الحلقة الثانية من شهادتي للتاريخ (50) حول سلامة سد النهضة وأضراره البيئية .. بقلم: بروفيسور د. د. محمد الرشيد قريش*    هيئة محامي دارفور تنعي معلم الأجيال المربي محمد علي شين    أُمْ دُوْمَة- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التراثْ السوداني- الحَلَقةُ العَاشِرَة .. جمعُ وإعداد/ عادل سيد أحمد.    البنوك الاسلامية وديوان الزكاة .. بقلم: عبد الله محمد أحمد الصادق    عن ملفات سيئة الذكر البيئة!! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله    سر الختم هذا (مدهش) يا أماسا .. بقلم: كمال الهِدي    اعتداء دموي على المحامي د. عبد العظيم حسن بعد وقوفه في مسجد المنشية بعد خطبة الجمعة لاعتراضه على الخروج في مسيرة الزحف الأخضر قائلا: (المسيرة دي مفروض تكون مسيرة إعتذار للشعب السوداني)    البرهان يتعهد بدعم المرافق الرياضية بالبلاد    الصناعة والتجارة تكشف عن تعديل 5 من القوانين    تأجيل الاجتماع "الثاني" بين سلفاكير ومشار    وقفة احتجاجية لنقابة عمال الكهرباء    بلاغ ضد غندور بنيابة مكافحة الفساد    مرحبا بالمناضل عركى .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    حصار الأمكنة- السودان .. بقلم: درية شرف الدين    قصص قصيرة جدا ونص نثري(2) .. بقلم: د. حامد فضل الله/ برلين    البنك منهجه برمكى!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    كباشي يصل جوبا للانضمام لوفد التفاوض    البرهان: ثورة ديسمبر حقنت الدماء ووحدت البلاد    زيارة مرتقبة لوزير الزراعة الإثيوبي للسودان    الغربال لن يحجب حقيقتكم .. بقلم: كمال الهِدي    مزارعون بالجزيرة يطالبون باعلان الطوارئ لانقاذ الموسم الشتوي    مؤتمر (أصدقاء السودان) يتعهد بدعم الحكومة الانتقالية في أبريل    الهلال يستعيد توازنه بفوز خارج ملعبه على الشرطة القضارف    الكوز المُفاخر بإنجازاته .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    نظريه الأنماط المتعددة في تفسير الظواهر الغامضة .. بقلم: د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    (الحرية والتغيير) توصي رئيس الوزراء بإقالة وزير الزراعة    السودان: (الشعبي) يدعو لإسقاط الحكومة احتجاجا على اعتقال السنوسي    أمين الزكاة: الديوان عانى من إملاءات "السياسيين" في العهد السابق    المصري حمادة صديقي مدرباً للهلال    الحكم باعدام ثلاثة متهمين في قضية شقة شمبات    "سان جيرمان": 180 مليون يورو سعر نيمار    صعود فلكي للدولار مقابل الجنيه السوداني قبيل مؤتمر دولي لإنقاذ الاقتصاد    اتحاد إذاعات الدول العربية يكرم حمدوك    نحو منهج تعليمي يحترم عقول طُلابه (1): أسلمة المعرفة في مناهج التربية والتعليم في السودان .. بقلم: د. عثمان عابدين عثمان    حمدوك: عدد القوات السودانية العاملة في اليمن "تقلص من 15 ألفا إلى 5 آلاف"    مُقتطف من كِتابي ريحة الموج والنوارس- من جُزئين عن دار عزّة للنشر    الناتو وساعة اختبار التضامن: "النعجة السوداء" في قِمَّة لندن.. ماكرون وأردوغان بدلاً عن ترامب! .. تحليل سياسي: د. عصام محجوب الماحي    تشكيلية سودانية تفوز بجائزة "الأمير كلاوس"    اتفاق سوداني امريكي على رفع التمثيل الدبلوماسي    اتفاق بين الخرطوم وواشنطن على رفع التمثيل الدبلوماسي    العطا: المنظومة العسكرية متماسكة ومتعاونة        والي الخرطوم يتفقد ضحايا حريق مصنع "السيراميك"    مقتل 23 شخصا وإصابة أكثر من 130 في حريق شمال العاصمة السودانية    وفاة الفنان الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم    حريق هائل في المنطقة الصناعية بحري يؤدي لوقوع اصابات    تدشين الحملة الجزئية لاستئصال شلل الاطفال بمعسكر ابوشوك            مولد وراح على المريخ    الحل في البل    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





19 يوليو 1971: جدل القصة والغصة (الكتاب الثاني) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 21 - 07 - 2011

لولا ظروف لصدر هذا الكتاب "إنقلاب 19 يوليو 1971: من يومية التحري إلى رحاب التاريخ" في ذكرى الانقلاب الأربعين كالكراسة الثانية في سلسلة "كاتب الشونة" (الدورة الثانية). وهي سلسلة كتابات نقدية غير دورية في مسألة الثقافة السودانية" صدر منها في 2010 كتابي "بخت الرضا: الاستعمار والتعليم" وانتهز سانحة العيد الأربعين لانقلاب 19 يوليو فأنشره عساه يبدد وحشة هذه الحادثة المأساوية في سوء الأسئلة غير الذكية عنها. وكراسة الانقلاب من 3 أجزاء أنشر الجزء الثاني منها في هذه الحلقة ويرد الثالث والأخير في وقته.
مقدمة
يريد هذا الكتاب أن يجدد النظر في انقلاب 19 يوليو1971 على نظام البكباشي جعفر نميري. لم يدم الانقلاب في الحكم سوى ثلاثة أيام عاصفة وأودى بزهرة قادة الحزب الشيوعي السوداني الذين أٌتهموا بتدبيره. ولقصر عمر الانقلاب المتناهي والأحلام التقدمية التي أذاعها على الملأ جعلنا لفصله الأول عنواناً هو "علم اجتماع الضل (الظل) الوقف ما زاد" بالنظر لمقطع لواحد من حداة التقدم، المرحوم الشاعر عمر الطيب الدوش. وهو وإن لم يقله في مصير 19 يوليو تحديداً إلا أنه مما ناسبه. فظل 19 يوليو انحسر وطوى بين دفتيه حركة إجتماعية غراء للكادحين مثيلها قليل.
يريد الكتاب في تجديده النظر للانقلاب أن يخرج به من "الصندقة"، في العبارة الإنجليزية، التي حاكمته كنبأ وكوزر ثقيل . فالنبأ، في وصف الصحافي الأمريكي جيمس روستون، ما يتسامعه الناس عن الواقعة في الأطراف. ولكن كل واقعة في الحقيقة هي بنت مجتمع وتستحق الدراسة في تدافع أهله. وقد ذهب الناس في تأويل النبأ مذاهب وضعه أكثرها في "سياسات" الحرب الباردة". أما محاكمته كوزر فلها ظرف سياسي سوداني مخصوص. فقد كان الحزب الشيوعي شديد النقد للتكيتك الإنقلابي في العمل السياسي ملتزماً بما أصبح إكلشيهاً: "العمل الجماهيري الدؤوب" لبلوغ الغاية. وروج على نطاق واسع لفكرة أن الانقلاب هو خطة البرجوازية والبرجوازية الصغيرة للتغيير السياسي والاجتماعي. ثم رآه الناس ضالعاً في انقلابين: 25 مايو 1969 و19 يوليو 1971 فأتهموه بالنفاق واللامبدئية. ومتى رددنا الانقلاب إلى علم اجتماعه فهمنا لماذا نهى الحزب عن شيء وفعل مثله. وليس مطلبنا هنا تبرئة الشيوعيين بل تحسين الطريقة التي نقرأ بها النص كما يتنزل في مجتمع لا يملك منشيء النص لجوائحه دفعا.
يتكون الكتاب من 3 مباحث كٌتبت في فترات متباعدة: 1994، 2005، 2007. وهي إن لم أقصد عند إنشائها جمعها في كتاب إلا أن ما دعاني إلى ذلك هو أن ناظمها هو النظر النقدي للانقلاب والخطاب الذي اكتنفه. وسترى أن المباحث رواحت بين المقال الأكاديمي القسيم (1994)، إلى الكتابة القسيمة غير الأكاديمية (2005) إلى أبواب بالصحف السيّارة (2007). ولربما ترتب عن ذلك لت وعجن من تكرار نأمل ألا يشقى به القاريء.
جئت في المبحث الأول بفكرتين. أولهما وجوب أن ننظر إلى علم اجتماع الانقلاب في تحليل الشيوعيين لأوضاع بلدهم الاجتماعية وحيل طبقاتها وقواها على المسرح السياسي. وبدأنا في المبحث تحليلنا للفحولة السياسية للبرجوازية الصغيرة التي قال الشيوعيون إن الانقلاب هو ديدنها. وجئت في الفصل بنظرية "الوجه والقناع" لتفسير اضطراب الشيوعيين بين النهي عن الانقلاب وارتكابه في وقت معاً. فقلت إن نهيهم عنه هو وجههم الذي يريدون لحزب عمالي مثابر لا يختلس السلطة بليل. أم القناع فهو تورطهم مرة بعد مرة في ارتكاب الانقلاب. ورردت ذلك إلى غلبة البرجوازية الصغيرة في الحزب التي ظلت تخفي خطها الانقلابي تتمضمض خط الحزب "البروليتاري" مضمضة حتى تحين "ساعة الصفر" فتتلمظ السلطان مسارعة إليه.
وعالج المبحث الثاني فحولة البرجوازية الصغيرة في عرينها الانقلابي: ضباط القوات المسلحة. فتعرضنا للعلاقة بين الضباط الشيوعيين والحزب بعد قيام انقلاب 25 مايو الذي كان بعضهم طرفاً مؤثراً فيه. فقد أدى انتقال مسرح السياسة وحيلها إلى القوات المسلحة بسبب انقلاب 25 مايو إلى إزدياد نفوذ أولئك الضباط حتى أنهم جنحوا إلى خط الانقلاب والحزب راغم. وأردنا أن يلقي نظرنا المحدد لهذا المكمن البرجوازي الصغير بعض الضوء على مسألتنا عن إزدواجية الوجه والقناع في الحزب.
أما المبحث الثالث فهو محاولة منا للوقوف على الفحولة الثقافية للبرجوازية الصغيرة المتعلمة. فقد نظرنا إلى عزلتها عن الشعب عزلة اضطرتها لحيلة الانقلاب مجدداً. فقد لقنتها تلك الحداثة أن إرثها الثقافي لغو وباطل حنبريت. وعقد لها سدنة الحداثة لواء "تمدين" الأهالي-أهلهم- ليلحقوا بركب الغرب ب"القطار المار". وقلَّبنا منشأ عزلة هذه الجماعة ووحشتها اللتين حالا ودونها ودون استنفار شعبها بداب لا تكون النهضة بغيره.
ويريد الكتاب بصورة أخص مواصلة التقليد النقدي الجذري للبرجوازية الصغيرة الذي كان سمة فكر أستاذنا عبد الخالق محجوب (1927-1971) ولب ممارسته. فهي فئة مضللة. تحتكر الفكر باسم "الصفوة" ولا تمانع في أن تٌلعَن نهاراً جهاراً لخيباتها "وإدمان الفشل" طالما بقيت هي الخصم والحكم. وهي في نظرها كل منسجم متناسخ الأفراد يقع ويقوم سوياً. وليس مثل عبد الخالق من "نقى شعيرها" واقتحم عليها تواطؤها ونازعها حق النقد. فنقدها حيث ظنت ألا ناقد إلا إياها ونازلها في الساحة السياسية كما سيرى قاريء هذا الكتاب. فلاحق تغبيشها لوعي الكادحين بالوعي المضاد الذي قليله بركة أيضاً.
المبحث الثاني
19 يوليو 1971: من يومية التحري إلى رحاب التاريخ
1-الشروع في الانقلاب
ظل انقلاب 19 يوليو 1971 أسير يومية التحري الجنائي والقضائي منذ اندحاره بعد ثلاثة أيام من قيامه. فقد ذهبت المحاكم الظالمة، التي انعقدت بعد الفشل، بصفوة الجيل اليساري لآخر عقد الأربعينات وعقد الخمسينات. وبقي الانقلاب رهينة مساءلة انحصرت بالكلية في تحقيق عما إذا ما كان الحزب الشيوعي هو الذي أوعز بالانقلاب. ولم تبرح تلك الحركة الشقية يومية التحري والملاحقة بسؤال "من الجاني؟" حتى بعد دفع هذا الثمن الباهظ.
لم نبارح في نظرنا لانقلاب 19 يوليو بعد محطة المباحث عمن قام بالانقلاب إلى البحث التاريخي الذي مداره لماذا وكيف وقع الانقلاب في زمانه ومكانه. والبحث التاريخي يشمل التفتيش عن فاعل الانقلاب بالطبع ولكنه لا يقتصر عليه بل يؤطر تحرياته عنه في سياقات اقتصادية واجتماعية وثقافية نفعها أعم لوعينا بالماضي. ولا نبلغ هذا الوعي بالماضي بنهج المتحري لأنه نهج يفترض سيطرة المحرضين على الشيء والقائمين به على فعلهم في التاريخ، أي أنه كان بوسعهم أن يكفوا عن الفعل متى أجروا حساب الربح والخسارة. ويقوم نهج البحث التاريخي من الجهة الأخرى على أن للسياق الثقافي الاجتماعي الذي تقع فيه الحادثات جبراً على القائمين بها وستقع المصائب أحياناً غصباً عنهم حتى لو أحسنوا التحسب للمستقبل.
قال مؤرخ فطن أن التاريخ لا يجعل منا شطاراً-حرفاء متي تكررت علينا حادثة من حادثاته. خلافاً لذلك فالتاريخ، إن أعاد نفسه، أعاننا على أن نتحلى بالحكمة فنكون بهذا التكرار أحكم في مرتنا هذه عن مرتنا الأولى. فالمنهج التاريخي يطلعنا على منزلة الإرادة والجبر في تنزل الواقعة التاريخية بينما يخيل لمنهج يومية التحري أننا سنكون أشطر في مرتنا التالية عن المرة الأولى. ولا يتنزل هذا التذاكي على التاريخ، إن تنزل، إلا على حساب الجبر فيه. فالمباحثي يٌعلى من إرادة البشر في تنزيل التاريخ بتركيزه على فعل الفرد منهم. فإن أساء الفرد منا تعلم من خطئه أن يجود صناعته للتاريخ في المرة القادمة. ويقوم هذا التذاكي على التاريخ على عقيدة في التربية الأخلاقية. فالمباحثي مَعني بتصويب التاريخ بتحميل الفرد أو الأفراد وزر جنحة تاريخية ما. فمتي استبان الفرد أو الأفراد خطأهم كانوا هم أو من يليهم أدق خٌلقاً في تفادي الانزلاق في مهاوي جنح التاريخ.
انصب منهج يومية التحري في تقويم انقلاب 19 يوليو على مسئولية سكرتيره العام، الأستاذ عبد الخالق محجوب، في تدبيره. ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة لأن الإجابة عليه قد تقدح في مصداقية (وهي باب في الأخلاق) هذا المفكر الذي كتب الصفحات الغراء في فساد خطة الانقلاب في العمل السياسي بل ورسم كل تكتيكاته السياسية حيال انقلاب مايو 1969 اليساري بحسبانه فتنة برجوازية صغيرة نائمة استيقظت. وفي 1986، بعد 15 عاماً من موت الانقلاب المعجل، ظل الشاعر صلاح أحمد إبراهيم يسوق الدليل والبرهان على أن عبد الخالق هو الذي أوعز بالانقلاب. فمن رأي صلاح أن عبد الخالق لم يحرض علي الانقلاب صراحة بل أوعز للضباط الشيوعيين ذلك بأسلوبه الإيحائي المعروف الذي "لا يملك المٌخَاطب معه بخاصة إذا كان شيوعياً ملتزماً إلا أن يستنبط منه ما يوقن أن واجبه الثوري الذي لا معدي من تنفيذه بإقبال شديد". وهو أسلوب يوفر للواعز حرية التنصل والإنكار متى هبت الرياح المضادة. وهو ما حدث في نظر صلاح حين أنكر عبد الخالق خلال محاكمته أنه خطط لحركة 19 يوليو أو أوعز بها.
واستفحلت هذه المساءلة الجنائية لأن الحزب الشيوعي لم يتأخر في بيان ملابسات الانقلاب فحسب بل احتكرت لجنته المركزية حق تقويمها دون الشيوعيين الآخرين وحلفائهم. وكنت من بين من قالوا في كتيب للتعليم الحزبي صدر في السر عام 1977 إن الحكمة من تمييز اللجنة المركزية في تقويم الانقلاب ينبغي ألا تصبح سبباً لمصادرة اجتهادات أخرى تصدر عن نظر علمي ومسئولية. واستغرق اللجنة المركزية 25 عاماً لتصدر تقويمها في 1996. وهذا وقت كاف لتفرخ أسئلة التلاوم التي لا مهرب منها بوجه المحنة وبذلك غلب منهج يومية التحرى في النظر إلى انقلاب 19 يوليو.
ولعل أسطع دلائل تمكن منهج التحري القضائي الجنائي هو صدور مكتوبين شيوعيين في منتصف العقد التاسع من القرن الماضي، أي بعد نحو عقدين ونصف من وقوع انقلاب 19 يوليو، لم يغادرا محطة التحقيق عمن أمر بالانقلاب. فقد صدرت عن لجنة الحزب المركزية في 1996 الوثيقة المنتظرة لوضع النقط على حروف الانقلاب. وهي موجودة على موقع الحزب الشسوعي بالإنترنت. ولم تزد عن المراوحة عند كلمة الحزب الأثيرة أن 19 يوليو تهمة لا ننكرها وشرف لا ندعيه. وهي كلمة صدرت خلال لفح أيام يوليو 1971 العصيبة أراد الحزب بغموضها البلاغي أن "يثبت ويأكل ناره" كما نقول. فالانقلاب في اعتقاد الحزب تهمة صوبها خصومه نحوه وهي لم تثبت (ولن تثبت) ولن ينكرها مع ذلك طلباً لرباطة الجأش في المحنة. وهي شرف وطني لن يدعيه لأنه لم يَثبت أنها أوعز بها ولن يثبت.
قال تقرير الحزب الشيوعي لعام 1996 في تقويم حركة 19 يوليو (وسنسميه التقويم 1996 من هنا ورائح للتخفيف) بلفظة قاطعة إن قرار التحضير للانقلاب وتنفيذه لم يتخذه عبد الخالق أو الأمانة العامة للحزب أو مكتبه السياسي أو لجنته المركزية. ذلك شرف لا يدعيه الحزب الشيوعي. ولكن التهمة التي لم يدفعها الشيوعيون عن أنفسهم هي أنهم علموا بالانقلاب بعد أن أطلعهم العسكريون الحزبيون على خطتهم فتدارسها المكتب السياسي وعلق عليها وطلب منهم أن يراجعوا أنفسهم على ضوء ملاحظاته تمهيداً لطرح الأمر برمته على اللجنة المركزية. ولكن سبق السيف العذل كما سنرى. وهكذا لم تنفد بالتقادم عمر عبارة الشرف غير المدعى والتهمة غير المنكورة البليغة. وستدخل قاموس العبارات السودانية كعبارة جرئية سديدة في حسن التخلص بغير خسارة. وواتت العبارة البليغة الماكرة الحزب من جديد بعد نحو ربع قرن وأحسن استثمارها كما رأينا. والبلاغة هي الكلام بمقتضى الحال.
أما المكتوب الآخر الذي سار على سنة المباحث والتحري فقد صدر في 1998 بقلم الرائد محمد محجوب عثمان، عضو مجلس انقلاب 19 يوليو وشقيق الأستاذ عبد الخالق محجوب السكرتير العام للحزب الشيوعي (1926-1971)، بعنوان الجيش والسياسة في السودان: دراسة في حركة 19 يوليو 1971. وهو بلا جدال تعقيب ناقد جداً للتقويم 1996. ومن رأى محمد محجوب إن الحزب متورط في انقلاب 19 يوليو وأن تنصله عن الإيعاز به غير لائق. فإن لم يقم الحزب بالانقلاب إلا أنه شرع فيه بطول مدراسته لفكرة التحرك مع العسكريين. فقد قبل الحزب في اجتماع المكتب السياسي (13-7-1971) من جماع تصور عسكرييه لحل الأزمة السياسية بفكرة قيام "حركة تصحيحية" بواسطة الضباط الشيوعيين تخضع لتقديرات اللجنة المركزية. ورأي محمد محجوب في هذا قبولاً من الحزب بما قام به الرائد هاشم وحركته التصحيحية. وفي هذا السياق طلب الحزب من العسكريين الإجابة على بعض الأسئلة هدفت كلها إلى التأكد من نجاح الخطوة باعتبار دقيق للأوضاع في البلد ومواقع المتربصين بالداخل والخارج بالحركة الثورية. وفي ذلك السياق طلب الحزب من العسكريين تنويراً عن أوضاع بعض الأسلحة الموالية للمشير جعفر نميري والوضع في الجنوب وما قد يأتي من تدخل من حلف مصر وليبيا والسودان الذي كانت الدعوة له على أشدها. وكانت معارضة الشيوعيين لقيام هذا الحلف هي من أهم نقاط النزاع بينهم وبين حكومة مايو. ومن رأى محجوب أن هذه المواقف والأسئلة هي "شروع في الانقلاب".
2-الفحولة السياسية للبرجوازية الصغيرة
لعل من أشق مهمات الثوري طٌراً أن يقيل كبوة النشاط الثوري الذي انكسر جناحه وبقبق دمه. فتهدئة الخاطر المؤرق الذي زعزعت العثرة يقينه وعكرت صفاءه وتفاؤله من أشق الأمور. ولكنها مهمة غير مستحيلة ومقدمة على غيرها. ولنا أسوة حسنة في تقويم الماركسية وقضايا الثورة السودانية (1967) لثورة اكتوبر (صفحات 132-154). فقد انتكست الثورة وشق أمرها على حداة التغيير ودارت أسئلة في خاطر الجماهير عما ذا حل بثورتنا؟. وكانت هذه الجماهير "تحس بانحدار الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تحس موجة الفساد تكاد تقتلع كل ما في طريقها". فتساءلت مؤرقة كسيرة: "ماذا كانت قيمة التضحيات وهي (الثورة) تنحدر في النهاية بقيام نظام للحكم أسوأ من الحكم العسكري"؟ ولم يكن من شفاء لهذه الخواطر المؤرقة غير النظر والتحليل لإعادة اكتساب الثورة ونكستها معاً كخبرة تنفع الناس. وقالت وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية أن لا شفاء للمؤرق كسير الخاطر غير إحالة ما ما مضى من متاعبه إلى رحاب التاريخ: " لكي نضع ثورة أكتوبر في مجرى تاريخ عملنا الثوري ومستقبله مما سينقل هذه الثورة من مستوى التساؤلات إلى مستوى التجربة التي تدخل في تقاليد النضال الثوري ومستقبله". ويبدو ان إحالة اكتوبر إلى التاريخ لم تكتمل بعد فما زالت هذه الثورة رهينة أسئلة هي ثمرة مرة لطول الخيبة السياسية حتى قال عنها واحد من أفضل مؤرخيها أنها ترسف في "اسئلة وتخرصات".
ولن يدخل انقلاب 19 يوليو كخبرة تراجيدية في تقاليد النضال الثوري ومستقبله إن ظل يتمتع بالإستثناء من حكم الشيوعيين عن الانقلاب. فهم لا يخضعونه لما أخضعوا له انقلابات أخرى. فالمعلوم بالضرورة عنهم سوء الظن بالتكتيك الانقلابي عموماً ووصفه بأنه مسارعة برجوازية صغيرة ومغامرة فطيرة غير مأمونة العواقب على حركة التغيير الشعبي "الصبور الدوؤب". وهو مصطلح اشتهر عند الشيوعيين. والتزم الشيوعيون نظرياً بهذا المفهوم وقرروا أن لا يبلغوا إهدافهم بالانقلاب. وليست هناك صيغة شيوعية سودانية ألزم وأدق عن فساد فكرة الانقلاب في السياسية مثل تلك التي وردت في اجتماع لجنة الحزب المركزية في مارس 1969:
"التكتيك الانقلابي بديلاً عن العمل الجماهيري يمثل في نهاية الأمر ، وسط قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية، مصالح طبقة البرجوازية والبرجوازية الصغيرة"
وهي عبارة تكتوتية (نسبة لفرح ود تكتوك العالم السوداني الذي اشتهر بقصار الجمل ذات العبر) صدع بها الحزب في وجه دعوة ضباط البكباشي جعفر نميري الأحرار للحزب الشيوعي للنهوض معهم بانقلابه في مايو من نفس السنة. والعبارة موجهة لداخل الحزب ربما بأكثر من خارجه. فقد أراد بها الحزب زجر الشيوعيين أنفسهم، بما فيهم أعضاء باللجنة المركزية، عن فنطازيا إسعاد الشعب بالتآمر بليل بديلاً عن استنهاضه في عمل سياسي قاصد للتغيير الاجتماعي. وما وقع الانقلاب حتى كانت هذه العبارة التكتوكية هي واسطة عقد بيان الحزب الأول في مساء 25 مايو وصف فيه ما حدث بأنه انقلاب عسكري (وليس عملاً شعبياً مسلحاً) قامت به فئة البرجوازية الصغيرة من قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية وأنه يمثل في خاتمة الأمر مرامي البرجوازية الصغيرة في الثورة الوطنية الديمقراطية.
ولذا مما يستغرب له المرء أن انقلاب 19 يوليو لم يخضع أبداً لتحليل من الشيوعيين يلتزمون فيه بما التزموا به نظرياً في تحليل التكتيك لانقلابي من أنه عمل غير جماهيري من صنع البرجوازية الصغيرة وصح عليه ما يصح على كل انقلاب. ولأن الحزب استثنى انقلاب 19 يوليو من حكمه عن الانقلاب بقي الانقلاب طائفاً تنفطر له القلوب وهاجساً معذباً استعصى بهما ان يترجل ليدخل رحاب التاريخ.
جاء التقويم بتاريخ مفيد عن متاعب الحزب مع البرجوازية الصغيرة بداخله. وأطلَع القارئ على همة البرجوازية الصغيرة الانقلابية في الحزب بما قد شوقه لينتظر من الحزب أن يضع حركة 19 يوليو في منزلة من منازل هذه الهمة. ولكن القارئ يفاجأ بالتقويم يتوقف دون أن يشمل بنظرته الطبقية انقلاب 19 يوليو. وبدلاً عن ذلك يعرج التقويم إلى تحميل العسكريين تبعة الانقلاب بغير تعقيب نظري طبقي على وزرهم السياسي.
كنت من بين من استمعوا جيداً، وعن كثب، لفهم عبد الخالق للصراع الذي دار في حزبه قبل وبعد انقلاب 1969 وحول التكتيك الانقلابي بصورة رئيسية. فمن رأيه أن الحزب كان آنذاك في بلاء شديد مع البرجوازية الصغيرة الغفيرة في البلد نافذة في السلطان وفي الحزب إلى حد كبير. ومتى ما صمد الحزب لهذا الإبتلاء وخرج منه، وبأقل الخسائر الممكنة برؤية للتغييركنشاط جماهيري من الجذور، تحول إلى حزب للكادحين حقاً في القلوب التي بين الصدور لا على مستوى الشعار فحسب. فقد أَزفت في آخر السيتينات من القرن الماضي، في رأي عبد الخالق، ساعة رسم الخط الفاصل بين منهج الطبقة العاملة ومنهج البرجوازية الصغيرة في الثورة السودانية. وهذا ما يمكن تسميته بقانون نمو الحزب. ولخصه عبد الخالق في لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي ( مكتوب في 1960 طبعة 1987) بقوله إن الصراع الداخلي في الحزب منذ أول نزاعاته في عام 1947، أي بعد عام من تأسيسه في 1946، لم يكن أمراً معزولاً عن ما يتدافع حوله أهل مجتمعنا من مصالح وغايات، بل كان باستمرار "جزءاً من صراع الطبقات" في السودان (ص 46). و"أن كل صراع في داخل حزبنا ما هو إلا انعكاس للصراع الطبقي خارجه" (ص 71). وكل اتجاه مناف للماركسية فيه "ما هو إلا انعكاس لفكر طبقة خاصة أو دائرة اجتماعية معينة" (74). وأن على الحزب في حرب المصالح الغريبة عن مصلحة الطبقة العاملة فيه، أي الانتهازية، أن لا يجتث جذور أفكارها فحسب بل ظلال تلك الأفكار. ومن جهة البرجوازية الصغيرة، قال عبد الخالق، إن حزبه، مثل مثله مثل كل حزب في بلد كالسودان، غاص بأفكار البرجوازية الصغيرة من المزارعين المتوسطين وصغار الموظفين والتجار والحرفيين. وسبيله لحرب الجمود الذي تتصف به أفكار هذه الفئة في المنعطفات الحرجة أن يسمي الأشياء بأسمائها "وأن يعتبر كل صراع داخلي جزءاً من صراع الطبقات. وبهذا الفهم الماركسي وحده يحافظ على نقائه وأن يقي أعضاءه من مزالق الجمود والانهيار." (120).
ولم يكتشف عبد الخالق عاهة البرجوازية الصغيرة في حمى آخر ستينات القرن الماضي. فقد كان شاغل عبد الخالق أبداً تربية الحزب بفطرة المستضعفين وأدبهم لئلا يكون حزباً صفوياً برجوازياً صغيراً أو كبيراً. ونضرب لهذه التربية بما كتبه في إصلاح الخطأ في العمل الجماهيري (1963 طبعة 2001) الذي ربما كان المحاولة التربوية المنهجية الأولى التي سعت لفرز ما للشيوعي مما للبرجوازي الصغير. وحمل عبد الخالق في هذا السياق على تقعر الشيوعيين وتبرجهم بالنظرية بين الجماهير ورده للأصل البرجوازي الصغير. فقال "فما تملك الواحد منا قدراً يسيراً من الماركسية حتى عد نفسه سادن أسرار عليا وحكمة لدنية لا يقوى عليها إلا من كانوا في مقامه" (ص 31).
وتوسع عبد الخالق في نظرته للصراع في الحزب كدراما نزاع بين منهج سواد الناس ومنهج البرجوازية الصغيرة في الماركسية وقضايا الثورة السودانية (:1967 ص 128 وما بعدها). ففي هذه الوثيقة أرخ عبد الخالق لصعود البرجوازية الصغيرة كقوة مستقلة على مسرح السياسة السودانية في معرض تحليله للظروف التي أقعدت الحزب دون استقبال فترة ما بعد سقوط نظام عبود، التي بدأ في تحديد معالمها منذ 1961، بالهمة المرجوة. فقد سادت الحزب الاتجاهات اليسارية في الأداء السياسي خلال مقاومته لنظام عبود فأنهكته. وبلغ من قوة هذه الاتجاهات أن واجه انقساماً في خريف 1964 قبيل ثورة أكتوبر بأسابيع قليلة. وهو انقسام "القيادة الثورية" التي كونها الأستاذان أحمد شامي ويوسف عبد المجيد. وبشرت هذه القيادة بأن لا طريق للقضاء على نظام الفريق عبود إلا بالثورة المسلحة على نهج الثورة الصينية. فأضاع الحزب، المٌبتلى بالوهن من جراء كل ذلك، فرصة أن يكون القيادة الجامعة المانعة لثورة إعادة الديمقراطية كما كان ينشد. وبالنتيجة أخذت سٌدة هذه القيادة قوى مثقفي البرجوازية الصغيرة المنتظمين في جهاز الدولة بقدرتهم على الحركة المباشرة وعلى النطاق الوطني. وبرغم دور الحزب في تكوين جبهة الهئيات وهو يغالب الضعف إلا أن بروز هذه الجبهة "كان في قاعه يعبر عن تطلع الأقسام التي تقدمت الإضراب (مثقفو البرجوازية الصغيرة) لإيجاد قيادة تعبر عن مطامحهم. كان (بروز هذه الجبهة) يعبر عن حقيقة أن هذه الأقسام (من المجتمع) لم تكن ترى موضوعياً في تنظيمات الطبقة العاملة معبراً عن أمانيها". (ص128-129).
وتوسع التقويم 1996 في تشريح الفحولة السياسية للبرجوازية الصغيرة وجاء بنظرات ثاقبة في ذلك. فما انتكست ثورة أكتوبر 1964 في قول التقويم حتى انكسر خاطر البرجوازيين الصغار واستولى علي لبهم الثأر من الرجعيين الذين اختلسوا ثورتهم. فركبهم حلم "بعث أكتوبر" أو هاجسها. ولذا كانت مشروعية انقلاب مايو الباكرة هي استعادة ثورة أكتوبر حتى أنهم سموا واحدة من الشركات التي أمموها "أكتومايو". ولم يفطنوا إلى أن مرحلة سياسية جديدة قد بدأت بانتكاسة تلك الثورة تستحق تكتيكاً مناسباً أدق من مجرد استعادة أكتوبر "أخنق فطس".
وتناول التقويم 1996 الملابسات الإقليمية والعالمية التي استقوت بها البرجوازية الصغيرة عندنا في طلبها الحثيث للحكم بالانقلاب. فقد أغرتها على خطة الانقلاب مخائل نجاح مثيلاتها من أنظمة الحكم العسكرية في أفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية. كما استظلت برجوازية السودان الصغيرة بالنظرية المتفائلة التي سادت في الحركة الشيوعية آنذاك عن "دور وقدرات البرجوازية الصغيرة وحركاتها وأنظمتها". وأكثر ما أغرى الماركسيين من بين هذه الفئة هو تحول كاسترو وبعض جماعات القوميين العرب في فلسطين بالذات إلى الماركسية بما يعني بأن الماركسية لم تعد حكراً للشيوعيين وإن الطريق إليها كالطريق إلى صنعاء: لا بد منه وإن طال السفر.
ولعل أميز ما في التقويم 1996 هو أنه نظر بغير مجاملة لتفريط الحزب في تمييز فكره وتكتيكاته عن فكرة البرجوازية الصغيرة وصور نشاطها العملي. فما أكثر الفرص التي أضاعها الحزب لوقاية نفسه من شرور تلك الطبقة. وربما كان أكثر ما جعل هوى الشيوعيين أنفسهم برجوازياً صغيراً هي تجربة الشيوعيين المصريين في حل حزبهم في 1965 للتحالف مع غيرهم من الاشتركيين في التنظيم الطليعي في الاتحاد الاشتراكي المصري. واستلهم الشيوعيون السودانيون خطوة رفاقهم المصريين في بادرتهم لحل حزبهم. فالنموذج المصري في السياسة السودانية غلّاب كما هو معروف. وبالفعل حل الحزب الشيوعي نفسه في 1966 ليندمج في الحزب الاشتراكي الوليد. ومن جهة أخرى كان الشيوعيون أيضاً تحت ضغط آخر دفعهم لإتباع النموذج المصري. فقد حلت الجمعية التأسيسية حزبهم في آخر 1965 مما ألجأهم، رغم دفاعهم المستميت عن وجود ذلك الحزب، إلى خطة تؤمن وجودهم القانوني بين جمهرة من الحلفاء.
وتسللت تصفية الحزب من هذه الثغرة. ولكن الشيوعيون سرعان ما عادوا عن خطة التذويب إلى رحاب حزبهم . فلم تجد خطة التذويب قبولاً من سائر العضوية علاوة على نصح الروس لقادة الشيوعيين أن يتمسكوا بحزبهم بما عرف في مصطلح الحزب ب"نصيحة الرفاق السوفييت". وقد أفاق الشيوعيون من هذه الكبوة على اشتداد تيار تصفوي في وسطهم يريد تسليم قيادة الثورة السودانية للبرجوازية الصغيرة المستفحلة. فحفزهم هذا إلى مكافحة هذا التيار. وتجسد ذلك في وثيقة مؤتمر الحزب الرابع (1967) المعنونة ب الماركسية وقضايا الثورة السودانية كما مر بنا. فقد جدد التقرير الثقة في وجود الحزب المستقل وقال بأن دمجه في تحالف عريض من القوى الاشتراكية سيغرق دور الطبقة العاملة بين تيارات البرجوازية الصغيرة مما سيحرم الحركة الجماهيرية من الطليعة السياسية المجربة.
وأخذ التقويم 1996 الحزب بالشدة في قعوده عن مكافحة التصفويين في صفوفه بهمة وإلى نهاية الشوط. فحتى المؤتمر الرابع في 1967،في قول التقويم، جاء بقيادة مصابة بعاهة التصفية. واضطر الحزب إزاء هذا الواقع القيادي المتردي إلى فتح باب النقاش حولها متاعب القيادة فيه بإصدار وثيقة معنونة "في سبيل تحسين العمل القيادي بعد عام من المؤتمر الرابع" ضمن وثائق دورة اللجنة المركزية الإستثنائية في مارس 1969. وشخّصت الوثيقة أزمة الحزب كتناقض بين استنتاجات المؤتمر في بقاء الحزب شيوعياً عمالياً وما تفرضه تلك الخلاصة من مثابرة عملية وفكرية وبين عجز المؤتمر في الخروج بقيادة مؤتمنة على تلك الاستنتاجات.
وصف التقويم 1996 العناصر التصفوية التي تسللت لمركزية الحزب عبر المؤتمر الرابع بأنها كانت "تتحين الفرص" لتذويب الحزب وإغراقه في تيارات البرجوازية الصغيرة. وسنحت لها الفرصة الأولي خلال الانتخابات البرلمانية 1968. ففيها تحالف الحزب مع عناصر البرجوازية الصغيرة في الحزب الاشتراكي الوليد وتواثقوا على النزول بمرشح لرئاسة الجمهورية. وأفرخت الفكرة الانقلابية في بيئة هذا التحالف الاشتراكي وتملكت فؤاد بعض الشيوعيين. فروَّج للانقلاب على الملأ بعض قيادات الحزب مما حدا بلجنة الحزب المركزية مناقشة جدوى هذا التكتيك في دورة مارس 1969 واستهجنته كخطة للثورة السودانية. وبعد نحو شهرين (9-5-1969) زكى انقلابيو مايو في تنظيم الضباط الأحرار للحزب أن يساهم معهم في انقلابهم القادم. ورفض الحزب العرض بناء على مقررات دورة لجنته المركزية في مارس 1969.
وجاء التقويم 1996 بنقد ذاتي مٌركز لضعف عزائم الحزب في مكافحة المشروع التصفوي للبرجوازية الصغيرة ومشروعات نظائرها في المجتمع ككل. فلم تزد معالجة الحزب لمنطق الانقلاب في دورة مارس 1969 عما ورد في الماركسية وقضايا الثورة تحت عنوان "ضد اليأس والمغامرين" بينما كان لزاماً عليه أن يطور نظرته السياسية والاجتماعية للتكتيك الانقلابي طالما بدأ يطرق بابه من الداخل والخارج منذ 1969 . فمن مقاصد هذا التطوير جر التصفويين الصامتين في أروقته إلى نقاش مفتوح حول تكتيكات الحزب. وفي غيبة هذا النقاش انطوى التصفويون على مشروعهم الانقلابي حتى وقع الانقلاب فانفكت عقدة لسانهم ولهجوا بمحاسن التكتيك الانقلابي. وقد حقن نجاح الانقلاب الشيوعيين التصفويين، في قول التقويم، بجرعة من "الافصاح والبجاحة" يٌطَبلون لمزايا الانقلاب تطبيلاً تمثل بصورة مثالية في وثيقة السيد معاوية إبراهيم لمؤتمر الكادر التداولي في 1970.
ولم يقصد التقويم القول إن الحزب كان بوسعه، متى قويت عزيمته هذه، وقف أياً من الانقلابات موضوع نظرنا. فالانقلاب تكتيك قوى اجتماعية بعينها ولا يستطيع الحزب الشيوعي مهما أوتي من قوة منعها من خيارها السياسي. وليس من صالح الحزب نفسه أن يتوهم أنه وصي على تلك الطبقات أو أن وعيه بصالحها هو الأرفع والأميز. ولكن كان بوسع الحزب مع ذلك تعميم رأيه الطبقي في فساد فكرة الانقلاب ورفضه له كتكتيك في العمل السياسي كما ورد في بيانه بتاريخ ليلة 25 مايو 1969 بأفضل مما فعل.
وذكر التقويم 1996 من تلك الإجراءات التي كان بوسع الحزب اتخاذها عدم الاشتراك في حكومة ومجلس انقلاب مايو لتمييز نفسه وخطه على الملأ عن البرجوازية الصغيرة وخطها. ولكن يبدو أن مثل هذا التمييز الذي دعا له التقويم كان من رابع المستحيلات. فالكروت لم تكن كلها بيد الأعضاء المتمسكين بخط رفض الانقلاب في العمل السياسي. فقد كان للبرجوازية الصغيرة الانقلابية حضورمعتبر في قيادة الحزب. فالتصفويون في اللجنة المركزية هم الذين أسقطوا اقتراح الأستاذ عبد الخالق في اجتماع اللجنة المركزية ليلة 25 مايو برفض الاشتراك في الانقلاب.
إن 19 يوليو محنة مزدوجة. فلم يذهب الانقلاب بخيار الرعيل الثوري لإربعينات القرن الماضي وخمسيناته في محاكمات الشجرة الرعناء بل ذهب بملكة الشيوعيين من بعدهم في تحليل المحنة على ضوء مناهجهم المعتمدة. فما وقعت الماساة حتى عطل الشيوعيون اجتهادهم في نظرية الانقلاب وقواه الاجتماعية وسقفه الطبقي بالكلية. وهو أمر مؤسف. وهذا وجه المحنة الآخر. فمتى كٌتب تاريخ الفكر السياسي عن علم و بمهنية (وهما الفريضة الغائبة في الولولة الفكرية العمومية التي تأخذ بخناقنا) سيحتل موضع الصدارة فيه نظر الشيوعيين الجريء في مسألة الانقلاب والتغيير السياسي. فلم يستثمر الشيوعيون فيه معارفهم الماركسية ما وسعهم فحسب بل تدالوا الأمر في نقاش مفتوح منذ آخر 1969 وخلال 1970 من رأس الحزب حتى أخمص قدمه على ضوء كتابات مثلت طيف الأفكار في الحزب. نعم التربية.
فالكف عن تحليل أداء الحزب بالنظر إلى تدافع الطبقات فيه وتناوشها بأفكارها وظلال أفكارها نزع عن الحزب ملكة التأمل في كيانه هو ذاته كمصدر مؤكد، من بين مصادر أخرى عديدة، تصيبه بالوهن والزيغ. ولما لم يعد بالحزب سعة لرؤية نفسه خطاءً خطاء في المرآة اعتقد أن الوهن لا يأتيه إلا من خارجه أو ممن هو في سبيله للخروج منه. فالعضو فيه آمن من المساءلة طالما اعتصم بالعروة الوثقى. وهذا "تلبيس" أصبح به من هو داخل الحزب مولود ومن خارجه مفقود. وأفضي بهم هذا إلى حالة من التناصر الورمي على الحق والباطل "لا يسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على من قال برهانا. وعلي كثرة ما يٌطري الشيوعيون النقد الذاتي ويطربون له إلا انهم، باعتصامهم بعروتهم الوثقى على الحق والباطل، التي الجأهم إليه طول العدوات وشراستها، أفرغوا أنفسهم من ملكة فحص ذاتهم بحق وحقيق.
3- ثوري القناع، انقلابي الوجه
كنت قد قلت في صلب مبحثي الأول اعلاه إن أصل خطتي أن أدرس النفوذ الذي تمتعت به البرجوازية الصغيرة في المجتمع والحزب الشيوعي من ناحية وزنها العددي وامكاناتها السياسية ومكامن فحولتها وبلاغة خطابها. وكان قصدي من ذلك هو الانتقال بدراسة انقلاب 19 يوليو من يومية التحري إلى رحاب التاريخ. وكنت خلصت في المقال القديم إلى أن الحزب الشيوعي عبارة عن وجه وقناع في ما تعلق بالتكتيك الانقلابي. فما يظهر منه للناس هو ركوبه دبابة الانقلاب الناجح والفاشل يريد به السلطان. ولكن ما يريده الحزب هو أن يروه على وجهه الحقيقي يستهجن الانقلاب ويعده خطة غريبة على فطرة المستضعفين في نشدانهم تغيير ما بهم. وظل الحزب ينفي عنه الانقلابات المنسوبة إليه بحرقة ويراها قناعاً سقط على وجهه الحقيقي رغماً عنه ويقدم البينات (الظرفية في الغالب) الواحدة تلو الأخرى عن براءته منها. وبالطبع صعب على الناس تصديقه في زعمه للبراءة إذا لم يحملوه محمل المنافق يظهر شئياً وينطوي على ضده.
ولم أقل قولي عن وجه الحزب وقناعه في مقالي السابق لأعد الحزب من المنافقين. ولكن مطلبي هو أن يكف الحزب عن الالحاف على براءته من انقلابات يراه الناس ضالعاً فيها بصورة او أخرى. فبدلاً عن ذلك عليه أن يفتش عن خطة أكيس تأخذ طبيعتة المزدوجة حيال التكتيك الانقلابي كحقيقة يسعى لتحليلها وفهمها لا لنفيها ثم نفيها ثم نفيها إلى ما لا نهاية. وقلت في مقالي القديم أن سبيل الحزب إلى أخذ وجهه وقناعه بجد أن يقف بقوة عند فحولة البرجوازية الصغيرة عددياً وسياسياً وبلاغياً في المجتمع والحزب.
وفر لي صدور التقويم 1996 وكتاب الرائد محمد محجوب أن أقف على شوكة فئة الضباط، وهم من البرجوازية الصغيرة، في الحزب الشيوعي التي تنامت بعد انقلاب مايو 1969. وفر لي التقويم أفضل رصد لقوة البرجوازية الصغيرة العسكرية المتنامية في الحزب في سياق نظام 25 مايو الذي جاء بالانقلاب. فبترجيح نظام نميري لكفة ضباط القوات المسلحة في تغيير الحكم جعل الانقلاب شرعة في السياسة. وأصبحت القوات المسلحة أخصب الميادين للتغيير السياسي الذي يٌولد بليل. كما جاء محمد محجوب بصورة دقيقة لمكامن قوة البرجوازيين الصغار العسكريين في المجتمع والحزب معاً. فمن رأيه أنه، بنجاح انقلاب 25 مايو، أصبح الجيش، أراد أو لم يرد، هو بؤرة التغيير السياسي. وأضاف أن الظروف السياسية الموضوعية "حتمت أن تنفجر بؤرة الصراع داخل الجيش". واتفق التقويم 1969 مع محمد محجوب عن تحول ميدان الحسم السياسي من الحركة الجماهيرية إلى القوات المسلحة. إذا أدى الانقلاب نفسه، وأخطاء الحزب العديدة في التعامل معه، إلى جعل اللجنة المركزية أسيرة للتكتيك الانقلابي ودعاته. فقد أصبح الحزب طرفاً في صراع التصفيات والانقلابات الكامنة في نظام مايو. وفتحت طبيعته الانقلابية وسهولة نصره شهية العسكريين لتكرار الانقلاب بزعم تمكين مايو أو تصحيحها أو ما شئت. فحتى إزاحة الشيوعيين وحلفائهم من مجلس قيادة الثورة، فيما سماه الشيوعيون انقلاب 16-11-1970، لم يدفع الحزب إلى تحسين خطه السياسي للتحسب لمسلسل الانقلاب والانقلاب المضاد. وسنرى أن العسكريين الشيوعيين شكوا من بؤس هذا الخط لغرض في نفس يعقوب. وكان لهم خطاً أنقلابياً جامعاً مانعاً ناجزاً مخالفاً.
وإذا عدنا لمجاز الوجه والقناع لرأينا الضباط الشيوعيين هم رأس الرمح في إلباس الحزب غير لباسه وهو الانقلاب. فالعسكريون الضباط من الشيوعييين وحلفائهم هم الذين القوا بقناع الانقلاب على وجهه الحزب المشمر في طريق الثورة بالجماهير باستماعهم قول الحزب وتفريطهم في إتباع أحسنه. فقد استعصت تربية الضباط الشيوعيين وقطاعاً من البرجوازية الصغيرة المدنية في فطرة المستضعفين "الصبورة الدؤبة". وكساد هذه التربية ما اعترف به الحزب والضباط معاً.
اعترف الحزب في التقويم 1996 بأنه لم يوفر تربية للعسكريين تفطمهم عن الفكرة الانقلابية وتعصمهم عنها. فقد اخذ الحزب على نفسه في التقويم أنه لم يكن حازماًُ حيال عرض عسكره فكرة الانقلاب عليه بزجرهم عنه. وسبب هذا الضعف أنه لم يحسن الإشراف على تنظيمهم وأهمل تربيتهم في استرايجيته وتكتيكاته. وهي تربية وضح من الكتابات الأخيرة أن الحزب حاولها بغير كبير نجاح في فترة سبقت دورة لجنته المركزية في مارس 1969. فروى الرائد محمد محجوب عن نقد الحزب له لاشتركه، وهو ملازم حديث التعيين، في انقلاب عسكري ضد حكومة عبود في 9 مايو 1959. ومعلوم أنه الانقلاب الذي أعدم النظام فيه أربعة ضباط شنقاً وزج بمحمد محجوب في السجن منهياً حياته العسكرية القصيرة جداً. وقد كان حضه على الاشتراك فيه كل من السيد معاوية إبراهيم، مسئول الحزب التنظيمي، والسيد أحمد سليمان، العضو البارز بالحزب وربما كان مسئول القسم العسكري الشيوعي. وجرى كل ذلك في غيبة عبد الخالق وقادة كثيرين بالمعتقل. ولما نظرت اللجنة المركزية في أمر الانقلاب لم تجد في مضابطها امراً به وإنما هي أهواء معاوية وأحمد. وطلبت اللجنة لاحقاً من محمد محجوب أن يكتب تقريراً عن ملابسات اشتراكه في الانقلاب. وفعل. ولم ير في أدب الحزب أثراً قوياً لتقريره عن توريطه في عمل عسكري خطر بإرادة غير إرادة الحزب. فلم يحو تقرير المؤتمر الرابع للحزب في 1967 ،الذي قَوَّم أداء الحزب خلال نظام الفريق عبود، غير وصف الانقلاب بوقوعه في سياق تفكير يساري طبع عمل الحزب بالإثارة البحتة والتقديرات الذاتية للمعارك اليومية دون تقييم حقيقي لتوازن القوى ووضوح حول قضية نضوج الأزمة الثورية. ورد المؤتمر الرابع هذه اليسارية إلى سيادة اليأس بين كادر بالحزب استسهلوا بها الخلاص من النظام كيفما اتفق. وعاب عليهم أن تقديراتهم المبينة على الرغبات الذاتية أنهكت الحزب وزجته في معارك خسرت بها الحركة الثورية. وضرب لذلك مثلاً بانقلاب نوفمبر 1959 الذي فقدنا به كادراً وطنياً تقدمياً وهبط بمعنويات الحركة الثورية لفترة غير قصيرة (ص121 من الماركسية وقضايا الثورة السودانية). ومع ذلك قال محمد محجوب إن التقرير اختزل هذا الأمر الخطر في عدة أسطر وهو ما لايكفي لخطورة الفعل ومترتباته.
وقد اتصلت هذه التربية في روح العمل السياسي بين الجماهير ونبذ الانقلاب بعد نجاح انقلاب مايو 1969. واتسمت أيضاً بقصر النفس والاكتفاء ب"البلاغ" عنها دون استيفاء عناصرها التربوبة. فقد ورد عرضاً عند محمد محجوب أن الحزب اجتمع بالمقدم أبو شيبة لمساءلته حول اشتراكه في انقلاب مايو بغير قرار من الحزب. ولم يَجِد الحزب في الأمر واكتفى بتبرير أبو شيبة بأنه لم يكن مطلعاً على رأي الحزب. وقد يسفر التاريخ الباطني لانقلاب 19 يوليو عن أن أبو شيبة ربما كان دينمو الانقلاب. فتربية العسكريين الحزبية المشوشة ربما اغرتهم بالانقلاب. أما التقويم 1996 فقد توقف عند تعيين الضابطين الشيوعيين العميد بابكر النور والرائد هاشم العطا في مجلس قيادة انقلاب مايو دون أخذ رأى بقية الضباط الأحرار. فكان بمقدور الحزب، كما قال التقويم، استثمار تعيينهما في ذلك المجلس لعقد مساومة ناجزة مع شيعة نميري لضبط الانقلاب وربطه بمعاني الجماهيرية والديمقراطية. فتراخي الحزب في التربية العمالية لهؤلاء الضباط ربما صور لهم أنه لا ينجح شيء مثل النجاح. فلربما كان الحزب صحيحاً في تحريم الانقلاب ولكنهم شاهدوا عن كثب تربية الحزب تتباطأ متى نجح الانقلاب وحجتة تتبخر.
4-صراع الإرادات: الحزب وضباطه
مما مَكّن لمنهج يومية التحري في تحليل انقلاب 1971 أننا ما زلنا نقومه كعلاقة صالحة أو طالحة بين الضباط الشيوعيين وحزبهم. وسنظل على هذه الوتيرة في تحري منشأ هذا الانقلاب ما لم نحط علماً بوقائع اخرى حفت به. ومن ذلك معرفة الملابسات التي جعلت فكرة الانقلاب تراود العسكريين الشيوعيين في ميدانهم ذاته أي الميدان العسكري الذي أصبح ساحة للتغيير السياسي تختلط فيه المباديء السياسية بالطموح الفردي أو تصفية الخصومات مما لا يخل منهم ناد سياسي مهما كان. ونريد بمعرفة هذه الملابسات أن نطَّلع على كيفية قراءة هؤلاء الضباط للمشهد اليساسي آنذاك وتحليلهم واستجابتهم لها. فالاكتفاء بدراسة الانقلاب كعلاقة بين الحزب والضباط الشيوعيين يخفض قوام هؤلاء الضباط إلى جماعة ناشزة خرقت ضبط الحزب وربطه. وهذه خطة سلبية نتورط بها في المساءلة القضائية عمن قام به كلما اردنا فهمه. من الجهة الأخرى سيوفر لنا الاطلاع على ملابسات الانقلاب في ميدانه العسكري وبين جمهوره الفرصة لتقويم دور هؤلاء الضباط التاريخي بغير تذنيب أو "تكدير" في لغة العسكريين أنفسهم. وربما أعاننا التركيز على غير خرق الضباط لتكتيك الحزب الوقوف بصورة مفيدة عند مكامن قوة هذه الفئة البرجوازية الصغيرة من الضباط كلما أردنا فهمها.
وفر لنا الرائد محمد محجوب بكتابه مادة عن كيف فهم العسكريون الشيوعيون المشهد السياسي آنذاك من موقع نكستهم بعد إخراج القوميون العرب ونميري لهم من موقع السلطان فيما عرف بانقلاب نوفمبر 1970. فعرض الكتاب لأنواع التحالفات التي تسارعت في القوات المسلحة ما بين 16 نوفمبر 1970 و19 يوليو 1971. وكان انقلاب 1970، في نظر محمد محجوب، انتصاراً لشريحة القوميين العرب ممن اتخذوا باكراً قراراً بحل تنظيم الضباط الأحرار (والشيوعيون حلفاء مؤسسون له) الذي قام بالانقلاب الباكر في مايو 1969.
وبنجاح نكسة نوفمبر 1970 تسنمت القيادة شريحة القوميين وتخلصت من حلفائها في الضباط الأحرار عن طريقين. أما الطريقة الأولى فهي استبعاد بعض الضباط الشيوعيين مثل أبو شيبة ممن قاموا بأدوار مرموقة في الانقلاب من مجلس قيادته مسوغين لهم أن حماية الانقلاب تطلبت بدلاً عن ذلك أن يكونوا أعضاء في مجلس ظل لقيادة الثورة يحل محل المجلس المعلن متى أصابه مكروه من جهات معادية. ووصف محمد محجوب هذا بالمكر وأنه "أكبر خدعة" تمر على بقية أعضاء تنظيم الضباط الأحرار. وإذا كان هذا إحساس الضباط المخدوعين فلابد أن من بينهم من روادته رغبة رد صاع المخادعين صاعين.
أما الطريقة الثانية التي انفرد بها القوميون العرب بالانقلاب فهي برفض أن يكون تنظيم الضباط الأحرار هو المرجع في أداء مجلس قيادة الثورة من جهة التخطيط والمحاسبة بما هو قريب من "الدرق" الأثيوبي. ولم يكتف القوميون العرب برفع يد الضباط الأحرار عن الانقلاب بل استبدلوها ب "أحرار مايو" بإشراف الرائد خالد حسن عباس. وكان القوميون وأضرابهم قد عينوه وزيراً الدفاع بدلاً عن المرشح الآخر وهو الرائد هاشم العطا في مؤشر باكر لمدار الصراع داخل مجلس قيادة انقلاب مايو. وسند الرائد خالد في هذا العمل "أولاد عبد الحليم" . وهذه عبارة الشيوعيين في الإشارة إلى الأخوين محمد وأحمد عبد الحليم ممن بدءوا حياتهم العسكرية بقوات مصر المسلحة ثم انتقلوا لقوات السودان المسلحة مما أعطى للريبة في أنهم من المخابرات المصرية شئياً من الوجاهة. ومن المتفق عليه أن تنظيم "أحرار مايو" لم يراع حرمة الجيش ونظم التراتب فيه. ولم يقف القوميون العرب عند هذا الحد في قول محمد محجوب. بل كانت هناك محاولة موثقة لإقصاء نميري من مجلس قيادة الثورة ربما كان من ورائها الرائد مامون عوض أبو زيد.
ومن رأي محمد محجوب أن إيقاع الصراع الاجتماعي والسياسي تواتر بعد انقلاب نوفمبر 1970 واشتد وانعكس على المؤسسة العسكرية " التي أصبحت إحدى أهم وأخطر مراكز الصراع بحكم موقعها المركزي من السلطة. وتسارعت بالنتيجة عملية الاستقطاب داخل المؤسسة العسكرية وتولدت عنها تيارات متناوئة تتسابق للاستيلاء على السلطة بإحداث انقلاب.
من أحكم ما جاء عند محمد محجوب عن الحزب، أي حزب، وطاقمه من الضباط "إن التنظيم العسكري الذي يؤسسه أي حزب أو حركة سياسية إما أن تستخدمه القيادة السياسية في اللحظة المناسبة أو يستخدم نفسه رغماً عنها". وهو تلويح واضح أن انقلاب 19 يوليو هو صورة فاجعة من صور استخدام الضباط الشيوعيين لأنفسهم (وللحزب بالنتيجة) لفشل الحزب في توظيف طاقتهم سواء بتعبئتهم لانقلاب مبارك من عنده أو بتربيتهم تربية غراء في سوءة الانقلاب السياسية وتدريبهم في الصبر على طريق العمل الجماهيري للتغيير على المدى الطويل.
وكانت للضباط قراءة مختلفة عن الحزب لما اشتجر بينهما. فوصف محمد محجوب عثمان العلاقة بين التنظيم العسكري الشيوعي والحزب عند قيام الانقلاب بالخلل للفجوة التي باعدت بينهما. وسمى الجفاء الحادث بين الحزب وضباطه ب "فجوة ثقة". غير أن الناظر المدقق في "فجوة الثقة" هذه، من واقع ما جاء في التقويم 1996 وعند محمد محجوب معاً، سيجد أن أفضل تعبير عنها هو ما قاله محمد محجوب من أنها قد تكون "صدام إرادات" استقل الضباط الشيوعيون فيه عن حزبهم ليس بخط تكتيكي انقلابي وحسب بل بخط سياسي.
قال محمد محجوب إنه ساور ضباط التنظيم الشيوعي إحباط من خط الحزب من نظام مايو بعد انقلاب 16 نوفمبر1970 الذي أطاح بالضباط الشيوعيين وأنصارهم من مجلس الثورة. وقد جري تلخيص هذا الخط في وقتها ب "دعم النظام ونقده." وبمقتضى هذا الخط واصل الحزب لقاءاته مع الحكومة عشماً في مد جسور التعاون ما يزال مع النظام. ومن رأي محمد محجوب أن هذا الخط قد ساق الجماهير للتعلل بأوهام أن تسفر هذه اللقاءات عن نتائج إيجابية. وهذا تعلق سدي. بينما استثمرت السلطة هذه اللقاءات لشق حركة الجماهير وتجميع قواها لانقضاضة كاسرة علي الحركة الثورية. وحال تكتيك "ندعمها وننقدها" المتبع ، في رأي العسكريين، دون أي أمل في الالتحام بقوى الأحزاب الأخرى التي ستري في هذا اللقاءات رتقاً لفتق الجرح الثوري وستستمر في انصرافها عن الشيوعيين المتهمين أصلاً بارتكاب الانقلاب. فلو تمايز الحزب بخطة لعودة الحياة الديمقراطية للبلاد، في قول محمد محجوب، لكَسِب هذه الجماهير الغفيرة لصف قضية التقدم. وهذا بالطبع مأخذ سياسي غاية في السداد لو لم يستبقه الضباط بالعمل العسكري لأنهم لم يريدوا "أن تمر الديكتاتورية العسكرية تحت حمايتهم ". فقد كرهت نفوسهم ، في قول أبو شيبة، أن يكونوا "ريشة وجاهة على الخوذة الاجتماعية للحزب" والانقلابات من حولهم يسبق واحدها الآخر.
من الجهة الأخرى بدأ الضباط الشيوعيون وكأنهم يخيفون الحزب من العواقب إن لم يتبع خطتهم الانقلابية. ففي لقاءات الحزب والعسكريين بين نوفمبر 70 ويونيو 71 كان العسكريون الشيوعيون يتحدثون عن ضغط عليهم من الديمقراطيين من ضباط القوات المسلحة، حلفاء الحزب الشيوعي، لعمل انقلاب. ولما نقل الحزب إلى الرائد هاشم في 15 يوليو، أي قبل 4 أيام من الانقلاب، تقديرات المكتب السياسي غير المتحمسة للانقلاب قال إنه سيسعدهم أن تتوافر تلك التقديرات والأفكار في مطبوع ناجز لكي تطمئن قلوب الشيوعيين الضباط الذين يخضعون لضغوط شديدة من حلفائهم الديمقراطيين للقيام بانقلاب. ومن صور ضغط الضباط لتمرير خطتهم الانقلابية إبلاغ الحزب عن شئون بالقوات المسلحة لا يملك الحزب سوى تصديقها لأنهم جهة المعلومة والتحليل. فقد قالوا إنهم كانوا يتحسبون لانقلاب يميني وكان أقوى حججهم أنهم لن يدافعوا عن سلطة 25 مايو إذا تعرضت لمثل هذا الاتقلاب. وأهم من ذلك أنهم لا يريدون أن يكون ضحايا مثل هذا الانقلاب. وهذا أيضاً من ابواب لفت نظر الحزب إلى العواقب التي ستنجم متى تركنا الأمر على الغارب في القوات المسلحة ولم نتحوط له بانقلاب تصحيحي تقدمي.
وبلور الضباط الشيوعيون خطاً سياسياً وتكتيكاً مستقلين من الحزب بعد أن قنعوا من خير في النظام ظاهراً وباطناً. ولم يكن الحزب قد قنع من ذلك الخير كما رأينا. وأصبحت لهم قراءة مختلفة عن الحزب للوقائع السياسية. فسموا انقلاب نوفمبر 1970 ب "عبور" سلطة نميري "نقطة اللاعودة" في العداء لمجمل القوى الوطنية والديمقراطية. وكلما تواصل الحزب مع النظام بعد عبور الأخير لنقطة اللا عودة ساور الضباط الشيوعيون هاجس أن الحزب قد ساء ظنه فيهم ونظر إليهم كقوة لا خطر منها بعد أن تم إبعادهم من السلطة بيسر.
وبلغ سأم الضباط الشيوعيين من خط الحزب حداً فكر به جماعة منهم يوماً في زيارة الأستاذ عبد الخالق في معتقله بسلاح الذخيرة. ورتبوا المسألة مع فرع الحزب بذلك السلاح . ولكنهم فوجئوا بأن جند الحراسة هم غير ما توقعوا ولم ينجهم من الاعتقال إلا تعرف الجنود على المقدم أبو شيبة الذي كان قائداً للسلاح قبل إبعاده في نوفمبر 1970. وبرر الضباط الشيوعيون وجودهم حيث لا ينبغي ان يكونوا بأنهم كانوا يتمشون على النيل القريب من سلاح الذخيرة وأنهم توقفوا عند البوابة بمحض الصدفة. ولم يترتب على هذه الواقعة شيء. وقد عاتبهم العميد بابكر النور، رئيس مجلس قيادة حركة 19 يوليو والرتبة الأعلى في التنظيم الشيوعي العسكري، على زيارتهم لسلاح الذخيرة بغير علمه. وساء الحزب هذا التصرف واجتمع بهم السيد محمد إبراهيم نقد، عضو المكتب السياسي والسكرتير الحالي للحزب، ليحمل لهم نقد الحزب على تصرفهم العشوائي. وقال محمد محجوب عن الرفيق نقد في لقاء الضباط "إنه انساق وراء الغضب للحد الذي صرح فيه بأن الحزب سيضطر إلي حل التنظيم العسكري إن لم يكف عن التصرف من وراء ظهره." وهذا ما عناه محجوب بالفجوة الفاصلة بين الحزب والضباط الشيوعيين.
ولما أعيأ الحزب الضباط وأسقمهم خطه في التعامل ما يزال مع نظام نميري توجسوا أن يتسقط نميري خبرهم من خلال الحزب نفسه بقنواته المفتوحة مع النظام. فبدأ الضباط الشيوعيون في التحفظ في التعامل مع الحزب بالنظر لما وصفوه باختراقه من قبل النظام. فلجأوا في تنظيمهم الحزبي إلي "التشديد من الإجراءات الأمنية وضرب نطاق على ما يجري بداخله." وسمى محمد محجوب هذا ب"إحكام الرتاج" على التنظيم لحماية مناقشاته من الحزب نفسه الذي أصبحت أسراره مبذولة للنظام. وزيادة في التأمين نشأ قسمان للتنظيم العسكري، واحد للجنود وآخر للضباط "توخياً للحفاظ على الانضباط العسكري". وعزلة الضباط عن الجنود هي من أشد مؤاخذات التقويم 1996 للشيوعيين في القوات المسلحة وقال إنه ربما لعبت دوراً في تهافت الانقلاب.
ولم يكتف العسكريون عند هذه المشاغل التنظيمية للحزب بل تعدوا ذلك إلى الطعن في كفاءة الحزب السياسية. فقال محجوب إن "القدرة التعبوية للحزب على مستوى الشارع لم تكن في المستوى الذي تفرضه الأوضاع رغم ما توحي به ضخامة المواكب التي سيرتها الجماهير تأئيداً للحركة (19 يوليو). . . لم يكن (الحزب) معبأ لحماية الحركة بعمل عسكري شعبي ويرمز للحمة العمل الجماهيري بالعمل المسلح العسكري" وقد تقاعس الحزب في بناء "الفرق الشعبية المسلحة" المطروحة عليه منذ أكتوبر 1964.
وتجلى صراع الإرادات بين الحزب وضباطه اكثر ما تجلى في نزاعهما حول فك عبد الخالق الذي كان معتقلاً قبيل انقلاب 19 يوليو بسلاح الذخيرة بمنطقة الشجرة بجنوب الخرطوم، من أسر النظام. وسنجد أنهما لا يتفقان حتى على صفة العملية. فالحزب يسميها "تهريباً" على طول الخط بينما يسميها العسكريون "تحريراً". كما لا نرى تحول الحيوية السياسية إلى الثكنات يتجلى مثل ما تجلى في دراما نزاع الحزب وعسكرييه حول تهريب-تحرير السكرتير العام. فقد أعطى الدور المتعاظم للجيش في السياسة العسكريين أياً كانوا وزناً استقلوا به الحزب الشيوعي في حالنا المخصوصة واضطروه للدفاع باستماتة عن وظائفه القيادية التي بدا استئثار العسكريين بها. وبلغ ضيق الحزب بهذا التطفل حد التلويح بإغلاق فرع الضباط الشيوعي بالضبة والمفتاح وتسريح الرفاق فيه كما رأينا. بل ضاق عبد الخالق نفسه باتصالات العسكريين الجانبية والمباشرة به فطلب من الحزب تنبيه الرائد محجوب طلقة إلى خطورة ما يقوم به من اتصال به وما سيتعرضان له من خطر متى أكتشف.
وسنعرض لما اتفق لكل من الحزب والعسكريين حول أطوار هذا النزاع ليقف القاريء على خلفية لانقلاب 19 يوليو لم تأخذ نصيبها من الضبط والتحليل. كان لعسكرييّ الحزب سببهم الوجيه في التفكر في مصير سكرتيرهم المعتقل في ثكنة عسكرية ويخضع لخطط سلبية حول عافيته. فهم كانوا أقرب الناس لمن أرادوا شراً بالسكرتير العام وأعلم بخططهم وعن كثب. ولم يكن هذا ما ضايق الحزب بالطبع. بل ساءه إسرافهم في ذلك التفكر وبخاصة حين قرنوه بخطط عملية لتحرير السكرتير او تهريبه، بل والاجتماع بالسكرتير من وراء ظهر الحزب لتدارس هذه الخطط. ولم تكن هذه وظيفة من وظائفهم بالطبع ولكن شاءت اقدار السياسة وجعلت في مقدورهم فعل ذلك دون سواهم.
توقف التقويم 1996 عند تشديد العسكريين على أن حياة عبد الخالق في خطر بعد خطاب نميري في مارس 1971 الذي أعلن على الملأ الحرب على الشيوعيين وحل منظماتهم الجماهيرية. ثم جددوا الشفقة على صحة الزعيم وهو رهين محبس النميري ورحمته. ولما عرضوا على الحزب أن "يحرروه" قال لهم إنها مهمة حزبية سيتولاها ولا داع لتدخل العسكريين فيها. ثم نقلوا للحزب مرة شبهة نميري في أن الحبس لم يقطع صلة عبد الخالق بالحزب. وألمحوا إلى ما قد يترتب على ذلك قطعاً لتلك الصلة ونصحوا بضرورة الإسراع في "تحريره". واتصلوا بعبد الخالق نفسه عارضين تهريبه من الثكنة العسكرية بمنطقة الشجرة بالخرطوم. ووصفوا حرصهم على النجاة به لأنهم يحسون بالذنب تجاهه لأنه اعتقل بسببهم. وسبقوا ذلك بتدبير خطة للخروج به من الأسر. واتصلوا بعبد الخالق وعرضوا عليه تدبيرهم فطلب منهم أن يتركوا الأمر للحزب. ثم عاد الرائد هاشم العطا، زعيم الانقلاب، فنقل للحزب أن مجلس قيادة ثورة مايو قرر ترحيل عبد الخالق إلى خارج الخرطوم، إلى الجنوب ربما، تمهيداً لتصفيته جسدياً. وفي الاثناء كان عبد الخالق يتدارس مع الحزب خطة ل"تهريبه" بينما ظل الرائد هاشم والمقدم محجوب إبراهيم ( المشهور بطلقة) يستعجلان الحزب للقيام بذلك. وانشغل الحزب من جهته بتأمين موقع لإقامة مأمونة لعبد الخالق.وظل هاشم يلح على الحزب بضرورة الاسراع بالعملية والحزب ينصحه بالتروي. وطلب هاشم مرة ثالثة أن يشرع الحزب ب"تهريب" عبد الخالق في يوم كان قد قطع به. وعرض الحزب خطة الرائد هاشم والمقدم محجوب إبراهيم على عبد الخالق فوافق. وتم التهريب-التحرير في 29-6-1971. واختفى عبد الخالق في منزل المقدم أبو شيبة قائد الحرس الجمهوري ثم في 3 بيوت أخرى وفرها الحزب. وشاب خطة التهريب ضعف تمثل في سوء الإعداد لإخفاء العريف الشيوعي عثمان محمد عبدالقادر الذي ساعد عبد الخالق ليغادر الحبس ثم هرب معه. وعاب التقويم 1969 على الرائد هاشم استعجاله التهريب بدون ترتيب محكم لإخفائه. وأوحي التقرير أن هاشم ربما كان يريد إبعاد عبد الخالق من منطقة سلاح الذخيرة العسكرية بمدينة الشجرة لأنها قد تكون ساحة صدام عسكري متى نفذ انقلابه أو وقعت انقلابات أخرى ولا يريد لعبد الخالق أن يتأذي في محبسه متى تلظت متفجراته. أو ربما كان لا يريد لعبد الخالق أن يكون في الحبس فيتخذه نميري كرتاً يضغط به على هاشم متى نجح انقلابه.
أما العسكريون، إذا صح تعبير الرائد محمد محجوب عثمان عنهم، فيلقون باللائمة على الحزب لتباطؤه في تحرير عبد الخالق. فما يزال محمد محجوب ، عضو مجلس قيادة انقلاب 19 يوليو، مقتنعاً بأن الحزب لم يتعامل بصورة لائقة مع معلومات توافرت للضباط الشيوعيين عن الخطر الذي أحدق آنذاك بحياة عبد الخالق في المعتقل. ومنها، إلى جانب تصفيته بعيداً في الجنوب، حقنه بمواد سامة وإطلاق سراحه ليموت في بيته. فمن رأي العسكريين أن قيادة الحزب لم تنهض بالأمر كما ينبغي وصحة السكرتير العام في "عين العاصفة". فالحزب ظل يجرجر قدميه لدى اقتراح العسكريين ب "تحريره" متعللاً بعدم توفر قواعد لإخفائه. ويوحي محمد محجوب بأن عبد الخالق كان راغباً في فك أسره كخطة العسكريين ولكن الحزب تعذر بعسر تأمينه. فعل الحزب ذلك ثلاث مرات. واكتفى الحزب، حيال ما قد تتعرض له حياة السكرتير، بإصدار بيان جماهيري عن ما يدبر النظام للرفيق مواصلاً البحث عن طريق لتهريبه خارج السودان. وتساءل محجوب إن كان السكرتير، الذي أراد كسر قيده ليعود لقيادة الحزب، سيقبل بالسفر للخارج وكأن بيت القصيد هو سلامته الشخصية. وأضاف أن مفهوم "التهريب" الوارد في التقويم نفسه ينطوي على إهانة لأن المسألة هي "تحريره" ليعود لقيادة عمل الحزب.
واستعرض محمد محجوب بعض قدرات التنظيم العسكري الشيوعي ذي اليد اللاحقة لإثبات أنه كان بوسعه تحرير عبد الخالق وتأمينه. وقال أن عزوف العسكريين عن إخطار الحزب ب"التحرير"، وهو ما اشتكى منه الحزب، ناشيء عن ضعف ثقتهم بحزب أسراره مفضوحة عند السلطة لا بفضل الانقساميين، الذين خرجوا منه عام 1970 وصاروا بعض سلطة 25 مايو منذ قيامها، بل من بعض القياديين ممن لم يزل يأملون خيراً في الحكومة. وبالنظر إلى تقاعس الحزب هذا لا يري محجوب أن تصدي التنظيم العسكري ل "تحرير" السكرتير تعدياً على صلاحيات قيادة الحزب. بل كان بوسع التنظيم إمكانيات لإخفاء السكرتير لم تكن بمقدور الحزب باعترافه.
5-مضى وفات وأصبحنا على المقبل
لن نخرج بدراسة انقلاب 19 يوليو من منهج يومية التحري إلى رحاب التاريخ بغير علم رصين بأسباب القوة التي رأيناها اجتمعت لفئة الضباط البرجوازية الصغيرة في النطاق العالمي والإقليمي العربي والأفريقي وفي قواتنا المسلحة والمجتمع والحزب الشيوعي. فمن جهة تواضع الفكر الماركسي السوفيتي على ان للديمقراطيين الثوريين (تقرأ البرجوازية الصغيرة) دور ريادي تقدمي في العالم الثالث وعلى الشيوعيين مراعاة فروق التاريخ والكف عن استفزازهم والتقليل من شأنهم. وراج عند مفكرين سوفيات مثل غيورغي ميرسكي القول بأن للجيوش في العالم الثالث دوراً تقدمياً على وجه الإطلاق. وكان أكبر ما استند عليه الأستاذ معاوية إبراهيم، عضو مركزية الحزب الشيوعي والخبير بالشوؤن العالمية الشيوعية، في تأييده بغير تحفظ لانقلاب 25 مايو، على خلاف الأستاذ عبد الخالق، هو كتابات الروس مثل غيورغي ميرسكي (الجيش والمجتمع والسياسة في البلدان النامية، دار التقدم 1987) في هذا الخصوص. وكان العالم الثالث بالفعل يضج بنظم تقدمية أغلبها ثمرة انقلابات عسكرية اتضح لاحقاً أنها نظم حشف وسوء كيل. وقد أعدى هذا الخيال السياسي في اختصار طريق الشعب للسعادة (ما سميته التخريمة للسعادة) برجوازية السودان الصغيرة. فما أثخنتها القوى التقليدية المناوئة بالجراح بسرقة ثورة اكتوبر 1964 والإساءة للديمقراطية بحل الحزب الشيوعي، ضمن أشياء أخرى مؤسفة، حتى رحلت بخطها التكتكيكي من الحياة المدنية إلى الثكنات. وأصبح لفئة الضباط، وحتى للجنود وصف الضباط، القول الفصل في تغيير الحكم أو تصحيحه أو الإستئثار به دون الآخرين. ولم يسلم لا الضباط ولا المدنيين الشيوعيين من عدوى الخيال السياسي للبرجوازية الصغيرة واغرتهم كثرتهم بارتكاب هذا الطريق مراراً وتكراراً. وقد تتبعنا كيف استقل الضباط الشيوعيون خلال السنتين الأولين من نظام مايو بخط سياسي وتكتيكي مقطوع من قماشة الانقلاب. كانوا بقلبهم مع الحزب وبسيفهم يستبقونه إلى الحكم الذي لم يأت أوانه الشيوعي. لم يكونوا حتى "كراع في المركب وكراع في الطوف" كما نقول عن صاحب البالين. كانت أرجلهم كله في "الطوف". والنكتة اللغوية مقصودة.
تراجيديا انقلاب 19 يوليو غصة ناشبة في حلق اليسار السوداني حتى ليحار المرء إن كان هذا الشجى سيستحيل تاريخاً أبداً: بمعنى أن يصبح قصة تروى ومثلاً يضرب؟ بعبارة أخرى هل سيغلب التحليل النظري والتكتيكي على الانقلاب فنحيله للاستيداع أم ستسود عليه عناصره التراجيدية فيبقي فينا مشهداً حٌسينياً لا تطاله إلا الطقوس الراتبة ننفث بها الزفرات الحرار شعراً؟ و لا غلاط أن إطباق التاريخ لؤم كبير بحق أمثال صفوة الرعيل اليساري لمن عرفهم من أمثالي واقتدى بهم. تلك المصابيح. ولكنه لؤم لا مهرب منه إذا أردنا لحركة المستضعفين أن لا تستحيل إلى عاطفة صماء من الماضي تنكفي على ذاتها تندب حظها وآمالها. ولا اعرف من تصبر تحت لؤم التاريخ مثل الأمير عثمان دقنة، ذي المقام العالي في ثورة المهدية ودولتها (1881-1898). فقد كان هاجر من بعد هريمة المهدية في آخر معاركها مع جيش الغزو الإنجليزي في أم دبيكرات (1899) وتخفى بجهة البحر الأحمر. فأعتقلوه. وكان من بين من اعتقله أحد الجنود الذي حارب ضد الأمير يوماً بجبهة البحر الأحمر ولقي من الأمير وجنده الأمرين. فأراد الجندي تذكيره بذلك اليوم فقال له الأمير: "كان ومضى وفات ونحن الآن في المقبل". وهذا قول فصل في جدل الغصة والقصة. ولم يكن للأمير مقبلاً سوى الصبر والصلاة من فوق دقنه البيضاء الدائرة في سجنه حتى مات فيه. رحمه الله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.