرت سابقاً للمطالبة بتكرار ذات السيناريو .. وهذا كبير مساعدي الرئيس السوداني السابق رئيس حركة تحرير السودان ميني آركو مناوي ينادي من الجنوب بصوت عال بإنفصال الغرب وقال مهدداً حكومة الشمال " إذا كان خيار الجنوبيين الوحدة فإننا سنعمل على تحقيق التحول الديمقراطي ووضع دستور جديد في السودان بعد حوار شامل بشأن الأوضاع كلها، وعدم تكرار تجربة الشريكين في الحكم كما كان حادثا من قبل، ولا بد من إشراك كل القوى السياسية في بناء السودان الجديد، أما إذا كان الخيار للإنفصال فهذا يعني أن نعطي كل الأقاليم السودانية حقها في أن يتم استفتاء لها حتى لو أدى ذلك لإنفصالها، وبعد الانفصال فإن الحكومة التي تحكم الرقعة المتبقية من السودان ستصبح فاقدة الشرعية الدستورية والهوية" إنتهى كلام مناوي .. ونفهم من مضامينه أنه يسعى لأن تصبح الحكومة بدون أية شرعية تستند عليها، ليسهل الإنقضاض عليها.. ما يهمنا هنا ونرفضه بشكل قاطع دعوته الصريحة للإنفصال وإعطاء كل الأقاليم السودانية نفس هذا الحق.. فيا مناوي وكل دعاة التجزئة والإنشطار للوطن نقول لكم كفاية .. كفاية التأريخ لن يرحم . والله من وراء القصد