عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. شاب سوداني يذرف الدموع ويودع شقيقته العروس بأبيات شعر مؤثرة    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أنت سوداني وسوداني أنا "رسالة إلى حفيد التهامي" .. بقلم: معتصم كدكي
نشر في سودانيل يوم 19 - 02 - 2011


"إننا قوم منقطع بنا فحدثنا أحاديث نتجمل بها "
الطيب صالح


العزيز أحمد
أنا مدين لك بكثير من الود والمحبة..مدين لك بأجمل الأيام التي اخترقت جدار العمر عبر بوابة الأحزان..

العزيز أحمد
أتذكر انك كنت دائما بجانبي في أقسي سنوات العمر..تحملتني بكل ود ومحبة ونقاء وطهارة إنسان كردفان. كنت مثلا حميداً علي أن السودان بلداً واسع الأركان ومتعدد المناخات والأوطان والسحن والألوان لكن هنالك شئ واحد يميز كل ذلك ألا وهو "صفاء الإنسان". تلك أشياء لا نعرف قيمتها إلا بعد أن نتشتت في المنافي ونتبعثر في غياهب الشعوب الأخرى ونحاول أن نتحسس الإنسان في تلك الأماكن، عندها ندرك أن الإنسان لدينا لا يخترقه الصدأ ونادر الوجود في شعوب الأرض الأخرى. ففي دنيا يتحكم فيها الدولار والكمبيوتر ووصلة الهاتف نجد أن الأرض تحولت إلى ما يشبه النسخ المتشابهة في سعي الإنسان نحو النموذج الاستهلاكي اللاهث نحو الامتلاك والاستمتاع دون النفاذ إلى ما وراء ذلك الجدار القصير.

العزيز أحمد
تلك الشعوب عندما نلمس قلوبها نجدها قد تحجرت وعندما نسعى لدفئها نجد أن برودتها أقسي من "السكا"، وعندما نبرهم بشئ من دفئنا نجد أن عيونهم تجحظ وأفئدتهم تضطرب وكيانهم يتزلزل ويتسألون من "أين أتي هؤلاء؟"، لا كما تسأل صاحب السؤال ولكنهم يرنون بالدهشة تجاه الضفة الأخرى للسؤال.

العزيز أحمد
زملائي من شمال الوادي كما قابلتهم لأول مرة قالوا لي نحن "نحبكم" - رغم أننا لا نقول لهم شيئا من هذا القبيل - ثم يردفون "أنتم قوم علي الفطرة". هذا التعبير استعصي علي أول الأمر لكنني أدركت بعدها أنهم يعنون أننا كأننا ولدنا تواً، ما زلنا نحتفظ بكل بهاء الميلاد الأول ولم نتلوث بأدران الفانية وروثها.

العزيز أحمد
أنا غريب هنا وسط أقوام تصيبهم الحيرة إلى أي الأصناف من الأمواج البشرية يمكن أن نضاف. فالمكانة واللغة والثقافة تفرض شيئاً ولكن هنالك شيئاً ما غائب ومحير. وعندما لمحت شيئاً ما بين عيني مُضيفي قلت له :" عندما تنظر إلى تجدني وقد شوتني الشموس ، أتكلم بنفس اللغة لكن إيقاعي سريع، نفسي حار، وأفكاري تتقافز إلى مكان بعيد، أدري أنك تصاب بالإرتباك وتتساءل لماذا أنا لا من هذا ولا من ذاك. هذا لأنني أجمع بين ذاك وهذا. أنت عندما تراني تري هذا ولكن لكنك لا تري ذلك النيل الذي يتراقص في داخلي والأمطار الدائمة الانهمار والسهول التي تبتلع النظر، لا يمكنك أن تري تلك الجبال الشامخة وتلك الرمال اللامعة، ليس بإمكانك أن تشتم عبق تلك الغابات المضمخة بعبير الأمطار ورائحة ذاك الثري المبلل بعبق الأزمان السحيقة. ليس بإمكانك أن تسمع تلك الأصوات القادمة من زمن ما ، والأنفاس اللافحة لشئ ما وأن تري تلك الجذور الضاربة في ارض ما".

العزيز أحمد
أنني أتذكر أن في تلك اللحظة التي كانت أم عبد الله الأحمر في الأندلس تعيره بضياع ملك شيده الرجال وهو يبكي عليه كالنساء وأن في العام الذي وصل فية "كولومبوس" إلى ارض الأحلام (بلاد العم سام) كانت هنالك عملية حيثية تجري بين ضفتي النهرين في بلادي انتهت بإعلان ميلاد واحدة من أوائل الدول التي حملت النور في أحشاء القارة السمراء. لم يأتي غازي ولا فاتح ولم يكن هنالك قتال. ليس سوي أن شدوا علينا فأثخناهم بالنبال وانتهي الأمر. امتزجت ألوان وامتزجت اللغات والعادات والأديان. وظل الناس يتوافدون من هنا إلى هناك ومن هناك إلى هنا دون حرج ولا عصبية. لم ننشد لهم "أمريكا..روسيا قد دنا عذابها" ولا " يا نفسي مالى أراك تكرهين الجنة" ولا وعدنا شبابنا بالحور العين مقابل أن نستأصل شأفة هؤلاء الذين يقع في خاطرنا أنهم من عبده الشيطان.

العزيز أحمد
نحن من هؤلاء وإلى هؤلاء وعندما تملأ تلك الوجوه الملونة عيني أحس بالراحة والاطمئنان.أتذكر أن السيدة "هاجر" زوج سيدنا إبراهيم علية السلام وأم سيدنا إسماعيل جد العرب كانت من بلاد النوبة وأتذكر أن "كوش" كانت حاضرة في ثنايا التوراة. وفوق كل هذا أتذكر أن النبي (ص) في رحلة الإسراء والمعراج رأي أربعة أنهار في الجنة : نهران ظاهران ونهران باطنان والظاهران ذكر بعض العلماء أنهم النيل والفرات وقيل أن معني هذا أن رسالة الإسلام ستتوطن في الأودية الخصبة وسيكون أهلها حملة الإسلام جيلا بعد جيل. وعندما أقرأ أن ابن كثير في تفسير سورة الواقعة نقل عن الرسول (ص) انه قال: "ألا وإن من آدم إليَّ ثلة وأنا وأمتي ثلة ولن تكتمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له". وعندما يخطر ببالى كل ما قيل يدخلني الإحساس بأننا من هؤلاء لم يفسدنا بعد شح الزاد كما غيرنا ولا أبطرنا توفر النعمة بعد الجدب والمحل.

العزيز أحمد
إنني افخر دائما بإنسان بلادي وسط تلك الشعوب ويطربني ذلك الإطراء الذي يدق طبول اذني ويزداد فخري ليس لذلك الإطراء فحسب، بل لان ذلك الإطراء ليس لأننا لدينا ذهب المعز أو سيف الوليد، بل لان لدينا شيئا آخر لا تستطيع شعوب الأرض الأخرى شراؤه بالمال أو اقتناؤه بسلاحهم ألا وهو "صفاء الإنسان" و"قوة الإيمان". العزيز أحمد قرأت ذات مرة مقالة ل"خافيير سولانا" مسؤول الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي يعدد فيها ثروات السودان العديدة والعظيمة ويختمها بان أهم ثروة لدينا هي "الإنسان". وقيل أن العديد من المستعمرين والذين صحبوا المستعمرين والذين عاشوا فترة من الزمن في السودان وعاشوا بين أهله تعذر عليهم العيش وسط شعوبهم بعد أن عادوا إلى بلدانهم. أنظر إلى تلك الأسماء والألوان والإيقاع تجد أن هؤلاء تركوا ورائهم حياة عظيمة لينمو غرسهم في أرض أعظم. وهنا استحضر أنه قيل أن "جميس روبرتسون" آخر سكرتير إداري في السودان سئل عن أي الشعوب التي خدم فيها أصعب علي الحكم فقال في غير تردد:

"الشعب السوداني. فهم مهذبون وذو طبيعة طيعة وفخورون ولكنك لا تستطيع التكهن بما سيفعلون. هنالك شئ واحد مؤكد هو انه حتى العامل الذي يخدمك بأدب وانصياع يكاد يجعلك تشعر بأنه أفضل منك لأنه في نهاية المطاف سيدخل الجنة في الوقت الذي ستذهب فيه أنت إلى النار".

العزيز أحمد
قرأت ذات مرة لأديبنا الشامخ "الطيب صالح" انه قال أن أحب أعماله لديه هي "بندر شاه" فأصابتني الدهشة. فقد كنت قد قرأت كل أعماله منذ سن باكرة ما عدا "بندر شاه". لكنني ما قرأتها إلا وتحسست صدق مقالته وعمق وده ودفئه وحسن تقديره لذلك الإنسان. في تلك الرواية جاء "ضوء البيت" من عمق النهر جريحاً غريب السحنة واللغة والديانة فانتشلوه وصنعوا له حياة جديدة بعد شفائه، منحوه اسماً وداراً وأرضاً وديناً. وفي خطبة تنوير "ضوء البيت" بشروط الإقامة وسط أهل تلك البلاد قبل إعتماده رسميا – كما هو قسم الولاء عند منح الجنسية عند الاوروبيين - خطب الشيخ "محمود" مبينا حال وجوهر الإنسان الذي سينتمي إلىه ضوء البيت فقال :

" يا عبد الله.نحن كما تري نعيش تحت ستر المهيمن الديان. حياتنا كد وشظف لكن قلوبنا عامرة بالرضي وقابلين بقسمتنا ال قسمها الله لنا. نصلي فروضنا ونحفظ عروضنا، متحزمين ومتلزِمين علي نوايب الزمان و صروف القدر. الكثير لا يبطرنا والقليل لا يقلقنا، حياتنا طريقها مرسوم ومعلوم من المهد إلى اللحد. القليل ال عندنا عملنا بسواعدنا ما تعدينا علي حقوق إنسان ولا أكلنا ربا ولا سحت. ناس سلام وقت السلام وناس غضب وقت الغضب. ال ما يعرفنا يظن اننا ضعاف اذا نفخنا الهوا يرمينا، لكننا في الحقيقة مثل شجر الحراز النابت في الحقول. وأنت يا عبد الله جيتنا من حيث لا ندري، كقضاء الله وقدره، ألقاك الموج علي أبوابنا، ما نعلم أنت مين وقاصد وين، طالب خير او طالب شر. مهما كان نحن قبلناك بين ظهرانينا زي ما نقبل الحر والبرد والموت والحياة. تقيم معنا لك مالنا وعليك ما علينا. إذا كنت خير تجد عندنا كل خير واذا كنت كنت شر فالله حسبنا ونعم الوكيل."

قبل "ضو البيت" شروط الإقامة وكان حسن السيرة ولكنه طمع في مزيد من الحب والكرم فأراد ان يكمل نصف دينه كما يقول دينه الجديد. وأنت تعرف سكان تلك الأماكن قد يسقونك دماً من أوردتهم ويقتطعون لك قطعة من قلوبهم ولكنهم لا يزوجون نسائهم للغريب كما في كل بقاع الأرض. وفي ذلك الموقف العصيب عاد الشيخ "محمود" بالقوم من سماوات الدنيا الفانية إلى عتبات الدين الحنيف فخطب في القوم قائلا:

" نحن لما آخينا "ضوء البيت" هنا في هذا المكان، وقلنا له ليك ما لنا وعليك ما علينا، كنا نتكلم كلام رجال مو كلام وليدات، كلام جد ماهو هزار، الخوه واحدة مو اتنين والدين واحد مو اتنين. لا يوجد دين للحياة ودين للموت، وصداقة في الشغل وفي الزواج لا. ضوء البيت اصبح زينا ومتلنا علي الخير والشر، في الحارة والباردة، ومادام طلب مصاهرتنا علي سنة الله ورسوله فاهلا وسهلا بيه ومرحبا به مرحبتين"

ما كان من القوم بعد إلا أن أفاقوا من غيبوبة الدنيا وفاءوا إلى حظيرة الإيمان في لحظه فارقة فكانت "نعمة" زوجة لأخ الدين المجهول الهوية والنسب وما كان للغريب إلا أن يكون حسن السيرة عطر والفعل إلى أن غاب في عمق النهر مرة أخري. ما كنت احسب أن "ضوء البيت" لو قدر له البقاء في دنيا الله الفانيه سيعود إلى أي مكان آخر بعد هؤلاء القوم، ولازلت اعتقد أن "ضوء البيت" مازال موجودا بيننا بشكل أو آخر في كل الأماكن وكل الأوقات. ورغم أنني لا أكاد اجزم هل من حسن حظ أو سوء حظ الآخرين أن تتقاطع طرقهم معنا فيفقدوا كل حياة سابقة لهم قبلنا ويجعلهم ذلك غرباء بين أهلهم وعشيرتهم إلا أنني اعتقد جازما في آخر الأمر أن كل ذلك يجعلني أردد بفخر " أن يولد المرء سودانياً فهذا بمثابة الفوز بالجائزة الأولي في يانصيب الحياة"

العزيز أحمد
هناك من شيدوا بنقودهم افخر البيوت واشتروا أجمل النساء. هؤلاء القوم ركبوا أفخم السيارات وبنوا أجمل المدارس والجامعات واشتروا حتى نتائج مباريات كرة القدم وزيفوا التاريخ ليبدأ من حيث ارتفع برميل النفط وذلك لأن النقود تفعل كل شئ:

إن الدراهم في المواطن كلها ** تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحتة ** وهي السلاح لمن أراد قتالا

ومع ذلك ظلوا يرنون بنظرهم إلى إنسان السودان الكادح الممصوص من التعب والاستغلال بطرف عصي من الإعجاب. أن النقود تفعل كل شئ لكن ثمة أشياء لا يشتريها المال ليس أقلها سعادة الدنيا ولكن المال مع كل سطوته لا يستطيع أن يشتري "صفاء الإنسان" و" نقاء السريرة " و" بياض الضمير". تلك صفات تعبر عنها نكتة عابرة في تلك الصحاري المتوهجة. فقد قيل أن أميراً مشهوراً كان يمتطي سيارته الفارهه التي تطوي الأرض طياً عندما أبصر بسوداني - أظنه راعي أغنام - يتهادي في الطريق الشاق الطويل والشمس تكاد تبتلع الأرض بلهيبها. فأمر السائق بالتوقف ودعا السوداني للركوب ومن ثم أراد التبسط مع السوداني وسأله بعض الأسئلة وعندما أتي الدور علي السوداني في السؤال سأل الأمير:"الأخ ما تعرفنا؟" فما كان من الأمير إلا أن أجاب بأريحية :" أنا الأمير خالد بن الوليد" فأجابه السوداني بسرعة البرق: " وأنا خليفة المؤمنين عمر بن الخطاب".

العزيز أحمد
إنا دائما الفخر بأنني انتمي إلى بلاد ينتشر فيها قطاع الطرق في كل الأنحاء. ففي بلادي يقطع الناس الطريق علي السيارات والمارة ويجبرونهم علي التوقف والنزول لتناول الطعام والشراب في مساء رمضان. هؤلاء قوم ليسوا أغنياء من زاد الدنيا والكدح والشظف بادي علي وجوههم وجلودهم إلىابسة وعروقهم الناتئة لكنهم يعرفون قيمة إطعام الطعام وإدخال السرور في النفوس علي شح ما عندهم من زاد الدنيا. هؤلاء قوم وقع في خاطرهم "عيب الزاد ولا عيب سيدو" فجادوا بقلتهم ونشد منشدهم " قليلتي ولا ضبائح طي". هؤلاء أناس ساقوا المحمل إلى بلاد الحرمين لسنوات طويلة وذاعت أسماء سلاطينهم وبيض أياديهم في جنبات جزيرة العرب.

العزيز أحمد
في بلادي يجود الناس بمالهم وأرواحهم فداء الآخر. ففي المدينة الثرية في الزمن الغابر بحصادها وكرم رجالها تناقل الناس أن التجار توافدوا ليلا وفجرا علي بيت الثري ورجل الاحسان الشهير الذي أفلس من حطام الدنيا لا ليطالبوه بديونهم ولكن ليمزقوا صكوك ديونهم عليه إعترافا بفضلة وشهامته وحبا في الله. وهي ديونا ما كانت تحسب بالدرهم والدرهمين ولكن الكبار دائما كبار.

وتعظم في عين الصغير الصغائر * * وتصغر في عين العظيم العظائم

وفي بلادي يجود الناس بمالهم وأرواحهم فداء الفكرة. ففي بلادي أرسل الخليفة عبد الله قائدة ود النجومي مسلحا فقط بعزيمة الرجال وبزاد الإيمان لفتح مصر إلا أن ود النجومي في زحفه الذي كان يوقن بخسرانه ما تراجع وما تزحزح. وزحف المجاهدون إلى الأمام ليس مطلبهم إلا نصراً لا يملكون عدته أو شهادة في متناول أيديهم. و قد صور المرحوم محمد القاسم حاج حمد مشهد هؤلاء الرجال الزاحفين بإصرار إلى نيل النصر وهم لا يملكون من حطام الدنيا شيئا بقوله :

" كان الصبر السوداني المشبع بقوة الإيمان هو الحامل الوحيد لأجساد عطشي رفض كبرياؤها التهالك علي رمال الصحراء، فقدوا ماتوا وقوفاً وهم ينظرون إلى ذلك النيل الذي يجري أمامهم "

وفي سفح كرري برزت معادن الرجال. رفع الخليفة يعقوب "جراب الراي" سيفه وهو يصرخ : " تبلديه وقعت.. تبلديه وقعت " واندفع حتي استشهد. ورغم أن "إبراهيم الخليل" كان مصرا علي القتال ليلا إلا انه انهي الجدل : " المهدية مهديتكم ونحنا قدنا بنسدو لكن نُصرة مافي" وكان من أوائل من استشهد. وعندما شرعت مدافع المكسيم في حصد الرجال قرر جمعا منهم إعطابها بإدخال رؤوسهم في جوفها وهم يتصايحون "الله اكبر ..الله اكبر" والله اكبر! وقد أشاد – وقومي ليسوا في حاجة لإشادة من احد - رئيس وزراء بريطانيا وحامل جائزة نوبل "تشرشل" الحاضر أثناء المعركة بأولئك الرجال وعظمتهم. فقد كانوا رجال فوق الرجولة ونفوس تتسامي علي صغائر الفانية. وفي ثورة 1924م استشهد عبد الفضيل الماظ ممسكا مدفعة وفي أكتوبر كان القرشي شهيد الثورة الأول وكان بابكرعبد الحفيظ وحران وبخيته الحفيان وفي ابريل كان الشهيد عبد الجليل طه و أزهري مصطفى و بول مادتوت ، و محمد الحسن فضل الله و الطفلة مشاعر محمد عبدا لله.

العزيز أحمد
نحن الآن نتبعثر ونتدحرج في لاشئ. في الامبراطورية التي غربت عنها الشمس يقولون: "إن الحجر المتحرك لا ينمو فوقه العشب". ونحن أحجارنا دائمة التحرك وبل التدحرج. أنت من هناك وأنا من هنا ولكننا من نفس القوم ونفس الأرض ونتنفس نفس الهواء وكذلك أخي "ملوال" وصديقي "أوشيك". فإلى متي تتبعثر أحجارنا و تتناثر إزهارنا. وإلى أين يذهب ذلك الوطن الذي أحببناه وأحبه الناس في كل بقاع الأرض. العزيز أحمد قف في قارعة الطريق في أي ركن من أركان الدنيا – أنا لا أسال عن الحب - وأسال بكل اللغات العالم هل تجد احد يكرهنا؟ أنا علي يقين انك لن تجد عاقلا واحدا يفعل ذلك. فلماذا نوجه سهامنا إلى صدورنا ونصلب أغلي ما نملك فوق مشنقة الأوهام.

العزيز أحمد
أنا أحببت سودننا القديم كثيرا واعتز به كثيرا واقرأ مقالة "ثريا العريض" – "أنهم لا يصدأون" - الاف المرات وتطربني عشرات الحكايات الجميلة عن سودانيين مبعثرون في بقاع الأرض، ليس فيهم واحد من أبناء عمومتي أو بنات خؤولتي و لكني صرت الآن أنكس راسي عندما اسمع أن العامل الآسيوي يسأل: "سودان في يجي اتنين" أو يسأل الخليجي"ايش في في دارفور" أو يدعي قادم من وراء البحار انه سيبين لنا كيف نحافظ علي الوطن ونجنبه المآسي وهو يلعب دور صاحب "المديدة حرقتني" و"الحجاز" في آن واحد.

العزيز أحمد
أنا لا أريد سودانا مُنقَذاً أو سودانا جديداً، بل عودوا بنا إلى السودان القديم إلى أقدم سودان عرفه الناس. فكلما رجعنا إلى الوراء عرفنا كيف نحسن التقدم إلى الأمام.
معتصم كدكي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.