ما حقيقة أسر العميد محمد منصور قائد اللواء 16 مشاة بالكرمك؟    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    القنصل حازم مصطفى يجتمع بلاعبي سيد الأتيام بالمنتخب في جدة    جان كلود يُسجّل هدفًا رائعًا ويقود بوروندي لانتصار ثمين أمام تشاد في تصفيات أمم إفريقيا    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر "تجاني كارتا" يزور الفنانة مروة الدولية في منزلها ويطالبها بالعدول عن قرار الاعتزال: (لن أتزوج ولن أكمل ديني لو ما غنيتي في عرسي)    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    حتى لا نخسر ما كسبناه    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صدّيق محمّد البشير ... رمز من رموز الإستنارة!! ... بقلم: دكتور حسين آدم الحاج
نشر في سودانيل يوم 18 - 05 - 2009


بسم الله الرحمن الرحيم
[email protected]
تذكرت الراحل المقيم صدّيق محمّد البشير، صاحب مكتبة الجماهير الثقافيّة بالفاشر من منتصف الأربعينات وإلى منتصف ستينات القرن الماضى، قبل فترة قصيرة من رحيله الفاجع والذى حدث قبل أيام قليلة، وقد نعاه لنا صديقنا الأستاذ عبدالله آدم خاطر، كان فى نيّتى أن ألتقيه، أو أحادثه عبر الهاتف على الأقل، لأوّثق منه شفاهة فترة وأحداث ثورة 21 أكتوبر1964م فى نسختها الفاشريّة، وبالطبع الدارفوريّة، إذ كان صدّيق من صميم صانعيها، فقد كانت تلك الثورة ملحمة عظيمة إرتجت بها وتفاعلت معها كل أرجاء الإقليم، وإستمدت زخمها من أحداث سياسيّة سابقة ومشهودة تعود بجذورها إلى تجربة المنطقة فى إطار أنشطة مؤتمر الخريجين ومظاهرات الفاشر عام 1944م ضد المجلس الإستشارى لشمال السودان والجمعيّة التشريعيّة والتى تطورت بشكل درامى لتتمثل ذروتها فى حرق العلم البريطانى بالمديريّة عام 1952م. كما جاءت ثورة أكتوبر ودارفور حينها كانت فى حالة من الغليان بقضاياها الخاصة بفعل الممارسة التعسفيّة للحكومة ضد من كانت تعتقدهم منسوبى "منظّمة سونى" والتى سبقت قيام الثورة بفترة قصيرة، ولقد شهدتُ بأمّ عينيّى عدداً من تلك الإعتقالات فى بعض أحياء المدينة، فزاد من أوار غضب الناس مبلغاً عظيماً ووجدت الثورة بيئة صالحة ونفوساً مواتيّة لتتفاقم فى شكل حراك سياسى صاخب لكل الفعاليات، كما صادف ذلك أيضاً مخاض ميلاد "جبهة نهضة دارفور" بقيادة أستاذ الأجيال والسياسى الرقم عمّنا الشرتاى أحمد إبراهيم على (دريج) ونخبة من مثقفى دارفور بالخرطوم. كنت أثناء ذلك الحراك صبياً يافعاً فى المرحلة الأوليّة بمدرسة الفاشر الشرقيّة لكن ما زلت أتذكر بعض ملامح تلك الأحداث جيداً إذ كان منزلنا جوار "نادى الفاشر" العريق فى وسط المدينة والتى إحتضن مسرحها الرحيب فعاليات وإحتفالات تلك الثورة المجيدة لسنين عددا الأمر الذى مكّننى من أن أكون قريباً من دوائر الأحداث الشعبيّة العفويّة والمبرمجة، وكان قد تمّ وقتها أيضاً إفتتاح سينما الفاشر فصار مكاناً يلتقى فيه الشباب والأسر يتبادلون الأنس وتزجيّة الوقت.
أضافة لذلك، فإنّ دكان والدى كان فى وسط سوق المدينة وعلى بعد خطوات من مكتبة الجماهير، مركز الإشعاع الثقافى فى ذلك الوقت، وكنت أمر أمامها صباحاً وظهراً كل يوم فى طريقى من وإلى المدرسة، إنّ الشاهد فى الأمر، وكما هو معلوم للجميع آنذاك، أنّ صدّيقاً لم يكن بعيداً عن تلك التفاعلات بل كان فى خضمها وجزء من ملحها الطاعم، ولذلك فحين أريد اليوم التوثيق لثورة الحادى والعشرين من أكتوبر بالفاشر وبعد كل هذه الفترة الزمنيّة التى تفصلنا عنها فإنّنى سوف لن أجد مُخبراً أوعالماً بأحداثها وخباياها ومشاركاً أساسيّاً فيها أكثر من ثلاثة أشخاص هم صدّيق محمّد البشير صاحب مكتبة الجماهير، ومزمّل جلقام العريف بسلاح الإشارة بالقيادة الغربيّة أنذاك والذى رفض فى إباء أوامر اللواء حمد النيل ضيف الله قائد القيادة الغربيّة إطلاق النار على المتظاهرين فدفع الثمن سجناً ورفتاً من رتبته العسكريّة،، أمّا ثالثهم فهو العم بشر سعيد صاحب إستديو المدينة وأحد حداة ومغنّيى الثورة إذ كان عازفاً ماهراً على آلة العود ومؤسساً لفرقة فنون دارفور الغنائيّة وأطلق بعض الأناشيد الحماسيّة الباذخة عن الثورة لم تجد وللأسف طريقها إلى الأجهزة الإعلاميّة القوميّة، لكن إرادة الله تظلّ هى الغالبة دوماً فمضى صدّيق فى خلسة من الزمان وغفلة منّا ليترك لنا ذكريات جميلة أيّام كانت الفاشر هى الفاشر، والحياة هى الحياة، والسودان حينها متوثب لعهد جديد ومتطلع لآمال عراض... ولكن!!.
فى نهايّة العام الدراسى للإنتقال من الصف الثالث إلى الصف الرابع وبدلاً من أن يشترى لى هديّة عظيمة حسب وعده لى إذا ما جئت أول الفصل، وقد كان، قام والدى عليه رحمة الله بإرسالى إلى المديريّة لأعمل جرسوناً مع حسن حاكم صاحب الكافتيريا المشهورة هناك، لكنّى إكتشفت لاحقاً حكمته البالغة وأنّه قد قدّم لى أعظم هديّة وأنا فى ذلك السن الصغير، فقد كنت الوحيد الذى كان بإمكانه أن يدخل مكتب مدير مديريّة دارفور السيّد التجانى سعد وبدون إذن، لأخذ طلباته وتقديم تنكة القهوة فى الصباح أو الشاى خلال اليوم أو لجمع الأوانى الفارغة من آن لآخر، وقد كان بإمكانى أيضاً مشاهدة وتلمس كرسى وجلباب السلطان على دينار الأحمر والذان كانا ضمن مقتنيات المكتب مع بعض الحراب والسيوف المذهبة أثناء مرورى للخروج من الباب الخلفى عندما يكون مفتوحاً أو يُطلب منى ذلك، وكنت أفعل كل ذلك بعفويّة وثقّة فائقة رغم تضجر الحرّاس المرابطين على الأبواب من الخارج ونظراتهم غير المرحبة بى كلّما رأونى قادماً تجاههم إذ لم يكن الدخول لمكتب مدير المديريّة سهلاً فى ذلك الوقت حتى لكبار موظّفى الدولة، ولعلّ العطف الذى وجدته من العم كلمنت أمبورو والذى كان مفتشاً للمديريّة حينذاك قبل أن يغادر وزيراً للداخليّة فى حكومة أكتوبر، كان خاصاً، كان رجلاً صموتاً وهادئاً، قال لى ذات مرة بعد أن أتيته بالتنكة "يا إبنى إذا كنت تريد أن تكون شخصاً ناجحاً فى الحياة فلا تترك درب التعليم!" يا لها من نصيحة (رحمه الله)، لقد أتاح لى تلك الفرصة أيضاً أن أتعرف على الكثير من وجوه القيادات الحكوميّة والشخصيات الرسميّة الذين يجتمعون فى الأمسيّات فى "نادى دارفور" المجاور للمديريّة، وهو نادى خاص بهم يتجنبه أهل المدينة إذ لم يكن هناك كثير ود بين الجانبين، كما أتاح لى بالخصوص تلمس، ولو بشيئ من السطحيّة فى ذلك العمر المبكر، الفجوة ما بين العقليّة الحاكمة والقاعدة الشعبيّة العريضة وتراكم إفرازات ذلك والتى كانت من العوامل المساعدة فى تفجر الثورة بذلك العنف وسقوط الشهداء والجرحى، ولذلك فحينما إنتفض أهلُ الإقليم لاحقاً ضد قرارات النميرى بمسألة إقليم دارفور الواحد عام 1981م كانت فى مخيلتهم تجربتهم الخاصة فى ثورة أكتوبر 1964م إذ ظلّت حيّة ونابضة، وبالتأكيد إلى اليوم!.
كنت متدرجاً إلى الصف الثالث بالمدرسة الأوليّة فى عام ثورة أكتوبر، وكنت مبرزاً دراسياً وإجتماعياً إضافة إلى إنتمائى لأسرة معروفة فى المدينة، ولذلك فقد نلت إحترام الأساتذة وصاروا يعهدون إلىّ قيادة أى نشاط للتلاميذ خارج المدرسة أكون طرفاً فيها، فى هذا الإطار وفى بداية العام الدراسى طلب منّا مرشد الفصل (شيخ/ عمر زيدان) دفع إشتراك أسبوعى بمقدار قرش واحد للقادرين وتعريفة لغيرهم، مع إعفاء غير القادرين، وذلك لشراء مكتبة للفصل نتداول قراءة كتبها خلال العام، وبالفعل تمّ جمع مبلغ جنيه واحد فهجمنا على الأساتذة نطلب منهم تبرعات ماليّة دعماً لمشروعنا فلم يخذلونا فإرتفع المبلغ إلى جنيه ونصف، عندها قام مرشد الفصل بإختيار لجنة من التلاميذ للذهاب لمكتبة الجماهير وشراء الكتب، لم يتدخل أو يحدد لنا نوعيّة الكتب المناسبة لأعمارنا ومستوياتنا الدراسيّة بل تركنا نتصرف بعفويتنا وعلى سجيتنا وذلك مسلك تربوى عظيم، وإختار ثلاثة منّا، شخصى والخير جبارة الخضر، من أبناء الشايقيّة وهو الآن صيدلى مرموق فى نيروبى أسّس والده أول مصنع بالفاشر هو مصنع الشعيريّة، والهادى إسحق محمّد من أبناء العرب البقّارة آخر عهدى بأخباره أنّه كان مهندساً بالسكة الحديد فى بابنوسة، وجعلنى رئيساً لهذه اللّجنة على أن يكون القرار الفصل لى فى حال الإختلاف بيننا على إختيار أى كتاب (هل هذا نوع من التدريب على منهج القيادة؟ لا أدرى، لكن" التربيّة من ناحيّة والتعليم من ناحيّة أخرى كانتا راكزتان يومها)!.
ذهبنا ثلاثتنا إلى مكتبة الجماهير فى منتصف النهار إذ غالباً ما قد يكون المكان هادئاً نوعاً ما فى مثل تلك الأوقات قبل خروج الأفندية (الموظّفين) الساعة الثانيّة فيلوون فى صخب تجاه المكتبة للإلتقاء هناك ولإقتناء الجرايد والمجلات السودانيّة والعربيّة والعالميّة وكلّها كانت تصل للمكتبة بصورة راتبة هذا بخلاف مختلف أنواع الكتب والمطبوعات الأخرى. وصلنا المكتبة ولحسن حظّنا وجدنا صدّيق جالساً لوحده خالفاً رجلاً على رجل يطالع كتاباً ما، سلمنا عليه فردّ علينا كعادته بإبتسامة عريضة ووجه بشوش قبل أن يسألنا عن حاجتنا، قلنا له أنّنا لجنة جئناه لشراء كتب لتكوين مكتبة للصف الثالث وكان يعرف مثل هذه الأمور ويتعامل معها دائماً إذ كانت من الممارسات الشائعة فى مدارس ذلك الزمن، ناولته المبلغ فى مظروف صغير وقلت له 150 قرش، سألنا عن أسمائنا، كان يعرف والدى ووالد الخير إذ كانا من تجار السوق، فرحّب بنا أكثر لكنّه قال وكأنّه يمزح سأبيع لكم الكتب لكن بشرط لن أقولها لكم حتى تختاروا الكتب التى تريدونها، ثمّ قام من محله وأشار إلى طاولة طويلة على طول مكتبته ملاصقاً للحائط من الجهة اليمنى، تعلوها رفوف عليها كثير من الكتب، وقال لنا كل هذه الكتب التى ترونها على هذه الطاولة تتناسب مع أعماركم، هى كتب للمدارس الأوليّة، فإختاروا منها ما تشاؤون على قدر فلوسكم، تركنا لوحدنا ومضى يطالع فى كتابه، عندها طلبت من الخير أن يساعدنى فى الإختيار بينما يقوم الهادى بمسك الحساب، ونسبة لأنّنى كانت لدينا فى منزلنا مكتبة معتبرة جمعها إشقائى الكبار، ومن ضمنها مقتنيات جدّى من الكتب الصفراء، أقلبها بين الفينة والأخرى فلم تصبنى رهبة فى إختيار الكتب التى رأيت أنّها مناسبة لعقولنا ومداركنا الدراسيّة، وعليه فقد إبتعدت عن كتيبات الثعلب والديك وإخترت كتباً أكثر تركيزاً وتنوعاً بينما تركت هامشاً للإختيار لزميلاى. بعد حوالى نصف ساعة تقريباً جمعنا نيف أربعين كتاباً إذ كانت الأسعار زهيدة ما دون الخمس قروش للكتاب الواحد، تقدمنا بعدها لصدّيق الذى طلب منا الجلوس على كراسى عديدة فى برندة مكتبته ستمتلئ بعد لحظات بجيوش الأفنديّة، تناول الكتب وراجعها كتاباً كتاباً كأنه يريد أن يتعرف على منهجنا فى الإختيار، ثمّ رفع رأسه مبتسماً وقال لنا برافو عليكم أحسنتم، أمّا شرطى فهو أن أعطيكم عشرة كتب إضافيّة مجّاناً هدية منّى ودعماً لمكتبتكم وسأختارها لكم بنفسى فهل تقبلون؟ قالها ضاحكاً، ولم لا؟ هل نحن حمقى يا أستاذ!، إزددنا غبطة وزادنا بهجة عندما أتى شخص يحمل ثلاثة زجاجات ليمونادة باردة ذات قوارير مدوّرة، مثل الكرة، كان يستخدمها أصحاب البقالات الحديثة وقتها من الأغاريق الذين تواجد العديد منهم يومها فى التجارة بسوق الفاشر يبيعون من المشروبات حلوها ومُرّها، قدمها لنا فجلسنا نشربها بتلذذ ونحن نضحك وننظر على بعضنا وقد كبرت رؤوسنا. ذلك هو صدّيق يأسر الناس مهما كان شأنهم ببساطته الجاذبة.
ثمّ أتى إلينا بعد هنيهة بمجموعة من الكتب، لم نأبه بها ولم ندر كنهها أو نوعيّة المواضيع التى تتناولها لكنّنا قبلناها منه حامدين شاكرين، ثمّ ودعناه بأطيب ما عندنا من تعابير ولم ينس أن يطلب منّا تبليغ تحياته لولدينا ولشيخ عمر، فإنطلقنا عائدين إلى مدرستنا بصيد ثمين أعجب أساتذتنا وزملاءنا التلاميذ فتخطفوا أغلبها حينما فتح مرشد الفصل باب الإشتراك.
لقد مثّلت مكتبة الجماهير الثقافيّة، والتى تأسست عام 1947م، واحداً من أربعة أركان للإستنارة بمدينة الفاشر فى ذلك الوقت، فبالإضافة إليها كان هناك، وغير بعيد عنها، المجلس الثقافى البريطانى (British Council) الذى تأسس عام 1965م، ثمّ نادى الفاشر الإجتماعى الثقافى الذى تأسس عام 1936م، ثمّ مجتمع الفاشر العريض والمدينة بسوقها وأحزابها السياسيّة ومساجدها وكنيستها الوحيدة ومنتدياتها ومسارحها ومدرستها الثانويّة العريقة (التى تأسست عام 1958م بعد إفتتاحها لمدة عام واحد فى مدرسة بورتسودان الثانويّة)، ومدرستها الأهليّة الوسطى (والتى أسسها مؤتمر الخريجين عام 1945م) وفرقها الرياضيّة وفروسيتها ومجالسها العامرة، وبجانب ذلك كانت هنالك العديد من الجاليات الأجنبيّة: الليبيين (الفيزان)، المصريين، الأغاريق والهنود، إضافة إلى شريحة مهمّة من الجنوبيين تخصصوا فى نقل وبيع الماء من الأكشاك إلى المواطنين فى بيوتهم، إذ لم تنشأ شبكة المياه حتى عام 1971م بعد أن ساوم النميرى أهل الفاشر بينها وبين مد خط السكة الحديد من محطة مهاجريّة بجنوب دارفور إلى الفاشر بعد أن طالبوا بها، قال لهم فى تحدّ صريح وقد وجد ضالته لإستفزازهم (يا دى.. يا دى) فأُسقط فى أيديهم، وحتى مع ذلك زاد عليها برفض دعمها مثل مياه المدن الأخرى فى أرجاء البلاد بحجة رغبة الدولة فى إسترداد تكاليفها من خلال السعر التجارى. غير أنّ سينما الفاشر الجميلة أضافت لدى إفتتاحها نهايّة عام 1963م بعداً جديداً تعكس الثقافات العربيّة والعالميّة من خلال الشاشة وأحالت ليل المدينة المظلم إلى ضوضاء إذ لم تكن تعرف خدمات الكهرباء حتى عام 1973م!.
لقد كان صدّيق فى تلك الفترة سياسياً من أهل اليسار لكن ذلك لم يؤثر البتة أو حتى إنعكس على دوره الإجتماعى وريادته الثقافيّة بل ظلّ كل أهل المدينة محبين لشخصيته الجاذبة وفى حاجة دائمة لخدماته فقد كان هو ومكتبته مؤسسة قائمة بذاتها، ولذلك لا يحدث شأن فى المدينة إلاّ وكان حاضراً فى السياسة أم كان ذلك فى الإفراح والأتراح التى تميّز بها مجتمع الفاشر الباذخ يومها. وهكذا سارت الحياة مبتسمة على نحو ما يشتهى الجميع حتى إغتالتها فجأة أحداث حل الحزب الشيوعى السودانى من داخل البرلمان نهاية نوفمبر 1965م وطرد نوابه والنواب الذين يؤيدهم فى أخطر سابقة دستوريّة قانونيّة فى تاريخ التجربة البرلمانيّة السودانيّة، وصارت من السوابق الدستوريّة والقضائيّة المشهورة فى القضاء السودانى، وقد كان الرئيس إسماعيل الأزهرى (رحمه الله) وقتها رئيساً لمجلس السيّادة بينما كان الصادق المهدى رئيساً للوزراء غضوا الطرف عن تعديل الدستور وإصدار قانون حل الحزب الشيوعى السودانى، وبتواطؤ مفضوح من قوى سياسيّة معروفة لها مصلحة فى ذلك، ولم يتراجعوا بالرغم من نقض المحكمة العليا ومحكمة مديريّة الخرطوم للقرار ببطلانها فإستقال بابكر عوض الله رئيس القضاة إحتجاجاً. وعلى العموم فما يهمنا من تلك الأحداث هو الهيجان والعنف المفرط الذى تعرض له منسوبو الحزب حيث لم يسلم صدّيق من ذلك وتعرضت مكتبته وبيته لعنف غير مبرر من الشرذمة والدهماء سبّبت له الكثير من العنت، ولم يشفع له ما قدمه من مواعين الإستنارة لنحو عقدين من الزمان لمجتمع مترابط فى حاجة ماسة إليها، وإلتزامه بمعايير الإنضباط السياسى، إضافة إلى علاقاته الممتدة وتواصله مع كل أهل المدينة فغادر على أثرها إلى الخرطوم ثمّ إلى دولة قطر حيث عمل فى حقل الصحافة والثقافة ردحاً طويلاً من الزمان، ومع ذلك لم ينس جذوره فى الفاشر فكما حدثنا الأخ عبدالله آدم خاطر فقد كان يحلم بمواصلة عطائه لمجتمع الفاشر ودارفور ولو من على البعد بالرغم ممّا أصابه من رشاش غير منضبط وغير مسؤول.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.