توقيع وثيقة صلح بين الهدندوة والبني عامر في بورتسودان لطي نزاعات دامية    (يوناميد) تسلم الحكومة السودانية أكبر مقراتها في دارفور متضمنا أصولا ب 99.4 مليون دولار    مباحثات سودانية إماراتية في الخرطوم لدفع التعاون الاقتصادي بين البلدين    "الثورية" تطالب جهاز المخابرات بالكشف عن 162 أسيراً من منسوبيها    تعاون سوداني فرنسي لتحسين نسل الضأن    خبير: التطبيق الخاطئ لسياسة التحرير الاقتصادي أسهم في ارتفاع الأسعار    وهيهات ان نضرس الحصرم الذي يزرعون .. بقلم: حيدر احمد خيرالله    مبادرة سياسية باسم السودان الواحد (2): دعوة خاصة الى السيد عبدالعزيز الحلو وجماعته .. بقلم: د. يوسف نبيل    فِي أمرِ تغذيةِ العَقلِ الجَمعْي لشعبنا، ومُراكمَة خِبراتِ الثُّوار .. بقلم: عادل سيد أحمد/ الخرطوم    حمور زيادة: عندما هاجرت الداية .. بقلم: سامية محمد نور    استقالة محافظ البنك المركزي في السودان    قوة من المباحث تقتاد على الحاج للتحقيق في بلاغ ضد منفذي انقلاب 89    جيرمايا يدعو لاستخدام أصول اليوناميد للاغراض المدنية    ((الكرواتي طلع تايواني يا رئيس الاتحاد،)) .. بقلم: دكتور نيازي عزالدين    قراءة فنية متأنية لمباراة منتخبنا والأولاد .. بقلم: نجيب عبدالرحيم أبو أحمد    "الحوثيون" يحتجزون 3 سفن كورية وسعودية    "علماء السودان" تدعو التجار لعدم المبالغة في الأسعار    طاقم تحكيم من جامبيا لمواجهة الهلال وبلاتينيوم    إلى حمدوك ووزير ماليته: لا توجد أزمة اقتصادية ولكنها أزمة إدارية .. بقلم: خالد أحمد    قصص قصيرة جدا ونص نثري: الى حسن موسى، عبد الله الشقليني، عبد المنعم عجب الفيا، مرتضى الغالي ومحمد أبو جودة .. بقلم: حامد فضل الله/ برلين    اليوم العالمي للفلسفة والحالة السودانية. . بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    لا تفرطوا يا ثوار .. بقلم: الطيب الزين    تلقوها عند الغافل .. بقلم: كمال الهِدي    (فيس بوك) يزيل حسابات ومجموعات تابعة لجهاز المخابرات السوداني    محتجون عراقيون يغلقون مدخل ميناء أم قصر    البرهان: خطوط الكهرباء وترعة مشروع الراجحي أتلفت أراضي الملاك    اثناء محاكمة البشير .. الكشف عن مبالغ كبيرة تدار خارج موازنة السودان بينها شركات هامة وقنوات تلفزيونية    المجلس السيادي: النظام البائد أهان الجواز السوداني بمنحه للارهابيين    توقيع اتفاقية شراكة بين (سودان تربيون) وتطبيق (نبض)    خامنئي يؤيد قرار زيادة سعر البنزين    مقتل سوداني على يد مواطنه ببنغازي الليبية    منتخب السودان يخسر أمام جنوب أفريقيا بهدف    الخيط الرفيع .. بقلم: مجدي محمود    فريق كرة قدم نسائي من جنوب السودان يشارك في سيكافا لأول مرة    لسنا معكم .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد    نداء الواجب الإنساني .. بقلم: نورالدين مدني    السعودية توافق بالمشاركة في كأس الخليج بقطر    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    زمن الحراك .. مساراته ومستقبله .. بقلم: عبد الله السناوي    الأمم المتحدة تتهم الأردن والإمارات وتركيا والسودان بانتهاك عقوبات ليبيا    لجنة مقاومة الثورة الحارة 12 تضبط معملاً لتصنيع (الكريمات) داخل مخبز    اتهامات أممية ل(حميدتي) بمساندة قوات حفتر والجيش السوداني ينفي    شكاوى من دخول أزمة مياه "الأزهري" عامها الثاني    في ذمة الله محمد ورداني حمادة    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    والي الجزيرة يوجه باعتماد لجان للخدمات بالأحياء    معرض الخرطوم للكتاب يختتم فعالياته    ناشرون مصريون يقترحون إقامة معرض كتاب متجول    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير أسبق: سنعود للحكم ونرفض الاستهبال    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    مبادرات: استخدام الوسائط الحديثة في الطبابة لإنقاذ المرضي .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    الحكم بإعدام نظامي قتل قائد منطقة الدويم العسكرية رمياً بالرصاص    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السادات.. وهم التحدي .. عرض: عادل حسون
نشر في سودانيل يوم 21 - 12 - 2011


adil hassoun [[email protected]]
يرى مؤيدو سياسة الرئيس المصري الراحل أنور السادات (1918- 1981م) أنه الرئيس العربي الأكثر جرأة وواقعية في التعامل مع قضايا المنطقة. وأنه انتشل مصر من براثن الدولة البوليسية ومراكز القوى ودفع بالاقتصاد المصري نحو التنمية والازدهار. وعلى النقيض من ذلك يرى آخرون أنه قوض المشروع القومي العربي وحيد الدور الإقليمي المصري في المنطقة وقضى على مشروع النهضة الصناعية والاقتصادية ودمر قيم المجتمع المصري وأطلق العنان للتيارات الإسلامية. وبين النقيضين يبحث كتاب (السادات.. وهم التحدي) عن حقيقة أحد القادة السياسيين البارزين في القرن العشرين. وكما تشير مقدمة الناشر فإن الكتاب يكتسب أهمية في هذه المرحلة من تعقيد العملية السلمية في الشرق الأوسط (1999م)، إذ أنه أول كتاب يكتبه (الآخر) عن رمز تاريخي مثل السادات، قائد فاعل في الصراع العربي- الإسرائيلي، غسل عار الأمة الجريحة عبر خوضه غمار حرب العبور المجيد 1973م. ومع ذلك كان السادات أول من مهر اتفاقية للسلام الدائم مع إسرائيل، ولذا فإن استقراء مدلولات ما يكتبه الآخر ليس لإدراك الكيفية التي يفكر بها الآخر فحسب وإنما لبناء إستراتيجيات مدروسة ومحسوبة للتعامل معه في زمني الحرب والسلم معاً. ومن ثم تضحى قراءة الكتاب الذي ألفه الصحفي اليهودي الأصل الإسرائيلي الجنسية، جوزيف فينكليستون، الذي عمل محررا في جريدة (الخبر) اليهودية الصادرة بلندن وعمل أيضاً مراسلاً لجريدة (معاريف) الإسرائيلية، والخبير بمركز دراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة أكسفورد البريطانية، أمراً تحتمه ضرورات الماضي والحاضر والمستقبل جميعاً. لاسيما وأن المؤلَف يكشف جوانب مهمة في حياة الرئيس الراحل السادات، دون خجل وبحياد كامل، مستخدما في ذلك نهج تحليل الشخصية وأداة القياسات النفسية لأطوار هذه الحياة والغوص في مكوناتها الأولى منذ طفولة السادات في القرية حتى مصرعه المؤسف في منصة العرض العسكري شرق العاصمة المصرية القاهرة في 6 أكتوبر 1981م. ولذلك ومهما كان القارئ ملماً بالقليل أو الكثير عن شخصية السادات- وقد أثارت الجدل في حياته ومماته- فإنه سيجني الكثير من الفوائد من قراءة شخصية (السادات) بقلم صحفي يهودي مهتم بشئون مصر والمنطقة العربية سعى بموضوعية جلية- إذ لم تقيده كغيره من الكتاب المهتمين وصمة العضوية لأحد المعسكرين الناصري والساداتي فكان متحللاً من الانتماء لأي من ناديي المعجبين بالرئيسين- لتبيان نقاط القوة والضعف في حياة السادات الشخصية والعسكرية والسياسية عبر عناوين لفصول الكتاب ذات حبكة درامية منذ ميلاد السادات وحتى مصرعه المروع على أيدي الجماعات المتطرفة دينياً في استعراض الجيش المصري بذكرى نصر أكتوبر العظيم. عناوين مثل- القروي/ الطريق إلى النكسة/ الخلافات بين ناصر والسادات/ السادات.. الرئيس المفاجئ/ انفجار أكتوبر/ كيسنجر يدخل المشهد/ بطل في القدس ووغد في دمشق/ مواريث مختلطة/ كامب ديفيد.. الغضب والدموع/ آمال غير مكتملة.. الطريق إلى المأساة،- وغيرها من الفصول الأربعة والعشرين التي ضمها المؤلَف. وإذ عنون الكاتب فصول مؤلفه بمنهج الإثارة، فقد انطلق من قناعاته بشأن غمار التحديات التي قابلت السادات والتي تبدت في إحصاءه لها في متون فصول مؤلفه. لتجئ اختياراته للعناوين محض موصفة مباشرة ومجردة الوضوح والدلالة. فهو مثلاً لا يشكك في كون الرئيس السادات جاء إلى عرش مصر من قبيل المصادفة وليس تنسمه الرئاسة المصرية من معنى ثمرة تخطيط طويل عبر السنين والأيام منذ نجاح التدبير العسكري لليلة 23 يوليو 1952م، تاريخ حركة الضباط الأحرار الانقلابية الثورية على الملك، أو ما قبلها من خلال تاريخ السادات الطويل الحافل مع المنظمات السرية في الجيش وخارجه المناهضة للاحتلال الانجليزي واليائسة من الحياة الحزبية الداخلية. التاريخ الذي بدأ في صيف 1941م عندما قام السادات بمحاولته الأولى للثورة في مصر، وكانت بأن تقوم القوات المصرية المنسحبة من منطقة مرسى مطروح أقصى الساحل الشمالي المصري في اتجاه الغرب، بأمر قيادة الاحتلال البريطاني مخافة انضمامها لقوات فيلق الصحراء بقيادة القائد الألماني ألفريد روميل إبان معارك الصحراء في الحرب العالمية الثانية، بالتجمع بفندق مينا هاوس بالقرب من الأهرامات في الأطراف الغربية للعاصمة المصرية ومن ثم الزحف نحو القاهرة لمهاجمة وإسقاط قصر الدوبارة مقر المندوب السامي البريطاني. وإلى حادثة طرد السادات من الجيش وسجنه في سجن الأجانب في السنوات 1942- 1945م لتورطه في قضية الجواسيس الألمان، والإفراج عنه بعد أن ألغيت الأحكام العرفية وتشرده لسنوات ثلاث أخرى. إلى أن تورط في مقتل الوزير أمين باشا عثمان وحصوله على البراءة والإفراج لعدم كفاية الأدلة الجنائية بعد نظر الواقعة قضاء. الكاتب أختزل في هذه الملاحظة الجوهرية السابقة في أحد أهم فصول مؤلفه وقد اختار له عنوان (الرئيس المفاجئ)، كل تلك التحديات الجسام على مدى تلك الفترة الطويلة التي استغرقها تحدي الشخصية (السادات) منذ تخلق الثورة في داخله (1941م) وحتى الغياب الأبدي بفعلٍ ثائرٍ في (1981م)، فأتت العبارة المركبة ذات الوصف الواصم (الرئيس المفاجئ) كعنوان للفصل المعني قبل خوضه في متن ما قصد، بما بعد به عن المنطق المعقول، ولو قليلاً. لكن المؤلف وفي مجمله يكتسب مصداقية كبرى كانت دعاماتها، تنوع وحيوية مراجع الكتاب، الذي يقع في (376 صفحة من القطع المتوسط حوت فصول الكتاب تسبقها مقدمة وتليها خاتمة). فبالإضافة إلى زيارات الكاتب المتعددة إلى مصر- يشير في أحد الفصول تفصيلاً إلى أحداها وهي الأولى التي التقى فيها بالسادات وجهاً لوجه واستغرقت ساعتان ونصف- شملت أيضاً لقاءات مطولة مع المستشار السياسي برئاسة الجمهورية وعضو الوفد المصري المفاوض بمفاوضات كامب ديفيد، الدكتور أسامة الباز، وأرملة الرئيس الراحل السيدة جيهان السادات. يستند المؤلف في مراجعه المستخدمة في كتابه، إلى لقاءات مباشرة مع مارتن فولار، من قسم البحوث بالمكتب البريطاني للشئون الخارجية والكومنولث، والكسندر جوليستين المستشار الأول للسفارة الروسية بلندن. وفوق ذلك يفتخر المؤلف باستزادته من كتابات الذين كتبوا عن أنور السادات، وفي مقدمهم البروفيسور رافاييل إسرائيلي في بحثه بعنوان (رجل التحدي.. السيرة الذاتية السياسية لأنور السادات)، وأيضاً الأستاذ محمد حسنين هيكل، في كتبه ومؤلفاته المتتابعة عن الحقبتين الناصرية والساداتية. وهذا علاوة على مؤلفات أخرى ذات صلة يذكر منها المؤلف- على سبيل المثال لا الحصر- كتاب الرئيس الأميركي السابق، جيمي كارتر، بعنوان (مذكرات تجديد الثقة)، وكتاب وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشي ديان (قصة حياتي). جوزيف فينكليستون يصّدر حديثه عن الرئيس أنور السادات بملاحظة شخصية ذات أهمية أساسية في عنوانه للكتاب (وهم التحدي) وذلك عند لقاءه بأرملته السيدة جيهان بعد مصرع السادات، ويقول بأنها كانت ترتدي فستاناً على الموضة من النوع الذي كان يعرضها لسخرية بعض المصريين على أساس أنها واردات أوروبية باهظة الثمن. ومع الظروف الاقتصادية الصعبة والحملات التحريضية من أحزاب المعارضة على السادات ونهجه السياسي، بل وأسلوب حياته وأسرته الفاخر، مضت ملاحظة جوزيف فينكليستون أن أناقة جيهان، كانت إحدى تحديات (الوهم) الذي صاحب مسير وحياة الرئيس السادات. ذلك من تقريره على أنه وفي الحقيقة، فقد كانت جيهان، أقل غروراً من زوجها الذي لطالما كان يعاتبها على ملابسها المفصلّة على أيدي الترزيين المحليين وليس من المحلات والماركات العالمية. وهكذا فإنه أنور السادات القروي الذي آمن منذ صغره بأن له موعداً مع المجد- ويلاحظ هنا- أنه وفي سبيل الحصول على المجد لم يتوان السادات من تحدي العالم كله، وليس المصريين فقط في الجزئية الفرعية، أي مظهر الأناقة الفاخرة وحظوة اللبس من واردات المحلات والماركات العالمية. فالمؤلف يشير إلى الحادثة التي جاءت أيضاً في كتابات الأستاذ هيكل من بعد مصرع الرئيس السادات، أن السادات وقد كان صغيراً غريراً وقتها في قريته، وهو يلعب مع أقرانه من الصبية بجلابيب متسخة ويسبحون عند الترعة، حدث أن كاد أن يغرق، وبعد أن نجا خاطبهم وهم جزعين قائلاً "إن مصر كانت ستفقد زعيماً عظيماً". المؤلِف في محاولاته المتتالية لتفسير العنوان الذي بدا متحاملاً، (وهم التحدي)، يقفز إلى الإشارة إلى أنه وبعيداً عن أوهام التحدي وخيالات السلطة والشهرة، فإن ما واجهه السادات الثائر والملازم الأمين للزعيم الكبير جمال عبد الناصر، عبر المناصب المختلفة، ثائراً ليلة الثورة وعضواً لمجلس قيادتها ووزيراً للدولة ورئيساً لمجلس الأمة (البرلمان) ونائباً لرئيس الجمهورية ثم السادات الرئيس، كان حائطاً سميكاً من مشكلاتٍ ضخمةٍ، وسورٌ مرتفعٌ من التحديات الكبرى، يفوق اجتيازه، قدرات البشر العادية. ليحصي تالياً بعض ملامح تلك التحديات في النقص الحاد في الموارد الطبيعية، محدودية الأراضي الزراعية، زيادة رهيبة في معدل السكان بلغت مليون نسمة سنوياً في ذلك العقد، أواخر عهد عبد الناصر وإلى لحظة تنسمه السلطة خلفاً له. هذه المشكلات كان أيضاً من أولها خوض الحرب ضد إسرائيل والغرب وأمريكا، لاستعادة سيناء والأراضي المحتلة، مع وجود أعداء متربصين بالداخل على طول المسافة، من أطماع مراكز القوى من ورثة عبد الناصر (جماعة علي صبري وسامي شرف وشعراوي جمعة) إلى مناهضي السلام من قاصري النظر والرؤى الإستراتيجية (اليسار المصري في عمومه). وخارجياً سهل على المؤلِف أن يعدد، جبهة الرفض (سوريا والجزائر وليبيا والعراق واليمن الجنوبي)، إيران الخميني، المنظمات الفلسطينية المسلحة في لبنان. ثم التحدي الذي لا يقل أهمية عما سبق وهو، تصورات السادات نفسه الخاصة لمصر الجديدة ما بعد الحروب العربية- الإسرائيلية، كدولة فرعونية الهوية إسلامية المرجع، منفتحة اقتصادياً على العالم في محيط إما رجعي تخاذلي كحال إمارات الخليج أو هوجاء متهورة مدعية الثورية، كسورية الأسد وليبيا القذافي.. مقدمة الكتاب ص (8). المؤلف يدعي في مقدمة كتابه أنه في الوقت الذي كان الجميع يعتقد أن أنور السادات رجل حرب كان يراه (أي جوزيف) رجل سلام. وأنه هو الرجل الذي سيتحقق على يديه السلام بين العرب والإسرائيليين. فكتب إليه رسالة عام 1970م شارحاً فيها اعتقاده ذاك، فما كان من رئيس مصر سوى أن رد على رسالته مبدياً اهتماماً في تعبيره عن أمانيه في أن يلتقيه ويتحدث إليه ليشرح له أفكاره عن السلام والعلاقة الجديدة بين العرب واليهود من ناحية، وبين مصر والإسرائيليين بشكل خاص. ولذا كان هذا الكتاب (السادات.. وهم التحدي) نتاجاً مباشراً لتلك العلاقة التي تمهدت بعد المحادثات العسكرية بين الجيشين المصري والإسرائيلي تحت رعاية الأمم المتحدة في صحراء السويس عند الكيلو (101) طريق القاهرة- السويس الصحراوي، التي تلت الحرب الرابعة، حرب العبور 1973م، وتبلورت في زيارة القدس المفاجئة والمدهشة للعالم في 1977م، وانتهت إلى توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في واشنطن في 1979م. على أن ما لاحظه المؤلف في تقديمه أن السيدة جيهان في حوارها معه، مقتنعة مائة بالمائة أن زوجها القائد المصري لم يقتل بسبب رفضه قيام دولة إسلامية في مصر نزولاً عند رغبة التيارات الدينية المتشددة، بل إن السادات قتل لأنه صنع السلام مع إسرائيل. ويورد أنه عندما سألها إن كانت منظمات الفلسطينيين الرافضة لسلام كامب ديفيد أو معمر القذافي وراء تحريض المتشددين لاغتيال السادات عبر عملاءه في مصر أو توجه المتشددون إلى القائد الليبي بحثاً عن الدعم للقضاء عليه على إعتبار علاقة الكراهية بين الطرفين، بخاصة وأن تقارير الموساد الإسرائيلي التي أطلع عليها السادات في أيامه الأخيرة وضمنها إشارات مؤكدة أن هجوماً مرتقب يتهدد حياته يقف من خلفه القذافي شخصياً، أجابته بأنها لا تمسك بيدها دليلاً محددا حول مسئولية القذافي عن مقتل زوجها، لكنه الأمن الضعيف الذي أحاط بالعرض العسكري أثناء الاحتفال بذكرى نصر السادس من أكتوبر 1981م، كان هو السبب إجمالاً وراء مصرعه الدامي. ومع ذلك فإن الرئيس السادات كان مسئولاً بقدر ما عن تراخي الأمن، فقد أزعج وزراءه وموظفيه الرسميين ورؤساء أجهزة الأمن،
بل وجيهان ذاتها، بإحجامه المتكرر عن اتخاذ الاحتياطات المضادة لمحاولة اغتياله، تحت تأكيده أو إيمانه أن موعد مقتله أو ساعة قبض روحه، سيأتي دون أن تعطله أية احتياطات أمنية.. "لقد توسلت إليه أن يكون أكثر اعتناءً بأمنه بعد التقارير التي أكدت استهدافه وبعد مشاهدته هو شخصياً لشريط فيديو جاء به وزير الداخلية يصور شخصاً يتحدث عن اغتيال الرئيس، لكنه رفض أن يتخذ إجراءات الاحتياط الواجبة وواصل ركوب السيارة المكشوفة لمقابلة الجماهير مصراً على أن الإرهابيين المفترضين لن يحجبوه عن مواطنيه المصريين".. تقول السيدة جيهان للمؤلف- ص (10)- الذي حاصرها فيما بدا مسهباً في الاقتراب من معنىً يبرر الرحيل الدرامي للرئيس المصري والقائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية عن الدنيا برصاص جنود من الجيش المصري نفسه، محاولاً هاهنا إثبات أن المصرع الدرامي للسادات كان نتيجة حتمية لخيالات التحدي التي صّورت له منذ سني يفاعته أنه زعيماً عظيماً تنتظره مصر. المؤلف جوزيف قدم لإثبات دعواه بدفاعه عن شخصية السادات النفسية المركبة أو الحادة والرقيقة في آن معاً. ولذا اجتهد عند إعادة نقله للأحداث وتفسيرها من منطلق التبرير لهذه الشخصية المركبة التي كانت ترى بأبعد مما يرى الجميع فيما يبدو. فهي شخصية القروي الماكر الذي أجاد القضاء على خصومه العديدين داخلياً في الوقت والمكان المناسبين، وشخصية السياسي الداهية الصبور الذي استطاع خداع معسكري الشرق والغرب أمريكا والاتحاد السوفييتي وقبلهما إسرائيل بشأن موعد حرب أكتوبر. ولكنها أيضاً، شخصية العنيد المتهور، الذي مضى مغمض العينين ليضع 99% من أوراق اللعبة السياسية في المنطقة بيد الولايات المتحدة وهروعه بإسراع للاتفاق مع إسرائيل بأي ثمن، ولو كان ذلك الثمن إرضاء ذاته الشخصية وأنآه المعبّر عنها من شواهد عدة متنوعة على مدى العقود والمراحل التي عاشها السادات تؤكد أن له موعدا مع مجد التحدي. المؤلِف الذي بدا مبهوراً كثير الإعجاب غير محايد في هوى الانحياز لشخصية السادات الشجاع الذي هبط القدس بقدمين ثابتتين وسابق تدبير وحنكة احتارت فيهما أكبر معاهد الإستراتيجية في واشنطون وتل أبيب، وكأنه أراد أن يقرر لقارئه بأن ذروة تحدي السادات، كان في ذهابه المفاجئ إلى القدس وإبرامه اتفاقية منفردة للسلام مع إسرائيل في آخر المطاف. وهذا يعني، بالقرينة مع قناعة شريكة حياة السادات السيدة جيهان أن الدافع الأصيل لاغتيال زوجها هو عقده معاهدة السلام مع إسرائيل واليهود بالتبعية. وكأن الصحفي الإسرائيلي جوزيف يقول لقرائه من العرب:- "ها هو الرئيس السادات أعظم محارب مصري هزم إسرائيل وتدفقت أموال العرب في الخليج مجازاة لنصره، قتل بالرصاص بوحشية من مواطنيه لمجرد أنه أبرم معاهدة للسلام مع الدولة اليهودية". ورغم أن روايته لسيرة الرئيس السادات لم تخرج عن هذا الإطار، إذ أجاد في خاتمة كل فصل وبداية الذي يليه أو في بداية الفصل وخاتمة الذي يتبعه، أن يسوق قارئه لهذه القناعة المهمة من وجهة نظره، كيف اتجه رئيس أكبر دولة عربية للسلام مع إسرائيل؟، وهل فاق جميع عصره من مواطنيه والآخرين؟؟. وربما من يقرأ الكتاب ينساق وراء هذه القناعة أيضاً، ولعل للمؤلف الحق فيما عمد إليه، فجوزيف فينكليستون يعتمر عمامة دينية، بل ويتلبس هالة من التحدي الشخصي له هو كصحفي يهودي يعمل من بريطانيا، حين يشير بافتخار إلى أن ذهابه للقاء بالرئيس السادات في مصر، كان يستدعي الحصول أولاً على مباركة كبير الحاخامات اليهود في لندن، شلومو جورين، بعد أن تلقى دعوة غير متوقعة في وقت ما من العام 1976م حين كان يقضي عطلته السنوية في أحد المصايف برومانيا بالقرب من العاصمة بوخارست، وقت أبلغ أن السفارة المصرية بلندن اتصلت تليفونياً بصحيفة (الخبر) اليهودية التي يعمل بها جوزيف، وتركت رسالة مفاجئة مفادها أن الرئيس السادات سوف يزور فيينا للقاء مستشار النمسا، سان سيلور كرايسكي. ورغم أن جدوله كان محكماً، إلا أن الرئيس السادات قد أبدى ترحيبه بمقابلة الصحفي جوزيف فينكليستون، على أن يحضر بوجه السرعة إلى فيينا. وبعد حصوله على مباركة كبير الحاخامات إلا أن الصحيفة ارتأت، لأسباب قومية إسرائيلية مدعى بها، عدم السماح لصحفيها، بأن يلتقي بزعيم أقوى دولة عربية لإجراء مقابلة صحفية معه. ذلك بعدما انطلق قطار المحادثات السرية- التي ستنتهي لاحقاً بين مصر وإسرائيل إلى توقيع معاهدة السلام بينهما في أواخر السبعينات- في الرباط برعاية ملك المغرب الحسن الثاني قبل أشهر قلائل من ذهاب السادات إلى القدس. وذلك حتى لا تقول الصحف المنافسة أن صحيفة (الخبر) جرت وراء العرب لإجراء مقابلة مع زعيم مصر العربية على الرغم من أن هذه المقابلة لو قدر لها أن تتم في ذلك الوقت ستمنح (الخبر) سعة انتشار عالمية وكذا الأهم، أنها ستكشف لإسرائيل ما يخططه قائد العالم العربي. إلا أن المقابلة لم تتم في آخر المطاف كما روى. ولكن بعدها بعام، أي في سنة 1977م، كان الموقف قد تحول بصورة كلية بقيام الرئيس السادات في 17 نوفمبر بزيارته، التي أثارت ضجة في العالم، للقدس وإلقائه خطاباً أمام الكنيست الإسرائيلي، وقد عرض السلام على إسرائيل في مقابل انسحابها من الأراضي التي احتلت في حرب الأيام الستة في 1967م، كما أصر على أنه لم يأت لعقد معاهدة منفردة مع إسرائيل وأن عرب فلسطين يجب أن يحصلوا على أراضيهم وحقوقهم كاملة. فأخيراً وردت المكالمة الهاتفية إلى المؤلف الصحفي فينكليستون بعد بدء تمهيد الطريق إلى تحقيق السلام الشامل مع إسرائيل. وفي هذا الإطار يتساءل مشككاً، إن كان يصلح هو لإجراء مقابلة غير عادية وعده بها السادات في رسالة خطية في 1970م وتجدد الوعد بها قبل موعد إجراءاها بعام وها هي تلوح في الأفق. لم تمانع الصحيفة هذه المرة من إيفاده إلى مصر، ومنح جوزيف ثلاثة أيام لإجراء المقابلة، ضاع منها يومان في القاهرة في انتظار مقابلة الرئيس السادات الذي هو مشغولٌ دائماً وبرنامجه مزدحم وفقاً لسكرتارية رئاسة الجمهورية. ولكن وفي الآخر حدد إليه الذهاب إلى الإسكندرية حيث يقضي الرئيس عطلته في إحدى الاستراحات الرئاسية. يقول جوزيف أن مرافق لسائق السيارة السوداء الكبيرة التي يرفرف عليها العلم المصري سأله بثقة وهدوء مبديين باللغة الانكليزية: هل أنت جوزيف؟، فأجابه: نعم، ففتح له باب سيارة الرئاسة قائلاً: حسناً جئت لأأخذك إلى الرئيس. وهنا يعود المؤلف ليمسك بالخيط الرفيع لإثبات العلاقة السببية بين وهم تحدي الجميع- خارجياً معسكر الرفض العربي وإيران الثورة الإسلامية، وداخلياً الجماعات الجهادية الصاعدة، الأزمة الاقتصادية واعتقالات خريف عام 1981م في 4 سبتمبر منه عندما بدا السادات ضد الجميع حين قامت حكومته التي يرأسها بحملة اعتقالات واسعة شملت المنظمات الإسلامية ومسئولي الكنيسة القبطية والكتاب والصحفيين ومفكرين يساريين وليبراليين فوصل يومها عدد المعتقلين في السجون المصرية إلى 1536 معتقلاً على إثر حدوث بوادر فتن واضطرابات شعبية رافضة للصلح مع إسرائيل ولسياسات الدولة الاقتصادية، وفقاً للقرارات بقوانين التي أصدرها لحماية (الجبهة الداخلية والسلم الاجتماعي) بموجب سلطاته الدستورية المكفولة بنص المادة 45 من الدستور المصري لسنة 1971م الشهيرة بمادة (حالة الضرورة)- وبين النتيجة المتمثلة في تراجيديا النهاية في مشهد الاغتيال على مسرح المنصة العسكرية بعدها بأقل من شهر. وهنا يقول المؤلف، داعماً فرضيته البحثية الأساسية تلك، بأنه خطرت بباله ملاحظة أن مندوب رئاسة الجمهورية المصرية في البوابة التي خارج مقر إقامة الرئيس، لم يسأله عن أوراق الهوية التي يحملها، حملته للتساؤل: ألا يمكن أن أكون محتالآ مرسلا بواسطة المتآمرين الذين سمعوا بأنه سيقابل الرئيس المصري في غرض صحفي. لم يجيب على التساؤل الذي طرحه، بيد سرعان ما استنتج أنه ذات الخلل الأمني والتقصير الاحترازي الذي كان الطريق المعبدة لاغتيال الرئيس السادات بعدها ببضعة أعوام. الصحفي المؤلف عاد ليعتمر عمامة الدين مرة أخرى حين يورد أنه سمع أحد موظفي الأمن على نقطة التفتيش بمدخل المدينة الساحلية (الإسكندرية) فرنسية العمارة إذ يتحدث إليه المرافق من طاقم الرئاسة بأن: يوسف (جوزيف) صحفي أجنبي يحمل أوراقاً وجهاز تسجيل (كاسيت) وعلى موعد مسبق مع الرئيس في استراحته. ويقول: لم أقوى على منع نفسي من الابتسام ساعتئذ وقد تذكرت التوراة حينما رحب الفرعون بنبي الله يوسف. لكن الصحفي لاحظ أن محاوِّره لم يبد فرعوناً متعالياً إذ كان في حلة منزلية من قماش الشامون زرقاء اللون، سعيداً وهو يقدم الشاي لضيفه بكل أريحية وتواضع في الإجابة على أسئلة المقابلة وقد شملت محاور متنوعة مثل علاقاته مع الأمريكان والروس والسعوديين وملك الأردن الحسين بن طلال وأصداء زيارته المدوية للقدس الشريف وردود أفعال معسكر الرفض العربي ودهشة الفلسطينيين من مبادرته وتصوراته للعملية السلمية في الشرق الأوسط ودور الوسيط الأمريكي.. الخ، حملته إلى القناعة أيضاً بأن السادات لم يود أن يستخدمه كرسالة يقول من خلالها إلى العالم واليهود والعوام في إسرائيل بخاصة أنه مخلص في رغبته في تحقيق السلام العادل والشامل بين العرب وإسرائيل. لأن هذا اللقاء الصحفي انتهى إلى إقناع محاوِّره أنه ليس سياسياً مراوغاً يريد أن يخدع صحفياً أجنبياً بسيطاً، وإنما رجل عملي ذو أهداف نبيلة، دفعته أقداره منذ سني طفولته في القرية إلى دهاليز السياسة، المكيدة، السلطة والشهرة ثم والموت، إذ حملته أقداره وإيمانه بدور ما يلعبه لخوض غمار ذلك التحدي وأوهامه.
السادات.. وهم التحدي
تأليف: جوزيف فينكليستون
ترجمة: عادل عبد الصبور
الناشر: الدار العالمية للكتب والنشر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.