قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    السودان يرحّب بالقرار 1591    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جِبَالُ النُّوبَا .. الاِنْجِلِيزِيَّة (6)
نشر في سودانيل يوم 04 - 02 - 2009


لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ
(زَعَمَ مُدَرِّسُ الدِّينِ أنَّ ثَمَّةَ مَلائِكَةً سُوداً وعَبيداً .. فَدَخَلَ يُوسُف كُوَّة الغَابَةْ)!
كمال الجزولى
(1)
(1/1) قلنا ، فى ما تقدم ، أن تغيير الحركة الشعبيَّة لغة التعليم والتخاطب من العربية إلى الانجليزية فى مناطق إدارتها بجبال النوبا ، يفضح نقص تأهُّلنا كجماعة مستعربة مسلمة فى ما يتصل بترتيب مساكنتنا للآخرين ، ونقص تأهُّل الآخرين أنفسهم فى ما يتصل بوعى مكوِّناتهم الثقافيَّة ، ونقص تأهُّل (نيفاشا) ، بالتالى ، فى ما يتصل بصون قضية (الوحدة)! وأن ما ينبغى أن نسمعه ونعقله جيداً هو أن صمتنا عن استعلاء التيار (السلطوىِّ) باسمنا تاريخياً على الآخرين يُخرج الآن ثمرته المُرَّة فى مشهدهم يثفلون لغتنا كما لطعة الدم من الحلقوم! وتساءلنا عمَّن تراه المسئول عن كل هذا: تيار الاستعلاء السلطوىِّ بيننا ، أم تيار الغفلة بين (الآخرين) عن استحقاقات (الوحدة)!
(1/2) أشرنا ، بالنسبة للشق الأول من السؤال ، لانتساب غالبنا للعنصر النوبىِّ الذى ينتمى إليه (الجلابة) فى الشمال والوسط ، حيث بالثروة والدين والثقافة واللغة والعرق تشكل تيار الاستعلاء على العبيد والمزارعين والرعاة وصغار الحِرَفيِّين المنتسبين بالأساس إلى التكوينات القوميَّة والقبليَّة فى الجنوب وجبال النوبا وجنوب النيل الأزرق ، باعتبارهم جنساً أدنى ومورداً رئيساً للرقيق والعاج وسلع أخرى كانت تنتزع بالقوة. وقلنا إن الاستعمار فاقم المشكلة لكنه لم يخلقها. وأن نخبنا التى ورثت السلطة منه اصطدمت بصعوبات معرفة (الآخر) ، فاستسهلت الأسلمة والتعريب ، عارضة الاسلام والعروبة كأيديولوجية قامِعة ، لا كطرف فى مثاقفة طبيعية تجعل من (الوحدة) مشروعاً (جاذباً)! ولكن الكثير من الأقسام التقليديَّة فى التيار (العقلانى/التوحيدى) بدأت تستيقظ ، منذ مطالع ثمانينات القرن الماضى ، على الخطر الذى تتهدَّد به هذه الخطة أشراط وجود الجماعة المستعربة المسلمة ذاتها. ولاحظنا ، من ثمَّ ، إرهاص انعطافها (العقلانىِّ) للتعامل مع (الآخر) على أساس التعايش لا الصراع ، بينما تمسَّك (السلطويون/التفكيكيون) بشروطهم ذاتها حتى لو أفضت لقصقصة الوطن كى يمسى على مقاسهم!
(1/3) وقلنا إن تمظهرات هذا الاستعلاء شكلت منذ وقت باكر صدمة للعنصر الوطنى الديموقراطى فى التيار (العقلانى/التوحيدى) ، وأقدمه الحزب الشيوعى ، مما عقد الآمال عليه (كنقيض) هادم لمشروع التيار (السلطوى/التفكيكى) ، لا كمجرَّد (خصم) معترض عليه. واستعرضنا بعض الجهود التى بُذلت تاريخياً فى هذا الاتجاه ، منذ أن طرح الحزب قبل خمسين سنة حق كل القوميات السودانية فى (الحكم الداخلى) ، أو (الذاتى الاقليمى) ، وضرورة بعث لغات ولهجات وثقافات هذه المجموعات كمكوِّنات عضويَّة للثقافة السودانيَّة ، وما إلى ذلك. وأشرنا بالمقابل لخطورة تحوُّل هذه الاطروحات إلى ترميزات ناجزة بنفسها ، إن لم يعكف أصحابها أنفسهم على ترقيتها إلى علم سودانىٍّ ثورىٍّ نافع بالمزيد من المعرفة بأوضاع هذه التكوينات الإثنيَّة. وشدَّدنا على أن (استصعاب) هذه المعرفة يغوى بالتراجع حتى عن ذلك المستوى الباهر الذى بلغه الفكر الثورى فى فترات سابقة. وفى ما يلى نواصل:
(2)
(2/1) فى حوار صحفىٍّ نشر قبيل وفاته بفترة قصيرة وجَّه محرر AFRICANEWS سؤالاً للمرحوم يوسف كوة عمَّا لوحظ أنه (يردِّده) فى أحاديثه (باستمرار) حول (شعور) يقول إنه كان يتملكه فى السابق بأنه (عربى)! فأجاب المرحوم بأنه ، بالفعل ، كان يشعر ، وإلى وقت قريب ، بأنه (عربى) لمجرَّد أنه (مسلم) ، ولكن ذلك الشعور تغير فى ملابسات اصطدامه عبر مسيرة حياته بتجارب مريرة وقعت إثنتان منها ، على الأقل ، وهو بعد تلميذ فى المدرسة الأوليَّة ، و".. كنت وقتها شديد الايمان ، أقرب إلى الأصولية الاسلامية .. وكنت أحرز الدرجات العليا فى مادة (التربية الاسلامية). غير أن المدرِّس روى لنا ذات يوم حكاية قلبت كيانى رأساً على عقب. كان الموضوع على ما أذكر عن (عذاب القبر) ، وكان المدرِّس يشرح لنا ما ينتظرنا بعد الموت ، فقال: إن كنت مسلماً فإن ملاكاً ببشرة تشعُّ نوراً سوف يصطحبك إلى الجنة ، أما إن كنت كافراً فإن ملاكاً من العبيد السود سوف يأخذك إلى النار! وتعجبت من وجود ملاك عبد! ثم تعجبت ، بذات القدر ، من اقتران عبوديَّته بسواد لونه! أربكتنى تلك الأسئلة ، غير أننى لم أفاتح أحداً بشأنها. وجاءت الحادثة الثانية أثناء إحدى حصص الدين أيضاً ، كان الموضوع عن (النساء وحقوقهن) .. وفجأة قال المدرِّس بامتعاض: النوباويات فقط هن اللاتى يشتغلن خدَّامات فى بيوت المدينة! أحسست بمهانة مزلزلة. وطفقت أراجع معتقداتى وقناعاتى السياسية ، فظهر التغيير واضحاً فى سلوكى ، وبدأت أكتب شعراً عن قضاء السود وقدَرهم ، حيث قلت فى قصيدة بعنوان (شكوى إلى الله): عبيد .. عبيد ، لأننا سود ، فهل قدرنا أن يكون لنا أسياد لمجرِّد أننا سود"؟! ثم روى عليه رحمة الله كيف تراكمت فى حياته مثل تلك الحوادث بآثارها السالبة ، مما أفضى به فى النهاية إلى الغابة ، حتى أصبح نائباً للعقيد د. جون قرنق فى قيادة الجيش الشعبى لتحرير السودان بمنطقة جبال النوبا (Interview by Stephen Amin; AFRICANEWS, Issue 61 - April 2001).
(2/2) وبالطبع فإنه لا يصحُّ ، كحكم عام ، التعويل على هذا الضرب من الخبرات الشخصيَّة وحدها فى إعادة تركيب المشهد التاريخى الكلى ، كما ولا نحسبنا أصلاً فى حاجة إلى شئ من ذلك الآن ، كوننا قد استوفيناه ، فى ظننا ، من خلال الأجزاء المتقدمة. هذا من جهة ، أما من الجهة الأخرى فإن مثل هذه الإفادات الصادرة عن قائد مرموق فى قامة المرحوم يوسف كوة لا يمكن أخذها إلا على محمل الاسقاط لخبراته المؤلمة الباكرة كإنسان ، والكامنة ، ولا بد ، فى قاع خلفية نشاطه العام كسياسى وكعسكرى ، دون إعطائها ، على أيَّة حال ، حجماً أكبر من حجمها فى نسق العوامل المكوِّنة لشخصيته كمناضل. لكن ، ومع ذلك كله ، ينبغى عدم إغفال الحقيقة المتمثلة فى أن هذه الحالة المحدَّدة تتجاوز خصوصيَّة فرديَّتها لتكشف عن (العام المجرَّد) الذى هو سمة متكررة فى ظاهرتها ، كما وعن (العام العيانى) الذى يجسِّد قانون أو نسق الروابط فيها ، بما يشكل مقطعاً مستعرضاً cross section لتسرُّباتها أحياناً ، لدى كلِّ أشباهها ونظائرها ، بين (اللاوعى) و(الوعى) فى مجمل النموذج النمطى لاحتجاج (الهامش) بتمظهراتها المعتادة ، خصوصاً فى الجنوب وفى الغرب ، مما درجت أيديولوجيا الاستعلاء السلطوى على تسميته (حركات تمرُّد) أو (حركات عنصريَّة). وربما كان قريباً جداً من ذلك ما سبق أن أوردنا عن أنتونى مورلاند ، مراسل (AFP) ، بشأن تفسير سايمون كالو ، مدير تعليم الحركة بجبال النوبا ، لخلفيات قرارهم فى 2001م بإحلال الانجليزية محل العربية كلغة للتخاطب والتعليم فى مدارس الغابة ، حيث لم يكتف فيه بتقرير أن النظام التعليمى القديم كان يهدف إلى تعريب وأسلمة النوبا ، بل حرص على أن يضيف إلى ذلك قوله: "لقد أسلمت أنا نفسى عندما كنت تلميذاً وغيَّرت اسمى لإسماعيل ، وإلا .. لما كنت أكملت تعليمى"!
(2/3) لذا فإننا قد نكون على مشارف مدخل أكثر ملائمة لمقاربة الجزء الثانى من سؤالنا الذى افترعنا به هذه الكتابة ، وهو الجزء المتعلق بمدى مسئوليَّة (الآخر) عن الراهن المعلول لقضية (الوحدة الوطنيَّة) ، من حيث عدم الفصل فى هذه المسئوليَّة بين (موضوع) النضال كجملة علاقات وارتباطات وقوانين ، وبين (ذات) المناضل كطاقة نشاط اجتماعى يقترن فيها توفر الادراك الموضوعى بالقدرة على إحداث الأثر الفعَّال. ولمَّا كان السؤال ، فى حقيقته ، يتمحور حول "مشكلة وطنية فى ظروف التخلف national question under backward conditions" (جوزيف قرنق ، 1970) ، فإن استخدامنا لمفهوم (الآخر) لا يرد هنا بدلالة (كلِّ فردٍ) فى تركيبة (الهامش) القوميَّة أو القبليَّة ، وإنما ينصبُّ على شخصية (المثقف/القائد) فى هذه التركيبة ، من زاوية المكانة التى يتبوَّأها وسطها ، فى مثل ظروف التخلف هذه ، والدور الذى يلعبه ، من ثمَّ ، لجهة التأثير الاستثنائى والخطير فى ما يتصل بتفسير المشكلة وبلورة مآلاتها النهائية فى الوعى الاجتماعى العام ، وليس من باب النفى العدمى ، بالطبع ، لفاعلية جماهير هذه التركيبة كما قد يتبادر للأذهان. بل إن هذا (المثقف/القائد) غير مستطيع أصلاً ممارسة هذا التأثير إلا من خلال استخدامه الواعى والقصدى لمنظومات القيم والمفاهيم الموجبة أو السالبة التى تتشكل فى مستوى البناء الفوقى superstructure للنشاط المادى لهذه الجماهير ذاتها فى مختلف أوجه حياتها. وإذن فدور مثقف الهامش يتحدَّد ، فى الواقع ، بحسب انتقائه النوعىِّ المتحيِّز لهذه أو تلك من القيم التى يشتغل عليها من داخل بنية الثقافة المحليَّة نفسها ، بالأساس ، وليس من خارجها ، ويعكف على إعادة إنتاجها فى الظروف الجديدة ، واستثمارها فى دعم الاستراتيجية التى يروِّج لها ويجيِّش هذه الجماهير حولها. وهكذا تقع سديدة تماماً مساءلة (الحركة الشعبية) عن رؤيتها النهائية لقضية (الوحدة) من زاوية الفكر السياسى الذى تتبناه ، دون إغفال لجملة الرؤى والمشاعر التى تضطرم فى عقول ووجدان قادتها ورموزها ، عسكريين ومدنيين ، فتحدِّد خياراتهم ، وترسم توجهاتهم ، وتنعكس بالضرورة على ديناميات المؤسَّسات التى يتوسَّلون بها لتحقيق برامجهم ومشاريعهم.
(3)
(3/1) ونبدأ باختبار فرضية رئيسة مفادها أنه ، وعلى الرغم من جريان مياه كثيرة تحت الجسور السياسية فى السودان ومحيطه الاقليمى والعالمى منذ العام 1983م ، إلا أن المفهوم الأيديولوجى (للسودان الجديد) ، باعتباره عظم الظهر بالنسبة لبرنامج الحركة الشعبية لتحرير السودان ، مما أتيح لها تطبيقه على الأرض فى مناطق نفوذها الحالية بجبال النوبا ، ما يزال متجذراً فى صميم (المانيفستو) الذى أسس لمشروعيتها عند انطلاقتها الأولى فى ذلك التاريخ. ولعل أبرز ، بل أبهى ، ما وقعت عليه العين فى تلك الوثيقة هو المكانة العليَّة التى شغلتها قضية (الوحدة) فيها ، وإن كان قد غلب عليها بوضوح مقلق نزوعها البادى لاختزال القضية برمتها فى محض مخطط مثالىٍّ تبسيطىٍّ يقصى كلَّ دعاوى التنوُّع والتعدُّد ، ويعزوها جملة وتفصيلاً إلى مؤامرة (فرِّق تسُد) الاستعماريَّة! رغم ذلك فقد استقبلت الحركة وأطروحتها تلك عن (الوحدة) باستبشار شعبى واسع ، ومستحق فى جوهره ، مِمَّا أسهم اليسار الماركسى والتيار الديموقراطى الثورى فى إزكاء حماسته. ولا غرو ، إذ لم يكن بالأمر الهيِّن بروز حركة سياسيَّة جنوبيَّة تعادى دكتاتوريَّة نميرى ، أوان ذاك ، وتتجاوز ، فى نفس الوقت ، ضيق ومحدوديَّة النظرة الاقليميَّة التقليديَّة ، لتضع قضية (الوحدة) على رأس أولويَّاتها ، دَع استهدافها إحداث تحوُّلات عميقة على مستوى السودان كله (بالتنمية) و(المساواة) و(العدالة) و(الاشتراكية). وربما كان هذا بالتحديد ، علاوة على العشم الذى لم ينقطع فى أن يفضى الحوار معها إلى المزيد من التثوير لأطروحتها ، هو ما يفسر ذلك الاستبشار والحماس اليسارى والديموقراطى الثورى الذى استقبلت به!
(3/2) وقد وقع بالفعل تطور هائل فى الأداء السياسى للحركة التى اكتسبت ، إجمالاً ، خبرات واسعة ، خلال العقدين الماضيين ، واستكملت أبنيتها الرئيسة على مختلف الأصعدة ، وصمدت أمام الانشقاقات التى استهدفتها بالاضعاف ، ونجحت فى مدِّ الجسور مع مختلف القوى ، ومتنت تحالفاتها على كلا المستويين الداخلى والخارجى ، واستحالت ، بشكل عام ، إلى رقم يصعب تجاوزه فى خارطة السياسة السودانية. لكنها ، بالمقابل ، أساءت التقدير فى أكثر من مناسبة ، وانحرفت عن الحق فى أكثر من موقف ، وارتكبت عموماً من الأخطاء العظيمة ، عموماً ، ما كبَّد مسيرة التطوُّر السياسى فى البلاد خسائر فادحة ، وليس ببعيد عن الاذهان ، على الأقل ، قراءتها المفارقة للسداد ، بكل المعايير ، لوقائع الانتفاضة الشعبية فى أبريل 1985م وما ترتب على ذلك من تغيير سياسى ، مِمَّا يعلمه القاصى والدانى.
(3/3) غير أن ما يهمنا هنا بوجه خاص تحوُّل الحركة من أطروحة (المانيفستو) القديمة بشأن قضية (الوحدة) إلى أداء سياسىٍّ عملىٍّ واصَل طرح مفهوم (السودان الجديد) ، ولكن بمضمون مغاير بدا ، للوهلة الأولى ، كما لو أنه ، بمدِّ اليد نحو تكوينات (الهامش) القوميَّة الأخرى ، قد اتجه نحو طرح أفضل لهذه القضية ، إقراراً بموضوعة (التنوُّع فى الوحدة) ، واستصحاباً لكلِّ حقوق هذه التكوينات ، وعلى رأسها حقها الأصيل فى التعبير عن تميُّزها الهويوى وازدهار ثقافاتها الخاصة. فإلى أىِّ مدى يصح هذا الفهم لمضمون الموقف الجديد ، وبخاصة فى ضوء صياغة وتطبيق (السياسة اللغويَّة) الجديدة للحركة ، أو ما يسميه سايمون كالو (بالثورة اللغويَّة!) فى المناطق الخاضعة لإدارتها بجبال النوبا؟!
(نواصل)
مناشدة:
إلى كلِّ الإخوة الأفاضل ، عرباً ونوبا ، الذين غصَّ بريدى الاليكترونى الخاص بتعليقاتهم ومناقشاتهم حول هذا الموضوع من شتى أنحاء العالم: لقد ناشدتكم عبر الردود الخاصة ، وهأنذا أفعل جهرة من بعد إذنكم ، بأن تبعثوا بهذه الآراء القيِّمة ، سواء اتفقتم أم اختلفتم ، إلى إدارة هذه الصحيفة مباشرة حتى تجد حظها من النشر. فليس ثمة ما هو أجدى من الحوار المفتوح ، وصدقونى .. لا خير فى كثير من نجوانا!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.