شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في رثاء الرئيس عبد الرحيم محمود ... بقلم: د. شهاب فتح الرحمن محمد طه
نشر في سودانيل يوم 22 - 03 - 2011


أستغفر الله العظيم
من لوعتي و مناحتي
ومرارتي وتعنتي
من ذلك النبأ اللئيم
يوم أن رحل الأمير عبد الرحيم
رحل الكرم، رحل الفهم
رحل الحَكم، رحل العَلم
رحل النضيف، رحل العفيف
رحل الحليم
رحل العطوف عبد الرحيم
كل البلد أصبح يتيم
إستغفر الله العظيم
فلنرضى بالفقد الأليم
ولنرضي بالوجع المقيم
عزاؤنا أن الأمين عبد الرحيم
في ضيافة الرب الكريم
في أعلى جنات النعيم
ولكنها مدني العزيزة االباكية
من العسير لحالها أن يستقيم
بعد أن رحل الحكيم كبيرها
عبد الرحيم
غاب الزعيم، غاب الفهيم
غاب الحليم
وترك المكانة خالية
في زمن يسوده الفكر السقيم
رحم الرحيم عبد الرحيم
وأستغفر الله العظيم
أستغفر الله العظيم
أستغفر الله العظيم
**********


عبد الرحيم محمود، رجل يضاهيه الوطن
و معهد دراسات أخلاقية الحُكم الرشيد
بدأ السيد عبد الرحيم محمود، حفظه الله، حياته مثله مثل الكثير من أبناء هذا الوطن العظيم، مفتش زراعي في مشروع الجزيرة العملاق، في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، و تدرج تدرجاً مستحقاً في السلك الوظيفي و لكنه تمييز بالتفاني و التجرد و الإخلاص في العمل و حتى سطر حياته أنموذجاً للخدمة المدنية الوطنية الشريفة و خبيرا قومياً ملماً بكل مكونات العمل التنموي و التطور في كل أوجه الحياة و أنشطتها. كانت فلسفته في عمله أن الزراعة ليست تربة و ماء و بذرة و سماد فحسب بل هي هوية و ثقافة و مجتمع أولاه الرجل الكثير حتى أصبح عبد الرحيم نبضاً قوياً و شريان بليغ في جسد الجزيرة المعطاءة، صرحاً و منارة اجتماعية لا يفتر و مضها. ما يزيد على نصف قرن من الزمان و الرجل يتواصل عطائه و حتى اليوم تظل داره العامرة في مدينة ود مدني خلوة لتلاوة القرآن يؤمها الكثير من مختلف طبقات المجتمع، البسطاء منهم و الوجهاء، في مساء كل أربعاء، و يبقى مجلسه برلمان شعبي تناقش فيه كل القضايا التي تهم أهل مدني و أعيانها و تجارها و الجزيرة و مزارعيها و خبرائها، تلجأ له الصفوة و العموم لتحسن الاستماع للحِكم النفيسة و تجارب ثرة و أيضاً لتحظى بحسم الخلافات و التصافي.

ذخرت حياته بالعمل المتواصل و الحافل بالإنجاز و تنقل كثيراً ما بين إدارات الأقسام الجغرافية لمشروع الجزيرة و عايش مجتمعاتها التي أصبح جزء لا يتجزأ منها. في العام 1974 تقلد السيد عبد الرحيم محمود منصب مدير الإدارة الزراعية في مشروع الجزيرة و شهدت تلك الفترة طفرة كبيرة في ارتفاع إنتاجية القطن و جودته. و في العام 1975 تم اختياره من قبل حكومة الرئيس جعفر نميري ليعمل محافظاً لمديرية الجزيرة و التي قسمت الآن إلي عدد من الولايات يصعب علي حصرها. و في العام 1981 و بعد نضج دراسات المفكر السوداني الدكتور جعفر محمد علي بخيت بإطلاق منهجية اللامركزية قام الرئيس نميري بتعيين السيد عبد الرحيم محمود حاكما مكلفا للإقليم الأوسط تكليفاً مؤقتاً و حتى قيام الانتخابات، و كان الإقليم يتكون من ثلاثة محافظات هي الجزيرة و النيل الأبيض و النيل الأزرق. قام الرجل بتنفيذ المقترحات العلمية لتجربة اللامركزية و عمل على إعادة هيكلة العمل الإداري التي نقلت الإقليم إلى عهد جديد و أنجز ترفيع الأجهزة الشريعية ذات الاستقلالية و السيادة الإقليمية، و أيضاً تقنين العلاقات الحكومية ما بين الإقليم و الحكومة المركزية و وضع اللمسات الأخيرة على دستورية الحكم و أنشأ آلية تنظم التداخل ما بين سلطات المحافظات الثلاثة و حكومة الإقليم الأوسط، و اشرف على تأهيل الضباط الإداريين و فعالية الحكومات المحلية، فكانت تجربة ميدانية عظيمة و مجسمات فنية بذل و قدم فيها الرجل عمل بحجم دولة! و في أول مؤتمر قومي جامع لمراجعة جدوى نظرية اللامركزية كانت انجازات عبد الرحيم محمود و مقترحاته المطبقة هي العناوين الرئيسية لفعاليات المؤتمر، بفهم أن الإقليم الأوسط هو أكبر أقاليم السودان و يحتل الإستراتيجية الجغرافية الأهم و هو الاقتصاد السوداني و هو الركيزة و الأساس، فكانت أنظمة الإقليم الأوسط محل إشادة مجلس الوزراء الاتحادي و أصبحت الأنموذج و المرجعية القياس لبقية أقاليم السودان، فقال النميري متباهياً: و الآن تعرفون لماذا اخترت حاكماً من خارج دائرة الإتحاد الاشتراكي.

كان عبد الرحيم محمود رجل دولة بكل ما تحمل تلك الكلمة من معان، متحيزاً لمبدئية الشورى و مصطفاً مع اتحادات و نقابات المزارعين و العمال و المعلمين، و كانوا جميعهم محل احترامه و تقديره، لم يستعدى و لم يقصي أي نقابة أو تجمع على الأسس الحزبية أو الطائفية و لكنه كان يلقى على عواتقهم المسئوليات الجسام و من أروع خطاباته السياسية في أحد أعياد العمال التي لا تزال منقوشة في ذاكرة الكثيرين منهم يوم أن قال لهم أن الدور المناط بهم عظيم و أكبر بكثير من المطالب النقابية الضيقة و الخاصة و طالبهم بأن يكون حراكهم ثورات تنموية وطنية تذخر بالتضحيات و قال أن مكتبه مفتوح لكل قيادات العمل النقابي، و دون تمييز سياسي، لتشاركه مسئوليات الحكم الرشيد، و لم تكن تلك أهزوجة خطابية تلطف أجواء الاحتفال بل أصبحت حقيقة و واقع معاش تشهد له كل جماهير الإقليم الأوسط القديم و حتى اليوم. و في العام 1991 و بعد أيام من دخولي لبيت العم عبد الرحيم بصلة المصاهرة قابلت أحد قدامى المحاربين الشيوعيين، و كان معلما و نقابياً، فصل من الخدمة بعد حركة هاشم العطاء في 19 يوليو 1971، و قال لي أنه كان يذهب لسيد الرحيم في مكتبه بعد توليه منصب المحافظ و يقول له " أدينا من الجيب المنفوخ بى قروش الشعب دي" فكان عبد الرحيم يضحك و يمد له مبلغ من المال و يقول له "و الله يا فلان دي من ماهيتي"، و قال لي أن عبد الرحيم بعد توليه منصب الحاكم ابتدع بعض الوظائف الإقليمية، دون الرجوع للحكومة المركزية، و عين فيها بعض المفصولين و خصوصاً المعلمين الأكفاء. ختم الرجل حديثه، وعيناه تذرفان دمع نبيل، قائلاً و الله هذا رجل لن يجود الزمان بمثله.

بانتهاء فترة التكليف السياسي تم قيام الانتخابات الإقليمية و أقرت جماهير الإقليم، و بإجماع مهيب، بضرورة، اختيار السيد عبد الرحيم محمود حاكماً للإقليم وروجت لذلك الفرح باحتفالات شعبية عارمة. رجل يكره الجعجعة السياسية الجوفاء التي تهدر الطاقات و لا تخدم مصالح الوطن و المواطن، و لا يؤمن إلا بالإنجاز. أسس و رعى جامعة الجزيرة، بنك الادخار، مشروع النيل الأزرق الصحي لمكافحة الأمراض الوبائية، النهضة الصناعية الهائلة التي شهدها الإقليم و الاستقطاب الكبير للأعمال الاستثمارية الضخمة، الإشراف المباشر على كل نشاطات الهيئة العربية للاستثمار، والشركة الكويتية للاستثمار و كل المؤسسات و الشركات التنموية و تقديم العون و التسهيلات لها و تخصيص الامتيازات لشركة سكر كنانة العالمية، وكل ذلك بجانب رعاية الأنشطة الثقافية و الرياضية، و الكثير الذي يتعذر حصره. أهيب بنقابة المهندسين السودانيين و كلية الآثار بجامعة الخرطوم بإرسال بعثة مشتركة لمدينة ود مدني لعمل الحفريات اللازمة للتنقيب عن شوارع الأسفلت التي أنجزها عبد الرحيم محمود.

كان الرجل و لا يزال يعتبر الدين و السياسة صنوين مقدسين لا يجوز استغلالهما من اجل المصالح و المكاسب الخاصة. لم يكن عبد الرحيم محمود سياسياً بقدر ما كان إدارياً و مفكراً تنموياً و تنظيمياً رفيع المستوي و لتلك المؤهلات كان اختياره و كانت تلك أحد نجاحات النميري.

في العام 2000 جاء العم عبد الرحيم في زيارة لمدينة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، و حل ضيفاً عزيزاً في بيتي و قام نفر كريم من الإخوة السودانيين بتنظيم رحلة صيفية ممتعة على شرفه، شكر الجمع الكريم و لكنه لم يخفي قلقه الشديد و البائن على الأعداد الهائلة من الخريجين من أبناء الوطن و تلك الجموع الطيبة و الخيرة من أسر هجرت أوطانها. كان يستوعب الظروف التي اضطرت الناس للهجرة و لكنه لم يدارى أسفه لذلك و قال أن أهم ثروات السودان هي الإنسان و ليست العملات الصعبة و التي يمكن الحصول عليها بالإنتاج و ليس باستبدال العقول و السواعد البناءة و كان ذلك على النقيض التام مما أوصى به أحد كبار مسئولي حكومة الإنقاذ و الذي كان ضيفاً عند أخوة أعزاء في نفس المدينة، قبل عامين من ذلك التاريخ، و تمت دعوتنا لحفل شاي على شرفه و تعهد فيه المضيفين بفتح أبواب النقاش في كل ما يخص قضايا الوطن، فتقدمنا لذلك المسئول بالسؤال عن إمكانية و ضمانات العودة للوطن؟ فقال الرجل أن وجودكم في تلك الغربة أفضل لكم و لأهلكم لأن بإمكانكم أن تساعدوهم بالعملات الصعبة، و كانت تلك السياسات التشريدية و الاستغلالية هي منهج إستراتيجي لثورة الإنقاذ، و التي كانت و لا تزال تسعى سعياً حثيثاً لزيادة مخزون السودان الإستراتيجي من احتياطي القوة البشرية في دول الخليج و الدول الغربية و المضاربة في بها في أسواق العمالة الرخيصة من أجل العملات الصعبة و التي يشكل المغتربين و المهاجرين و حتى اليوم أكبر عائداتها، و قد ظهرت ثمارها مؤخراً في النهضة التجارية و العمرانية التي عمت البلاد و لا مغالطة في ذالك حيث أقرت سوق الأوراق المالية، في نهايات التسعينيات، أن الخرطوم يدخلها كل صباح ما يفوق الستة مليون دولار من تحويلات المهاجرين و المغتربين أي ما يفوق المليارين من الدولارات في السنة، و يسارع أصحابها باستبدالها بالعملة السودانية من أجل المعايش و تذهب الدولارات لجيوب أشخاص اعترف شيخ الإنقاذ، الدكتور حسن الترابي، أنهم يشكلون فقط 9% من جمهور تنظيم التوجه الحضاري.

و بما أن السيد عبد الرحيم محمود رجل قليل الكلام و شديد الاحترام لكل الناس و يجيد الاستماع لهم و ديمقراطياً في كل شيء فكانت تلك دعوة صريحة ليسأله البعض، في رحلة شيكاغو، عن أسباب مشاركته في نظام مايو فقال بأنه شعر بأن الرئيس نميري كان يعتبر نفسه قائداً وطنياً و يعشم في أن يري السودان في مصاف الدول المتقدمة بدليل أنه كان يبحث عن الكفاءات الأكاديمية و الوطنية لتحمل أعباء السلطة و لم يكن يتقيد بتوصيات اللجنة المركزية للإتحاد الاشتراكي لأنه يؤمن أن الأمانة ملقاة على عاتقه هو شخصياً، مثله مثل الزعيم جمال عبد الناصر و القائد الصيني ماو تسي تونغ، فعهد بالسلطة التنفيذية للخبراء الوطنيين دون فحص أيدلوجيي. و تلك كانت حقيقة و مثال ذلك استدعاء المرحوم الشيخ حسن بليل من أحد المنظمات الدولية ليكون محافظاً لبنك السودان. أما السوق فقد تركه نميري لكل السودانيين و كان ذلك باختلاف كبير عن منهجية إخواننا الإسلاميين الذين جاءوا إلى السلطة بنهم غريب ليستولوا على كل شيء، سوق و سُلطة و عسكر و حرامية. قال أن الحياة لا يجب أن تتوقف لأي أسباب سياسية و أنه عندما كلف بمنصب المحافظ كان على قناعة بأن ذلك امتداد طبيعي للتدرج الوظيفي الذي هو أهل له و انه من الواجب الوطني و الأخلاقي أن يبذل ما في وسعه من أجل مواطني مدني و الجزيرة التي هو منها، و كان كل أهل الجزيرة يؤمنون بذلك.

يتباهى نبل عبد الرحيم محمود في حرصه الكبير على المال العام. لم يزهو بسلطاته المطلقة في زمن الرخاء الحكومي، و ترك المنصب و في خزينة الإقليم ما يزيد عن الستة و الثلاثين مليون جنيه، أي ما يقارب العشرة ملايين من الدولارات. كان يستغل المرسيدس الحكومية للعمل الرسمي ولم يحدث أن هرولت أمامه المواتر و العربات التشريفية إلا في معية الرئيس و كبار الزوار كما يقتضي البروتوكول، أما في الأمسيات و المشاوير الخاصة فلا أظن أن أحد في مدينة مدني ينسى السيارة البيجو البيضاء الخاصة، موديل 82، و التي اشتراها بحر ماله و بالأقساط الشهرية. كانت الناس تقابل السيد الحاكم في أزقة و حواري مدينة مدني يقود سيارته بنفسه لأداء واجبات العزاء و المجاملات الاجتماعية، دون حراسة أو بطانة. و بخلاف كثير من الحكام و الولاة الذين يفضلون البقاء في العاصمة بحجة المتابعة و هم في الحقيقة يرغبون في أوضاع برجوازية لأسرهم، كان السيد عبد الرحيم محمود لا يبيت ليلة واحدة في الخرطوم و لم يكن متقارباً مع مراكز السلطة و القوة في الخرطوم بل كان يقضى جولاته في اتجاه عكس التيار، يجوب القرى و البوادي و يجره الحنين لديار المزارعين الغبش. كان الرئيس جعفر نميري يزوره في مدني أكثر مما كان عبد الرحيم يزور النميري في الخرطوم. كثيراً ما كان الرئيس نميري يقضي بعض الوقت في مدني التي تربطه بها ذكريات و عشق عتيق.

بقيام انتفاضة أبريل 1985 انتهت فترة حكم الرجل الفريد و كان من الطبيعي أن يوضع رهن التحقيق و التفتيش لتكتشف السلطات القضائية أن كتابه المقروء كان أنصع من ضياء الشمس وبحثوا ليجدوا في فترة حكمه قد نفذت خطط إسكانية كبيرة و وزعت فيها قطع سكنية على قدر كبير من الامتياز و أنشأت فيها الأحياء الراقية و لكنني طلعت منها كيد و لم أجد في عُهدة ابنته حفنة من تراب لكي أسفّها، لا في مدني و لا ماليزيا، لأن الرجل لم يختص أي من أولاده أو بناته بأي منها كما تفعل جماعات تعرف نفسها. و بعدها لم يسعى الرجل لأي منصب في أي حكومة و لم يفعل كما فعل متملقي كل الحكومات، رجال هرولوا في اليوم الثاني لانقلاب الإنقاذ يستجدون المناصب و لا يزالوا. أما الرجل فلا يزال يعطي و لا يأخذ:
1- رئيس مجلس إدارة جامعة الجزيرة.
2- عضو و مستشار في اللجنة القومية لإعادة تأهيل مشروع الجزيرة.
3- رئيس إتحاد الصناعات لولاية الجزيرة.
4- رئيس مجلس إدارة شركة الجزيرة للدواجن.
5- رئيس مجلس الأمناء لنادي الإتحاد الرياضي، مدني.
6- رئيس مجلس إدارة شركة أرباب المعاشات بمدني.
7- و الأمين المالي للكثير من اللجان للحرص ورفع الأرصدة بالتبرعات و غيرها.

كل تلك المسئوليات الجسام و كل تلك التكاليف ترهق الرجل و تسعده لإيمانه القاطع بأن الوطنية ليست تشريف اجتماعي بل رسالة و أمانة تؤدى. نسأل الله أن يواليه بحفظه مرشداً و ملهماً للأجيال و يديم عليه نعمة الصحة و العافية.

أما تلفزيون السودان الذي يدعي القومية و يتقوقع في عاصمة المعز لدين الله الإنقاذي فليهنأ بحاله و يترك القومية في حالها، و إذا كان برنامج أسماء في حياتنا الذي يقدمه الإعلامي الكبير الأستاذ عمر الجزلي فقط من أجل البرستيدج الاجتماعي(Social Prestige) للمستضافين فلا أعتقد أن السيد عبد الرحيم محمود في حوجة لمكياج تاريخي لأنه و الحمد لله لا يزال في قمة مجده و عطائه، حفظه الله، و أما إذا كان البرامج للإضاءة المجتمعية و الاستنارة الفكرية و تعليم الأجيال و تعريف معنى الوطنية و العطاء فأود أن أذكر الأخ عمر الجزلي بأن الأولمبياد لا يجوز بغير الشعلة.

بذلك أناشد حكومة السودان بأن تتفضل بإنشاء معهد باسم السيد عبد الرحيم محمود لدراسات أخلاقيات الحكم الرشيد يخصص لتدريب الولاة و المحافظين المندهشين و الذين يفتقدون للمؤهلات و المعادن القيادية النفيسة و ليتعلموا كيف يكون الواجب تجاه الوطن و المواطن و المال العام، و أن يرتقوا إلي مستوي الأمانة التاريخية، و حتى لا تكون الحكومات الولائية عبارة عن هيئات جبائية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.