درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    ماسك: بناء مدينة ذاتية النمو على القمر خلال 10 سنوات    الهلال يعود للدوري الرواندي ويواجه الجيش اليوم    عقار يلتقي مديرة برنامج السودان بمنظمة أطباء بلا حدود ببلجيكا    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مخاض التاسع من يوليو! .. بقلم: كمال الجزولي
نشر في سودانيل يوم 12 - 07 - 2011

.. فيا أيُّهَا الذَّاهِبُونَ، خَبَباً، فِي طَريق الذِّهَابْ/ أيُّهَا المُوغِلُونَ فِي الرَّحِيلِ المُرِّ والغَيَابْ/ لَرُبَّمَا لَمْ تعُدْ فِي دِنَانِ صَبْرِكُمْ قَطْرَةٌ/ لَرُبَّمَا لَمْ يَعُدْ ثَمَّةَ مَا يُغْوِي فِي سِلالِنَا العِجَافِ بِالإِيَابْ/ لَكِنَّنَا نُقْسِمُ بِاللهِ العَظِيْمِ، "نَلْحَسُ سِنَّةَ القَلَمِ، نَلْعَقُ ذَرَّةَ التُّرَابْ"/ سَوْفَ تَبْقَى فُصُودُكُمْ مَنْقُوشَةً، أَبَدَ الدَّهْرِ، عَلَى جِبَاهِنَا/ وأَهَازِيجُكُمْ نَدِيَّةً، عَلَى الدَّوَامِ، فِي شِفَاهِنَا/ فَذَرُونَا ومَا حَفَرَتْ أَيَادِينا/ ذَرُونَا ومَا حَفَرَتْ أَيَادِينا/ ذَرُونَا ومَا حَفَرَتْ .. ذَرُونَا/ واعْذُرُونَا، واذْكُرُونَا، (مِثْلَ ذِكْرَانَا لَكُمْ)/ مِثْلَ ذِكْرَانَا لَكُمْ .. يَا أَيُّهَا الأَحْبَابْ!
(1)
عشيَّة التاسع من يوليو 2011م، يوم الإعلان، رسميَّاً، عن قيام دولة جنوب السُّودان المنفصلة، قفزت إلى الذهن، فجأة، ذكرى صديقنا شاعر الدينكا الفذ المرحوم سر أناى كيلويلجانق، وهمسه لنا، مبتسماً، تحت ظلال العشيَّات الزرق، بعبارته شديدة البشرى، معدية التفاؤل، على أيَّام انتفاضة أبريل 1985م الباسلة التي قبرت دكتاتوريَّة النميري، يقول: "الآلام التى ظلت تقاسيها أمَّتنا ليست، قطعاً، آلام المرض، بل هي، يقيناً، آلام الطلق"!
وكان السيد نيكولاس كاي، سفير بريطانيا الحالي إلى الخرطوم، قد كتب، بتاريخ 3/7/2011م، قبل أيَّام من 9 يوليو، معلقاً، في مدوَّنته الخاصَّة، على اتفاقيَّات أديس التي لم يكد حبرها يجفُّ، مؤخَّراً، بين المؤتمر الوطني والحركة الشَّعبيَّة، حتى أجهضها رئيس الجُّمهوريَّة: "إن (آلام المخاض Labour pains) تسبق أيَّ ميلاد، بما في ذلك ميلاد أيَّة أمَّة؛ والسُّودان، كأكبر بلد في أفريقيا، ظلَّ يقاسي، موجة تلو موجة، من المعاناة؛ لكنَّ المسألة ليست كلها (ألم)؛ فالسِّياسيُّون القابلات لم يهجروا عملهم؛ وفي أديس أبابا، عمل القادة السِّياسيُّون والعسكريُّون من كلا الجانبين بصبر للوصول لاتفاقيَّات تخفف معاناة شعوبهم. إن من يبدأون القتال يتعين عليهم إنهاؤه، وعلى القادة السِّياسيِّين أن يتحمَّلوا مسؤوليَّاتهم. لقد عمل المجتمع الدولي، بقيادة الرئيس السَّابق مبيكي، بلا كلل، من أجل تحقيق السَّلام؛ لكنَّ الخيارات النهائيَّة تبقى بيد الرَّئيسين البشير وسلفا كير؛ فما سيفعلانه، خلال الأيَّام القليلة القادمة، سيقرِّر ما إن كان بلداهما سيولدان، يوم التاسع من يوليو، من بين التعانف والدَّم المسفوك، أم بروح السَّلام وحسن الجِّوار".
قد يبدو التخاطر، هنا، غريباً، فلكأنَّ أصداء عبارة سر أناي قد تردَّدت، من وراء السِّنين، في مسمعي نيكولاس كاي، وعلى لسانه، لولا أن الأوَّل تدفق بروح الشَّاعر الوطني الذي لم يكن يقينه ليتزعزع في (الوحدة) الرَّاسخة، بينما الآخر يحدوه طيف أمل دبلوماسي مرتبك في إمكانية تعايش الدَّولتين، سلمياً، برغم (الانفصال) .. وشتان ما بين الاثنين!
(2)
ظلت حكومات الخرطوم الوطنيَّة المتعاقبة أسيرة للتلاوين التي وسمت صورة الذات الإثنيَّة المستعربة المسلمة المنتشرة، تاريخيَّاً، وبالأساس، على طول الشَّريط النيلي شمالاً، وامتداداته إلى مثلث الوسط الذهبي (الخرطوم كوستي سنار)، منبثقة، أصلاً، من جذور نوبيَّة استعربت وأسلمت، عبر القرون، ولم يعد لنوبيَّتها تلك معنى محدَّد. هذه التلاوين هي التي بلورت، دائماً، أخطر جوانب الوعي الزائف بهويَّة الذات لدى هذه الجَّماعة ونخبها، وهو الجَّانب المتوطن فى توهُّم العروبة الخالصة في العرق واللسان والثقافة، دونما أدنى استشعار لنبض أيِّ عنصر آخر، زنجي أو نوبي أو بجاوي أو خلافه.
ملامح هذه الصُّورة الملفقة انعكست، عام 1956م، على منهج لجنة التحقيق في أحداث توريت وغيرها عام 1955م، والتي ركزت، كما لاحظ فرانسيس دينق بحق، على ما يفرِّق، وعلى المبالغة في تقدير نتائج عمليَّات الأسلمة والتعريب فى الشَّمال، والفوارق التى ترتبت عليها بين الشَّمال والجَّنوب، حتى لقد أضحت تلك الفوارق مرشداً لعمل أيَّة حكومة مركزيَّة تجاه الجَّنوب، إلى حدِّ التيئيس من الوحدة. ويمكن حصر تلك الفوارق في خمسة على النحو الآتي:
(1) الشَّمال، عرقيَّاً، عربي، والجَّنوب زنجي؛ والشَّمال، دينيَّاً، مسلم، والجَّنوب وثني؛ والشَّمال، لغويَّاً، يتكلم العربيَّة؛ والجَّنوب (يرطن) بأكثر من ثمانين لغة.
(2) الجَّنوبيون يعتبرون الشَّماليين أعداءهم التقليديين.
(3) الاستعمار دفع بتطور الجَّنوبيين، حتى 1947م، على خطوط زنجيَّة، فأعاق أيَّ تقارب بينهم والشَّماليين، مستعيناً بأداة القانون والنشاط التعليمي للإرساليَّات التبشيريَّة.
(4) الشَّمال، لأسباب تاريخيَّة، تطوَّر سريعاً، بينما ظل الجَّنوبيون على تخلفهم، مما أورثهم شعوراً بأنهم ضحايا خداع واستغلال من الشَّماليين.
(5) الجَّنوبيين، لهذه العوامل، يفتقرون للشُّعور بالمواطنة والوطنيَّة مع الشَّماليين (لاحظ الإحالة المعياريَّة المستعلية إثنيَّاً).
واستطراداً، لم ينس التقرير اتهام الشِّيوعيين، ضمنياً، بالضلوع فى أحداث 1955م، فعدل من حيث أراد التجني، إذ أشار لازدياد نشاطهم خلال ديسمبر 1954م في مركز الزاندي والمورو، وبين عمال صناعة القطن ونقاباتهم، ولتوزيعهم منشوراتهم، وقتها، بلغة الزاندي!
باختصار كان التقرير نعياً كاملاً لكلِّ مقوِّمات (الوحدة)، ونتاجاً طبيعيَّاً للذهنيَّة النخبويَّة المستعلية بمركزويّة (الذات) في علاقتها ب (الآخر)، والتي طفحت آثارها المأساويَّة بعد الاستقلال، حيث شكلت أيديولوجيَّة السِّياسة الوطنيَّة تجاه الجَّنوب، باستثناء شواهد قليلة، كبيان 9 يونيو 1969م، وجهود وزارة شئون الجنوب تحت قيادة جوزيف قرنق (1969م 1971م)، وما انعكس من تلك الجهود في اتفاقيَّة أديس أبابا 1972م.
(3)
إذن، وبفضل ذلك (المرشد)، أصبحت خطة (الأسلمة والتعريب) المتلازمين في المنظور الإجرائي البحت، ضربة لازب، والقائمين على رموزيَّات القوَّة المادِّيَّة، والتفوُّق العرقي، وإهدار حق التميُّز الثقافي، هي البديل (الوطني الحر المستقل) للسِّياسات الاستعماريَّة تجاه الجَّنوب حتى لم تترك له سبيلاً سوى (الانفصال) بموجب استفتاء يناير 2011م! وقد فاقم من ذلك توهُّم الجَّماعة المستعربة المسلمة السُّودانيَّة، ونخبها الحاكمة، أن عليها الوفاء، في تخوم العالمين العربي والإسلامي، بمهمَّة (مقدَّسة) ألقت بها على عاتقها الجَّماعة العربيَّة المسلمة الكبرى في مركز القلب من هذين العالمين لتجسير الهوَّة التي تعيق انسياب (العروبة) و(الاسلام) نحو عالم الأفارقة الوثنيين، مما ولد لدى غالب النخب الشَّماليَّة، وبالأخص النخبة الإسلامويَّة التي لطالما تسيَّدت اقتصاديَّاً، وسياسيَّاً، واجتماعيَّاً، منذ 1989م، ذهنيَّة (رساليَّة) تجاه الجَّنوب قائمة على الاخضاع والاستتباع subordination، مثلما ولد لدى قطاعات عريضة من النخب الجَّنوبية ردود فعل شديدة العنف والحدَّة تجاه كلِّ ما هو عربي وإسلامي، مِمَّا يتمظهر، غالباً، في الميل إلى تضخيم الانتماء للرموزيَّات الثقافيَّة والعرقيَّة (الأفريقانيَّة)، وللدِّيانة المسيحيَّة، وللغة (الإنجليزيَّة)، رغم أنف الحقيقة القائلة بأن 60% من العرب موجودون، أصلاً، في (أفريقيا)، ورغم أنف (عربي جوبا) الذى لا تعرف التكوينات القوميَّة الجَّنوبيَّة نفسها لغة تواصل lingua franca في ما بينها غيره.
هتان النظرتان المتصادمتان اللتان تمتحان من الوهم، بأكثر من حقائق الواقع، حبستا كلا (العروبة) و(الأفريقانيَّة)، على ركاكة المقابلة الاصطلاحيَّة، فى أسر مفاهيم عرقيَّة وثقافيَّة بالغة الضِّيق دعمت مناخ العدائيَّات المستمرِّ بلا طائل، وعرقلت أيَّ مشروع معقول لوحدة مرموقة. فلسنا البلد الوحيد الذي تمايزت فيه الأعراق؛ على أنه ما من بلد مثلنا زعم فيه البعض انتسابهم إلى عرق (خالص) يستعلون به على بقية الأعراق، فدفعوا الآخرين، بالمقابل، إلى مجابهة هذا الاستعلاء باستعلاء مساو له في المقدار، ومضادٍّ له في الاتجاه! ولسنا البلد الوحيد الذي قام على تعدُّد وتنوُّع تحتاج مكوناته إلى حوار تاريخي هادئ، ومثاقفة تلقائيَّة رائقة؛ غير أنه ما من بلد مثلنا كابرت فيه جماعة بتفوُّقها الثقافي والدِّيني واللغوي، طالبة تنازل الآخرين لها عمَّا بأيديهم، وتسليمهم بامتيازها المطلق، فلم تستحقَّ منهم سوى الكراهية والدَّم! ولسنا البلد الوحيد الذى أدَّى استلحاقه القسري، منذ مرحلة ما قبل الرَّأسماليَّة، بفلك السُّوق العالمي، إلى تفاوت قسمة الثروة، وحظوظ التنمية والتطوُّر، بين مختلف أقاليمه؛ سوى أنه ما من بلد مثلنا انطمست بصائر نخبه الحاكمة عن رؤية المخاطر التى يمكن أن تحيق بسلطتها نفسها، في ما لو تحوَّلت جملة هذه المظالم إلى (غبينة) تاريخيَّة!
(4)
بالنتيجة اختار الجَّنوبيون (الانفصال)، وأعلنوا، يوم التاسع من يوليو الجاري، قيام دولتهم (المستقلة). لكن من تمام الغفلة اعتبار نموذج الجَّنوب استثناء لا يُقاس عليه، وغير قابل للتكرار، بل يلزم الإقرار الموضوعي بأن الجَّنوب، في الحقيقة، ليس سوى النموذج الوحيد المرشَّح لأن يحذو حذوه، في نهاية المطاف، كلُّ تكوين قومي تبلغ روحه الحلقوم؛ ولعل حالة دارفور وأبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق، دع الشَّرق وشمال (السُّدود) الأقصى، هي أول ما يقفز إلى الأذهان كإرهاص شؤم بهذا المآل!
مع ذلك ليس من قبيل المعجزات أن يفضي بنا الانتباه لحقائق تساكننا السابق، ودلالات صراعاتنا التاريخيَّة نفسها، فضلاً عن حركة التدافع، وطنيَّاً وإقليميَّاً وعالميَّاً، إلى مستقبل تستعيد فيه بلادنا وحدتها، لا على ذات خط الانحدار الذي أفضى بنا إلى (الانفصال)، بل على مداميك وطنيَّة جديدة تنعم فوقها بدرجة معقولة من توازن التطوُّر، وتكافؤ الأعراق، وتعايش الأديان، والثقافات، والتكوينات القوميَّة المختلفة. ولا شك في أننا سنكون أكثر قرباً من هذا المستقبل، بقدر ما سيراكم تاريخنا من معطيات تتيح لكلِّ مفردة في منظومة تنوعنا أن تعي ذاتها في نسق علاقاتها بغيرها، مما سيجعل من التوازن، والتكافؤ، والتعايش، ليس، فقط، حالة بديلة عن حالة الاستعلاء والاحتراب التي أسلمتنا إلى ما نحن فيه من بؤس وطني، بل ضرورة لا غنى عنها لوجودنا نفسه.
هذا هو التحدِّي الشَّاخص في أفق تطوُّرنا، والذي يفترض العكوف على تدبُّر مجابهته، بإحسان تدبُّر جملة الجَّرائر التي أودت بوحدة الوطن. فالمستقبل المأمول ليس محض طور من أطوار الارتقاء التلقائي، يقع، حتماً، سواء عملنا أو لم نعمل لأجله، وإنما يحتاج إلى حركة دفع قصديَّة جادَّة بثلاث اتجاهات في آن واحد:
الاتجاه الأوَّل: الإنطلاق من الإقرار بواقع التنوُّع إلى تصميم برامج للتنمية المتوازنة بين مكوناته، وإعطاء الأولويَّة لإعادة استثمار الموارد القوميَّة، كالبترول، حيثما وجد، في القطاعين الزراعي والصِّناعي، وكلِّ مجالات التنمية، بدلاً من الاقتصار على (قسمة العائد) البائسة، فضلاً عن تخصيص ما يكفي من الموارد لردم فجوة (التهميش) التى تعانى منها مناطق شاسعة من الوطن، وذلك بتفعيل (التمييز الإيجابي positive discrimination)، أي المعاملة التفضيليَّة للمناطق التي تشكل منابع الثروات القوميَّة، فيعاد استثمار قدر معلوم من عائدات هذه الثروات للارتقاء بخدمات الصحَّة والتعليم وغيرها في هذه المناطق، سواء مِمَّا تخصصه الميزانيَّة العامة، أو ما ترصده ميزانيَّة التنمية.
الاتجاه الثاني: ولأن العامل الاقتصادي غير قمين، وحده، بكفالة حلِّ مشاكل التساكن القومي، فلا مناص من التواضع على بناء دولة مدنيَّة ديموقراطيَّة قائمة على التعدُّد، ومعياريَّة المواطنة، والعدالة الاجتماعيَّة، والحرِّيَّات العامَّة، وحقوق الإنسان كافة، كما نصَّت عليها المواثيق الدوليَّة، لتكون حاضنة وطنيَّة لهذه العمليَّات، ليس في مستوى الإطار الدُّستوري والقانوني، فحسب، وإنما بالمراجعة التاريخيَّة المطلوبة بإلحاح لمحدِّدات الهويَّة الوطنيَّة في السِّياسات الثقافيَّة، ومناهج التربية والتعليم، وبرامج الراديو والتلفزيون، وغيرها من أجهزة الإعلام ووسائط الاتصال الجَّماهيريَّة الأخرى ذات الأثر الحاسم في صياغة بنية الوعي الاجتماعي العام، بما يشيع مناخاً صالحاً لازدهار كلِّ المجموعات القوميَّة، بمختلف ثقافاتها، وأديانها، ومعتقداتها، ولغاتها، ويهيئ لانخراطها في مثاقفة ديموقراطيَّة هادئة في ما بينها، "فليس أمَرُّ من صدام الثقافات .. وأدمى"، على قول شهير للمرحوم جمال محمد احمد. إنجاز كهذا يستحيل إتمامه عبر صفقات منفردة بين نخب في (الهامش) و(المركز)، بل لا بد من أوسع مشاركة منظمة للجَّماهير في المستويين، عبر أحزابها، ونقاباتها، واتحاداتها المهنيَّة والنوعيَّة، ومؤسَّساتها المدنيَّة الطوعيَّة، وروابطها الإقليميَّة والجِّهويَّة وغيرها.
الاتجاه الثالث: لا بد، إلى ذلك، من انخراط الجَّماعة المستعربة المسلمة نفسها في حوار داخلي سلمي وحر بين مختلف أقسامها، حول فهومها المتعارضة لدينها الواحد، فى علاقته بالدَّولة والسِّياسة، الأمر الذي لطالما شكل، منذ فجر الحركة الوطنيَّة، بؤرة نزاعات خطرة لم يقتصر أثرها السالب على هذه الأقسام، فحسب، بل امتدَّ ليطال علاقات المستعربين المسلمين، عموماً، بمساكنيهم من أهل الأعراق والأديان والثقافات الأخرى، بما تهدَّد، كما قد رأينا، وما زال يتهدَّد (الوحدة الوطنيَّة).
(5)
هذه المعالجات ليست محض جداول لإجراءات محدَّدة، بل سيرورة تاريخيَّة باحتمالات لانهائيَّة. ولذا من العبث محاولة توصيفها، تفصيلاً، أو تقييدها بمدى محدَّد، أو بترتيبات معيَّنة، أو بحكومة بعينها. وقد تتعرض لانتكاسات، حتى بعد التواضع عليها، حدَّ تكرار تجربة (الانفصال) نفسه. على أن عوامل (التوحيد) الكامنة في تاريخنا الاجتماعي، والتي لا تنكرها العين إلا من رمد، تدفعنا إلى التفاؤل بأن (الوحدة) سوف تشكل خيارنا النهائي. وربما زودتنا بالمزيد من التفاؤل، على هذا الصَّعيد، عبارة سر أناى الشاعريَّة الحكيمة: إن الآلام التى يعانيها وطننا هي، يقيناً، آلام (الطلق)، لا (المرض)!
***
Kamal El Din Elgizouli [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.