هل فقدت الشخصية السودانية عذريتها ولم تعد بكرا ؟! .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    مع لجان المقاومة (2) "مليونية العدالة والتشريع" .. بقلم: محمد عتيق    تداعيات الصور المقلوبة على مستقبل السودان .. بقلم: حسن ابوزينب عمر    العَمْرَةْ، النَّفْضَةْ وتغيير المكنة أو قَلْبَهَا جاز .. بقلم: فيصل بسمة    تحرير الوقود من مافيا الوقود قبل الحديث عن تحرير أسعار الوقود .. بقلم: الهادي هباني    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    المريخ يتصدر بعد تعثر الهلال.. والأبيض والأمل يضمنان الكونفيدرالية    شخصيات في الذاكرة: البروفيسور أودو شتاينباخ .. بقلم: د. حامد فضل الله /برلين    عن القصائد المُنفرجة والمُنبهجة بمناسبة المولد النبوي الشريف .. بقلم: د. خالد محمد فرح    ضيق الايدولوجيا وسعة البدائل .. بقلم: د. هشام مكي حنفي    من كره لقاء الشارع كره الشارع بقاءه في منصبه!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    الهلال يتعثر أمام هلال الأبيض والمريخ يكتسح الأمل عطبرة ويلحق به على صدارة الدوري الممتاز    مؤشرات بداية عصر ظهور الإرادة الشعبية العربية .. بقلم: د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    ظلموك يا حمدوك ... وما عرفوا يقدروك! .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    التحالف باليمن: وصول 15 أسيرًا سعوديًا و4 سودانيين آخرين إلى الرياض    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    تقرير البيئة نحو اقتصاد أخضر مكسى بلون السندس تزفه أنغام السلام للأمام .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    هيئة مياه الخرطوم تكشف عن تدابير لمعالجة ضائقة المياه    الحمي النزفية في الشمالية.. بقلم: د. زهير عامر محمد    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





علي الشيخ البشير: المرحوم أحمد الرفاعي وعبد الله علي إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 14 - 06 - 2012

تلقيت رسالة من المهندس أحمد الرفاعي بعد أن قرأ ما كتبته عن الأستاذ علي الشيخ البشير، القطب الوطني الاتحادي والمحرر بجريدة العلم، عرضاً في سيرتي للشاعر محمد عبد الرحمن شيبون التي كنت نشرتها على حلقات في جريدة الرأي العام من نحو عام أو أكثر. والجامع بين علي الشيخ وشيبون أنهما انتحرا: علي في 1956 وشيبون في 1961. ولا ندرى إن عرف واحدهما الآخر ولكنهما التقيا مرة على الأقل بشهادة الأستاذ عبد الوهاب سليمان (تلاجة). فقد كان الأستاذ عبد الخالق محجوب طلب من عبد الوهاب ومن صديقه شيبون، المتفرغ بالحزب الشيوعي، أن يأخذا زميلاً متفرغاً آخراً عانى من النفسيات إلى عيادة الدكتور التيجاني الماحي على موعد ضربه عبد الخالق مع الطبيب. وفي العيادة وجدا علي الشيخ جاء يستشفى. فقال شيبون، ,وهو يَدرُج بالرفيق المصاب، لعبد الوهاب أن يتأمل حال علي الشيخ أيضاً وينظر إلى ما ينتهي إليه بعض من أدركته حرفة السياسة. ولم ينقض وقت طويل حتى انتحر علي الشيخ في صبيحة اليوم العاقب لإعلان استقلال السودان غرقاً. ومن رأي عبد الوهاب أن شيبون ربما استرجع هذا المخرج الفاجع من بوابة الدنيا وراق له وتقحمه حين أخذت السياسة بخناقه في آخر الخمسينات. ونقل إليّ المهندس الرفاعي انفعاله بقصة على الشيخ الذي لا تربطه به رابطة قرابة أو معرفة وطلب مني أن أكتب عنه فأجدد ذكراه. وظل يبعث لي بقصاصات مصورة من صحف ذلك الزمان عنه. وثمنت ذلك منه واحتفيت به والتزمت. وتعلمت.
رحم الله المهندس الصديق الزميل أحمد الرفاعي والعزاء لاسرته العزيزة عندنا.
1-علي الشيخ البشير: رفرف العلم، رحل المناضل
كان ذلك في يوم الأحد 2 يناير 1956. عاقبة يوم استقلال السودان . . أحلى بكان. وأختار على الشيخ البشير، المحرر بجريدة العلم الناطقة باسم الحزب الوطني الاتحادي الحاكم، هذا اليوم من دون أيام الله ليغادر الحياة، بقرار منه، عند سراي السيد علي الميرغني على شاطيء النيل وشارعه. وكان هذا الشارع يوم أمس غاصاً بالناس من كل فج عميق تشهد مولد أمة وتستبشر بها وتكحل بعينها علمها، هي لا غيره، يرفرف لأول مرة. وهو يوم بكى فيه السيد أمين التوم ووالده من على البعد. وفيه حمل واحد مشوب بإبداعية اليوم علم السودان وصعد تمثال غردون الراكب جمله ليضع العلم في يمين الرجل. وما رفرف العلم في يد رأس الاستعمار حتى هتف صاحب الحيلة: "عاش الشعب السوداني" وردد معه الناس من حوله.
خلع على الشيخ ملابسه عند جنينية سيدي. وخاض في الماء الضحل حتى تورط في الغريق فافترقت أقدامه عن الثابتة فأسلم جسداً لا يحسن السباحة في ماء النيل الشتائي اللاذع الصافي النمير. وتجاذبه الماء وتخطفه منتهزاً ارتجال الجسد الذي انقطع عن كل إرادة للحياة. وغرق على الشيخ بصمت هميم لم يرهبه الموت فينكسر ليتشبث بالحياة تشبث الغريق بقشة الذي هو مضرب المثل. كان قد قنع منها ظاهراً وباطناً. خربانه أم بناية قش. فلم يطرأ له أن يستجمع صوته ويستصرخ: "يا أبو مروءة".
عاد الماء والطين للماء وللطين. وترك على الشيخ للعناصر أن تهش لبعضها البعض: أخذه الماء لمرفأ الطين واختلسه التيار فأحتواه حتى بلغ به عند الوابور الراسي أمام الفندق الكبير. وهرع أهل المروءة والنجدة، الذين لم يستدعهم علي الشيخ عمداً، فاستخلصوا من الماء وديعتهم بآخرة جثة هامدة وأخذوها إلى مستشفي الخرطوم. وشيعه الأهل والأصدقاء إلى مقابر الخرطوم بحري تقدمهم السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء وزعيم الحزب الوطني الاتحادي وحشد مرموق من قيادات الحزب وأعضائه بالعاصمة المثلثة.
كان علي البشير قد أسلم الروح حتى قبل أن يغتابه النهر ويتخطفه الموج. كان ميتاً مساء السبت وهو بين الصحفيين وأهل الرأي يحتفلون بمرور 20 عاماً على صدور جريدة السودان الجديد لصاحبها أبو الصحف أحمد يوسف هاشم. وكان، في قول الأستاذ عبد الله عبيد، عادياً تماما في الحفل. وكان ميتاً يوم السبت الأول من يناير، يوم رفع العلم السوداني إيذاناً ياستقلال البلاد، وهو يضحك ملء شدقيه مع رفاقه الصحفيين تحت ظل شجرة البرلمان القديم بالخرطوم. ناقش معهم الدستور المقبل بعبارته الموجزة السديدة. ولما أصبح الصبح ونعاه الناعي ذكر محرر بجريدة الصراحة اليسارية أنه ما كان يعلم أن الموت يحوم حول الرجل. ولا يدري المرء من كان يحوم حول من: الموت حول علي الشيخ أم علي الشيخ حول الموت. وألجم المرحوم نعاته فلم يقو حتى اتحاد الصحفيين على ذكر سبب موته وجعله غرقاً.
مات علي الشيخ عن نحو 28 عاماً. وليس يستغرب منه أنه ترك بصمة كبيرة هي فوق ما نتوقعه من شاب حدث مثله. ولكن جيل الفداء من مقاومي الاستعمار كما أسلفت نضجوا على نار لا شرقية ولا غربية. لم يكن عمرهم بحساب السنين بل بحساب شوقهم الجامح الرومانسي للحرية. كان عمرهم بعمر الاستعمار الانجليزي الهرم حتى لو لم يطر شارب الواحد منهم. وستجد بصمة علي الشيخ على كتاب اللواء محمد نجيب، رئيس جمورية مصر السابق، الذي عنوانه "كلمتي للتاريخ". فهو في الكتاب صورة وصوت. فصوته كان من بين أصوات الفصائل الاتحادية التي اجتمعت بالقاهرة في نوفمبر 1952 واتفقت على الاندماج في حزب واحد هو الحزب الوطني الاتحادي. وكان ذلك هدفاً عزيزاًَ على اللواء محمد نجيب في إطار مساعيه لجمع كلمة زعماء الأحزاب النافذة، ممن تفرقت أهواؤهم بين الوحدة مع مصر أو الاستقلال المشوب برابطة بريطانية، على مبدأ تقرير المصير والحكم الذاتي كما نصت بذلك اتفاقية الحكم الذاتي بين مصر وبريطانيا في فبراير 1952. وفوّض قادة الفصائل الاتحادية لجنة ثلاثية من السادة الدرديري أحمد إسماعيل وخضر حمد وميرغني حمزة لوضع أسس الحزب الجديد ونهجه. ووقع القادة على نص التزموا به بقبول "قيام الحزب بأي وضع يرتضيه الثلاثة". وكان بين تلك الأسماء علي الشيخ البشير عن الأشقاء -جناح محمد نورالدين كما سنشرح لاحقاً.
أما الصورة فقد جمعت طيفاً سياسياً من الاتحاديين وجماعة الحزب الجمهوري الاشتراكي التفت حول اللواء محمد نجيب. وعاش الجمهوري الاشتراكي ومات متهماً في وطنيته حتى من قبل حزب الأمة. بل كان حزب الأمة الأشد نكيراً عليه لأنهم اعتقدوا أن الإنجليز أرادوا منه قض مضاجعهم في مواقع نفوذهم بين القبائل. و تَكَون الحزب من زعماء العشائر وزعماء جنوبيين والسيد إبراهيم بدري الإداري المعروف من أسرة بابكر بدري. و رمى الوطنيون الحزب بأنه صنيعة إنجليزية محضة. بل كانت جريدة الصراحة لا تذكر إبراهيم بدري حتى تسبقه ب"لورد أم هاني" إشارة لمشروع زراعي للرجل بمناطق النيل الأبيض.
وقف علي الشيخ علي طرف يمين الصورة وتلاه من جهة اليسار إلى اليمين السادة: سرور رملي ومحمد أحمد أبو سن وابراهيم بدري (جمهوريون اشتراكيون) وحماد توفيق ومحمد نورالدين واسماعيل الأزهري والطيب محمد خير (الزعيم) (اتحاديون) وعلي ماهر السياسي المصري المعروف. وتوسط الصورة بالطبع اللواء نجيب.
وترى من الصورة أن علياً كان في شرخ الشباب. كان من اجتمع بهم بمثابة الآباء لا الأنداد ولا حتى كبار الأخوة. واضح على الرجل طول مستطرف ونحافة وسمرة. وهو أنيق الملبس ببدلة كاملة وطربوش. ولا يدري المرء لم اختار الطربوش الذي كانت بعض مما منعت ثورة نجيب لبسه. هل تأسى في ذلك بزعيمه محمد نورالدين الذي حرص أبداً على هذا الغطاء لرأسه أم أراد تجاوز حرج العمر بين جيل الآباء الذين يجتمع معهم على صعيد واحد يدلي بدلوه ويطلب منهم توقير رأيه. وسنفصل في حلقة اخرى عن السياق السياسي في نصف عقد الخمسين الأول الذي حمل هذا الفتى الطموح إلى هذه المراقي.
2-والناس في مصر اثنان: من رأى حسناً كعلي الشيخ البشير فهام، وآخر لا يرى
(من بيت للشاعر العباسي)
تتفرق الآراء على شعبتين حول ما يسوق المرء إلى الانتحار. فهناك من يرد الانتحار إلى وهن نفسي. وهناك من يعيب الزمان وأهله ويراهم سبباً في انتحار المنتحر. وينطبق هذا التفرق في بواعث الانتحار على حالة علي الشيخ. وهكذا تفرق الناس فيما حمل الأستاذ علي الشيخ البشير (1928-1956)، قطب حركة الأشقاء والحزب الوطني الاتحادي والصحفي بجريدة العلم، لسان حال الحزب، إلى الانتحار غرقاً في النيل الأزرق صبيحة اليوم التالي لاستقلال البلاد ورفع العلم أمام جنينة السيد علي الميرغني على شارع النيل بالخرطوم. قال بعضهم إنه كان إنساناً رقيق الحاشية إنتابته نفسيات أضجرته وكانت من وراء قراره بالانتحار. ومن الجهة الأخرى ألقى بعضهم تبعة انتحار علي الشيخ على عتبة الحزب الوطني الاتحادي الحاكم.
حدثني الأستاذ عبد الله عبيد، وهو من معارف المرحوم ولزيم كندا حالياًً، أن علي الشيخ كان إنساناً رقيق الحاشية يخدشها مر الرداءة ويستفزها الظلم. بل هو من أسرة اتسمت بهذه العاطفية الغناء. فلم يمنع سمت القضاء أخاه أحمد الشيخ البشير من التظاهر في شندي، وهو قاضيها، ضد حكومة الفريق إبراهيم عبود وما ترتب على ذلك. أما الأستاذ عبد العزيز حسن، صاحب جريدة الزمان الحسناء، فعاب زمان علي الشيخ وأهيله. فمن رأيه أن على الشيخ كان ضحية صراع دار في حركة الأشقاء (ثم الوطني الاتحادي) بين جناح الزعيم إسماعيل الأزهري وجناح الوكيل محمد نور الدين في النصف الأول من الخمسينات. وتركز هذا الصراع قبيل الاستقلال حول من يسيطر على الصحف الاتحادية التي كان علي الشخ محرراً بجريدة العلم منها. ومن رأي عبد العزيز أن المرحوم ربما ناله ضيم ترتب عليه غبن شديد. وليس هذا الرأي بخاف على عبد الله عبيد بالطبع بل قال إن أول من أذاعه كان السيد على حامد وهو من جناح الأزهري وإن توطدت علاقته الشخصية بفريق نور الدين ومنهم علي الشيخ كما رأينا في حلقة مضت. وقال على حامد إن على الشيخ، الذي تشرَّب حب مصر واعتقد في وحدة وادي النيل، لم يقبل من حزبه أن يتحول عن تلك المعاني إلى الدعوة إلى الاستقلال في الملابسات المعروفة.
ولا تجد منتحراً لم يتفرق دمه بين مثل هذين التفسيرين: تفسير يٌعلي من رهافة القماشة النفسية للمنتحر وتفسير يعلي من خطر الشرط الاجتماعي والإنساني الذي يحدق بالشخص فيركب الصعب. وقلنا إننا سنترك تقدير دور قماشة الرجل النفسية لمن هو أدرى بأحواله منا. وسنركز على حياة على الشيخ الحزبية، كواحدة من الأشراط التي حفت بحياته وربما دفعته للانتحار، لتوافر العلم النسبي بها من المصادر التاريخية المتاحة.
وسنتناول بالحديث إذاً هنا الملابسات السياسية التي ربما حملت على الشيخ على الانتحار دون المساس بدواخل نفس الرجل. ولا نفعل هذا تهويناً لشأن القماشة النفسية للمنتحر بل لأن يدنا أملأ بمادة ملابسات الانتحار السياسية مقارنة بمادة نفس الرجل وعللها.
لسنا نعدو الحق إن قلنا إن على الشيخ ربما خالطه ما خالط عتاة الاتحاديين من هم وتحزين على قرار حزبهم برمي طوبة الوحدة مع مصر. فهو قد سهر عليها بقلمه. والقلم ميثاق نفسي غلّاب وصاحبه، إن صدق، آخر من يقلع عن الهوى القديم. وهذا ميثاق الِحبر. ويجب التقرير هنا أن حزن الاتحاديين على تبني حزبهم لخطة الاستقلال حق. وهو حق نغطى عليه بسعادتنا بإجماع السودانيين بعد شتات على الاستقلال النظيف كصحن الصيني لا شق ولا طق، في قول الأزهري. ولكن لا ينبغي لفرحنا بما آل إليه التاريخ أن نغفل التاريخ الذي لم يؤول، أي اتحادنا مع مصر. وهو تاريخ بكاه الرجال وذرفوا عليه الدموع حين شيعوه إلى مثواه الأخير. وهكذا وصف الأستاذ على حامد ذلك التاريخ الآفل. فقد قال في كتابه "صفحات من تاريخ الحركة الوطنية السودانية" إن الاتحاديين طلبوا من الزعيم الأزهري أن يجتمع بهم بعد ما رأوه يبث الدعوة للاستقلال بغير تفويض من الحزب. فقد استخدم الزعيم سحر كريزمته وأذاع الدعوة في لياليه السياسية المرتبة للغرض إلى الجماهير قاطبة متجاوزاً الحزب. كأنه يريد أن يضع الحزب، المسكون في قيادته بحب مصر، ومصر الساهرة على الوحدة، أمام الأمر الواقع.
وانعقد اجتماع أقطاب الاتحاديين بدار الخريجين بأم درمان لمناقشة تحول الحزب إلى دعوة الاستقلال بزعم أن دعوة الاتحاد كانت لمرحلة انقضت. وقال علي حامد :" تحدث الكثيرون وكانت عيونهم تفيض بالدموع نتيجة لهذا التحول من الاتحاد إلى الاستقلال حيث أن الدعوة الاتحادية كانت النداء الوطني الذي تغنوا به وهتفوا له في مسيرة الكفاح الوطني". واعترض على التحول نفر في الاجتماع ورغبوا في تسجيل أسمائهم للذكرى والتاريخ ومن بينهم السادة عقيل احمد عقيل ومحمد أمين حسن وأحمد السيد حمد وعبد الوهاب زين العابدين ومحمد نور الدين ومحي الدين صابر وابراهيم المحلاوي. وهنا منشأ تصدع الحزب الوطني الاتحادي اللاحق.
ولسنا نعرف إن كان علي الشيخ ممن بصموا حباً لمصر في ذلك الاجتماع. وهو إن لم يبصم لربما بكى منه القلب. ونفرغ من حديثنا عن المرحوم في الحلقة القادمة بعرض لاستيلاء جناح الأزهري لصحف الحزب الوطني الاتحادي كما رواه الأستاذ يحي محمد عبد القادر.
3-حرب الأشقاء: ميثاق الحبر
بدأنا نكتب منذ أيام سيرة الأستاذ علي الشيخ البشير (1928-1956) المحرر بجريدة "العلم" الناطقة بلسان الحزب الوطني الاتحادي الحاكم في أول حكومة سودانية. فقد رأيناه ينتحر غرقاً في اليوم التالي لرفع زعيم حزبه وآخرين علم البلاد المستقلة صباح أول يناير 1956. وكان ذلك يوما عجيباً. قال السيد محمد خير البدوى إنه رأى فيه السيد عبد الرحمن المهدي وقد ابتل كمه من فرط مسحه الدمع من عين رقراقة. واقتطع علي الشيخ لمسرح انتحاره شئياً من فضاء حفل الاستقلال بشارع النيل جهة القصر. فقد خلع ملابسه بتؤدة أمام جنينة السيد علي الميرغني على الشارع ثم تورط عمداً في ماء النيل الأزرق المشرق البارد في ذلك الوقت من العام. وأسلم قياد جسده للماء وعنان فكره للموت. أقبل على موته برباطة جأش صارمة مقطوعة من قماشة جديته التي اشتهر بها في حركة الأشقاء التي تزعمها الزعيم إسماعيل الأزهري. لقد استدبر الدنيا لا يلوي على شيء. وأسس في تاريخنا الحديث لنقابة المنتحرين من الناشطين وأهل الراي الذين أعقبوه: محمد عبد الرحمن شيبون وعبد الرحيم ابو ذكرى وعبد المجيد شكاك عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وكتب الأستاذ خليل الياس عن انتحار الأخير لأول مرة في كتابه "كوبر هاجن".
ربما اختلس علي الشيخ البشير نظرة عجلى وبفمه ماء إلى العلم السوداني غض القماش والذي لم يرفرف لغير 24 ساعة من الزمان. فلربما أراد أن يكحل عينيه بهذا الذي:
كنا ننميه سراً في جوانحنا حتى استحال إلى الإجهار والعلن
أو كما قال الأستاذ علي نور شاعر مؤتمر الخريجين. ولم نزل بحاجة إلى علم أوفى بكيف تعلق قلب علي الشيخ بالوطن وكيف رف هذا العلم بالذات في خاطره قبل أن يستحيل حقيقة فوق سارية عنت له رقاب أعلام استعمارية انطوت بعد عتو وارتحلت بعد إثقال. نعرف أن علي الشيخ من أسرة من غمار الناس من شندي. و تعلم بمدارس المدينة حتى الوسطى ثم ارتحل إلى الخرطوم بحري التي ربما سبقه إليها والده أو الأسرة. وعمل بمصلحة حكومية ربما كانت هي المصلحة الطبية. ثم ولع بالوطن. والتحق بشباب حركة الأشقاء. وكان في طليعة التظاهرات ضد قيام الجمعية التشريعية في 1948. فأعتقلوه وحكموا عليه بالسجن شهوراً. وخرج من السجن ليتفرغ للعمل الوطنى كسجية جيله. وقرر في عاقبة يوم الاستقلال أنه ربما كان من الخير له أن يختم حياته وقد استوى العلم الحلم وأفرد جناحاً أنيقاً على سماء البلاد.كانت رحلة الرجل من الحلم إلى الموت قصيرة جدا. ومات وبفمه ماء.
جاء كتاب الدكتور فيصل عبد الرحمن علي طه " الحركة السياسية السودانية" بأفضل سياق سياسي لبروز علي الشيخ كعنصر قيادي في حركة الأشقاء. فقد أطل اسمه أول مرة في سجل التاريخ في حيثيات انقسام حركة الأشقاء إلى جناحين: جناح الزعيم الأزهري وجناح السيد محمد نورالدين في 11 يوليو 1951 . ووقف علي الشيخ بجانب نور الدين بصورة صميمة ومستقيمة. ففي ذلك اليوم فصل الأزهري الأستاذ المهندس خضر عمر من منصبه كسكرتير للحزب بل ومن عضويته كذلك. واستند الأزهري في قراره إلى حق الرئيس في الأحزاب الديمقراطية في التخلص من الناشزين من معاونيه. وفي 14 يوليو حل السيد يحي الفضلي محل خضر عمر سكرتيراً للحزب. واستدعى الحزب خضر عمر للمثول أمام مجلسه الأعلى للنظر في مدى استمراره بالمجلس الأعلى للحزب وعضويته. وبارك المجلس خطوة رئيسه وقال إنه لا وجه لخضر عمر ليحتج عليها لأنه سبق له استخدام سلطة الرئاسة هذه حين فصل المعاندين له من الحزب. وقال المجلس إن خضر عمر نفسه، حين أناب عن الأزهري خلال سفرة له إلى القاهرة، فصل السيد أمين المرضي سكرتير شباب الأشقاء والسيد محمد عبد الجواد سكرتير الأشقاء ببورتسودان استجابة لرغبة السيد محمد نورالدين والسيد أحمد عبد الله أرباب قطبيّ الحزب. وزاد المجلس بأن حمّله تبعة الركود في نشاط الحزب وسيادة روح الانحلال والفوضى. كما أخذ عليه نشاطه المعادي للأزهري والتكتل ضده. كما نقده في اتصاله ونور الدين بقيادات مصرية والاتفاق معها على خطط معلومة بمعزل عن الحزب. وقيل إنه، في سياق تكتله ضد الأزهري، اجتمع بمندوبيّ مؤتمر لجان الأشقاء الفرعية الذي انعقد في عيد الفطر بحضور السادة أحمد خير وحسن أبو جبل وعثمان خاطر وهاجموا الأزهري ومجلس الحزب الأعلى.
وقصة نزاع خضر عمر ويحي الفضلي في حزب الأشقاء قصة طويلة ومحزنة. فقد بدأت بزمالة وثيقة ثم انتهت إلى خصومة القت بظلها العكر على الحزب لزمن طويل. فقد جاء عند الأستاذ على حامد في كتابه "صفحات من تاريخ الحركة الوطنية السودانية" أن خضر عمر انضم إلى حركة الأشقاء بسنجة التي عمل بها مهندساً بالري السوداني بعد تخرجه من كلية غردون. وجاء إلى الخرطوم بعد استغنائه عن العمل بالري وباشر عمله الهندسي من مكتب صديقه يحي الفضلي. وكان يحي هو الذي رشحه لسكرتارية الأشقاء برغم اعتراض البعض في قول السيد أحمد محمد ياسين في كتاب مذكراته. وربما كان ذلك لميله اليساري كما قال علي حامد.
ولم يتأخر خضر عمر لحظة واحدة لتغيير حركة الأشقاء منذ تسلمه عنان قيادتها. فقد نادى أول من نادى بضرورة وضع برنامج للأشقاء. واتفق في ذلك مع جماعة من أصدقائه وهم عبد الرحيم أحمد ومن كانوا يجتمعون به به بمنزل بحي العمدة بأم درمان، هو منزل علي حامد، لمناقشة تفاصيل البرنامج. وقال صاحب المنزل، على حامد، إنه انضم إلى خضر خلال هذه الهمة جماعة من ذوي الميول اليسارية مثل حسن أبو جبل وعبد الرحمن حمزة وأحمد عبد الله المغربي وعبد الرحيم أحمد وميرغني علي مصطفى وأحمد محمد خير ومحجوب محمد عبد الرحمن وخططوا لإنقلاب يساري داخل الحزب. ونتيجة لهذا الحشد أصبح خضر عمر سكرتيراً للأشقاء ودخل لجنة الحزب من شيعته عبد الرحمن حمزة وحسن أبو جبل وأحمد عبد الله المغربي وعثمان خاطر.
وأول ظهور نجم على الشيخ في سماء الأشقاء كقائد وصحفي كان بعد انقسام الأشقاء الذي تأسس عن ضيق الأزهري بخضر عمر وفصله عن الحزب كما رأينا. واحتج نور الدين على فصل خضر عمر واجتمع عليه نفر كثير كون بهم جناحه للأشقاء. وكان على الشيخ بينهم. بل كان في طليعتهم. فقد اختاره نورالدين ليرأس صحيفة "الأشقاء" التي طرد منها السيد محمود الفضلي رئيس تحريرها الذي هو من شيعة الأزهرى. ولم يصدر من جريدة أشقاء نور الدين سوى عدد واحد. ولم ير هذا الوحيد حتى نور التوزيع. فأصبح علي الشيخ بذلك رئيس تحرير ليوم واحد مما سنفصله في باب تال.
4- رئيس تحرير ليوم واحد
من رأي من فسروا انتحار علي الشيخ بناء على حياته الحزبية أنه شقي من إجراءيين في الحزب الوطني الاتحادي. فقد تنازل الحزب عن مبدا الوحدة مع مصر طلباً لإجماع الأمة. وهو المبدأ الذي ناضل الأشقاء للحرية من تحت رايته وفدوه بالنفس والنفيس ولا مس شغاف نفوسهم. وقبل محبو مصر في الحزب قرار الاستقلال على مضض وذرفوا الدموع في اجتماع انعقد مع الزعيم الأزهري لمساءلته عن خطه الاستقلالي. واحتقنوا من ذلك وباتوا على رأيهم حتى سنحت لهم سانحة التمرد على قيادة الأزهري لاحقاً فخرجوا عليه وتشقق الحزب. وكان علي الشيخ البشير من بين هذه الفئة التي هواها مع مصر بحكم أنه عضو أصيل في جناح الوكيل محمد نور الدين الذي انشق على زعامة الأزهري للاشقاء في 1951. وكون الأشقاء جناح نور الدين مؤتمر السودان في اجتماع بنادي الخريجين بالخرطوم كواجهة ينافسون به مؤتمر الخريجين الذي دان لأشقاء الأزهري وأصبح صورة أخرى لحزبهم. وتفرقت سبل الرجلين حتى أزفت بشائر الحكم الذاتي فسعت مصر لتجميع الفصائل الاتحادية في حزب واحد في نوفمبر 1952 بالقاهرة. وكان على الشيخ هو من مثَّل جناح نور الدين في مفاوضات الوحدة كما رأينا...
دلني السيد عبد الله عبيد على أن علي البشير كان من رواد نادي الخريجين بالخرطوم. بل كان هذا النادي هو الذي انعقد فيه تأبين المرحوم في يناير 1956 .ولما كان على الشيخ من سكان الخرطوم بحري وبوسعه الإنتماء إلى معقل الخريجين بالمدينة أو بشيخ أندية الخريجين بأم درمان لو شاء. ولم يستقم لي خيار على الشيخ إلا حين نظرت في ذيول صراع الأشقاء. فقد انتقل نزاع جناحي الأزهري ونور الدين إلى مؤتمر الخريجين. فرتب أشقاء الأزهري اجتماعات لهيئات المؤتمر الستينية في أغسطس 1951 تقدمت فيها اللجنة التنفيذية باستقالتها. واعتقد نور الدين أن جماعته الأقلية باللجنة هم من قصدتهم الاستقالة ليخلو الجو للأزهري لانتخاب لجنة جديدة تستبعد أنصار نورالدين. وكان ما حدث في اجتماع عاصف انسحب منه أنصار نور الدين بعد اعتراضات على حيادية الإجراءات. ولم يخرج نور الدين من النزاع بخفي حنين. فقد نجح أنصاره في السيطرة على نادي الخريجين بالخرطوم. فاجتمعوا وقرروا إلغاء مؤتمر الخريجين وقيام مؤتمر السودان بدلاً عنه. والمشاهد أنه قل اهتمامنا بتاريخ المؤتمر بعد تغلب الاشقاء على قيادته في 1944. فقد انفردوا به وصار بعض فضاءات صراعهم وأدواته. وتكوين مؤتمر السودان (وهو مؤتمر الخريجين جناح نورالدين) شاهد مغيب شمس المؤتمر في غيهب الأشقاء. وقد ادهشني بل وأزعجني أن مؤتمر الخريجين أصبح واحدة من الفصائل الاتحادية يقوم على أمره بينها السيد حسن طه. وجره الاتحاديون كهيئة اعتبارية لمباحثات وحدتهم في القاهرة في 1952. وقد أنب الضمير مبارك زروق ويحي الفضلي في البداية بأنه لا يصح ان يختلط المؤتمر، وهو هيئة تعليمية ثقافية، بالأحزاب.ولم يدم ذلك الأرق الأشقائي طويلاً.
بسط الدكتور فيصل عبد الرحمن علي طه في كتابه الرجيح "الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان" (1998) تحليلاً سخياً لمنشأ هذه النزاع تجاوز به كونه مجرد زحام على المناصب أو مما سولته لهم المطامع الشخصية. وجاء فيصل برواية أحمد خير التي طرحها بدار اتحاد طلاب كلية غردون في 5 أغسطس 1951. وقد أخذ احمد خير على الأشقاء عزلتهم (ومؤتمر الخريجين الذين سيطروا عليه) مما جعل الجماهير تنصرف عنهم. فقد غاب الحزب والمؤتمر عن حركة العمال والمزارعين والبوليس التي تصاعدت مطالبها وتحرطاتها فغط الساحة الي غاض عنها الأشقاء. كما ذكر استنكار الشقاء لمظاهر الثراء التي ظهرت بوضوح على بعض قادتهم.
سنعثر بعلي الشيخ في مسارح الجهد المصري لتوحيد التيارت الاتحادية المتنازعة. وكانت بدأت منذ وقوع انقسام 1951 ومصر ملكية ولم تثمر إلا في نوفمبر 1952 ومصر جمهورية على رأسها للواء محمد نجيب. ففي ذلك اليوم النوفمبري خرج إلى الوجود الحزب الوطني الاتحادي الذي لم شعث شيع الإتحاديين. وكان قطب رحى انقسام الأشقاء هو مركز سكرتير الحزب الذي تنازع حوله السيدان يحي الفضلي، من شيعة الأزهري، وخضر عمر، من شيعة نورالدين. ولم تعتن مباحث التاريخ كثيراً بشخصية خضر عمر وعاطفته السياسية اعتناءها بيحي الفضلي على أن خضر حامل جينات سياسية راديكالية قد تعنينا على إجلاء غموض خروج أهل الحمية من أمثاله (حسن الطاهر زروق، عزالدين على عامر، حسن سلامة وغيرهم) من الحركة الاتحادية إلى الحزب الشيوعي بصورة حاسمة.
نغمة توحيد الأحزاب الاتحادية قديمة عاودتهم في 1945 ثم 1948 و1950 و1951. ولكن محاولات الوحدة في بحر عام 1952، بعد توقيع اتفاقية القاهرة للحكم الذاتي في السودان في فبراير من ذلك العام، وفقت بالفعل في قيام الحزب الوطني الاتحادي الجامع للفصائل الاتحادية. بدأت اجتماعات التوحيد في سبتمبر 1952. وجاء علي الشيخ لمساع توحيد الاتحاديين بالقاهرة ممثلاً لمؤتمر السودان وهو "واجهة" أشقاء نورالدين يضاهون بها مؤتمر الخريجين. واصبح علي عضواً بلجنة الاختصاص المنبثقة عن اجتماع التوحيد التي اختصت بالنظر في مشروع دستور الحزب الواحد المرتجى. وأجاز اجتماع الأحزاب الدستور وسموا الحزب "المؤتمر الوطني الاتحادي" ثم "الحزب الوطني الاتحادي" ولم يقبلوا من أشقاء الأزهري تعديلات كان ضمنها أن يكون اسم الحزب "جبهة الأشقاء الاتحادية". وحمل رجال الصف الأول من الاتحاديين مناقشاتهم عن التوحيد إلى مصر في أكتوبر 1952 ليرعاها محمد نجيب من تلك النقطة فصاعداً. وواضح أن على البشير كان من بين رجال الصف الأول. فتصالح الأزهري ونورالدين ويحي الفضلي وخضر عمر على يد صلاح سالم لتبدأ وثائق التكوين الجديد للاتحاديين. ولم يظهر اسم علي الشيخ بين اللجنة التنفيذية الجديدة ولا هيئة المكتب وناب عن أشقاء نور الدين ومؤتمرهم كل من نور الدين وأحمد خير وحسن ابو جبل. واستبعد القائمون بأمر القوائم كلاً من يحي افضلي وخضر عمر بقصد منحهما فترة نقاهة لا يحملان فيهما جرثومة الخلاف إلى الحزب الوليد عديم المقاومة. وأثار التكوين الجديد ثائرة أشقاء الأزهري الذين رأوا انهم بخسوا في التمثيل في مواقع القيادة وهم كثرة. وربما لم يعجبهم خلو القوائم من نجمهم و"دينموهم" يحي الفضلي. ولكن الأزهري تدارك الأمر واقنع مؤتمر للجان الحزب بواقعية الاتفاق بل حمل مؤتمر الخريجين ليحل نفسه ويدخل الحزب الجديد "برغم ما حاق به من حيف في تكوين الحزب". ولم يسلم الاتفاق من لسان جناح نور الدين. فوصفه أحمد خير بالاتفاق "المجرم" ومن شارك فيه خائن فالساحة هي لعراك المستعمرين لا لدخول مؤسساتهم الطلية للحكم الذاتي. وعاد من عاد إلى كنف الحزب إلا أحمد خير وخضر عمر. ففصلهما الحزب الجديد "لقيامهما بنشاط مضاد معاد للحزب".
إما الإجراء الحزبي الآخر الذي شقي به علي الشيخ فهو تغيير السياسات والمواقع لصحافة الحزب الوطني الاتحادي في سياق تحول زعيمه وبعض صفوته من الاتحاد مع مصر إلى خطة الاستقلال التام. وستقودنا إزاحة الغطاء عن متاعب علي الشيخ المهنية والسياسية كصحفي متفرغ بالحزب، وهي التي يٌرَجح البعض أنها سبب وداره، إلى تاريخ قصير لصحافة الحركة الاتحادية.
أول ما ظهر اسم علي الشيخ في سياق خلاف الأشقاء كان في الطلب الذي تقدم به السيد محمد نور الدين في 1951 للسكرتير الإداري يعينه فيه رئيساً لتحرير الأشقاء بدلاً عن السيد محود الفضلي الذي أبعده نورالدين ومعه السيد علي حامد سكرتير التحرير. وجاءت تحركات نورالدين تلك بعد اجتماع للأشقاء من شيعته فصل فيه الأزهري من رئاسة الحزب ومن تواطؤوا معه في الخطأ والانحراف وهم السادة يحي الفضلي وإبراهيم المفتي وبدوي مصطفي وعلي حامد ومحمود الفضلي. ولم تتأخر شيعة الأزهري عن فصل نورالدين في 16 يوليو 1951 ووصفته بالخروج عن الحزب وفصلت معهه من شايعوه: أحمد خير، وحسن ابو جبل، وعثمان خاطر. واصطرع الفريقان حول ملكية جريدة الأشقاء. فادعاها نورالدين وفَصَل من فَصَل وثَبَّت عي الشيخ على رئاسة تحريرها
تنازعت طوائف الأشقاء ملكية صحف الحركة. وكان علي الشيخ في الطرف الخاسر على مرتين. ففي الأولى صار رئيس تحرير إحداها ليوم واحد وجردوه من رئاسة تحرير ثانية بقوة الأشقاء في الحكومة. ولصحف الأشقاء قصة رواها يحي محمد عبد القادر في الجزء الثالث من كتابه "شخصيات سودانية":
جريدة العلم هي امتداد لجريدة الأشقاء الأصل ثم أصبحت لسان حال حزب الأشقاء جناح أزهري عند انشقاق نور الدين عنه في 1952. وكون الأشقاء شركة مساهمة لطباعتها برأس مال لم يزد عن 2500 جنيه إلا أنها جلبت ماكينات طباعة وحروفاً بلغت قيمتها 15 ألف جنيه. وتولى رئاسة التحرير محمود الفضلي. أما صاحب الامتياز المسجل لدي السكرتير الإداري فقد كان محمد نور الدين. وبانشقاقه طلب من لجنة الصحافة بمكتب السكرتير الإداري شطب محمود الفضلي وإحلال علي الشيخ البشير. ووافقت اللجنة. وصدرت الجريدة كلسان حال لجناح نور الدين. وصدر منها عدد وحيد. فقد لجأ الأزهري للقضاء وقبل القضاء دعواه بأن نور الدين كان صاحب الامتياز عن الحزب لا عن شخصه. وصودر ذلك العدد الوحيد نفسه بأمر المحكمة. واستأنف نور الدين الحكم بينما واصل جناح الأزهري إصدار الجريدة. ولم يقبل مكتب الصحافة طلب نور الدين بإيقاف الجريدة حتى يفصل القضاء في المسالة بحجة حفظ حق الحزب في التعبير عن رأيه حتى نسمع كلمة القضاء. وقال يحي محمد عبد القادر "وفي الواقع أن هناك فجوة في هذا الموضوع لم تُملأ بعد ولعل السيد داود عبد اللطيف، الذي كان كثير التردد على السيد يحي الفضلي، مطلع على حقيقتها". وفي فبراير 1952 قضت المحكمة لصالح الأزهري ومنح مكتب السكرتير الإداري صحيفة جديدة لنور الدين باسم وادي النيل ترأس تحريرها علي الشيخ البشير. وعقب اندماج الاتحاديين في نوفمبر 1953 أطلقوا على جريدة الاشقاء اسم "الاتحاد" وعلى جريدة وادي النيل اسم (العلم). وحولوا امتياز الأخيرة من من نور الدين إلى الأزهري بوصفه زعيم الحزب. وتولى رئاسة تحريرها أحمد السيد حمد ونقلوا علي الشيخ البشير منها مساعداً لتحرير الاتحاد. وهي الصفة التي وقع بها على بيان من اتحاد الصحفيين في مارس 1954 ناشد حكومة الأزهري رفع القوانين المقيدة للحريات من موروث الإنجليز. وأصبح علي حامد رئيساً لتحرير الاتحاد بعد تعيين محمود الفضلي في لجنة السودنة. وانشق الاتحاديون، وهم في سدة الحكم، في مايو 1955 إلى اتحاديين هواهم مصري على التزام الحزب الأصلي وإلى استقلاليين. وكانت جريدة العلم تمثل الاتحاديين بينما مثلت الاتحاد الجانب الاستقلالي. وفي مايو نفسه طلب اسماعيل الأزهري رئيس الحزب من الأزهري وزير الداخلية أن يستغني عن أحمد السيد كرئيس لتحرير العلم وأن يحل علي حامد محله وأن يعطل صدور جريدة الاتحاد. وقد كان. واستفاد جناح الأزهري بأن تخلص من اسم الاتحاد المناقض لتوجه الحزب الجديد جملة واحدة كما تخلص من النشاط المناويء للاتحاديين.
ويبدو أنه لم يكن بوسع إنسان في شباب وحماسة وأحلام علي الشيخ التعاطي مع كل تلك النكسات. وانتهز سانحة الاستقلال ليعرض وجهة نظره في مجريات الأمور في حزب الوطنية والوطن على صفحة النيل الأزرق . . الهاديء.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.