عثمان ميرغني يكتب: وصول "سودانير" إلى مطار الخرطوم..    إيلون ماسك يهاجم كريستوفر نولان ويشعل جدلًا واسعًا على السوشيال ميديا    وليد الفراج ينتقد كريستيانو وبنزيما برسالة لاذعة    3 مكونات مضادة للالتهاب لتخفيف آلام المفاصل ونزلات البرد فى الشتاء    لقطات ترصد انسيابية حركة المعتمرين في المسجد الحرام وسط خدمات متكاملة    النفط يهبط أكثر من دولار للبرميل في تعاملات اليوم    الصحة العالمية: أمراض مدارية مهملة تهدّد 78 مليون شخص في شرق المتوسط    نائب مدير جهاز المخابرات العامة يبدأ زيارة للشمالية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    السودان وتركيا يبحثان شراكة استراتيجية لإعادة بناء البنية التحتية وقطاع النقل    والي النيل الأبيض يتفقد طريق كوستي–الزليط–النعيم الزراعي ويؤكد اكتماله قبل الخريف    نادي الأعمال الحرة يدعم صفوفه بالخماسي    نادي توتيل يؤدي التمرين الختامي استعدادا لانطلاقة الدورة الثانية    الجيش في السودان يقترب من إنهاء الحصار المشدّد    الهلال يسافر ليعبر... لا ليحسب    وزير الداخلية يدشن إنطلاقة العمل بمبانى معتمدية اللاجئين    ريال مدريد يصعق رايو بركلة جزاء في الدقيقة 100 ويخسر بيلينغهام وفيني    بعثة الهلال تتوجه إلى الجزائر غدا لمواجهة مولودية    شاهد بالفيديو.. بالثوب السوداني الأنيق.. عارضة أزياء مصرية ترقص مع شاب سوداني وتؤكد على قوة العلاقة بين البلدين بأغنية: (الما بحبونا زالبكرهونا يموتوا زعلانين)    داليا البحيرى بعد عمليتها الأخيرة: ممتنة جدا لكل كلمة طبطبة وكل دعم    شاهد بالصورة والفيديو.. مطرب سوداني يثير ضجة إسفيرية واسعة ويعرض نفسه لسخرية الجمهور بعد ظهوره في "كليب" بزي الفراعنة القدماء وساخرون: (فرعون كان عنده بودي قادر؟)    شاهد.. فيديو يظهر فيه ناشط الدعم السريع أحمد كسلا يرقص ويحتفل بمقتل القائد الميداني البارز بالمليشيا "علي يعقوب" على أنغام الأغنيات الأثيوبية    مطار الخرطوم الدولي يستقبل اول رحلة داخلية بعد التحرير عبر الناقل الوطني سودانير    عدوي : الجالية السودانية تحظى برعاية خاصة في مصر    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد مكالمة هاتفية جمعت والده بنائب رئيس النادي.. الهلال يجدد عقد "دينمو" خط الوسط حتى 2029 وسط احتفال زملائه    سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف التعاملات    برشلونة يعلن تعاقده مع حمزة عبد الكريم خلال ساعات    التنظيف الاحترافى المنتظم للأسنان.. 5 فوائد لا تتوقعها    استقرار سعر الذهب في مصر اليوم السبت 31 يناير 2026    المقال الأخير ... السودان شجرة "البامبو"    مصر.. القبض على أصحاب تريند "صلي على النبي"    نشر صور نادرة للعروس مع والدها الراحل.. شقيق الفنان محمود عبد العزيز يهنئ "حنين" بزواجها من المطرب مأمون سوار الدهب بتدوينة مؤثرة (يا محمود اليوم ده كان حقك تكون واقف تدمع وتضحك في نفس اللحظة)    تحويلات المغتربين الأفارقة.. شريان اقتصادي لحاضر الدولة ومستقبلها    ارتفاع اسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    المالية تعلن ضوابط وترتيبات إنفاذ موازنة العام 2026م    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    إحباط محاولة تهريب ذخيرة في السودان    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نحو تفعيل الدفع الجماهيري لإصلاح: أحد أهم أدوات الديمقراطية في السودان . بقلم: أحمد صلاح نوح
نشر في سودانيل يوم 17 - 06 - 2012

الديمقراطية عملية مستمرة، الشعب هدفها ومصدر سلطتها ومحور عملها، وتقوم على الفصل الحقيقي بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية وضبط علاقاتها التفاعلية، وتترسخ العملية الديمقراطية عبر حجرية القضاء والممارسة الفاعلة للمواطنين لحقوقهم الدستورية بكل حرية، وعبر ممارسة الأحزاب السياسية للديمقراطية الحقيقية داخل هيئاتها وعلى النطاق العام، والديمقراطية، لكي تُستدام، لا بد من ضمان سيادة القانون والحرية والشفافية الكاملة لكل الممارسات وخاصة حرية التنظيم والعمل السياسي العام وفق القانون، وحق التظاهر السلمي وضمان الحرية الكاملة لوسائل الإعلام، وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين وغير ذلك كثير من الأمور التي لا تخفى عن أحد.
وفي السودان لا يغيب عن الوعي الوطني العام أهمية الديمقراطية والتضحية التي قدمها السودانيون من أجل تحقيقها، فقد قام السودانيون، بعد الإستقلال، بثورتين عظيمتين قدموا فيهما الشهداء والتضحيات وسالت الدماء الطاهرة من أجل التخلص من نظم الحكم الإستبدادية للوصول للديمقراطية وترسيخها كأساس للحكم، ولكن للأسف تعرضت الفترات الثلاث التي كان متوقعا منها أن تكون اللبنات الأولى للديمقراطية في السودان بانتكاسات متتالية لم تتح لها الوقت للنضج والاستمرارية، برغم صعوبة تحقيق ذلك النضج بسبب فساد الأدوات الأساسية كما سيتضح ذلك لاحقا. وأعقب كل تلك الفترات الوجيزة، التي استشعر فيها السودانيون استهلالات التحول الديمقراطي، حكم عسكري متسلط. فقد بدأ السودان فرحته بالاستقلال بحكم ديمقراطي سلب منه بانقلاب 1958، ثم قام بثورة شعبية في عام 1964 هي الأولى في أفريقيا وأيضا سلبت منه بانقلاب 1969، ثم انتفض الشعب في 1985 وانحاز له الجيش ولكن الفترة الديمقراطية لم تستكمل دورتها الأولى حتى أجهضت بانقلاب عام 1989.
إن وعي السودانيون بالديمقراطية وتضحيتهم في سبيلها لم يجعلها تستمر وتستدام، بل وحتى أنها لم تُعمر لدورة برلمانية مكتملة واحدة، ولم يتمكن الشعب السوداني من المحافظة علي ما اتاحته ثوراته من مقومات التحول نحو الديمقراطية رغم المواثيق التي كتبت عقب كل ثورة جماهيرية وتم اعتمادها من الجهات المختلفة العسكرية والحزبية والمدنية. يبدو أن هنالك أسبابا كثيرة ومتعددة لا بد أن يتم تناولها بالدرس والتحليل العلمي المعمق، إلا أن أحد الأسباب الأساسية لذلك الأمر هو غياب أحد أهم أدوات الديمقراطية ألا وهو الأحزاب السياسية ذات الممارسات والنظم الديمقراطية الحقيقية التي تحكم عمل هياكلها، فتدفعها بالتالي إلى العمل بشفافية تقود لانتخاب قيادات صالحة لها من العناصر الكفؤة، وبالتالي إلى إعداد وتبني برامج واضحة تشارك جميع قواعد الحزب في إعدادها وتبنيها ونشرها والدفاع عنها وتعديلها وتنقيحها عبر مقترحات القواعد إذا كان ذلك لازما. والتركيز هنا على الأحزاب الجماهيرية وليس العقائدية أيا كان اتجاهها الفكري، أي أن المقصود هو حزبي الأمة والوطني الاتحادي.
فبعد نجاح ثورات الشعب يظهر وجهاء الحزبين الكبيرين -الذين لم يتغيروا- يحركهم الولاء الأعمى لأفراد الأسرة التي تقود الطائفة التي اُجبر كلا من الحزبين على الإنتماء لإحداها بحكم سيطرة تلك الأسرة وغير ذلك من المعتقدات التي كانت سائدة. فيتم الدفع بوجهاء الحزبين لتغطية المشهد السياسي وفق محاكاة فاشلة وسطحية لقواعد اللعبة الديمقراطية، ترتكز كلها على مرحلة ما قبل فتح وحتى غلق صناديق الاقتراع، والفترة التي تسبقها لأيام للدعاية الانتخابية التي كانت تقام فيها الليالي السياسية وأمور الإعداد لرحلة الاقتراع، كل ذلك قد يستمر لفترة من الزمن يكون الجميع فيها منتشي لأنه يلاحظ بعض سمات الممارسة الديمقراطية، إلا أنه بين بداية تلك الفترة ونهايتها تكون العملية الديمقراطية قد بدأت وانتهت!
فبعد إعلان نتائج الانتخابات وتشكيل البرلمان وإعلان أسماء أعضاء الحكومة من ممثلي تلك الأحزاب ويتأكد الشعب الذي ضحى بدمائه، أن أعضاء البرلمان والحكومة وممثلي الأحزاب لم يتغيروا ولن يتغيروا شخوصا وفكرا وممارسة. والكل يعلم، أنهم هم أنفسهم سرعان ما يدركون أنهم لا يدرون ماذا يفعلون لهذا الشعب الأبي ولهذا الوطن الجريح! كونهم لا يستطيعون ممارسة أي عمل وفق المبدأ الديمقراطي!! وبالضرورة قد لا يدركوا كنه العملية الديمقراطية أو فكرها أو متطلباتها أو آلياتها ضمن هياكل ومؤسسات تلك الأحزاب، هذا إن وجدت تلك الهياكل والمؤسسات أصلا! لأن أياً من وجهاء ومرشحي الحزبين الكبيرين لا يمارس الديمقراطية ولم يمارسها ضمن تلك الأحزاب التي رشحتهم فالولاء، كل الولاء الأعمى، فقط لزعيم الحزب وأفراد أسرته المؤيدون له.
فكيف لمن يفتقد الممارسة للديمقراطية في حزبه الذي رشحه، أن يأتي ويمارس ذلك في البرلمان مع بقية أعضاء الأحزاب الأخرى -الذين لا يختلفون عنه- أو كيف له أن يُمارس عمله وفق بديهيات الفكر الديمقراطي ليطبع به أداء الحكومة المركزية أو الحكومات الإقليمية أو على مستوى أي هيكل حكومي أو شعبي أخر. إن ذلك أمر غير ممكن، ففاقد الشيء لا يعطيه، فكون أن الغالبية العظمى ممن ينتخبهم الشعب لا يعرفون في أحزابهم معنى الديمقراطية، ولا يمارسونها، بل ولا يُسمح لهم بذلك، فكيف يستطيع من لم يتشبع بالديمقراطية في حزبه أن يفرزها كممارسة عامة في أي مكان أو منصب!. إذا المشكلة الأساسية التي يجب على الشعب السوداني الاهتمام بها هي إصلاح الحزبين الكبيرين التقليدين.
تبلورت الحياة السياسية في السودان في عهد الاحتلال "الكلونيالي" في شكل مقاومة واعية وباسلة، ونضجت مقومات الحياة السياسية في نهاية الثلاثنيات والأربعينات مع حركة الخريجين، حيث كان الجدل السياسي العام يتمحور حول ثلاث مواضيع أساسية من ضمن مواضيع الوطن الأخرى. اثنان مختلف حولهما: وهما الاستقلال أو الوحدة مع مصر وموضوع متفق حوله: وهو ضرورة رحيل المحتل الغاشم وتحقيق الاستقلال السياسي والتنمية الوطنية. ويبدو أن ذلك الحراك السياسي للخرجين قد تمخض عن تشكيل حزبين وطنيين كبيرين هما الأمة والوطني الاتحادي، وربما كان ذلك الحراك السياسي للنخبة السياسية الوطنية يدرك من خلال قياداته أنه بحاجة لجموع من المواطنين لحشد التأييد لأي من الحزبين، لذا، وربما إيجازا لكل تلك الفترة الثرية بالنضال وحب الوطن والتي تحتاج الكثير من الدراسة، ربما يُمكن القول أن كل طرف سياسي ووفق قناعاته وإدراكه للوضع في السودان، قد لجأ للاستعانة بزعماء الطائفتين الغالبتين في السودان، فكان أن أقنع، أو ربما أقتنع، كل طرف بزعيم إحداهما لرعاية حركته السياسية وفق التناغم مع الهدف العام لها، ويبدو أن أيا من الأسرتين اللتين كانت لهما زعامة أيا من الطائفتين -برغبة منها أو لأسباب أخرى موضوعية وذاتية- قد انتزعتا زعامة أهم حزبيين سياسيين في البلاد وجعلتها وراثية، وللأسف استمر ذلك التوريث حتى الآن، والشعب الذي يمتلك الحزبين غير مبال بما يحدث من حوله من تطورات.
ربما كان لسيطرة الأسرتين على الحزبين الوطنيين الكبيرين في العقود السابقة فوائد، إلا أن المساوئ كانت ولا زالت عظيمة، منها، على سبيل المثال لا الحصر، قتل الروح والممارسة الديمقراطية داخل الحزبين، الذي أدى إلى تيبس هياكلهما ومؤسساتهما وبالتالي إفراغها من محتواها وإبقائها بعيدة عن التطور وفق الأسس الديمقراطية للعمل، وأدى إلى تكريس أن فكرة العمل الحزبي في أيا من الحزبين هو عمل طائفي أولا وأخيرا، فأختزل كل العمل السياسي في الحزبين الجماهيريين في تحقيق رغبات رئيس الحزب الذي هو بالضرورة رئيس الطائفة والذي لا يتغير، وإن تغيير فإن احد أبنائه أو أبناء عمومته سيرثه في القيادة، هذا الأمر مع غياب الرؤية الواضحة والأهداف والبرامج السياسية والغياب التام لمبدأ التصعيد للأعلى للقيادة الحزبية وفق الكفاءة الفكرية والانضباط التنظيمي والوعي السياسي كل هذه الأمور جعلت الشباب وعموم المواطنين تنفر من الإنتماء لأيا من الحزبين الجماهيريين الكبيرين اللذين بصلاحمهما تتوفر قاعدة راسخة للتحول الديمقراطي.
فالسلطة المطلقة للأسر التي تحتكرقيادة الطائفتين الكبيرتين كانت سمة الحزبين الوطنيين الكبيرين، ولأسباب عدة فقد ابتعدت بالحزبين في مسار متصل على مدى عقود بعيداً عن تأصيلهما على مبادئ الديمقراطية، فلم تسعى هذه الأحزاب، تحت قيادتها تلك، لبلورة أية برامج ذات أهداف طويلة أو قصيرة المدى تدرس الواقع وتحلل مفرداته وتستشرف أفاق المستقبل، ولم تسعى أبدا لبناء هياكل ومؤسسات حزبية، ولم تسعى أبدا لتغليب مبدأ الكفاءة لاعتلاء المناصب الحزبية الأعلى على مبدأ الولاء الأعمى. فكانت المحصلة بعد ستة عقود غياب كامل لأي قيادات سياسية من أبناء الوطن أفرزتها تلك الأحزاب إلا فيما ندر، وأدى ذلك إلى عزوف الشباب المتعلم، حتى من أبناء الطائفة، عن الإنضمام للحزبين التي يفترض بهما أن يكونا جماهيريين، وذلك ربما يكون أحد العناصر الأساسية التي قادت لهذا الخواء في الحياة السياسية السودانية، واستمرار انتكاس ثورات الشعب وابتعاد الأفق الديمقراطي.
إن إصلاح الأحزاب السياسية ربما تكون أهم خطوة نحو التوجه الديمقراطي، وسوف لن ينجز بدون ضغوط شعبية كبيرة ووعي بأهمية الإصلاح في حد ذاته وبأهدافه القريبة والبعيدة المدى، وربما يحتاج ل "قدوة" قد تبرز من ضمن الزعامات التقليدية أو غيرها، تؤمن بأهمية ذلك الإصلاح للحياة السياسية وللحزبين ولتنمية الوطن، ومن خلال فهم الواقع الحالي المبني على فهم التغييرات العميقة التي مرت بها المجتمعات في أقاليم السودان المتعددة. وربما يُمكن القول أن أهمية وجود قائد تقليدي ذو فكر تقدمي ربما يكمن في قيادته لحركة الإصلاح بوتائر متسارعة، ومما قد يزيد من زخمها سعى الشعب إليها إذا أتضح صدق من يقودها وإن قيادته لها تنبع من إيمان واضح بأهميتها وليس لتحقيق أهداف شخصية بحتة وإن ذلك التحول يتم وفق أسلوب سلمي ومتأن ومدرك لأهمية هذا العمل.
أن الزعماء المتعاقبين على مدى تاريخ الحزبين الكبيرين نجد أنهم قد جمعوا كل السلطات الدينية والسياسية والاجتماعية وغيرها، وبعد أكثر من ستة عقود في قيادة العمل السياسي والحزبي لم يبقوا لأي من الحزبين كيان يذكر، أو تقاليد يعتد بها. فنجد زعيم أيا من الحزبين العريقين بقي وحيدا في المشهد السياسي العام لا يؤازره سوى أبناءه وبناته وأهله المقربون وقلة قليلة من ذوي الولاء الأعمى لأسرته، ومع شديد احترامنا لهم جميعاً، فالواضح إن أداء أيا من الحزبين لم يشهد أي تطور في أي منحى بل كان يشهد انحدارا في تدهور وتفكك متواصل، وإذا أخذنا أداء الحزبين في الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة، بغض النظر عن سلامة تلك الانتخابات من عدمها، فقد كان أداؤهما بائساً في كل الأصعدة لا ينبئ عن تاريخ ولا يستشرف مستقبل.
وكون أن العملية الحزبية في هذه الطائفية أو تلك يقودها أفراد محترمون، ينتمون لتلك الأسرة المحترمة، فقد رأينا كل منهم عند كل خلاف أو اختلاف، يذهب أحدهم بجزء من جماهير الحزب الأساسي، ويبدو أن اللوم يقع في المقام الأول على زعيم الطائفة والحزب الذي لم يتغير ولم يفعل شيئا في سبيل الإصلاح والتطوير، بل الكثير وحتى من الموالين للطائفة والأسرة والحزب يعتقدون أن الزعيم تقوده رغبته في الانفراد بالرأي وفي الاستئثار بكل السلطات ويؤدي ذلك بالضرورة للانغلاق عليه وعلى أفراد أسرته التي لا يبدو أنهم ينافسونه في احتلال أيا من مناصبه، ولكننا هنا لسنا في مجال الانتقاص أو البخس للحق أو التجريح، بل هدفنا النقد البناء لفتح نوافذ وأبواب كبيرة للنظر للمستقبل لتطوير الأحزاب السياسية السودانية جميعها وعلى رأسها الحزبين التقليدين الكبيرين.
نعتقد أن الإرث التاريخي لزعيمي أي من الحزبين الكبيرين ولأسرتيهما سيكون مقدراً وممجدا ومبجلا من الجيل الحالي والأجيال القادمة لو أن أي منهما استغل هذه الفترة الحرجة والتي ربما تمثل الفرصة الأخيرة المُتاحة للبدء الجدي في بناء الحزب الذي يتزعمه وفق أسس ديمقراطية راسخة ومستدامة بعيداً عن الطائفية والمحسوبية ومما كان سائدا من ممارسات أخرى. فإن الإسراع في البدء في الإصلاح وتطوير الحزبين التقليدين الكبيرين سيكون له أهداف وطنية ومجتمعية سامية، وسيفرز برامج سياسية واضحة لكل المسائل وفق متطلبات المراحل المختلفة، ولسوف يكون لكل حزب هياكل ومؤسسات شفافة وواضحة تقوم على الممارسة الديمقراطية الحقة للعمل الداخلي ولها نظمها التي لا تقبل إلا باختيار الأصلح والأكفأ والنزيه والمتفاني، ومن ثم تعمل على خلق قاعدة حزبية تقوم على جذب الشباب ببرامجها وأهدافها وتطلعاتها السياسية الداعية لتحقيق الديمقراطية والتنمية ورفاه المجتمع، وهنا تبرز ضرورة أن يبتعد أفراد أيا من الأسرتين العريقتين عن قيادة أيا من الحزبين تدريجيا في المرحلة الحالية على الأقل، ليس كنوع من العزل السياسي وإنما دفعا للنجاح، فقد لعب الكثير منهم أدواراً يشكرون عليها ولكن التاريخ سيقرر مدى تبجيل إرثهم التاريخي بدورهم في تأهيل الحزبين الوطنيين الكبيرين للديمقراطية البعيدة عن الطائفية والتوريث.
إن هذا الأمر ينطبق كذلك على بقية الأحزاب السياسية الأخرى فكلها تحتاج لدماء شابة جديدة تخرجها من التيبس الذي تعانيه، إلا أن الحزبين الكبيرين ربما بتاريخهما ووسطيتهما يشكلان أساس الحياة السياسية في السودان، ويتوقع أن ينتج عن إصلاحهما تطور كبير وقبول شعبي قد يدفع بجماهير كبيرة للإنضمام لهما وبالتالي تنامي التأييد لبرامجهما السياسية من الغالبية العظمى من الطبقة الوسطى وجماهير العمال والمزارعين، إن الممارسة الديمقراطية الحقة يجب تبدأ من كياناتهما، وكياناتهما في حاجة ماسة إلى إصلاحات جذرية وعميقة وسريعة تنتهج المبدأ الديمقراطي وتعمل على ترسيخه فكراً وممارسة وتطبيقا وتنظيما وعملا.
وهنا لا بد من التأكيد أن للجماهير السودانية المنتمية وغير المنتمية للأحزاب السياسية دور كبير في الضغط على تلك الأحزاب ودفعها نحو الإصلاح لتحقيقه وتأصيله وترسيخه لأن تلك الأحزاب كمؤسسات الدولة السودانية، فقد قام بأنشأ تلك الأحزاب وخاصة التقليدية منها الخريجون والمناضلون والسياسيون في مرحلة التحرر الوطني، فهي بالتالي ودون أدنى شك تعتبر ملكا لجماهير الشعب السوداني وليس لأسر بعينها بغض النظر عن التضحيات المُقدرة التي قدمها بعض أفراد تلك الأسر التي سيطرت ولا تزال تسيطر على تلك الأحزاب الجماهيرية. ويُمكن القول أن نجاح الحياة السياسية يستند بالأساس إلى نجاح أداء الحزبين الكبيرين كما أن نجاع النشاط الكروي يعتمد على تطوير أداء الناديين الكبيرين.
وأولى الخطوات قد تكون بتأكيد الاقتناع التام بأن هذين الحزبين "ملك حر" للشعب السوداني وأنهما نابعين من إرث تاريخه النضالي والسياسي والاجتماعي، وإن الإصلاح يبدأ ببيان الأخطاء والممارسات غير السوية والاعتراف بها وطرحها للنقد بغرض التعديل والإصلاح دون الميل نحو القدح والشتم والذم بل بالاتجاه والانحياز التام نحو تغليب الهدوء والتفاكر العميق والمنطقي في استشراف المستقبل والسير نحوه بسلمية وموضوعية وإيمان بإرادة هذا الشعب وحب هذا الوطن.
إن المساهمة في ترسيخ الحياة الديمقراطية في السودان كونها الأساس المتين للاستقرار والتنمية في هذا البلد المترف الغني بكل شيء بدأ من أفراد شعبه بأخلاقياتهم العالية وتقاليدهم الإنسانية العظيمة وقيمهم النبيلة وصولا لأرضه وأنهاره ومعادنه الثمينة وثرواته الكثيرة فوق ترابه الغالي وتحته. فالتطورات العالمية الحالية حدت كثيراً وستحد من إمكانية التنقل والعمل على نطاق الإقليم والعالم وكذلك سنشهد قريباً رجوع كثير من المغتربين من دول العالم الأخرى، ىإذا فليس لنا ولأبناءنا وأحفادنا سوى هذا الوطن الذي يحتاج لجهدنا جميعا لتنميته وتطويره والحفاظ عليه، إن بلدنا غني حباه الله بكل شيء وعلى شعبه العمل على ترسيخ الديمقراطية وللبدء في تحقيق التنمية مع القضاء العاجل على الفساد ومصادره.
Ahmed Noah [[email protected]]
/////////////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.