المتتبع للأحداث الأخيرة التي انطلقت شرارتها الأخيرة من عربة “كارو" يقودها شاب لتدك حصون أعتى العروش وأركان أقوى الأجهزة الأمنية والبوليسية في الدول العربية في القارتين الأفريقة والآسيوية؛ يستطيع استنتاج أن ما حدث لا علاقة له بما يشاع عن “الثورة الإلكترونية" أو كما يحلو للبعض تسميتها ب “ثورة شباب الفيس بوك". فهذا تناول يختزل هذه الثورة بشكل مخل فيهضم حقوق كثيرين قضوا فيها وبذلوا الأنفس والغالي والنفيس وسُجنوا وعذبوا وشردوا في هذا الطريق ومن أجل بلوغ هذ الغاية. ورغم أن جل هؤلاء كانوا من الإسلاميين- إلا أنه كان من بينهم غير المسلمين وغير الإسلاميين من أصحاب التوجهات السياسية المختلفة. وهذا هو بيت القصيد، فلا أحد يستطيع أن ينكر دور الحركات الإسلامية في كل من تونس ومصر في زعزعة أركان النظامين اللذين كانا يحكمان هناك، وليس أدل على ذلك من أن جل من قضوا في مواجهة هذين النظامين تحديدا وكل من حشروا في سجونهم من السياسيين كانوا من الإسلاميين، وذلك ليس على مدار أسبوعين أو ثلاثة قبيل سقوطهما، بل على مدى أكثر من عقدين من الزمان. والعقل يقول إن مثل هذين النظامين اللذين يعتبران الأقوى والأكثر دموية وصرامة في مواجهة معارضيهما لا يمكن إزالتهما بمظاهرات سلمية تستمر بضع ساعات كل يوم. وهذا يرجح ما ذهبنا إليه أن خلخلة أركان النظامين استغرقت سنوات طويلة من المواجهات بين الإسلاميين وحماة هذين النظامين والذين ارتبطوا بهما. { أين السودان مما يجري حوله من تطورات؟ السودان ليس بمعزل عما يدور حوله من تغيرات، فهذه سنة الله في الأرض هذا هو الناموس الكوني، ولو كان هناك فرد أحق بالبقاء لكان المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإن كان هناك نظام أحق بالديمومة لكانت دولة المدينة الفاضلة التي أرسى قواعدها رسول الله المؤيد من فوق سبع سموات بأمر رباني ونهج محمدي وجنود اختارهم الله لنصرة نبيه شعبا من الصحابة المخلصين الذين عني بتربيتهم الرسول صلى الله عليه وسلم فأحسن تربيتهم. التغيرات التي حدثت في بعض دول الجوار ومازالت تعتلج البعض الآخر نعتقد – بإذن الله- إنها من صالح أوضاع الإسلام والمسلمين بشكل عام والسودان بشكل خاص، فالتغير كما أسلفنا سنة من سنن الله الكونية. لا شك إن الحكومة مطمئنة كثيرا بأن ما يحدث حولها قد يكون في صالحها وبالتالي لن تنال منه إلا الخير. وهذا الإحساس نتاجه أن الإسلاميين في هذه الدول هم من يستطيعون تحريك الأشياء وهم الذين كانوا خلف إسقاط أعتى نظامين في المنطقة، والإسلاميون في العالم أجمع هم على درب – في سبيل الله قمنا - سواء وإن اختلفت مسمياتهم هنا وهناك وإن اختلفت وسائل التغيير عندهم من دولة إلى أخرى، ومن حزب إلى آخر في الدولة الواحدة. هذا الاستنتاج مقروء مع التطور الكبير الذي شهدته البلاد وإنسانها خلال العقدين الآخرين من جهة، والظروف الحساسة التي تمر بها البلاد المتمثلة – من بين أمور أخرى- في نتائج الاستفتاء التي جاءت بنسبة أكثر من 99% لصالح الانفصال ما يرجح احتمال قيام دولة جديدة في جنوب السودان، وعدم وجود بديل ناجع من بين أحزاب المعارضة قادر على اتمام عملية الإبدال والإحلال من جهة أخرى، يجعل الحكومة تشعر بشيء من الطمأنينة بأن ما يحدث حولها لا يعنيها “لا من قريب ولا بعيد". فهي – أي الحكومة - تعلم علم اليقين أن الشعب السوداني اليوم ليس هو الشعب السوداني عام 1989م، فقد زادت نسبة الوعي بزيادة عدد رياض الأطفال ومدارس الأساس والجامعات وفرص التعليم فوق الجامعي داخليا وخارجيا، وزاد الإحساس بالوطنية والمسؤولية، كما زادت معدلات دخل الفرد واتسع ماعون الخدمة المدنية أضعافا مضاعفة عما كان عليه الحال نهاية الثمانينيات، ونجحت الحكومة في استخراج النفط ودخل السودان منظومة الدول المصدرة له، هذا بجانب الطفرة الكبيرة التي شهدتها البلاد في مختلف المجالات الأخرى. وهي تعلم تماما أن الشعب السوداني قادر على التمييز بين ما ينفع الناس و بين الغثاء، وتثق في أن المواطن يستطيع أن يميز بين حزب يجري مؤتمره العام بشكل منتظم يختار فيه ممثليه بشكل وآلية واضحة وبين أحزاب لم تجرِ منذ تأسيسها حتى مؤتمراً عاماً واحداً تختار فيه عبر آلية التصعيد والترشيح والانتخاب من يشغلون مؤسسات الحزب، التي درجت كثير من الأحزاب على ملئها بأفراد من الأبناء والأحفاد، على الأقل المناصب المهمة والحساسة بالحزب. والحكومة تعلم أيضا أن الشعب يعي تماما أن إدارة شؤون العباد والبلاد تحتاج إلى كوادر مؤهلة وهو ما تفتقده كل أحزاب المعارضة اليوم. لا نقول إن هذه الأحزاب خاوية من الكوادر المقتدرة – حتى من بين المقربين والأبناء والأحفاد من هم على قدر عالٍ من الأهلية والكفاءة- ولكن عدد هؤلاء لا يكفي حتى لإدارة شؤون الحزب ناهيك عن إدارة شؤون العباد والبلاد. إن إدارة ماكينة الدولة تحتاج إلى جيش جرار من الكوادر التي أضافت إلى شهاداتها الأكاديمية خبرة تراكمية كبيرة في دواوين الحكم والعمل العام، وهو ما قلّ أن يتوفر في أحزاب المعارضة الموجودة اليوم. ولكن هل للحكومة فعلا أن تركن إلى ما أنجزت وإلى وعي الشعب وغياب البديل الناجع؟ لا شك إن من بين النظم التي أزيلت مؤخرا من أنجز ما لم تنجزه الحكومة السودانية بعد في مختلف المجالات، رغم أن قدر الله – الذي له ألف باب وباب- دخل عليها من بوابة الإسلاميين والمسلمين الذين حُرموا حتى من أداء الفروض بطمأنينة. أعني إن ما أنجزته الحكومة السودانية رغم أنه ليس مسبوق في البلاد إلا أنه وحده لا يشفع لها ولا يقيها برد الثورات. وكذلك المراهنة على وعي الشعب بحساسية المرحلة لا يجديها لوحده، فالوعي لك وعليك؛ لك بأن يرفض الواعون الانجرار وراء كل صرخة وصوت، وعليك بأن يدفعك لمزيد من العطاء والبذل. وغياب البديل الناجع أيضا ليس معناه الركون لإحساس أن الحكومة هي الأفضل والأقوى؛ لأن التغيير ليس بالضرورة تغيير خارجي بل يمكن أن يكون تغييرا من الداخل، وهذا هو بيت القصيد. سبق لي أكثر من مرة في أكثر من لقاء تلفازي وإذاعي وفي أكثر من مقال صحفي أن ذكرت إن بجعبة المؤتمر الوطني، الذي كسب إلى صفوفه غالبية السودانيين، أكثر مما أعطى حتى اليوم. فحرام على حزب بقامة المؤتمر الوطني الرضا بجهد المقل. فهو – كما يقول بذلك أحد شعاراته- حزب رائد لشعب رائد. الجامعات التي أضافت إلى وعي المواطن السوداني الكثير – والشكر الجزيل موصول هنا إلى رائد حركة التعليم العالي البروفيسور إبراهيم أحمد عمر ورفاقه في المواقع المختلفة على ما بذلوا ومازالوا - أصبحت تخرج وتفرخ كل عام الآلاف من الخريجين الذين يجوبون الشوارع والمؤسسات جئية وذهابا بحثا عن ظيفة تسد رمقهم ورمق من بذلوا ما يملكون مستقطعين من لقمة عيشهم في سبيل تعليمهم وتخريجهم على أمل أن يكونوا عونا لهم وسندا. لا أحد ينكر أن الدولة رغم أن دولابها الوظيفي محدود وأنها لا يجب أن تكون هي من يعين الخريجين والموظفين بشكل مباشر، إلا أنها قد بذلت الكثير في هذا الاتجاه واسهمت في تعيين الآلاف من الخريجين، ولكن مازال الآلاف غيرهم ينتظرون فرصهم. وهذا الأمر يحتاج إلى علاج جذري لأنه يأتي في إطار محاربة الفقر ورفع المستوى المعيشي للأسر السودانية وهو ما يمثل الهدف الأول من أهداف الألفية التنموية. وهناك موضوع الفساد الذي أزكم الأنوف وكثر الحديث حوله وأخيرا تحركت الحكومة باتجاه معالجة الموضوع. أملنا كبير في معالجة هذه القضية ذات الأبعاد المتعددة أخلاقيا واقتصاديا واجتماعيا، خاصة وأن الأوامر جاءت هذه المرة من قمة الهرم الحكومي، مباشرة من رئيس الجمهورية ما يعني أن الحكومة أعلنت الحرب على الفساد لاستئصال جذوره وإزالة ما لحق بالسمعة الطيبة لإنسان بلادي الأبي الذي مازالت تضرب بأمانته الأمثال في كل مكان. نعلم من اتصالنا بالأخ رئيس نيابة المال العام أنه لا يدخر جهدا ولا وسعا في ملاحقة كل من يتهم بالفساد بغض النظر عن منصبه ولونه السياسي وانتمائه. ونحسب أن جهده في هذا المجال وتجربته التراكمية التي اكتسبها وتأهيله الأكاديمي تؤهله لأن يحتل موقعاً متقدماً في المفوضية الجديدة التي أمر السيد الرئيس بتأسيسها. جميل أن نرى الطرقات المعبدة قد انتظمت المدن الكبرى وبشكل خاص العاصمة المثلثة، وهذا جهد يشكر عليه القائمون على أمره الذين هدفوا إلى تسهيل حياة الناس من خلال تسهيل حركتهم بتعبيد الطريق لهم، ولكن هذه الطرقات التي يفترض أن تكون إضافة لحياة المواطن أصبحت لغياب خطوط المشاة والعلامات المرورية بها – وبالا عليه وخصما على حياته بل أودت بحياة الكثيرين منهم وأصبحت تسمّى “شوارع الموت". يجب على أحزاب الحكومة بشكل خاص والأحزاب التي تجلس اليوم على دكة المعارضة أملا في الإمساك بدفعة الحكم غدا أن تعقد مؤتمرات وورش عمل متخصصة في مختلف المجالات التي تهم المواطن داخليا وخارجيا من محاربة الفقر وإيجاد فرص عمل وتعليم وصحة وتحقيق السلم والتعايش السلمي والتطبيق الأمثل للعدالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وكذلك حول القضايا الداخلية مثل دراسة الصيغ الأمثل للحكم وكيفية تحقيق المبادئ الديمقراطية وتوسيع فرص المشاركة في الحكم وتحقيق البعد الأمثل في علاقاتنا الخارجية على كافة المستويات الإقليمية والقارية والدولية. ويفترض أن تخرج هذه المؤتمرات وورش العمل بتوصيات عملية تضمن في برنامج الحزب المعني مع ضرورة التأكيد على أن الإنسان يجب أن يكون مبتدأ ومنتهى هذه المؤتمرات والبرامج. وبما أن حزب المؤتمر الوطني هو من يقود دفة الحكم اليوم، وبما أننا نثق بمقدرات الحزب التي أساسها عضويته الواسعة التي أهلته لاكتساح الانتخابات الأخيرة وبالتالي البقاء لفترة تشريعية جديدة، ولأننا نثق كذلك بأن الحزب هو أصلح من يدير شؤون البلاد في هذه الفترة لإمساكه بزمام القضايا وإلمامه ببواطن الأمور الحساسة التي تمس صميم الوطن، ولأننا نعلم إن ما تم إنجازه من قبل الحزب حتى اليوم لا يتعدى سوى أن يكون جهد المقل، نقول للحكومة يجب عليك تقييم وتقويم مسارك خلال عقدين من الزمان بشكل جديد، وتجديد الدماء واتاحة الفرص لمن هم أقدر على العطاء “قومي كفاك نوم" فنحن ننتظر الكثير ولا نرضي بجهد المقل. د. خالد علي عبد المجيد لورد متخصص في شؤون الاتحاد الأوروبي والعلاقات الدولية khalid lord [[email protected]]