وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    عبد الله يونس.. الصورة الناطقة..!!    الأهلي الأبيض يبدع ويمتع ويكسب الهلال بثلاثية    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



موافقات متناقضة: بابكر فيصل وحيدر التوم والمعتزلة .. بقلم: محمد ميرغني عبد الحميد
نشر في سودانيل يوم 02 - 03 - 2012


بسم الله الرحمن الرحيم
أتابع باهتمام ما يكتبه قلم الأستاذ بابكر فيصل المكثر من تناول القضايا العامة برؤية محددة يتقاطع فيها غالبا مع التيارات الإسلامية سيما الإقصائية المتزمتة منها, وبرغم انطلاقه من وسطية الاتحاديين, إلا أنني أجده كثيرا ما يبعد النجعة تارة متطرفا يمينا وأخرى متطرفا يساراً ولا أدري إن كان التوسط يعني عند شباب الناشطين السياسيين الذين أعده واحدا منهم, لا أدري إن كان التوسط يعني عندهم تقليد النقيضين!! هذا في جزء وهذا في جزء آخر, وليس تبني موقفا وسطا في نفس هذه الجزئيات التي تشكل بجملتها ما يمكن وصفه بالتوسط والاعتدال في الاتجاه. هذا الشأن ليس حصرا على الأستاذ بابكر فيصل بل هو تيار كبير يدعي التفكير وإعلاء العقل والدعوة للديمقراطية والحرية العدالة وغيرها من القيم التي لا يخالف فيها من العقلاء أحد, ولكن يبقى شيطان التفاصيل الذي يفضح كل الدعاوي, كيف لا وهذا التيار الذي وصفت متفرق على اتجاهات سياسية عدة في بلادنا. أقول هذا ويدخل على الخط عامل آخر يزيد طين التعقيدات - عند الأستاذ بابكر فيصل – بلة, وهو تبنيه فكر المعتزلة باعتبارهم أهل العدل والتوحيد بزعمه!!!!
صفحة الرأي بصحيفة السوداني عدد الخميس 23 فبراير 2012م حفلت بمقال الأستاذ بابكر الذي يبدي فيه إعجابه بأفكار الدكتور حيدر التوم حتى قال عنه أنه ضل طريقه إلى هيئة علماء المسلمين! ولا أدري ماذا سيقول الدكتور ولكنه قطعا لم يضل الطريق إلى هذه الهيئة التي تحتكر علم المسلمين فيها كعادة الإسلاميين في احتكاراتهم التي يدمنونها.
أريد هنا أن أقف فقد على بعض النقاط التي أراها ضرورية من جملة توافقات أستاذ بابكر مع صاحبه, يقول: ويدعو الدكتور حيدر المسلمين للتعايش مع الآخر والانفتاح عليه, ويقول (( يجب أن نتطور فكريا وأن نستوعب ثقافة الآخرين وما سادت الدولة الإسلامية إلا عندما انفتح العقل على ثقافة الآخر)). وهذا هو الدرس الذي يجب أن نستلهمه من التاريخ حتى نستطيع مجاراة العصر وعلومه, حيث بلغت الحضارة الإسلامية أوج تألقها في القرن الرابع الهجري, عهد الخليفة الرشيد, ومن بعده الخليفة (المعتزلي) المأمون الذي دعم الحركة العلمية, وترجم الكتب في مختلف العلوم والفنون ... انتهى.
وما أعجب له حقاً هو الجهود الكبيرة التي يبذلها مشكورا الأستاذ بابكر في محاربة التكفير والتبديع والتفسيق والتجهيل الصادر من الإسلاميين بتشكلاتهم المختلفة - طالت لحاهم وثيابهم أم قصرت - ومع ذلك يثني على رجل كالمأمون في معرض تناول النموذج الذي يدعو له الكاتب أو يستأنس به. وبداية فالرشيد وابنه المأمون ليسا من أهل القرن الرابع الهجري وهو وهم من الأستاذ, والمأمون - المحتفى باعتزاله – ولي سنة 198ه ومات سنة 218ه وهو الذي كان يمتحن الناس بقهر السلطة حتى يقولوا بقوله!! يقول السيوطي في تاريخ الخلفاء: و في سنة اثنتي عشر أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافا إلى تفضيل علي على أبي بكر و عمر فاشمأزت النفوس منه و كاد البلد يفتتن و لم يلتئم له من ذلك ما أراد فكف عنه إلى سنة ثمان عشرة. ونلخص أنه في هذه السنة (218) كتب إلى نائبه في بغداد اسحق بن إبراهيم الخزاعي أن يمتحن أكابر الأمة ومنهم يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما ومن يصر منهم – بزعمه - على شركه وكفره وجهالته فليمنعه من الفتوي أو فليضرب عنقه وليبعث برأسه إليه!! ولنستقص فقط ألفاظ التكفير والوعيد وأشباهها في رسالة واحدة فقط: فأما ما قال بشر فقد كذب لم يكن جرى بين أمير المؤمنين و بينه عهد أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص و القول بأن القرآن مخلوق فادع به إليك فإن تاب فأشهر أمره و إن أصر على شركة و دفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره و إلحاده فاضرب عنقه و ابعث إلينا برأسه وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه فإن أجاب و إلا فاضرب عنقه و أما علي بن أبي مقاتل فقل له : ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل و تحرم ؟ و أما الذيال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي يسرقه من الأنبار ما يشغله و أما أحمد بن يزيد أبو العوام و قوله [ إنه لا يحسن الجواب في القرآن ] فأعمله أنه صبي في عقله لا في سنه جاهل يحسن الجواب إذا أدب ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك و أما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته و استدل على جهله و أفنه بها و أما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر و ما اكتسب من الأموال في أقل من سنة يعني في ولاية القضاء و أما الزيادي فأعلمه أنه كان منتحلا ولاء أول دعي فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد ابن أبيه و إنما قيل له [ الزيادي ] لأمر من الأمور قال : و أما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة مدجره و أما ابن نوح و المعروف بأبي معمر و ابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد و إن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم و ما نزل به كتاب الله في أمثالهم لا ستحل ذلك فكيف بهم و قد جمعوا مع الإرباء شركا و صاروا للنصارى شبها ؟ و أما ابن شجاع فأعلمه أنك صاحبه بالأمس و المستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحله من مال علي بن هشام و أما سعدويه الواسطي فقل له : قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث و الحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة ! و أما المعروف بسجادة و إنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس العلماء القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله بإعداد النوى و حكه لإصلاح سجادته و بالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى و غيره ما أذهله عن التوحيد و أما القواريري ففيما تكشف من أحواله و قبوله الرشا و المصانعات ما أبان عن مذهبه و سوء طريقته و سخافة عقله و دينه و أما يحيى العمري فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف و أما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه و إنه بعد صبي محتاج إلى أن يعلم و قد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فجمجم عنها و تلجلج فيها حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميما فأنصصه عن إقراره فإن كان مقيما عليه فأشهر ذلك و أظهره و من لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر و ابن المهدي فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم فإن لم يرجعوا فاحملهم على السيف. انتهى. هذا أخي العزيز في رسالة واحدة وهي قاصمة لكل مدح تراه في هذا الرجل وقاصمة لكل دعوى تدعيها الآن في محاربة التطرف الفكري وثمراته ولا إكراه أبشع من هذا الذي مارسه الخليفة المأمون لذلك لا يصح إطلاقا الدعوة للحرية وإعمال العقل والديمقراطية ونظائرها وتقديم المأمون كمثال نير للفكر الذي تتبناه.
وقد أخرج من العجب إن قلت أن التوافق بين د. حيدر والأستاذ بابكر متوهم لدى الأخير, فمثلا الدكتور يتحدث عن الإجتهاد في النص والأستاذ يتحدث عن الاجتهاد خلافا للنص !! ومفهوم الدولة المدنية عند كلاهما مختلف أشد الاختلاف! وقد أخرج من العجب أيضا إذا قلت أن التوافق إنما كان لأنهما ينظران لموضوع واحد ( الحكم في الإسلام ) وبمنظار واحد مشوش لا يرى الأشياء كما هي !! فطبيعي أن تكون الصورة واحدة, والغريب أنهما يفكران وفقا لمناهج سبق وأن قدمت وباسم الدين نماذج حكم يصعب إحصاء فظائعها, وشواهدنا هي تجربة المأمون قديما والوهابية وطالبان وإسلاميي السودان حديثا, ومع هذا يتحدثان عن تجربة لم يفحصاها جيدا ليقدما نقداً منهجياً تفصيلياً, وأعني تجربة الخلافة الراشدة وهي فقط الفترة التي يصح محاكمة مسألة الحكم في الإسلام بها, ذلك لأنها الوحيدة التي طبقت منهج الإسلام في الحكم. ولم يكن للقادة حينها أي مرجعية تحكم تصرفاتهم السياسية إلا دينهم وهم جميعا في ذلك يدعون التأسي بصاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومن خلفه حتى انتهت هذه الفترة المباركة إلى الملك العضوض ببداية دولة بني أمية. و إني لأعجب للأستاذ بابكر فيصل وهو يقول: ( نقول إنه لا يوجد شيء محدد اسمه " الحكم الإسلامي " لا من حيث أساليب اختيار الحاكم ولا من حيث شكل الحكم نفسه, فالقرآن لم يضع قاعدة لكيفية اختيار الحاكم, والرسول لم يعرض لهذه القضية من قريب أو بعيد وإلا لما وقع الخلاف حولها ولمّا يوار جثمانه الطاهر الثرى بعد. الشورى - من الناحية الإجرائية - لم تكن في يوم من الأيام وسيلة لاختيار الحاكم باسلوب محدد ومفصل ومتفق حوله. ومن ناحية النتائج كان هناك على الدوام اختلاف في أمرها – هل هي ملزمة للحاكم أم غير ملزمة. ) انتهى.
فأولاً الخلاف ليس في الاسم وجد أو لم يوجد فالخلاف في الحكم في الإسلام, ولما أنشأ المسلمون الأول بقيادة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم دولة لها رئيسها وجيشها وبيت مالها وسفراءها, دولة حاربت وسالمت وفقدت القادة في المركز والولايات وتمت خلافتهم وهي دولة تشمل – للعجب - الدولة العربية مجتمعة اليوم!! وكل هذا في زمان لم يكن في الكرة الأرضية غير منطق القوة, حتى أن قادة الدولة العظمى يتمتعون بعبادة رعاياهم لهم!! فهذا هو مثار الحوار لا الاسم, فهل يصح قول الأستاذ بعد هذا؟؟ هذا هو الحكم الإسلامي فقدموا نقدكم له, فليس يضر الحقائق عدم معرفة الناس لها أو إنكارها بعد المعرفة. وثانيا القرآن وضع قاعدة الشورى وتفاصيلها هي التطبيق العملي منذ حياة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده وفي هذا تفاصيل شكل الحكم وطرق اختيار الحاكم ولم يتبق للخصم إلا أن يقول أن الإسلام لم يذكر أسماء الحكام حتى قيام الساعة لذلك هو لا يقدم شيئا في هذا المضمار. وثالثا محاولة الاستدلال بما دار في سقيفة بني ساعدة قبل دفن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لاثبات عدمية الحكم في الإسلام محاولة بائسة, وذلك لأننا إذا نظرنا لشكل الحوار الدائر حينها وغاية كل فريق ووسائله لتحقيق غايته ومآل القضية, نجد أن هذا أول تطبيق للشورى في مسألة اختيار الحاكم تحديداً, فالأنصار كانوا يريدون سيدهم سعداً والمهاجرون كانوا يريدون الصديق عليهم جميعا الرضوان وتم تبادل حجج حول من الأولى بالأمر وهذه الحجج مصدرا الدين ليس إلا. ورابعاً شكل الحكم دوما يحدده الدين فكل القرارات السياسية للحاكم لا بد له من مستند شرعي لها وانظر للصديق كيف حارب المرتدين مستندا على النص مخالفا حتى الفاروق عليهما الرضوان وانظر إليه كيف فعل في بعث أسامة بن زيد وبالجملة فانظر إلى هؤلاء الخلفاء فقد ناظرهم المخالفون في شتى الضروب فما كانوا يصدرون إلا عن نص أو قرار بعد شورى وهذا هو الشأن الذي عليه الاستدلال حتى منذ حياة صاحب الرسالة المؤيد بالوحي فقد كان يعمل بحاصل الشورى متى ما لم يرد نص ومسألتي منزل الجيش في بدر وخروج المسلمين من المدينة لملاقاة الكفار عند جبل أحد شاهدتين على ذلك, فعلى هذا فالشورى ملزمة, أما إذا وجد النص أو حصل العزم بعد المشورة فلم يتبق إلا التنفيذ وامتنع الرجوع تقديسا للنص ولمخرجات الشورى وتبيانا لإلزاميتها بأوضح الصور, فعند تراجع الصحابة عما أشاروا به من الخروج من المدينة إلى أحد تأدباً, قيل لهم قد وقع العزم فلا بد من الخروج. وخامساً القول بأن الشورى لم تكن وسيلة لاختيار الحاكم باسلوب محدد ومفصل ومتفق حوله, لا يعتبر إلا نقدا للأساليب المتعددة في اختيار الحاكم, وكأني بالمعترض يريد أسلوبا واحدا بأدقّ تفاصيله بشرط ألا يخالف فيه أي أحد من البشر, حتى يسلِّم بأن الشورى وسيلة لاختيار الحاكم!!
يتحدث أستاذ بابكر عن المعلوم من الدين بالضرورة بتوجس كبير رافضا له ومترددا بين كونه مصطلحا أو قاعدة!! وكم عجبت مجددا من تطابق رده مع ردود خصومه السلفيين في محاججاتهم الهزيلة مع خصومهم من أهل السنة, فكل ما يعجزن عن رده يقولون عنه أنه لم يكن موجودا في زمن الرسول ولا في عهد الخلفاء الراشدين!! ومنشأ التوجس عندي حرص الأستاذ على سد ذرائع التكفير, حتى حسب أن مسألة إنكارالمعلوم بالضرورة هذه قد نجرت خصيصا لإرهاب من يحاول إعمال عقله!! والحق أن الأمر ليس كذلك فالمعلوم ضرورة هو الأمر الثابت الذي لا يقبل الجدال كقولنا أن الله واحد لا شريك له وأن سيدنا محمداً رسول الله وخاتم النبيين والصلوات المفروضة خمس في اليوم والليلة وهكذا. أما مسألة الاجتهاد مع النص فهي مما يتوافق فيها المتطرفون يمنة ويسرة مخالفة للوسط الذي يتمسك بقدسية النصوص الشرعية كونها الوعاء الحاوي للرسالة, وإلا فليكن دين الناس هواهم. أما ما يقدمه المنادون بالاجتهاد خلافا للنص بدعوى إعمال العقل فلا يصح دليلا يفي بالغرض وحسبنا من ذلك استدلال بابكر هنا بسهم المؤلفة قلوبهم, ومرة أخرى يعود للخطأ التاريخي بزعم أن هذه الحادثة قد حدثت في أو بعد ست سنوات من رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهذا إن دل إنما يدل على بناء الأفكار – وإن كانت خطيرة - على معلومات غير محققة جيداً وإلا فما مبرر تكرار الخطأ؟ أما إذا علمنا أن سيدنا الفاروق قد فعل هذا الأمر في بداية خلافة سيدنا الصديق مما يعني أن نسبتها للصديق أصح باعتباره الحاكم على تصرفات الفاروق وهو الممضي والناسخ لها بحكم سلطته, فهذا يؤكد جهالة الكاتب بالمسألة, ومع هذا يبني عليها حكما - لا كأي حكم - بل بتجاوز أي نص لا يتماشى مع العقل الذي يراد إعماله ليكون مشرّعا ابتدائياً!! وهذا العقل كيف لا يوافق على أن كل حكم ثبت بعلة معينة فإنه ينتفي بانتفاءها؟ ولا يعقل أن يستمر تأليف هؤلاء الذين تم منعهم أبداً فمتى ما قوي الإيمان ورسخ في القلب يكون قد خرج من المؤلفة فلا يستحق التأليف والحق أن المنع كان لأناس بعينهم فلا يصح القول بمنع سهم المؤلفة بل الصحيح القول بمنع هؤلاء المؤلفة, ولكن إمعانا في العجلة على حصول الغرض ( الاجتهاد خلافا للنص ) بلا تدقيق, تم القفز إلى النتيجة قبل تحصيل مقدماتها المنطقية. أما متعتي الحج والنساء فقد نهى عنهما رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والفاروق مستن بسنته لا مجتهد بخلافها, أما متعة النساء فقد جاء النهي عنها في السنة السابعة للهجرة في فتح خيبر أو عند فتح مكة على قول من قال أن ذلك كان مرتين وحتى ( المعتزلي ) المأمون قد رجع عن ذلك عندما روى له يحيى بن أكثم حديث سيدنا علي في ذلك!! أما متعة الحج فهو نهي تنزيه كما حكاه البيهقي في السنن بقوله افصلوا حجكم عن عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم. ويحمل هذا على علمه بالانتساخ ولهذا قال ابن سيرين هم الذين رووا الرخصة في المتعة وهم الذين نهوا عنها وليس في رأيهم ما يرغب عنه ولا في نصيحتهم ما يوجب التهمة, قاله السرخسي في أصوله. أما غنائم سواد العراق فلا تصلح إلا للاستدلال بالاجتهاد في فهم النص لا خلافا له, فعندما فتح الله على المسلمين ارض العراق وسوادها اختلف الفقهاء في الارض التي فتحت عنوة والذي انبنى على تحرير الكلام هل تقسم بين الغانمين اعتماداً على قوله تعالى في سورة الاتفال " وأعلموا ان ما غنمتم من شئ فإن لله خمسه" وان الارض المعنوة داخلة في آية الغنائم كون ما غنمتم من شيء وشئ نكره التي فتحت عنوة والذي انبنى على تحرير الكلام في سياق النفي فيعم كل ما يسمى شيئاً وبذلك تتعين قسمتها بين الغانمين. واعتمد الطرف الآخر على قوله تعالى في سورة الحشر "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم. الحشر 7 وقوله تعالى "والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" الحشر 10. وهؤلاء قالوا بأن الفيء شيء آخر غير الغنائم ولكل منهما حكمة الخاص وبذلك فالفيء حسب الآية (10) من الحشر هو لعامة من جاء بعد أهل الفتح فلا يقسم لهؤلاء ويترك من بعدهم. قاله د. محمد القاضي في دراسة متخصصة له. فالفاروق عليه الرضوان هنا لم يخالف بل استند على النص القرآني كما هو واضح صريح ليحاجج من خالفه من الصحابة في مسألة سواد العراق وقد وافقه عثمان وعلي في ذلك فكيف يؤتى بهذه المسألة للاستدلال بها على الجتهاد خلافا للنص؟ وهنا يجدر بنا الإشارة إلى سمة يتوافق فيها دوماً فريق اليسار واليمين وهو الاستدلال بما لا دليل فيه. فكم كفروا وبدعوا وجهلوا أقواما بهذا.
أخيرا ذكر الأستاذ في خاتمة مقاله: وبعد المامون تولي الحكم الخليفة المتوكل الذي تبنى الفكر النقيض لتيار الاعتزال. انتهى . وفي هذا خطأ تاريخي شنيع وتزيد بشاعته في حق الاستاذ باعتبار أنه قد حذف إمارة المعتصم والواثق ابني هارون وهما معتزليات أذاقا العباد أصناف التنكيل حيث حكما من سنة 218 حتى سنة 232 ه التي ولي فيها المتوكل!!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.