من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    وزارة البنى التحتية والنقل تُطلق خدمة إلكترونية لإصدار شهادة عدم الممانعة للمستوردين    والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



موافقات متناقضة: بابكر فيصل وحيدر التوم والمعتزلة .. بقلم: محمد ميرغني عبد الحميد
نشر في سودانيل يوم 02 - 03 - 2012


بسم الله الرحمن الرحيم
أتابع باهتمام ما يكتبه قلم الأستاذ بابكر فيصل المكثر من تناول القضايا العامة برؤية محددة يتقاطع فيها غالبا مع التيارات الإسلامية سيما الإقصائية المتزمتة منها, وبرغم انطلاقه من وسطية الاتحاديين, إلا أنني أجده كثيرا ما يبعد النجعة تارة متطرفا يمينا وأخرى متطرفا يساراً ولا أدري إن كان التوسط يعني عند شباب الناشطين السياسيين الذين أعده واحدا منهم, لا أدري إن كان التوسط يعني عندهم تقليد النقيضين!! هذا في جزء وهذا في جزء آخر, وليس تبني موقفا وسطا في نفس هذه الجزئيات التي تشكل بجملتها ما يمكن وصفه بالتوسط والاعتدال في الاتجاه. هذا الشأن ليس حصرا على الأستاذ بابكر فيصل بل هو تيار كبير يدعي التفكير وإعلاء العقل والدعوة للديمقراطية والحرية العدالة وغيرها من القيم التي لا يخالف فيها من العقلاء أحد, ولكن يبقى شيطان التفاصيل الذي يفضح كل الدعاوي, كيف لا وهذا التيار الذي وصفت متفرق على اتجاهات سياسية عدة في بلادنا. أقول هذا ويدخل على الخط عامل آخر يزيد طين التعقيدات - عند الأستاذ بابكر فيصل – بلة, وهو تبنيه فكر المعتزلة باعتبارهم أهل العدل والتوحيد بزعمه!!!!
صفحة الرأي بصحيفة السوداني عدد الخميس 23 فبراير 2012م حفلت بمقال الأستاذ بابكر الذي يبدي فيه إعجابه بأفكار الدكتور حيدر التوم حتى قال عنه أنه ضل طريقه إلى هيئة علماء المسلمين! ولا أدري ماذا سيقول الدكتور ولكنه قطعا لم يضل الطريق إلى هذه الهيئة التي تحتكر علم المسلمين فيها كعادة الإسلاميين في احتكاراتهم التي يدمنونها.
أريد هنا أن أقف فقد على بعض النقاط التي أراها ضرورية من جملة توافقات أستاذ بابكر مع صاحبه, يقول: ويدعو الدكتور حيدر المسلمين للتعايش مع الآخر والانفتاح عليه, ويقول (( يجب أن نتطور فكريا وأن نستوعب ثقافة الآخرين وما سادت الدولة الإسلامية إلا عندما انفتح العقل على ثقافة الآخر)). وهذا هو الدرس الذي يجب أن نستلهمه من التاريخ حتى نستطيع مجاراة العصر وعلومه, حيث بلغت الحضارة الإسلامية أوج تألقها في القرن الرابع الهجري, عهد الخليفة الرشيد, ومن بعده الخليفة (المعتزلي) المأمون الذي دعم الحركة العلمية, وترجم الكتب في مختلف العلوم والفنون ... انتهى.
وما أعجب له حقاً هو الجهود الكبيرة التي يبذلها مشكورا الأستاذ بابكر في محاربة التكفير والتبديع والتفسيق والتجهيل الصادر من الإسلاميين بتشكلاتهم المختلفة - طالت لحاهم وثيابهم أم قصرت - ومع ذلك يثني على رجل كالمأمون في معرض تناول النموذج الذي يدعو له الكاتب أو يستأنس به. وبداية فالرشيد وابنه المأمون ليسا من أهل القرن الرابع الهجري وهو وهم من الأستاذ, والمأمون - المحتفى باعتزاله – ولي سنة 198ه ومات سنة 218ه وهو الذي كان يمتحن الناس بقهر السلطة حتى يقولوا بقوله!! يقول السيوطي في تاريخ الخلفاء: و في سنة اثنتي عشر أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافا إلى تفضيل علي على أبي بكر و عمر فاشمأزت النفوس منه و كاد البلد يفتتن و لم يلتئم له من ذلك ما أراد فكف عنه إلى سنة ثمان عشرة. ونلخص أنه في هذه السنة (218) كتب إلى نائبه في بغداد اسحق بن إبراهيم الخزاعي أن يمتحن أكابر الأمة ومنهم يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما ومن يصر منهم – بزعمه - على شركه وكفره وجهالته فليمنعه من الفتوي أو فليضرب عنقه وليبعث برأسه إليه!! ولنستقص فقط ألفاظ التكفير والوعيد وأشباهها في رسالة واحدة فقط: فأما ما قال بشر فقد كذب لم يكن جرى بين أمير المؤمنين و بينه عهد أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص و القول بأن القرآن مخلوق فادع به إليك فإن تاب فأشهر أمره و إن أصر على شركة و دفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره و إلحاده فاضرب عنقه و ابعث إلينا برأسه وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه فإن أجاب و إلا فاضرب عنقه و أما علي بن أبي مقاتل فقل له : ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل و تحرم ؟ و أما الذيال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي يسرقه من الأنبار ما يشغله و أما أحمد بن يزيد أبو العوام و قوله [ إنه لا يحسن الجواب في القرآن ] فأعمله أنه صبي في عقله لا في سنه جاهل يحسن الجواب إذا أدب ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك و أما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته و استدل على جهله و أفنه بها و أما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر و ما اكتسب من الأموال في أقل من سنة يعني في ولاية القضاء و أما الزيادي فأعلمه أنه كان منتحلا ولاء أول دعي فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد ابن أبيه و إنما قيل له [ الزيادي ] لأمر من الأمور قال : و أما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة مدجره و أما ابن نوح و المعروف بأبي معمر و ابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد و إن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم و ما نزل به كتاب الله في أمثالهم لا ستحل ذلك فكيف بهم و قد جمعوا مع الإرباء شركا و صاروا للنصارى شبها ؟ و أما ابن شجاع فأعلمه أنك صاحبه بالأمس و المستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحله من مال علي بن هشام و أما سعدويه الواسطي فقل له : قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث و الحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة ! و أما المعروف بسجادة و إنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس العلماء القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله بإعداد النوى و حكه لإصلاح سجادته و بالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى و غيره ما أذهله عن التوحيد و أما القواريري ففيما تكشف من أحواله و قبوله الرشا و المصانعات ما أبان عن مذهبه و سوء طريقته و سخافة عقله و دينه و أما يحيى العمري فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف و أما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه و إنه بعد صبي محتاج إلى أن يعلم و قد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فجمجم عنها و تلجلج فيها حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميما فأنصصه عن إقراره فإن كان مقيما عليه فأشهر ذلك و أظهره و من لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر و ابن المهدي فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم فإن لم يرجعوا فاحملهم على السيف. انتهى. هذا أخي العزيز في رسالة واحدة وهي قاصمة لكل مدح تراه في هذا الرجل وقاصمة لكل دعوى تدعيها الآن في محاربة التطرف الفكري وثمراته ولا إكراه أبشع من هذا الذي مارسه الخليفة المأمون لذلك لا يصح إطلاقا الدعوة للحرية وإعمال العقل والديمقراطية ونظائرها وتقديم المأمون كمثال نير للفكر الذي تتبناه.
وقد أخرج من العجب إن قلت أن التوافق بين د. حيدر والأستاذ بابكر متوهم لدى الأخير, فمثلا الدكتور يتحدث عن الإجتهاد في النص والأستاذ يتحدث عن الاجتهاد خلافا للنص !! ومفهوم الدولة المدنية عند كلاهما مختلف أشد الاختلاف! وقد أخرج من العجب أيضا إذا قلت أن التوافق إنما كان لأنهما ينظران لموضوع واحد ( الحكم في الإسلام ) وبمنظار واحد مشوش لا يرى الأشياء كما هي !! فطبيعي أن تكون الصورة واحدة, والغريب أنهما يفكران وفقا لمناهج سبق وأن قدمت وباسم الدين نماذج حكم يصعب إحصاء فظائعها, وشواهدنا هي تجربة المأمون قديما والوهابية وطالبان وإسلاميي السودان حديثا, ومع هذا يتحدثان عن تجربة لم يفحصاها جيدا ليقدما نقداً منهجياً تفصيلياً, وأعني تجربة الخلافة الراشدة وهي فقط الفترة التي يصح محاكمة مسألة الحكم في الإسلام بها, ذلك لأنها الوحيدة التي طبقت منهج الإسلام في الحكم. ولم يكن للقادة حينها أي مرجعية تحكم تصرفاتهم السياسية إلا دينهم وهم جميعا في ذلك يدعون التأسي بصاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومن خلفه حتى انتهت هذه الفترة المباركة إلى الملك العضوض ببداية دولة بني أمية. و إني لأعجب للأستاذ بابكر فيصل وهو يقول: ( نقول إنه لا يوجد شيء محدد اسمه " الحكم الإسلامي " لا من حيث أساليب اختيار الحاكم ولا من حيث شكل الحكم نفسه, فالقرآن لم يضع قاعدة لكيفية اختيار الحاكم, والرسول لم يعرض لهذه القضية من قريب أو بعيد وإلا لما وقع الخلاف حولها ولمّا يوار جثمانه الطاهر الثرى بعد. الشورى - من الناحية الإجرائية - لم تكن في يوم من الأيام وسيلة لاختيار الحاكم باسلوب محدد ومفصل ومتفق حوله. ومن ناحية النتائج كان هناك على الدوام اختلاف في أمرها – هل هي ملزمة للحاكم أم غير ملزمة. ) انتهى.
فأولاً الخلاف ليس في الاسم وجد أو لم يوجد فالخلاف في الحكم في الإسلام, ولما أنشأ المسلمون الأول بقيادة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم دولة لها رئيسها وجيشها وبيت مالها وسفراءها, دولة حاربت وسالمت وفقدت القادة في المركز والولايات وتمت خلافتهم وهي دولة تشمل – للعجب - الدولة العربية مجتمعة اليوم!! وكل هذا في زمان لم يكن في الكرة الأرضية غير منطق القوة, حتى أن قادة الدولة العظمى يتمتعون بعبادة رعاياهم لهم!! فهذا هو مثار الحوار لا الاسم, فهل يصح قول الأستاذ بعد هذا؟؟ هذا هو الحكم الإسلامي فقدموا نقدكم له, فليس يضر الحقائق عدم معرفة الناس لها أو إنكارها بعد المعرفة. وثانيا القرآن وضع قاعدة الشورى وتفاصيلها هي التطبيق العملي منذ حياة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده وفي هذا تفاصيل شكل الحكم وطرق اختيار الحاكم ولم يتبق للخصم إلا أن يقول أن الإسلام لم يذكر أسماء الحكام حتى قيام الساعة لذلك هو لا يقدم شيئا في هذا المضمار. وثالثا محاولة الاستدلال بما دار في سقيفة بني ساعدة قبل دفن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لاثبات عدمية الحكم في الإسلام محاولة بائسة, وذلك لأننا إذا نظرنا لشكل الحوار الدائر حينها وغاية كل فريق ووسائله لتحقيق غايته ومآل القضية, نجد أن هذا أول تطبيق للشورى في مسألة اختيار الحاكم تحديداً, فالأنصار كانوا يريدون سيدهم سعداً والمهاجرون كانوا يريدون الصديق عليهم جميعا الرضوان وتم تبادل حجج حول من الأولى بالأمر وهذه الحجج مصدرا الدين ليس إلا. ورابعاً شكل الحكم دوما يحدده الدين فكل القرارات السياسية للحاكم لا بد له من مستند شرعي لها وانظر للصديق كيف حارب المرتدين مستندا على النص مخالفا حتى الفاروق عليهما الرضوان وانظر إليه كيف فعل في بعث أسامة بن زيد وبالجملة فانظر إلى هؤلاء الخلفاء فقد ناظرهم المخالفون في شتى الضروب فما كانوا يصدرون إلا عن نص أو قرار بعد شورى وهذا هو الشأن الذي عليه الاستدلال حتى منذ حياة صاحب الرسالة المؤيد بالوحي فقد كان يعمل بحاصل الشورى متى ما لم يرد نص ومسألتي منزل الجيش في بدر وخروج المسلمين من المدينة لملاقاة الكفار عند جبل أحد شاهدتين على ذلك, فعلى هذا فالشورى ملزمة, أما إذا وجد النص أو حصل العزم بعد المشورة فلم يتبق إلا التنفيذ وامتنع الرجوع تقديسا للنص ولمخرجات الشورى وتبيانا لإلزاميتها بأوضح الصور, فعند تراجع الصحابة عما أشاروا به من الخروج من المدينة إلى أحد تأدباً, قيل لهم قد وقع العزم فلا بد من الخروج. وخامساً القول بأن الشورى لم تكن وسيلة لاختيار الحاكم باسلوب محدد ومفصل ومتفق حوله, لا يعتبر إلا نقدا للأساليب المتعددة في اختيار الحاكم, وكأني بالمعترض يريد أسلوبا واحدا بأدقّ تفاصيله بشرط ألا يخالف فيه أي أحد من البشر, حتى يسلِّم بأن الشورى وسيلة لاختيار الحاكم!!
يتحدث أستاذ بابكر عن المعلوم من الدين بالضرورة بتوجس كبير رافضا له ومترددا بين كونه مصطلحا أو قاعدة!! وكم عجبت مجددا من تطابق رده مع ردود خصومه السلفيين في محاججاتهم الهزيلة مع خصومهم من أهل السنة, فكل ما يعجزن عن رده يقولون عنه أنه لم يكن موجودا في زمن الرسول ولا في عهد الخلفاء الراشدين!! ومنشأ التوجس عندي حرص الأستاذ على سد ذرائع التكفير, حتى حسب أن مسألة إنكارالمعلوم بالضرورة هذه قد نجرت خصيصا لإرهاب من يحاول إعمال عقله!! والحق أن الأمر ليس كذلك فالمعلوم ضرورة هو الأمر الثابت الذي لا يقبل الجدال كقولنا أن الله واحد لا شريك له وأن سيدنا محمداً رسول الله وخاتم النبيين والصلوات المفروضة خمس في اليوم والليلة وهكذا. أما مسألة الاجتهاد مع النص فهي مما يتوافق فيها المتطرفون يمنة ويسرة مخالفة للوسط الذي يتمسك بقدسية النصوص الشرعية كونها الوعاء الحاوي للرسالة, وإلا فليكن دين الناس هواهم. أما ما يقدمه المنادون بالاجتهاد خلافا للنص بدعوى إعمال العقل فلا يصح دليلا يفي بالغرض وحسبنا من ذلك استدلال بابكر هنا بسهم المؤلفة قلوبهم, ومرة أخرى يعود للخطأ التاريخي بزعم أن هذه الحادثة قد حدثت في أو بعد ست سنوات من رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهذا إن دل إنما يدل على بناء الأفكار – وإن كانت خطيرة - على معلومات غير محققة جيداً وإلا فما مبرر تكرار الخطأ؟ أما إذا علمنا أن سيدنا الفاروق قد فعل هذا الأمر في بداية خلافة سيدنا الصديق مما يعني أن نسبتها للصديق أصح باعتباره الحاكم على تصرفات الفاروق وهو الممضي والناسخ لها بحكم سلطته, فهذا يؤكد جهالة الكاتب بالمسألة, ومع هذا يبني عليها حكما - لا كأي حكم - بل بتجاوز أي نص لا يتماشى مع العقل الذي يراد إعماله ليكون مشرّعا ابتدائياً!! وهذا العقل كيف لا يوافق على أن كل حكم ثبت بعلة معينة فإنه ينتفي بانتفاءها؟ ولا يعقل أن يستمر تأليف هؤلاء الذين تم منعهم أبداً فمتى ما قوي الإيمان ورسخ في القلب يكون قد خرج من المؤلفة فلا يستحق التأليف والحق أن المنع كان لأناس بعينهم فلا يصح القول بمنع سهم المؤلفة بل الصحيح القول بمنع هؤلاء المؤلفة, ولكن إمعانا في العجلة على حصول الغرض ( الاجتهاد خلافا للنص ) بلا تدقيق, تم القفز إلى النتيجة قبل تحصيل مقدماتها المنطقية. أما متعتي الحج والنساء فقد نهى عنهما رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والفاروق مستن بسنته لا مجتهد بخلافها, أما متعة النساء فقد جاء النهي عنها في السنة السابعة للهجرة في فتح خيبر أو عند فتح مكة على قول من قال أن ذلك كان مرتين وحتى ( المعتزلي ) المأمون قد رجع عن ذلك عندما روى له يحيى بن أكثم حديث سيدنا علي في ذلك!! أما متعة الحج فهو نهي تنزيه كما حكاه البيهقي في السنن بقوله افصلوا حجكم عن عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم. ويحمل هذا على علمه بالانتساخ ولهذا قال ابن سيرين هم الذين رووا الرخصة في المتعة وهم الذين نهوا عنها وليس في رأيهم ما يرغب عنه ولا في نصيحتهم ما يوجب التهمة, قاله السرخسي في أصوله. أما غنائم سواد العراق فلا تصلح إلا للاستدلال بالاجتهاد في فهم النص لا خلافا له, فعندما فتح الله على المسلمين ارض العراق وسوادها اختلف الفقهاء في الارض التي فتحت عنوة والذي انبنى على تحرير الكلام هل تقسم بين الغانمين اعتماداً على قوله تعالى في سورة الاتفال " وأعلموا ان ما غنمتم من شئ فإن لله خمسه" وان الارض المعنوة داخلة في آية الغنائم كون ما غنمتم من شيء وشئ نكره التي فتحت عنوة والذي انبنى على تحرير الكلام في سياق النفي فيعم كل ما يسمى شيئاً وبذلك تتعين قسمتها بين الغانمين. واعتمد الطرف الآخر على قوله تعالى في سورة الحشر "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم. الحشر 7 وقوله تعالى "والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" الحشر 10. وهؤلاء قالوا بأن الفيء شيء آخر غير الغنائم ولكل منهما حكمة الخاص وبذلك فالفيء حسب الآية (10) من الحشر هو لعامة من جاء بعد أهل الفتح فلا يقسم لهؤلاء ويترك من بعدهم. قاله د. محمد القاضي في دراسة متخصصة له. فالفاروق عليه الرضوان هنا لم يخالف بل استند على النص القرآني كما هو واضح صريح ليحاجج من خالفه من الصحابة في مسألة سواد العراق وقد وافقه عثمان وعلي في ذلك فكيف يؤتى بهذه المسألة للاستدلال بها على الجتهاد خلافا للنص؟ وهنا يجدر بنا الإشارة إلى سمة يتوافق فيها دوماً فريق اليسار واليمين وهو الاستدلال بما لا دليل فيه. فكم كفروا وبدعوا وجهلوا أقواما بهذا.
أخيرا ذكر الأستاذ في خاتمة مقاله: وبعد المامون تولي الحكم الخليفة المتوكل الذي تبنى الفكر النقيض لتيار الاعتزال. انتهى . وفي هذا خطأ تاريخي شنيع وتزيد بشاعته في حق الاستاذ باعتبار أنه قد حذف إمارة المعتصم والواثق ابني هارون وهما معتزليات أذاقا العباد أصناف التنكيل حيث حكما من سنة 218 حتى سنة 232 ه التي ولي فيها المتوكل!!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.