شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مخاض التاسع من يوليو! .. بقلم: كمال الجزولي
نشر في سودانيل يوم 12 - 07 - 2011

.. فيا أيُّهَا الذَّاهِبُونَ، خَبَباً، فِي طَريق الذِّهَابْ/ أيُّهَا المُوغِلُونَ فِي الرَّحِيلِ المُرِّ والغَيَابْ/ لَرُبَّمَا لَمْ تعُدْ فِي دِنَانِ صَبْرِكُمْ قَطْرَةٌ/ لَرُبَّمَا لَمْ يَعُدْ ثَمَّةَ مَا يُغْوِي فِي سِلالِنَا العِجَافِ بِالإِيَابْ/ لَكِنَّنَا نُقْسِمُ بِاللهِ العَظِيْمِ، "نَلْحَسُ سِنَّةَ القَلَمِ، نَلْعَقُ ذَرَّةَ التُّرَابْ"/ سَوْفَ تَبْقَى فُصُودُكُمْ مَنْقُوشَةً، أَبَدَ الدَّهْرِ، عَلَى جِبَاهِنَا/ وأَهَازِيجُكُمْ نَدِيَّةً، عَلَى الدَّوَامِ، فِي شِفَاهِنَا/ فَذَرُونَا ومَا حَفَرَتْ أَيَادِينا/ ذَرُونَا ومَا حَفَرَتْ أَيَادِينا/ ذَرُونَا ومَا حَفَرَتْ .. ذَرُونَا/ واعْذُرُونَا، واذْكُرُونَا، (مِثْلَ ذِكْرَانَا لَكُمْ)/ مِثْلَ ذِكْرَانَا لَكُمْ .. يَا أَيُّهَا الأَحْبَابْ!
(1)
عشيَّة التاسع من يوليو 2011م، يوم الإعلان، رسميَّاً، عن قيام دولة جنوب السُّودان المنفصلة، قفزت إلى الذهن، فجأة، ذكرى صديقنا شاعر الدينكا الفذ المرحوم سر أناى كيلويلجانق، وهمسه لنا، مبتسماً، تحت ظلال العشيَّات الزرق، بعبارته شديدة البشرى، معدية التفاؤل، على أيَّام انتفاضة أبريل 1985م الباسلة التي قبرت دكتاتوريَّة النميري، يقول: "الآلام التى ظلت تقاسيها أمَّتنا ليست، قطعاً، آلام المرض، بل هي، يقيناً، آلام الطلق"!
وكان السيد نيكولاس كاي، سفير بريطانيا الحالي إلى الخرطوم، قد كتب، بتاريخ 3/7/2011م، قبل أيَّام من 9 يوليو، معلقاً، في مدوَّنته الخاصَّة، على اتفاقيَّات أديس التي لم يكد حبرها يجفُّ، مؤخَّراً، بين المؤتمر الوطني والحركة الشَّعبيَّة، حتى أجهضها رئيس الجُّمهوريَّة: "إن (آلام المخاض Labour pains) تسبق أيَّ ميلاد، بما في ذلك ميلاد أيَّة أمَّة؛ والسُّودان، كأكبر بلد في أفريقيا، ظلَّ يقاسي، موجة تلو موجة، من المعاناة؛ لكنَّ المسألة ليست كلها (ألم)؛ فالسِّياسيُّون القابلات لم يهجروا عملهم؛ وفي أديس أبابا، عمل القادة السِّياسيُّون والعسكريُّون من كلا الجانبين بصبر للوصول لاتفاقيَّات تخفف معاناة شعوبهم. إن من يبدأون القتال يتعين عليهم إنهاؤه، وعلى القادة السِّياسيِّين أن يتحمَّلوا مسؤوليَّاتهم. لقد عمل المجتمع الدولي، بقيادة الرئيس السَّابق مبيكي، بلا كلل، من أجل تحقيق السَّلام؛ لكنَّ الخيارات النهائيَّة تبقى بيد الرَّئيسين البشير وسلفا كير؛ فما سيفعلانه، خلال الأيَّام القليلة القادمة، سيقرِّر ما إن كان بلداهما سيولدان، يوم التاسع من يوليو، من بين التعانف والدَّم المسفوك، أم بروح السَّلام وحسن الجِّوار".
قد يبدو التخاطر، هنا، غريباً، فلكأنَّ أصداء عبارة سر أناي قد تردَّدت، من وراء السِّنين، في مسمعي نيكولاس كاي، وعلى لسانه، لولا أن الأوَّل تدفق بروح الشَّاعر الوطني الذي لم يكن يقينه ليتزعزع في (الوحدة) الرَّاسخة، بينما الآخر يحدوه طيف أمل دبلوماسي مرتبك في إمكانية تعايش الدَّولتين، سلمياً، برغم (الانفصال) .. وشتان ما بين الاثنين!
(2)
ظلت حكومات الخرطوم الوطنيَّة المتعاقبة أسيرة للتلاوين التي وسمت صورة الذات الإثنيَّة المستعربة المسلمة المنتشرة، تاريخيَّاً، وبالأساس، على طول الشَّريط النيلي شمالاً، وامتداداته إلى مثلث الوسط الذهبي (الخرطوم كوستي سنار)، منبثقة، أصلاً، من جذور نوبيَّة استعربت وأسلمت، عبر القرون، ولم يعد لنوبيَّتها تلك معنى محدَّد. هذه التلاوين هي التي بلورت، دائماً، أخطر جوانب الوعي الزائف بهويَّة الذات لدى هذه الجَّماعة ونخبها، وهو الجَّانب المتوطن فى توهُّم العروبة الخالصة في العرق واللسان والثقافة، دونما أدنى استشعار لنبض أيِّ عنصر آخر، زنجي أو نوبي أو بجاوي أو خلافه.
ملامح هذه الصُّورة الملفقة انعكست، عام 1956م، على منهج لجنة التحقيق في أحداث توريت وغيرها عام 1955م، والتي ركزت، كما لاحظ فرانسيس دينق بحق، على ما يفرِّق، وعلى المبالغة في تقدير نتائج عمليَّات الأسلمة والتعريب فى الشَّمال، والفوارق التى ترتبت عليها بين الشَّمال والجَّنوب، حتى لقد أضحت تلك الفوارق مرشداً لعمل أيَّة حكومة مركزيَّة تجاه الجَّنوب، إلى حدِّ التيئيس من الوحدة. ويمكن حصر تلك الفوارق في خمسة على النحو الآتي:
(1) الشَّمال، عرقيَّاً، عربي، والجَّنوب زنجي؛ والشَّمال، دينيَّاً، مسلم، والجَّنوب وثني؛ والشَّمال، لغويَّاً، يتكلم العربيَّة؛ والجَّنوب (يرطن) بأكثر من ثمانين لغة.
(2) الجَّنوبيون يعتبرون الشَّماليين أعداءهم التقليديين.
(3) الاستعمار دفع بتطور الجَّنوبيين، حتى 1947م، على خطوط زنجيَّة، فأعاق أيَّ تقارب بينهم والشَّماليين، مستعيناً بأداة القانون والنشاط التعليمي للإرساليَّات التبشيريَّة.
(4) الشَّمال، لأسباب تاريخيَّة، تطوَّر سريعاً، بينما ظل الجَّنوبيون على تخلفهم، مما أورثهم شعوراً بأنهم ضحايا خداع واستغلال من الشَّماليين.
(5) الجَّنوبيين، لهذه العوامل، يفتقرون للشُّعور بالمواطنة والوطنيَّة مع الشَّماليين (لاحظ الإحالة المعياريَّة المستعلية إثنيَّاً).
واستطراداً، لم ينس التقرير اتهام الشِّيوعيين، ضمنياً، بالضلوع فى أحداث 1955م، فعدل من حيث أراد التجني، إذ أشار لازدياد نشاطهم خلال ديسمبر 1954م في مركز الزاندي والمورو، وبين عمال صناعة القطن ونقاباتهم، ولتوزيعهم منشوراتهم، وقتها، بلغة الزاندي!
باختصار كان التقرير نعياً كاملاً لكلِّ مقوِّمات (الوحدة)، ونتاجاً طبيعيَّاً للذهنيَّة النخبويَّة المستعلية بمركزويّة (الذات) في علاقتها ب (الآخر)، والتي طفحت آثارها المأساويَّة بعد الاستقلال، حيث شكلت أيديولوجيَّة السِّياسة الوطنيَّة تجاه الجَّنوب، باستثناء شواهد قليلة، كبيان 9 يونيو 1969م، وجهود وزارة شئون الجنوب تحت قيادة جوزيف قرنق (1969م 1971م)، وما انعكس من تلك الجهود في اتفاقيَّة أديس أبابا 1972م.
(3)
إذن، وبفضل ذلك (المرشد)، أصبحت خطة (الأسلمة والتعريب) المتلازمين في المنظور الإجرائي البحت، ضربة لازب، والقائمين على رموزيَّات القوَّة المادِّيَّة، والتفوُّق العرقي، وإهدار حق التميُّز الثقافي، هي البديل (الوطني الحر المستقل) للسِّياسات الاستعماريَّة تجاه الجَّنوب حتى لم تترك له سبيلاً سوى (الانفصال) بموجب استفتاء يناير 2011م! وقد فاقم من ذلك توهُّم الجَّماعة المستعربة المسلمة السُّودانيَّة، ونخبها الحاكمة، أن عليها الوفاء، في تخوم العالمين العربي والإسلامي، بمهمَّة (مقدَّسة) ألقت بها على عاتقها الجَّماعة العربيَّة المسلمة الكبرى في مركز القلب من هذين العالمين لتجسير الهوَّة التي تعيق انسياب (العروبة) و(الاسلام) نحو عالم الأفارقة الوثنيين، مما ولد لدى غالب النخب الشَّماليَّة، وبالأخص النخبة الإسلامويَّة التي لطالما تسيَّدت اقتصاديَّاً، وسياسيَّاً، واجتماعيَّاً، منذ 1989م، ذهنيَّة (رساليَّة) تجاه الجَّنوب قائمة على الاخضاع والاستتباع subordination، مثلما ولد لدى قطاعات عريضة من النخب الجَّنوبية ردود فعل شديدة العنف والحدَّة تجاه كلِّ ما هو عربي وإسلامي، مِمَّا يتمظهر، غالباً، في الميل إلى تضخيم الانتماء للرموزيَّات الثقافيَّة والعرقيَّة (الأفريقانيَّة)، وللدِّيانة المسيحيَّة، وللغة (الإنجليزيَّة)، رغم أنف الحقيقة القائلة بأن 60% من العرب موجودون، أصلاً، في (أفريقيا)، ورغم أنف (عربي جوبا) الذى لا تعرف التكوينات القوميَّة الجَّنوبيَّة نفسها لغة تواصل lingua franca في ما بينها غيره.
هتان النظرتان المتصادمتان اللتان تمتحان من الوهم، بأكثر من حقائق الواقع، حبستا كلا (العروبة) و(الأفريقانيَّة)، على ركاكة المقابلة الاصطلاحيَّة، فى أسر مفاهيم عرقيَّة وثقافيَّة بالغة الضِّيق دعمت مناخ العدائيَّات المستمرِّ بلا طائل، وعرقلت أيَّ مشروع معقول لوحدة مرموقة. فلسنا البلد الوحيد الذي تمايزت فيه الأعراق؛ على أنه ما من بلد مثلنا زعم فيه البعض انتسابهم إلى عرق (خالص) يستعلون به على بقية الأعراق، فدفعوا الآخرين، بالمقابل، إلى مجابهة هذا الاستعلاء باستعلاء مساو له في المقدار، ومضادٍّ له في الاتجاه! ولسنا البلد الوحيد الذي قام على تعدُّد وتنوُّع تحتاج مكوناته إلى حوار تاريخي هادئ، ومثاقفة تلقائيَّة رائقة؛ غير أنه ما من بلد مثلنا كابرت فيه جماعة بتفوُّقها الثقافي والدِّيني واللغوي، طالبة تنازل الآخرين لها عمَّا بأيديهم، وتسليمهم بامتيازها المطلق، فلم تستحقَّ منهم سوى الكراهية والدَّم! ولسنا البلد الوحيد الذى أدَّى استلحاقه القسري، منذ مرحلة ما قبل الرَّأسماليَّة، بفلك السُّوق العالمي، إلى تفاوت قسمة الثروة، وحظوظ التنمية والتطوُّر، بين مختلف أقاليمه؛ سوى أنه ما من بلد مثلنا انطمست بصائر نخبه الحاكمة عن رؤية المخاطر التى يمكن أن تحيق بسلطتها نفسها، في ما لو تحوَّلت جملة هذه المظالم إلى (غبينة) تاريخيَّة!
(4)
بالنتيجة اختار الجَّنوبيون (الانفصال)، وأعلنوا، يوم التاسع من يوليو الجاري، قيام دولتهم (المستقلة). لكن من تمام الغفلة اعتبار نموذج الجَّنوب استثناء لا يُقاس عليه، وغير قابل للتكرار، بل يلزم الإقرار الموضوعي بأن الجَّنوب، في الحقيقة، ليس سوى النموذج الوحيد المرشَّح لأن يحذو حذوه، في نهاية المطاف، كلُّ تكوين قومي تبلغ روحه الحلقوم؛ ولعل حالة دارفور وأبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق، دع الشَّرق وشمال (السُّدود) الأقصى، هي أول ما يقفز إلى الأذهان كإرهاص شؤم بهذا المآل!
مع ذلك ليس من قبيل المعجزات أن يفضي بنا الانتباه لحقائق تساكننا السابق، ودلالات صراعاتنا التاريخيَّة نفسها، فضلاً عن حركة التدافع، وطنيَّاً وإقليميَّاً وعالميَّاً، إلى مستقبل تستعيد فيه بلادنا وحدتها، لا على ذات خط الانحدار الذي أفضى بنا إلى (الانفصال)، بل على مداميك وطنيَّة جديدة تنعم فوقها بدرجة معقولة من توازن التطوُّر، وتكافؤ الأعراق، وتعايش الأديان، والثقافات، والتكوينات القوميَّة المختلفة. ولا شك في أننا سنكون أكثر قرباً من هذا المستقبل، بقدر ما سيراكم تاريخنا من معطيات تتيح لكلِّ مفردة في منظومة تنوعنا أن تعي ذاتها في نسق علاقاتها بغيرها، مما سيجعل من التوازن، والتكافؤ، والتعايش، ليس، فقط، حالة بديلة عن حالة الاستعلاء والاحتراب التي أسلمتنا إلى ما نحن فيه من بؤس وطني، بل ضرورة لا غنى عنها لوجودنا نفسه.
هذا هو التحدِّي الشَّاخص في أفق تطوُّرنا، والذي يفترض العكوف على تدبُّر مجابهته، بإحسان تدبُّر جملة الجَّرائر التي أودت بوحدة الوطن. فالمستقبل المأمول ليس محض طور من أطوار الارتقاء التلقائي، يقع، حتماً، سواء عملنا أو لم نعمل لأجله، وإنما يحتاج إلى حركة دفع قصديَّة جادَّة بثلاث اتجاهات في آن واحد:
الاتجاه الأوَّل: الإنطلاق من الإقرار بواقع التنوُّع إلى تصميم برامج للتنمية المتوازنة بين مكوناته، وإعطاء الأولويَّة لإعادة استثمار الموارد القوميَّة، كالبترول، حيثما وجد، في القطاعين الزراعي والصِّناعي، وكلِّ مجالات التنمية، بدلاً من الاقتصار على (قسمة العائد) البائسة، فضلاً عن تخصيص ما يكفي من الموارد لردم فجوة (التهميش) التى تعانى منها مناطق شاسعة من الوطن، وذلك بتفعيل (التمييز الإيجابي positive discrimination)، أي المعاملة التفضيليَّة للمناطق التي تشكل منابع الثروات القوميَّة، فيعاد استثمار قدر معلوم من عائدات هذه الثروات للارتقاء بخدمات الصحَّة والتعليم وغيرها في هذه المناطق، سواء مِمَّا تخصصه الميزانيَّة العامة، أو ما ترصده ميزانيَّة التنمية.
الاتجاه الثاني: ولأن العامل الاقتصادي غير قمين، وحده، بكفالة حلِّ مشاكل التساكن القومي، فلا مناص من التواضع على بناء دولة مدنيَّة ديموقراطيَّة قائمة على التعدُّد، ومعياريَّة المواطنة، والعدالة الاجتماعيَّة، والحرِّيَّات العامَّة، وحقوق الإنسان كافة، كما نصَّت عليها المواثيق الدوليَّة، لتكون حاضنة وطنيَّة لهذه العمليَّات، ليس في مستوى الإطار الدُّستوري والقانوني، فحسب، وإنما بالمراجعة التاريخيَّة المطلوبة بإلحاح لمحدِّدات الهويَّة الوطنيَّة في السِّياسات الثقافيَّة، ومناهج التربية والتعليم، وبرامج الراديو والتلفزيون، وغيرها من أجهزة الإعلام ووسائط الاتصال الجَّماهيريَّة الأخرى ذات الأثر الحاسم في صياغة بنية الوعي الاجتماعي العام، بما يشيع مناخاً صالحاً لازدهار كلِّ المجموعات القوميَّة، بمختلف ثقافاتها، وأديانها، ومعتقداتها، ولغاتها، ويهيئ لانخراطها في مثاقفة ديموقراطيَّة هادئة في ما بينها، "فليس أمَرُّ من صدام الثقافات .. وأدمى"، على قول شهير للمرحوم جمال محمد احمد. إنجاز كهذا يستحيل إتمامه عبر صفقات منفردة بين نخب في (الهامش) و(المركز)، بل لا بد من أوسع مشاركة منظمة للجَّماهير في المستويين، عبر أحزابها، ونقاباتها، واتحاداتها المهنيَّة والنوعيَّة، ومؤسَّساتها المدنيَّة الطوعيَّة، وروابطها الإقليميَّة والجِّهويَّة وغيرها.
الاتجاه الثالث: لا بد، إلى ذلك، من انخراط الجَّماعة المستعربة المسلمة نفسها في حوار داخلي سلمي وحر بين مختلف أقسامها، حول فهومها المتعارضة لدينها الواحد، فى علاقته بالدَّولة والسِّياسة، الأمر الذي لطالما شكل، منذ فجر الحركة الوطنيَّة، بؤرة نزاعات خطرة لم يقتصر أثرها السالب على هذه الأقسام، فحسب، بل امتدَّ ليطال علاقات المستعربين المسلمين، عموماً، بمساكنيهم من أهل الأعراق والأديان والثقافات الأخرى، بما تهدَّد، كما قد رأينا، وما زال يتهدَّد (الوحدة الوطنيَّة).
(5)
هذه المعالجات ليست محض جداول لإجراءات محدَّدة، بل سيرورة تاريخيَّة باحتمالات لانهائيَّة. ولذا من العبث محاولة توصيفها، تفصيلاً، أو تقييدها بمدى محدَّد، أو بترتيبات معيَّنة، أو بحكومة بعينها. وقد تتعرض لانتكاسات، حتى بعد التواضع عليها، حدَّ تكرار تجربة (الانفصال) نفسه. على أن عوامل (التوحيد) الكامنة في تاريخنا الاجتماعي، والتي لا تنكرها العين إلا من رمد، تدفعنا إلى التفاؤل بأن (الوحدة) سوف تشكل خيارنا النهائي. وربما زودتنا بالمزيد من التفاؤل، على هذا الصَّعيد، عبارة سر أناى الشاعريَّة الحكيمة: إن الآلام التى يعانيها وطننا هي، يقيناً، آلام (الطلق)، لا (المرض)!
***
Kamal El Din Elgizouli [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.