شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    نصف مليون دولار!!:ياللهول    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    بالصورة والفيديو.. على طريقة عاشق "عبير".. فتاة سودانية تصعد مكان مرتفع بمنزلها وترفض النزول دون تنفيذ مطالبها..شاهد رد فعل والدتها!!    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تقدم المجتمعات المسلمة بين المنظورين السياسى والحضاري .. بقلم: د.صبري محمد خليل
نشر في سودانيل يوم 10 - 09 - 2012

د.صبري محمد خليل/ أستاذ بجامعه الخرطوم/ تخصص فلسفه القيم الاسلاميه
[email protected]
بين المنظورين السياسي والحضاري: ان تقدم المجتمعات المسلمة هو فعل ذو أبعاد متعددة متفاعلة، وبالتالي لا يمكن أن يتحقق من خلال رؤية جزئيه، تركز على بعد معين وتتجاهل الأبعاد الأخرى، بل من خلال رؤية شامله، لا تستبعد اى بعد من الأبعاد. ونموذج لهذه الرؤية الجزئية هو صيغه معينه للمنظور السياسي لتقدم لمجتمعات المسلمة، تقوم على التأكيد على البعد السياسي لتقدم هذه المجتمعات،لكنها تتطرف فى هذا التأكيد لدرجه إلغاء او التقليل من أهميه الأبعاد الأخرى، ومنها البعد الحضاري رغم انه أكثر شمولا، ومن جهة أخرى فان هذه الصيغة (التي يمثلها مذهب التفسير السياسي للدين ) تساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، من خلال جعل الامامه "السلطة" أصل من أصول الدين، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة القائم على ان الامامه من فروع الدين وليست من أصوله، يقول الإيجي : « وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا »(المواقف : ص 395). وهنا نقدم صيغه معينه للمنظور الحضاري لتقدم المجتمعات المسلمة تركز على البعد الحضاري لتقدم المجتمعات المسلمة دون إلغاء الأبعاد الأخرى.وهناك العديد من الفوارق بين المنظورين السياسى والحضاري، فعلى سبيل المثال فان الفعل السياسى "الذي يشكل المضمون العملي للمنظور السياسى" يهدف إلى الانتقال مما هو كائن إلى ما هو ممكن ، بينما الفعل الحضاري " الذي يشكل المضمون العملي للمنظور الحضاري ،يهدف إلى الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون، والفعل السياسى يقوم على الصراع بين الأحزاب من اجل الوصول للسلطة،"بينما يقوم الفعل الحضاري على التقاء قوى الامه من اجل تحقيق أهداف الامه المشتركة، والفعل السياسى قد يتصف في بعض حالاته بالانيه، بينما الفعل االحضارى يتصف بالتدرج الذي اقره الإسلام" المرحلة المكية / المرحلة المدنية" ، ويتمثل في حمل الإنسان لحضارته من الماضي، تنميتها فنقلها إلى جيل مقبل هذا التدرج غير أن هذه الفوارق وغيرها لا تجعل العلاقة بين المنظورين الحضاري والسياسي علاقة تناقض وليس علاقة تكامل ، إلا في حاله التأكيد على احد المنظورين وإلغاء المنظور الأخر.
المنظور الحضاري: تنطلق هذه الدراسة من منظور حضاري ، مضمونه أن الإسلام ليس دين فقط، بل هو دين وحضارة،وان الإسلام قد وضع أصول المنظور الحضاري "الاسلامى" ،وترك للمسلمين أمر الاجتهاد في وضع فروعه.
حضارة إسلاميه وليس إسلام حضاري: وقد استخدم البعض مصطلح الإسلام الحضاري للتعبير عن المنظور الحضاري الاسلامى، لكن هناك الكثير من الإشكاليات المتعلقة بالمصطلح ، فالمصطلح يوحى بأنه ليس ثمة إسلام واحد ، وان هناك إسلام حضاري وأخر غير حضاري، فضلا عن نسبه الاصل(الإسلام) إلى الفرع(الحضارة). لذا نفضل استخدام مصطلح الحضارة الاسلاميه أو المنظور الحضاري الاسلامى.
تعريف الحضارة: وقد تعددت تعريفات الحضارة، والتعريف الذي نأخذ به هو تعريفها بأنها نسق معرفي مركب ،استنادا إلى أن المعرفة تسبق العمل" إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات" ،وطبقا لهذا التعريف لا تكون الحضارة شخوصا قائمه خارج الإنسان، وان ما هو خارج الإنسان من تراث فكرى أو فني أو صروح ماديه هي آثار حضارته ودلائلها ورموزها، و الإنسان من كل جيل هو حامل حضارته من الماضي ، ومنميها فناقلها إلى جيل مقبل ، وشخصيه الإنسان هي المجال الرئيسي لاكتشاف اى حضارة (د. عصمت سيف الدولة،عن العروبة والإسلام،مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1988، ص 345)، ذلك ان لمصطلح الشخصية دلالتين : الأولى: الانفراد اى ما يميز شخصاً عن آخر ،والثانية:الاشتراك اى ما هو مشترك بين كل الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد وتتضمن الدلالة الاخيره الهيكل الحضاري بما هو (مجموعة القواعد التي تحدد لكل فرد ما ينبغي أن يكون عليه موقفه واتجاهه وسلوكه في مواجهة الغير من الأشياء والظواهر والناس، يكتسبها من انتمائه إلى مجتمع معين). كما يقوم هذا التعريف على تعدد الحضارات ، اتساقا مع سنه التعدد التكويني (الاجتماعي ) التى اقرها القران الكريم ، ومضمونها انتماء الناس لوحدات اجتماعية متعددة (في المكان)هي أطوار الاستخلاف الاجتماعي ( بتتابعها خلال الزمان) مثل الأسرة﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾.والعشيرة﴿﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾و القبيلة والشعب﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾و الأمة التى مناط الانتماء اليها اللسان لا النسب والأرض الخاصة (اى الديار بتعبير القران ) قال(صلى اله عليه وسلم )( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، وقال تعالى﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين﴾ ( الممتحنة:8)، وطبقا لهذا فان لكل طور تكوين اجتماعي حضارة معينه تصاحبه،لا تتأخر عنه ولا تتقدم عليه ، فهناك حضارات قبليه وحضارات شعوبيه وحضارات قوميه...
أصول المنظور الحضاري:
المستوى الفردي : فعلى المستوى الفردي وضع الإسلام أصول السلوك الحضاري: فحث على الاستئذان قبل دخول البيوت كما فى قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا }. وحث على النظافة الشخصية كما فى قوله صلى الله عليه وسلم ( خمس من الفطرة: الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقص الشارب)(متفق عليه)، وحث على اماطه الاذى عن الطريق كما فى الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة : (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان )، ونهى عن الجلوس فى الطرقات الا بضوابط كما فى حديث أبي سعيد الخدري الصحيح المشهور قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( إياكم والجلوس في الطرقات ) قالوا يا رسول الله : مالنا بد من مجالسنا نتحدث فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما إذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه) قالوا : وماحق الطريق يا رسول الله ؟ قال : (غض البصر وكف الأذى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) . ووضع قواعد ذوقيه لتناول الطعام كما فى قوله صلى الله عليه وسلم( سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك )،وحث على تبادل الهدايا كما فى قوله صلى الله عليه وسلم "تهادوا تحابوا"، وحث على السلام والمصافحه كما فى قوله صلي الله عليه وسلم: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا"،وحث على التبسم كما فى قوله صلي الله عليه وسلم "تبسمك في وجه أخيك صدقة".
المستوى الاجتماعي: اما على المستوى الاجتماعي فقد ظهرالاسلام في منطقه ساد فيها التخلف الحضاري بكل أشكاله ، فانتقل بها في فتره وجيزه إلي التقدم الحضاري بكل أشكاله، فقد ساد التخلف الاجتماعى ممثلا في الواقع القبلي( بكل علاقاته الوثنيه" تعدد الالهه رمز لتعدد القبائل" والعرقيه والعصبيه)أو الشعوبي المنغلق على ذاته، فارتقى بسكان المنطقة إلي أن يكونوا شعب في المدينه، ليلتحم مع غيره من الشعوب ، ليكون فيما بعد أمه ذات حضارة إنسانيه. كما ساد التخلف الفكري ممثلا في سيادة أنماط التفكيرالاسطورى في الشعوب والقبائل التي تسود المنطقة، ثم جاء الإسلام فهدي الناس إلي أعمال العقل، وانشأ المسلمون نتيجة ذلك أنماط متعددة من التفكير العقلاني الذي لا تناقض الأيمان أو الوحي، وان كانت تناقض بالتأكد نمط التفكير الأسطوري. كما ساد التخلف العلمى ممثلا في سياده أنماط التفكير الخرافي في هذا المنطقة عندما كانت مجتمعاتها في الأطوار القبلية والشعوبية ،وعندما جاء الإسلام هدى الناس إلي أصول منهج البحث العلمي، وترك لهم الاجتهاد في وضع فروعه واستعماله، ولم يحتاج المسلمون إلي كثير من الوقت لاحتلال المراتب الاولى في كثير من العلوم، كما ساد انتهاج الأسلوب العلمي في التفكير والحركة.
غير انه نتيجة لعوامل داخليه (شيوع التقليد وقفل باب الاجتهاد ، شيوع البدع،الاستبداد...) و خارجية( الغزو المغولي، الصليبي، الاستعمار، القديم والجديد) دخلت هذه المجتمعات فى حاله من تخلف النمو الحضاري بكل أشكاله ، فظهر تخلف النمو الاجتماعي اى حال هذا التخلف فى النمو الحضاري دون أن تبرز الأمة كطور ارتقت إليه القبائل والشعوب،يمكن من خلاله حل مشاكل الناس المتجددة،وهنا بدأ الناس في البحث عن حل مشاكلهم من خلال علاقات أخرى أضيق (العشائرية، القبلية، الشعوبية، الطائفية ) فظهرت العنصرية والطائفية والقبلية... وظهر تخلف النمو الفكري ممثلا فى التزام هذه المجتمعات بنمط تفكير مختلط (عقلانى /اسطورى )، وظهر تخلف النمو العلمي ممثلا فى التزام هذه المجتمعات بنمط تفكير مختلط (علمي/ خرافي )... وأخيرا فان الانتقال بالمجتمعات المسلمة مما هو كائن " تخلف النمو الحضاري بكافه أشكاله" ،إلى ما ينبغي أن يكون "التقدم الحضاري بكافه أشكاله" لا يكون الا بالعمل المشترك وااتدريجى على الفاء العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى حدوثه . كما ان تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يكون بإلغاء القيم ألحضاريه للشخصية المسلمة (كما يرى التيار التغريبي)، كما لا يكون بالإبقاء على هذه الشخصية كما هي كائنة ،والإبقاء على المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية ،التى مصدرها تخلف النمو الحضاري للمجتمعات المسلمه، بإضفاء القداسة عليها بإسنادها إلى الدين بل يتحقق التقدم الحضاري بالعمل على إلغاء المظاهر السلوكية والفكرية السلبية التي مصدرها تخلف النمو الحضاري لهذه المجتمعات والإسلام كدين منها براء( كالتعصب المذهبي والطائفية...)، لتبقى القيم الحضارية الاسلاميه(كقيم الانسانيه،المساواة،الحرية،العدالة...) لتسهم إيجابياً في بناء مجتمعات مطهره منها، وإنتاج مظاهر سلوكية وفكرية إيجابية(كاحترام الإنسان من حيث هو إنسان، المواطنة...) ،.
التقدم الحضاري ومشكله الاصاله والمعاصرة : ترتبط مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري في المجتمعات المسلمة بمشكلة الاصاله والمعاصرة ؟ و هناك ثلاثة مواقف من هذه المشكله يعبر الموقف الثالث منها (التجديد) عن المنظور الحضاري الاسلامى:
الموقف الأول: القبول المطلق (التقليد): يقوم على تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي ، والعزلة عن المجتمعات المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه هو موقف يقوم على الوقوف عند أصول الدين وفروعه.و التَّقْلِيدِ بالاصطلاح الشرعي قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ بِلَا حُجَّةٍ يَذْكُرُهَا ( شرح المحلي على الورقات(. وقد ذم القران التقليد (وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه اباءنا)(لقمان:21). كما نهى عنه ألائمه :يقول الامام ابو حنيفه(حرام على من لم يعرف دليلي ان يفتى بكلامي، فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا( ابن عبد البر، فى فضائل ألائمه والفقهاء، ص145 ).ويقول الإمام احمد بن حنبل( لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعى ولا الثورى، وخذوا من حيث اخذوا) (ابن القيم اعلام الموقعين،ج2، ص302).
الموقف الثاني: القبول المطلق (التغريب): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور ، وتبني قيم المجتمعات الغربية. في منظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم حضارة أخرى تناقض أصول الدين وفروعه (وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف بهذا التناقض). فهو موقف يقوم على الرفض المطلق من هذه الجهة. ومن جهة أخرى يقوم على القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية .
الموقف الثالث: الموقف النقدي (التجديد): والتجديد هو الموقف الذي يعبر عن المنظور الحضاري الاسلامى كما سبق ذكره لان الفعل الحضاري لا يقوم فقط على حمل الإنسان لحضارته من الماضي ونقلها إلى جيل مقبل ،بل أيضا تنميه الإنسان لحضارته،ويقوم هذا الموقف على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة ، سواء كانت من إبداع المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.والتجديد فى الاصطلاح الشرعي اجتهاد فى فروع الدين المتغيرة مقيد (محدود) بأصوله الثابتة قال (صلى الله عليه وسلم) "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (سنن أبى داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر فى قرن المائة ح رقم 3740) ، عرف العلماء التجديد فى الحديث(بإحياء ما أندرس من معالم الدين، وانطمس من أحكام الشريعة وما ذهب من السنن، وخفي من العلوم الظاهرة والباطنة)(فيض القدير 1/ 10- 2/282.). وبالتالي فان التجديد الوارد فى الحديث هو تجديد لفروع الدين(التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة) مقيدا بأصوله (التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) . ويترتب على هذا ان التجديد المذكور فى الحديث لا ينطبق على الوقوف عند أصول الدين وفروعه(التقليد)، ولا رفض أصول الدين وفروعه (التغريب).
الاستفادة من الإسهامات الحضارية للأمم الأخرى: ويقوم المنظور الحضاري الاسلامى على تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين للإسهامات الحضارية للأمم الأخرى، إلى موقف نقدي قائم على اخذ وقبول ما يتسق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يتناقض معهما .فقد استفاد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة الأحزاب من الفرس فى صنع الخندق ، ورد فى عون المعبود (سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره - عليه الصلاة والسلام - لما أشار به سلمان الفارسي فإنه من مكائد الفرس دون العرب)، و استفاد عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) من الفرس في تدوين الدواوين ، يقول ابن الأثير(الديوان هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وأول من دون الدواوين عمر، وهو فارسي معرب)، كما قرر علماء أهل السنة جواز الاستفادة من إسهامات الأمم الأخرى في الأمور الدنيوية بشرط عدم تناقضه مع الدين، يقول ابن تيمية ( "فإن ذِكْر ما لا يتعلق بالدين مثل مسائل الطب والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك، وكتب من أخذ عنهم مثل محمد بن زكريا الرازي وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء؛ ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا فهذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض كما عامل النبي يهود خيبر) ( مجموع فتاوى ابن تيمية /العقيدة / كتاب مفصل اعتقاد السلف / مسألة مذهب السلف والمتأخرين في الاعتقاد والأصح منهما )، ويقول ابن القيم ( في استئجار النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن أريقط الدؤلي هادياً في وقت الهجرة - رواه البخاري- وهو كافر؛ دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا؛ فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة) (البدائع).
البعد الحضاري لمفهوم الاستخلاف : قال تعالى﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ تشير الايه إلى الوعد الالهى بالاستخلاف، كما تشير إلى أن تحقيق هذا الوعد الالهى معلق بمعرفه والتزام شروطه الذاتية" والتي عبر القران عن جملتها بالإيمان، " والموضوعية" والتي عبر القران عن جملتها بالعمل الصالح" ، وقد تولى القران بيان الشروط المطلقة للاستخلاف, وترك للناس أمر الاجتهاد في شروطه المحدودة بالزمان والمكان, وحديثنا هنا ينصب على مشاكل تخلف النمو الحضاري المشتركة للامه،حيث يطرح الواقع عددا من المشاكل هي: مشاكل التخلف والتبعية الاقتصاديين والظلم الاجتماعي (الاستكبار الاقتصادي)،مشاكل الاستبداد والتبعية السياسية "الاستعمار بشكله الجديد والقديم"(الاستكبار السياسي)،ومشاكل التجزئة و التفتيت( الاستكبار الاجتماعي )، ومشكله الهوية " التقليد والتغريب" (الاستكبار الحضاري)، وهنا نطرح الاستخلاف كمفهوم قرانى كلى" يتضمن بعدا حضاريا" كحل لهذه المشاكل، حيث نطرح الحرية(التي تمثل البعد السياسي للاستخلاف)، والعدالة الاجتماعية (التي تمثل البعد الاقتصادي للاستخلاف)،والوحدة (التي تمثل البعد الاجتماعي للاستخلاف)، والاصاله والمعاصرة(التي تمثل البعد الحضاري للاستخلاف) كحلول لهذه المشاكل،على أن تكون هذه الحلول مقيده بالقواعد الأصول ،المطلقة عن قيود الزمان والمكان ،والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة. ى كمفهوم حضاري...
- للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان نوان http://drsabrikhalil.wordpress.com)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.