رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: جرد الحساب في إحالة العميد طبيب طارق كجاب    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    مقربون من محمد صلاح يرجحون وجهته القادمة.. إيطاليا أو أميركا؟    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تبني الديمقراطية بالحزب الشيوعي: فكرة أصيلة أم تباكياً على شُهداء 19 يوليو. بقلم: البراق النذير الوراق
نشر في سودانيل يوم 19 - 07 - 2011

أجهشت قاعة الصداقة بالبُكاء يوم افتتاح المؤتمر الخامس عند ذكر يوليو71
لو كان نُقد ضابطاً بالجيش لقام بإنقلاب
د.سعاد: قلت لعبد الخالق إنني لا أقبل بأن أكون وزيرة في سلطة تأتي عن طريق السلاح
د. الكنين: لازال النقاش مفتوحاً داخل الحزب حول الديمقراطية اللبرالية
الشيوعيون أصبحوا ناقمين على الإنقلابات حتى ولو كانت ضد أعداءهم الإسلاميين
أصبحت الهتافات والأشعار سمة لفعاليات الحزب الشيوعي حتى في الأعمال الرسمية
أعلن الحزب الشيوعي السوداني ضمن كتيب صدر عن شركة دار التنوير للطباعة والنشر 2009 في الفصل الأول من دستور الحزب المجاز من المؤتمر الخامس أنه (يرفض الإرهاب ويتصدى له كفكر وممارسة، وكذلك الوسائل الإنقلابية المدنية والعسكرية، ويعمل على ترسيخ مبدأ التداول الديمقراطي الدستوري للسلطة والإحترام المتبادل بين الأحزاب والقوى السياسية الأخرى ويرفض التعاون مع تلك التي لا تقر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحريته في إختيار الطريق الذي يرتضيه). وقد أضحت تلك هي الصيغة القانونية الرسمية التي يحتكم إليها الحزب في مواجهة خصومه والجماهير، وعند مواجهة منتقديه الذين يتهمونه بعدم أصالته في تبنيه للديمقراطية.
وفي قراءة متأنية لوثائق من فترة الستينيات، شملت بيانات وأوراق داخلية وتقارير حول التحضير للمؤتمر الرابع وصولاً إلى العام 1974 ضمن أعداد الميدان السرية، نجد إلتباساً واضحاً في مفهوم الديممقراطية داخل الحزب الشيوعي، فمرة تبدو وكأنها الديمقراطية اللبرالية وأخرى تحيل القارئ لمفهوم الديمقراطية الناتجة عن الثورة الوطنية متعددة الجبهات وفي بعض الأوقات تقراء بين السطور عبارات تنتقد الديمقراطية الماثلة في ذلك الوقت وتصفها بالسلطة الرجعية.
وللإنقلاب الذي قاده هاشم العطا في 19 يوليو 1971 الأثر الكبير على الحزب الشيوعي السوداني وعلى مسيرته منذ إعدام قادة ذلك الإنقلاب وإعدام بعض المدنيين من القيادات الشيوعية، فقد حفلت الكثير من أدبيات الحزب بكلمات تُمجّد قادة الحزب وشُهداؤه حتى أصبحت تلك الهتافات والأشعار سمة ملازمة لكل فعاليات الحزب بل أصبحت في بعض الأحيان جوهر تفاعل جماهير الحزب الشيوعي مع قضاياهم، فقد أجهشت قاعة الصداقة بالبكاء يوم أن كانت مسرحاً للجلسة الإفتتاحية لأعمال المؤتمر الخامس عندما ترددت عبر سماعات القاعة اسماء قادة الحزب الشيوعي والضباط الشيوعيين الذين أعدمهم نميري بعد فشل الإنقلاب، هذا خلاف أن غالبية الأغاني الكورالية للحزب إرتبطت بشكل أو بآخر بفُقداء الحزب جرّاء محاكمتهم من قبل النظام في ذلك الوقت. وللحديث عن أصالة الحزب في موقفه من الديمقراطية كان لابد لنا من وضع هذا الحدث الجلل في تاريخ الحزب الشيوعي موضع تساؤل ودوره وتأثيره في تحويل مسار الحزب من مؤيد لمايو وفعّال في يوليو إلي ناقمٍ على الإنقلابات العسكرية بمجملها حتي وإن كانت ضد الإسلاميين الذين يمثلون الأعداء التاريخيين للشيوعيين في السودان، فالبرغم من أن شعار المؤتمر الخامس رباعي العبارات كانت أول عبارة به هي (ديمقراطية راسخة)، إلا أن كل متابع يذكر إجابة السكرتير السياسي للحزب الشيوعي السوداني لسائله في خيمة الصحفيين الرمضانية قبل أكثر من عامين، فقد سأله الأستاذ ضياء الدين بلال عن موقفه لو إنضم للكلية الحربية وتخرّج ضابطاً مثل رفاقه بمدرسة حنتوب الثانوية فكانت إجابته السريعة والحاسمة... حاعمل إنقلاب.
كان لابد لنا ونحن نستكنه تداعيات هذا الحدث بما فيها موقف الحزب الشيوعي من بعده تجاه الديمقراطية والديمقراطية اللبرالية، أن نسترجع بعض الوقائع التي أصبحت أجزاء كثيرة منها معروفة ومبذولة علي صفحات الجرائد والإنترنت وفق شهادات وإفادات شهود عيان إختلفت أو إتفقت، فذلك همٌ للباحثين عظيم، لذلك حاولنا أن نُلخّص بعض الوقائع التي تُساعد في بسط أرضية تصلح لتجاوز الحكي المكرور عن الواقعة والذي وصفه الدكتور عبدالله علي إبراهيم بيومية التحري التي تُكتب على محاضر ودفاتر الشرطة والتي لا تتجاوز في رؤيتها للقضية صدور حكم وتحديد جاني، لذلك تأتي محاولتنا هذه إلى ما يمكن أن نلمسه من نتائج تصلح لنبني عليها توقعات وتحليلات لمواقف حزب مؤثر كالحزب الشيوعي السوداني ضمن الحراك السياسي لبلادنا.
تم هذا الإنقلاب عصر 19 يوليو1971 وكان مُفاجئاً وناجحاً، كما أنه كان متوقعاً في الأوساط السياسية بحكم اشتداد الصراعات بين الكتل العسكرية المختلفة وامتداداتها وسط القوى السياسية، ومع نجاح الحركة الانقلابية في استلام السلطة إلا أنها لم تتمكن من الاستمرار أكثر من ثلاثة أيام فقط، هذا ما أورده محمد علي جادين القيادي بحزب البعث في مقال له تعليقاً علي كتابة الدكتور عبدالله علي إبراهيم عن توثيق أحداث يوليو وتوصيفه لهذا التوثيق بأنه لم يتعد يومية التحري. ويضيف جادين: وفي الأيام الثلاثة التي عاشتها الحركة الانقلابية قامت قيادة حركة الاشتراكيين العرب بعقد لقاءات متعددة مع رموز الحركة الانقلابية وبعض قيادات الحزب الشيوعي بهدف معرفة ما كان يجري وامكانيات المشاركة في دعم وتثبيت الوضع الجديد والواقع أن الاشتراكيين العرب وحزب البعث السوداني لم تكن لهما علاقة مباشرة بالحركة الانقلابية، إنما كانت لهما علاقة وطيدة مع فاروق حمدالله وبعض رموز مجموعته (سعيد كسباوي والرشيد أبوشامة وآخرين). ويخلص الاستاذ جادين إلى أنه بالإضافة لعوامل عدة ومع تحرك فعّال في مصر ودول ميثاق طرابلس (مصر، وسوريا، وليبيا) لاعادة نميري للسلطة، إضافة إلى تحركات وسط القوات المسلحة، وبالذات وسط ضباط الصف تمت إعادة نميري ومجموعته للسلطة مساء الخميس 22 يوليو.
لم تتعد محاكمة هاشم العطا 45 دقيقة وكان يواجه تهماً وفق القانون العسكري وهى التهم الخاصة بجمع المال والرجال بطريق مباشر وغير مباشر بغرض تقويض الحكم والدستور، ولم ينكر التهم التى وجهت اليه، ولكن بالمقابل لم توجه إليه أى تهمة تتعلق بأحداث بيت الضيافة، وأخذ هاشم الى الدروة التي يُنفّذ عليها حُكم الإعدام وقد كانت هذه الساحة قد شهدت من قبل إعدام أبو شيبة، عبدالمنعم الهاموش وغيرهم من الضباط الذين كانوا ضمن من قاموا بالإنقلاب، ويذكر شهود ضمن إفاداتهم أنه تم إطلاق النار على هاشم في ظهره قبل أن يصل للدروة .أما فاروق وبابكر فقد أُخذوا صباح اليوم التالي يصحبهم فريق الاعدام ومعهم ضابط وطُلب منهما التوجه نحو الحزام الأخضر فرفضا اعطاء ظهريهما للرماة وطلبا أن تُطلق النار على صدريهما فلما تردد الجُند- انفعل فاروق ومزق قميصه وهو يصرخ ويتقهقر للخلف مواجهاً الجند ويشير الى صدره.. أضرب هنا وصار يهتف (عاش السودان حراً) حتى أسكتت صوته زخات الرصاص تماماً .. وكانت قد قضت على رفيقه بابكر فى نفس الوقت.
كتب الأستاذ عادل عبدالعاطي مُستنداً إلى كتاب الأستاذ فتحي الضو "أزمة الصفوة السودانية": كان الحزب الشيوعي من أوائل الأحزاب السياسية التي اخترقت الجيش السوداني، وبدأت في تكوين خلايا سرية لها في داخله. إن التنظيم العسكري الشيوعي الذي تأسس في مطلع الخمسينات، قد دعم الاتجاهات الانقلابية داخل الحزب وفى الجيش، كما شجّع الأحزاب الأخرى على إختراق الجيش، فبدأت الحركات الشمولية الأخرى من بعثيين وناصريين وأصوليين في بناء تنظيماتها السرية داخل الجيش، بل واستغل البعض هذه الحقيقة، حقيقة الاختراق الشيوعي للجيش لتبرير تنظيماتهم واختراقاته اللاحقة. وكتب محمد سعيد القدال في كتابه التوثيقي معالم في تاريخ الحزب الشيوعي ما يلي " كان الحزب الشيوعي قد بدأ منذ الخمسينات في إقامة تنظيم داخل الجيش تحت إشراف عبد الخالق مباشرة". يقول الدكتور حيدر إبراهيم علي في سلسلة الصحوة الماركسية التي نشرها مؤخراً في إشارة للحزب الشيوعي: شعارات ومبادئ الثورة الوطنية الديمقراطية التي ارتفعت عقب الاستقلال، تعرّضت لإنتكاسات وهزائم عديدة، كان بعضها ذاتياً أي تسببت فيه القوى صاحبة المصلحة الحقيقية حين حاولت حرق المراحل والتوجه إلى مرحلة الثورة الاشتراكية دون تنفيذ مهام مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية. ولأن هذه القوى لم تكن تملك أدوات تغيير جماهيرية أيدت بنصف قلب انقلاب 25 مايو 1969 واخطأت مرة اخرى حين حاولت تصحيحه بانقلاب 19 يوليو 1971، فقد كان الحزب الشيوعي كطليعة ثورية يملك قدرات تنظيمية عالية، داخل الحزب وبين القوى الديمقراطية، وأخرى على الواجهات مثل اتحادات الشباب والعمال والنساء والمزارعين والمهنيين، ولكن الضعف النظري والفكري لم تنقذه القدرات التنظيمية ولا الدينامية السياسية.
أورد التجاني الطيب بابكر جملة من الأخطاء التي يقرون بأنهم كحزب وقوعوا فيها في ندوة بالقاهرة نظمها مركز الدراسات السودانية عام 1993 ومنها حسب قوله" في الموقف من الديمقراطية فى إنقلاب نميري نحن ما اشتركنا فيه ولم ندبر هذا الانقلاب، ولكن أيدناه بطريقة مشروطة. وأنا أعتقد أنه من الناحية السودانية " إذا كان الأحزاب والأخوان المسلمين قاعدين فوقنا خانقيننا وجا واحد قال نفك الخنق ده نقول ليهو لا"؟ يعنى حكاية مش معقولة. إحنا أيدنا ولكن بشرط نحتفظ بحقنا كحزب لكن فى الناحية دى أنا ما بعتبر إنه كان عندنا أى نوع من الخطأ إذا نظرنا إلى أى إنقلابات تانية، لكن بالنسبة لقضية الديمقراطية فى هذا النظام نحن ما كنا مع القاعدة بتاعتنا للدفاع عن الديمقراطية، وحصلت انتهاكات للحقوق الديمقراطية نحن سكتنا عنها لأنها كانت موجهة ضد الآخرين، وكان يجب علينا أن نعرف إن الديمقراطية لا تتجزأ. ويضيف التجاني في نفس السياق " كان فى يوم 19 يوليو، وهذا الخطأ سواء نحن عايزينه ولا مش عايزينه نحن كحزب ما أخذنا قرار بتنظيم 19 يوليو، لكن 19 يوليو قاموا بيها شيوعيين وديموقراطيين وإحنا أيدنا هذا الانقلاب من الفكرة بتاعت إنه سيبدأ تصحيح للنظام القائم لكن من الخطأ نحن تعلمنا يمكن آخر تجربة وآخر درس لنا، نحن ضد الانقلابات على طول الخط، ضد التكتيكات الانقلابية على طول الخط، ومع الديمقراطية على طول الخط، هذا بيتماشى مع موقفنا من الديمقراطية باستمرار، يعنى إحنا ناضلنا نضال شديد جداً من العهد الاستعمارى، وفى الظروف الديمقراطية ناضلنا لانتزاع حق النقابات ولانتزاع الديمقراطية".
كان عبدالخالق أثناء محاكمات الشجرة ينفي نفياً قاطعاً معرفته بانقلاب 19 يوليو أو التخطيط له، أو الإشتراك فيه، وأن حزبه ضد الإنقلابات العسكرية وأن وسيلتهم للتغيير تتم عادة بالثورة الشعبية مثل ما حدث في أكتوبر من العام 1964 ونفى عبدالخالق كذلك ضمن نفس المحاكمة دور الضباط الشيوعيين في تهريبه من المعتقل ومشاركتهم في التخطيط والتنفيذ لحركة 19 يوليو وهذا ما ثبت عدم صحته ضمن الإفادات التي وردت والحقائق التي إستبانت ووضحت بأن عبدالخالق لم يكن ليغادر المعتقل لولا مساعدة بعض الضباط الشيوعيين داخل الجيش، يقول الدكتور عبدالله علي ابراهيم في حديث عن انقلاب 19 يوليو 1971 بمناسبة مرور 36 عاماً على وقوعه: من رأي صلاح أحمد ابراهيم أن عبد الخالق لم يُحرّض علي الانقلاب صراحة بل أوعز للضباط الشيوعيين ذلك بأسلوبه الإيحائي المعروف الذي "لا يملك المٌخَاطب معه بخاصة إذا كان شيوعياً مُلتزماً إلا أن يستنبط منه ما يوقن أن واجبه الثوري الذي لا معدي من تنفيذه بإقبال شديد". وهو أسلوب يوفر للواعز حرية التنصل والإنكار متى هبت الرياح المضادة. وهو ما حدث في نظر صلاح حين أنكر عبد الخالق خلال محاكمته أنه خطط لحركة 19 يوليو أو أوعز بها، وفي نفس الخط يسير الدكتور ابراهيم يإيراده لرأي محمد محجوب عثمان شقيق عبدالخالق محجوب في كتابه الجيش والسياسة: قبل الحزب في اجتماع المكتب السياسي (13-7-1971) بإجماع تصور عسكرييه لحل الأزمة السياسية بفكرة قيام "حركة تصحيحية" بواسطة الضباط الشيوعيين تخضع لتقديرات اللجنة المركزية. ورأي محمد محجوب في هذا قبولاً من الحزب بما قام به هاشم وحركته التصحيحية. وفي هذا السياق طلب الحزب من العسكريين الإجابة على بعض الأسئلة تهدف كلها إلى التأكد من نجاح الخطوة باعتبار دقيق للأوضاع في البلد ومواقع المتربصين بالداخل والخارج بالحركة الثورية. وفي ذلك السياق طلب الحزب من العسكريين تنويراً عن أوضاع بعض الأسلحة الموالية للمشير جعفر نميري والوضع في الجنوب وما قد يأتي من تدخل من حلف مصر وليبيا والسودان الذي كانت الدعوة له على أشدها. وكانت معارضة الشيوعيين لقيام هذا الحلف هي من أهم نقاط النزاع بينهم وبين حكومة مايو. ومن رأى محجوب أن هذه المواقف والأسئلة هي "شروع في الانقلاب".. ويضيف الدكتور عبدالله: الإلتباس في قضية مفهوم الديمقراطية كان موجود في الحزب فالخطوط الرسمية تجاهها كانت شيئ والعقيدة القتالية شئ آخر، فواقعة حل الحزب الشيوعي كانت أليمة وساهمت في تنامي الشعور بالغُبن فالأنصار مثلاً في ذلك الوقت كانوا سيئين وقد "ضوقونا المُر" فزادت بيننا الخصومة، ولكن كان من اللياقة أن لايفحش بها وعموماً كل هذا كان له منطقه وفهمه ولا يجب أن نخرجه من سياقاته.
دكتور علي الكنين عضو اللجنة المركزية المنتخب من المؤتمر الخامس قال: إن الموقف من الديمقراطية أصيل منذ المؤتمر الرابع، وعلى الرغم من موقعي في ذلك الوقت في قيادة مكاتب مجالات العمل وهو من أهم المكاتب لمعرفة مثل هذا الخط لدعم أي تحرك عسكري إلا أننا فوجئنا بالإنقلاب لأنه لم يكن متوقعاً حدوث أي حركة من أي جهة. ويضيف الدكتور الكنين: أن عدم التكتيك للإنقلابات الذي تحدثت عنه وثائق المؤتمر الرابع بالضرورة يعني مقابلتها بالديمقراطية وعلى الرغم من ذلك لازال النقاش مفتوحاً حول هل هي الديمقراطية اللبرالية بمفهومها الواسع أم أنها ديمقراطية ذات مقومات أخرى فالديمقراطية اللبرالية هي برجوازية وبالتالي هي دكتاتورية للبرجوازية، ويضيف الدكتور الكنين: أنا لا اظن أن إنقلاب يوليو خطأ غير مُبرر بل هو في تلك المرحلة رد فعل عسكري وانا لا أفصله عن 25 مايو. الدكتور علي الكنين أحد الذين شاركوا في مظاهرات التأييد التي خرجت في 22 يوليو مع أنه ينفي عن نفسه تهمة تأييد إنقلاب عسكري ويقول: الخروج في المظاهرات لا يعني التأييد وأنا أظن أن 19 يوليو أكدت أهمية مشاركة الآخر وعدم الإنفراد بالسلطة فإنفراد فئة واحدة بالسلطة معناها ديكتاتورية ولقد كان الإنقلاب سبب إتخذه قادة مايو لمنع أعداءهم من الحياة وأصبحت 19 يوليو جزء من التاريخ الذي نعتز به كثيراً فهو تاريخ إيجابي بمعنى أنه صوّر التضحية والبرامج التي طرحوها وفي نيتهم تحقيقها وهو كان يمكن أن يُمثّل الخطوة التي تضع حداً لإتجاه مايو نحو ديكتاتورية الفرد وتبقي 19 يوليو تمثل تطلعات فئة تقدمية ديمقراطية أرادت بالسودان خيراً ولكنها استلمت السلطة بطريقة غير مقبولة.
جوهر ماجرى في يوليو 71 يفهم في سياق الصراع فيما بعد أكتوبر64 حيث برز الحزب الشيوعي على رأس حركة جماهرية نشطة وتسنم مواقع في الحكم، هذا ما يؤكده أبوبكر الأمين الماركسي وأحد البارزين في هيئة تحرير صحيفة الميدان في فترة الديمقراطية الثالثة. ويزيد الأستاذ أبوبكر على ذلك بالقول: 19 يوليو هي حلقة في سلسلة محاولات تصفية الحزب الشيوعي فقد جربوا التصفية القانونية ثم جربّوا استباقه بانقلاب يساري وسرقة برنامجه والانقسام عليه ثم انتهوا الى التصفية الجسدية باعدام القادة الثوريين واستكمال المهمة داخلياً بصعود قيادة يمينية ماكرة لم تتخل عن اللغة الثورية لكن عملياً كانت تخدم المصفيين الرسميين للحزب فجعلت مهمة التصفية مهمة دائمة وأجندة يومية، فوصلنا الى حزب ماركسي فلكلوري أملس يهرب من المعارك الجماهيرية هروب السليم من الأجرب ويجترّ الماضي الثوري والأناشيد تعويضاً عن عجزه في الواقع واستخذائه أمام الطغم الحاكمة وارتباطه بها طبقياً. بهذا المدخل نفهم التباكي على 19 يوليو والذين رفعوا شعار الثأر لشُهداء يوليو هم أنفسهم الذين فرّطوا في الهيئة الشيوعية داخل القوات المسلحة فتفرقوا شذر مذر وذات هذه الهيئة هي التي أنجزت تقريراً عسكرياً رفيعاً في تقويم انقلاب 19 يوليو فاضاعته القيادة في المرة الأولى، وفي المرة الثانية حُرق بنيران التأمين ثم لم تعد الهيئة موجودة لتعيد الكرّة، وأصبح الأمر في صدور الرجال، وشُهداء 19 يوليو لايزالون بالوادي الذي دون سلع. ويضيف الأستاذ أبوبكر الأمين: معروف موقف الحزب الشيوعي من الفكر الانقلابي وهذا الفكر عموماً يتجاهل السنن التي تحكم المجتمع والطبيعة ويغلب الارادوية على الواقع الموضوعي. 19 يوليو لم تكن فلتة فكرية من هذا النوع لا .. لا 19 يوليو مؤامرة مكتملة الأركان تمت من خلف ظهر هيئات الحزب بمشاركة عناصر من داخل الوسط القيادي بقصد تصفية جسدية لقيادة الحزب الثورية على الطريقة الأندونيسية تحت رعاية جهات معادية للحركة الثورية في السودان. إن شُهدائها المباركين لم يكونوا يعرفون ذلك وأن دمهم على رقبة المتآمرين مهما طال الزمان.
لقد أراد بعض الشيوعيين بعد نجاح الإنقلاب تكوين حكومة يتبع أغلبها للحزب الشيوعي، بل شرعوا فعلاً في كتابة أسماء الوزراء وقد أفادت سعاد إبراهيم أحمد أنها رفضت إختيارها لمنصب وزيرة التربية، وتقول سعاد في هذا الخيط" قلت لعبد الخالق إنني لا أقبل بأن أكون وزيرة في سلطة تأتي عن طريق السلاح، نحن بداية لم نكن ضد النظام بدليل أننا كنا كحزب مبادرين بقيام أول مؤتمر قومي للتربية بالسودان في سبتمبر من نفس سنة الإنقلاب أي بعد أربعة أشهر من 25 مايو، وتضيف سعاد: القضية كانت مُعقدة وبها تداخلات العاطفي والسياسي، فإعدام جوزيف وعبدالخالق والشفيع ترك أثره فينا، ورغم أن عمل انقلاب كان وارداً قبل سفر فاروق حمدالله وبابكر للعلاج بالقاهرة إلا أن القيادة لم تكن متفقة على أن هذا هو الوقت الصحيح.
nazeer ebrahim [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.