في مفاجأة كبيرة.. الإتحاد السوداني لكرة القدم يرفض دعوة من الأرجنتين لإقامة مباراة ودية بين "صقور الجديان" و"التانغو" استعدادا للمونديال    شاهد بالفيديو.. نجم كرة القدم المصرية الراحل: (مرة لعبنا مع الهلال السوداني وتفاجأنا أنا الطرف اليمين يبقى والد الطرف الشمال بتاعهم)    مواجهات نارية في ربع نهائي الأبطال    شاهد بالفيديو.. شباب سودانيون يحتفلون بالعيد من قلب القاهرة بالرقص بمشاركة أصدقائهم المصريين وساخرون: (الكشة بتجيكم بس ما تصيجوا)    شاهد بالصورة.. الناشطة وسيدة الأعمال السودانية رانيا الخضر تخطف الأضواء في ليلة العيد بلقطة على الطريقة الأرستقراطية    شاهد بالصورة الفيديو.. الناشط منذر محمد يعانق اليتامى وأطفال الشوارع بالخرطوم ويهديهم "كسوة" العيد والإشادات تنهال عليه    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    العليقي يؤكد اكتمال الترتيبات.. ورايون سبورت الرواندي يعلن دعمه الجماهيري للهلال في مهمته الأفريقية    عودة صلاح عادل لتشكيلة الهلال قبل موقعة بركان المرتقبة    فيصل محمد صالح يكتب: العيد في كمبالا    بالصواريخ والمسيّرات.. هجوم إيراني يستهدف 5 دول عربية    الهلال السوداني يعلن وصول السوباط إلى رواندا    البرهان: نجدد ألا هدنة ولا وقف لإطلاق النار بدون استيفاء إنسحاب وتجميع هذه المليشيا تمهيدا لاستكمال أي عملية سلمية    رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة السودانية يؤدي صلاة عيد الفطر بمسجد القيادة العامة    القائد العام للقوات المسلحة يشارك مواطني منطقة شمبات فرحة عيد الفطر المبارك    رسالة من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي    د.إبراهيم الصديق يكتب: الفولة تتفازع..    القتال وضعف الميليشيا..موسى هلال يفجرها مدوية    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    شاهد بالفيديو.. قيادي بالدعم السريع: (مرتزقة من جنوب السودان يسيطرون على مدينة "الفولة" ويطردون قواتنا وأفرادنا عردوا وتركوا نساءهم)    إيران تفتح باب المشاركة في كأس العالم 2026    مشيتك تفضحك.. هكذا يعرف الآخرون إن كنت غاضباً أو حزيناً    ترامب: سندمر حقل بارس للغاز إذا قررت إيران مهاجمة قطر    للعام التاسع على التوالي.. الفنلنديون أكثر الشعوب سعادة    غوتيريش يخاطب إسرائيل وأميركا: حان وقت إنهاء الحرب    السيسي يفاجئ الإمارات بزيارة خاطفة.. ويوجه رسالة بشأن الضربات الإيرانية    القوات المسلّحة السودانية تعلن استرداد محطة مهمة    تراجع معدّل التضخّم في السودان    ظهور لنجاة الصغيرة يفرح جمهورها.. والفنانة ترد    "رجعت الشغل تاني".. مطرب المهرجانات مسلم يعلن انتهاء أزمته    مشهد الولادة بمسلسل محمد إمام يثير غضباً.. والممثلة توضح    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    6 عادات يوصى بتجنبها في المساء لحماية القلب    دراسة : الأطعمة فائقة المعالجة تهدد كثافة العظام    ابتكار علاج لسرطان القناة الصفراوية من الحليب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مولانا جلال الدين الرومي التَرْعَة الروحية!!(2) .. بقلم: أبوبكر يوسف إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 12 - 02 - 2013


بسم الله الرحمن الرحيم
هذا بلاغ للناس
قال تعالى: «هَذَا بَلاغٌ لِلْنَّاس وَلِيُنْذَرُوْا بِه وَلِيَعْلَمُوَا أَنَّمَا هُو إِلَهٌ وَاحِد وَلِيَذَّكَّر أُوْلُو الألْبَابْ» ..الآية
توطئة ثانية:
% قرأت عنه الكثير وتقفيت آثاره ونهلت من عذب منهله الفيضي فقد قال عنه الدكتور الباحث محمود أبو الهدي في محاضرة ألقاها في مدينة ( قونية) التركية في العام 2003 حيث أفاض وأجاد بقوله الذي بهرني وتملّك وسكن وجداني :[ تتكشفُ فوقَ العالمِ سحبُ الظلمِ والظلمات، وتفترسُ الحيرةُ أفئدة الأنام، ولا يحتاج الناسُ إلى شيء كحاجتهم إلى شمسٍ يستطيع شعاعُها اختراق السحب إلى قلوب طال فيها دجى الليل].
% من خلال هذا الاستهلالة وقراءتي عن هذا العالم المتصوف الجليل مولانا جلال الدين الرومي وجدت فيه ضالتي عند استيعابي وفهم حديث الدكتور محمود أبو الهدى عنه، حيث شعرت بأن مولانا جلال الدين الرومي هو صوت ٌ يرتفع وكأنه ينادي: أيروق لكم حديث الحبِّ في وقت حملتْ إليكم فيه الكرهَ جحافلُ الطامعين ويُجيبُ الكتابُ المنير قائلاً: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) .. المائدة الآية 51 .. ويطلُّ علينا من أولئك القومِ وجهُ القمرِ المنير مولانا جلالِ الدين البدرِ الذي استغرق قلبه في شمس الحقيقة حتى صار شمساً فأنار للخلق ربوعهم في كل حين. وإنني إذ أخطُّ بقلمي كلماتٍ على أذيال تلك الشمس، أعترف بالعجز والقصور عن إدراك سناها العظيم، لكنها خيوط تستمد منها لتنسج على رفرف عبقريّها الحسان.
الحاشية:
% لم يكن غريباً أن يسلك مولانا الرومي ذلك المسلك وطفولته وشبابه وأسرته لا تخرج عن ذلك المضمون العلمي والعملي والذوقي، فقد كان كما قالوا – (مصباحاً مطهراً منظفاً سكب فيه الزيت ووضع له الفتيل وابتغاء إشعال هذا المصباح لا بد من النار).فوالده واعظ صوفيٌ عالم، وطفولته شهد تاريخها أعلام الذوق والمعرفة كالعطار، وابن عربي الذي صرخ – كما يروى – حين رآه في طفولته ماشياً خلف والده: (سبحان الله محيط يمشي خلف بحيرة). وأغنى سلوكه سفره المتواصل بصحبة أسرته من الشرق إلى الأناضول مروراً بمكة ودمشق وحلب. ودفعته سريعاً إلى الصدارة وفاة والده وهو في ريعان الشباب. وقربه من روحانيته أكثر فأكثر قدوم (برهان الدين) أحدِ تلامذة والده من الشرق، فصحبه وتأثر به. لكن الحدث الأكبر الشهير الذي أدخله في السلوك الصوفي حقيقة كان لقاؤه بشمس تبريز، وأنشده الشمس من ديوان سنائي: (إذا لم يحرر العلم النفسَ من النفس فإن الجهل خير من علم كهذا)).فأشعل في قلبه جذوة الشوق إلى المعرفةِ، ودخل مع شمسه خلوة أنضجته.
% قال مولانا الرومي: (دون العون المنقذ لسيدي شمس الحق التبريزي لن يكون في وسع أحد أن يتأمل القمر أو يغدوَ البحر).ومع أن صحبته للشمس كانت قصيرة؛ لكنها أغنت روحه بأشواق وإحراق، فلما غاب الشمس غيبته الأولى ألهب بغيبته قلبه، ولما غاب غيبته الثانية نظر في باطنه فوجده فيه.. وبعدها سلك سلوكاً خاصاً بارتكاب المشاق ملتذاً بها أيما التذاذ، فكان في الشتاء القارص يصعد إلى السطح ويقضي الليل كله في الصلاة والنحيب، حتى تتورم قدماه، وكان يصوم إلى درجة الهزال والنحول. تلك هي عناوين سلوكه في مبتدئه الروحي. وها هنا نجد قلباً آمن وصدق حتى صار صدِّيقا، وبدلاً من الخوض في متاهات التخيل العقلي جلا مرآة قلبه فانطبعت فيها من غير كلفة حقائق الغيب. وقال لأصحابه:(جاء صديقٌ ليوسف من السفر فسأله يوسف: ماذا أحضرت لي من الهدايا؟ فقال الصديق: وأي شيء ليس عندك، وأنت محتاج إليه؟ ولكن لأنه لا يوجد من هو أجمل منك أتيت لك بمرآة لكي ترى فيها وجهك كل لحظة. فأي شيء ليس عند الحق تعالى، وهو محتاج إليه؟ ينبغي أن يقدم الإنسان للحق تعالى قلباً صافياً مضيئاً ليرى ذاته فيه(إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم)فإذا جليت مرآة القلب فلن ترى فيها غير المحبوب، والقرآن هو وصف المحبوب لأن الكلام صفة المتكلم، لهذا لم يكن مولانا الرومي يبحث عن المحبوب إلا في المحبوب، وقال: (التمس معنى القرآن من القرآن وحده) ..وكأنه يتمثل في ذلك قول سنائي: كل شيء لا تحصل عليه حتى تبحث عنه إلا هذا الحبيب لن تبحث عنه حتى تحصل عليه (ورسخ الشمسُ التبريزي لديه الاستمدادَ من ينبوع الوحي، لأن كل الكلمات وروائعِ الأدب الصوفي لم تكن عند شمس ترقى إلى رتبة حديث نبوي صحيح واحد0)
% دافع مولانا بقوة عن كل حقائق القرآن، وصرخ في أسماع العالم مبيناً له أنها ليست من وضع النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:(رُغم أن القرآن من شفتي النبي فإن كل من يقول إن الحق لم يقله كافر)
وكذا بقوله: كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يخبر عن أناس وأنبياء مضوا قبل وجوده بعدة آلاف من السنين وماذا سيكون حتى آخر الدنيا وعن العرش والكرسي.... كيف يخبر الحادث عن القديم وهكذا غدا معلوماً أنه ليس الذي هو كان يقول بل الحق هو الذي يقول: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى).. وتفاعل مع كلمات القرآن تفاعلاً كبيراً، فكان تارة يكررها بألفاظها: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، ثم يعلق بقوله: (ولأن الله قال: (زُين) فإنها ليست جميلة حقاً بل إن الجمال فيها مستعار، وآت من مكان آخر. عملة زائفة مطلية بالذهب).. ومن أكثر الآيات وروداً في كتبه ودواوينه: آية النور في سورة النور (مثل نوره)، وآية المعرفة في سورة الأعراف (ألست بربكم)؟!، وكان تارة أخرى يقتبس من معاني القرآن أو يعبر عن آياتٍ بنفس معانيها، لكنْ بألفاظٍ أخرى. ومن ذلك قوله: (طرنا مع آية الكرسي نحو العرش فرأينا الحي، وبلغنا القيوم).. (لِمَ يبكي الإنسان على يوسف النفس في البئر؟)..(فاجذب مثال (إنا أعطيناك) إلى السائل المحروم.. عندما تتلو الشفة (الحمد) أعطها نقلاً وخمرة من دون حد.. وعندما تتلو (ولا الضالين) اجذبها إلى الدلائل.. أسير الألم والحسرة أعطه رسالة (لا تأسوا).. ( يونس السجين في بطن الحوت نجا). أعدّ صومعة مريحة ليونس في الحوت، وأخرج أخيراً يوسف من غيابة الجب) (يوسف بعد احتمال محنهِ بصبرٍ نَعِمَ بالسعادة ووصل إلى أعلى وظيفة في مصر) .. (إبراهيم الخليل خليل الله هو المسلم الحق الذي لا يحب الآفلين لكن النار صارت برداً وسلاماً عليه).. (فِيَلةُ العدو قُتِلت على نحو معجز بوساطة الطير الأبابيل).. ومن هنا فإن فكّ الأغلال الخارجية يوم البعث، عندما تُخرج الأرض أثقالها(33) سيكون تحريراً للبشر).. ويذكر النبي يوسف مفسراً للأحلام .. يذكر عادَ وثمودَ ، ويذكر أيوب الصابر في بلواه.. ويحكي كيف أصيب يعقوب بالعمى من الحزن واشتياقاً إلى يوسفَ مثالِ الجمال.. ويشبِّه نفسه بداود الذي يخاطب الطير مرتلاً أغزاله كأنها كتاب المزامير وترى مولانا الرومي بعد هذا يدافع بقوة عن أحكام فقهية قرآنية، كدفاعه عن حكم القرآن في القصاص من القاتل بالقتل فيقول: (قال الله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)، لا شك بأن القصاص شر وهدم لبنيان الله تعالى، ولكن هذا شر جزئي، وصون الخلق عن القتل خير كلي، وإرادة الشر الجزئي لإرادة الخير الكلي ليست بقبيحة، وترك إرادة الله الجزئية رضاء بالشر الكلي فهو قبيح) ويحكم مولانا الرومي بحكم القرآن الكريم على الخنزير أنه نجس، ويستخدمه للتمثيل بالصفات البشرية المنحطة ولم يكن مولانا يعبر في بيانه عن حقائق القرآن وحسب، إنما كان يعبر عن الوحي الثاني في الحديث النبوي الشريف، إما بإيرادٍ للحديث بلفظه، أو بإدخال شروح دقيقة تبرز ما خفي فيه من المعاني.
% يقول مولانا الرومي: قال النبي عليه الصلاة والسلام: اعلم أن (المؤمن كالجمل)، ثمِلٌ دائماً بالحق الذي يقوده كسائق الجمل) ولفظ الحديث: الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ (أي الذلول) حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ فأورد لفظ الحديث ثم دخل إلى حقيقة تستتر خلف ألفاظه بقوله (ثمِلٌ دائماً بالحق الذي يقوده) وهو بيان لسر سهولة انقياد المؤمن الذي ورد في مناسبة هذا الحديث. ومما تقدم يظهر انفعال مولانا الرومي الكبير لحقائق الوحي تصديقاً وإيماناً ومنافحة.
% لم يكن غريباً أن يسلك مولانا الرومي ذلك المسلك وطفولته وشبابه وأسرته لا تخرج عن ذلك المضمون العلمي والعملي والذوقي، فقد كان – كما قالوا – (مصباحاً مطهراً منظفاً سكب فيه الزيت ووضع له الفتيل وابتغاء إشعال هذا المصباح لا بد من النار) ..فوالده واعظ صوفيٌ عالم، وطفولته شهد تاريخها أعلام الذوق والمعرفة كالعطار، وابن عربي الذي صرخ – كما يروى – حين رآه في طفولته ماشياً خلف والده:(سبحان الله محيط يمشي خلف بحيرة)!! ..وأغنى سلوكه سفره المتواصل بصحبة أسرته من الشرق إلى الأناضول مروراً بمكة ودمشق وحلب. ودفعته سريعاً إلى الصدارة وفاة والده وهو في ريعان الشباب .وقربه من روحانيته أكثر فأكثر قدوم (برهان الدين) أحدِ تلامذة والده من الشرق، فصحبه وتأثر به ،لكن الحدث الأكبر الشهير الذي أدخله في السلوك الصوفي حقيقة كان لقاؤه بشمس تبريز، وأنشده الشمس من ديوان سنائي:
إذا لم يحرر العلم النفسَ من النفس فإن الجهل خير من علم كهذا
فأشعل في قلبه جذوة الشوق إلى المعرفةِ، ودخل مع شمسه خلوة أنضجته
% قال مولانا الرومي:
دون العون المنقذ لسيدي شمس الحق التبريزي لن يكون في وسع أحد أن يتأمل القمر أو يغدوَ البحر
ومع أن صحبته للشمس كانت قصيرة؛ لكنها أغنت روحه بأشواق وإحراق، فلما غاب الشمس غيبته الأولى ألهب بغيبته قلبه، ولما غاب غيبته الثانية نظر في باطنه فوجده فيه
وبعدها سلك سلوكاً خاصاً بارتكاب المشاق ملتذاً بها أيما التذاذ، فكان في الشتاء القارص يصعد إلى السطح ويقضي الليل كله في الصلاة والنحيب، حتى تتورم قدماه، وكان يصوم إلى درجة الهزال والنحول ..تلك هي عناوين سلوكه في مبتدئه الروحي.
% مولانا جلالُ الدين: قلباً مؤمناً مصدقاً بحقائق الوحي. وها هنا نجد قلباً آمن وصدق حتى صار صدِّيقا، وبدلاً من الخوض في متاهات التخيل العقلي جلا مرآة قلبه فانطبعت فيها من غير كلفة حقائق الغيب. وقال لأصحابه: [ جاء صديقٌ ليوسف من السفر فسأله يوسف: ماذا أحضرت لي من الهدايا؟ فقال الصديق: وأي شيء ليس عندك، وأنت محتاج إليه؟ ولكن لأنه لا يوجد من هو أجمل منك أتيت لك بمرآة لكي ترى فيها وجهك كل لحظة. فأي شيء ليس عند الحق تعالى، وهو محتاج إليه؟ ينبغي أن يقدم الإنسان للحق تعالى قلباً صافياً مضيئاً ليرى ذاته فيه (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم) ، فإذا جليت مرآة القلب فلن ترى فيها غير المحبوب، والقرآن هو وصف المحبوب لأن الكلام صفة المتكلم، لهذا لم يكن مولانا الرومي يبحث عن المحبوب إلا في المحبوب، وقال: [التمس معنى القرآن من القرآن وحده]!! وكأنه يتمثل في ذلك قول سنائي: [ كل شيء لا تحصل عليه حتى تبحث عنه إلا هذا الحبيب لن تبحث عنه حتى تحصل عليه.].. الشمسُ التبريزي لديه الاستمدادَ من ينبوع الوحي، لأن كل الكلمات وروائعِ الأدب الصوفي لم تكن عند شمس ترقى إلى رتبة حديث نبوي صحيح واحد. دافع مولانا بقوة عن كل حقائق القرآن، وصرخ في أسماع العالم مبيناً له أنها ليست من وضع النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: [رُغم أن القرآن من شفتي النبي فإن كل من يقول إن الحق لم يقله كافر]. و كذلك قوله: [ كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يخبر عن أناس وأنبياء مضوا قبل وجوده بعدة آلاف من السنين وماذا سيكون حتى آخر الدنيا وعن العرش والكرسي..... كيف يخبر الحادث عن القديم وهكذا غدا معلوماً أنه ليس الذي هو كان يقول بل الحق هو الذي يقول: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى).. الآية ، وتفاعل مع كلمات القرآن تفاعلاً كبيراً، فكان تارة يكررها بألفاظها: ( (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).. الآية ، ثم يعلق بقوله: ولأن الله قال: (زُين) فإنها ليست جميلة حقاً بل إن الجمال فيها مستعار، وآت من مكان آخر. عملة زائفة مطلية بالذهب). ومن أكثر الآيات وروداً في كتبه ودواوينه: آية النور في سورة النور (مثل نوره)، وآية المعرفة في سورة الأعراف (ألست بربكم). وكان تارة أخرى يقتبس من معاني القرآن أو يعبر عن آياتٍ بنفس معانيها، لكنْ بألفاظٍ أخرى. ومن ذلك قوله: [طرنا مع آية الكرسي نحو العرش فرأينا الحي، وبلغنا القيوم].. أو قوله: [ لِمَ يبك الإنسان على يوسف النفس في البئر؟ فاجذب مثال: (إنا أعطيناك) إلى السائل المحروم.. ويقول: [ عندما تتلو الشفة (الحمد) أعطها نقلاً وخمرة من دون حد.] .. وعندما تتلو (ولا الضالين) اجذبها إلى الدلائل.. وقوله: [ أسير الألم والحسرة أعطه رسالة (لا تأسوا)]...وقوله عن سيدنا يونس:[ يونس السجين في بطن الحوت نجا.. (أعدّ صومعة مريحة ليونس في الحوت، وأخرج أخيراً يوسف من غيابة الجب .. يوسف بعد احتمال محنهِ بصبرٍ نَعِمَ بالسعادة ووصل إلى أعلى وظيفة في مصر] .. ثم ما قاله عن خليل الله:[ (إبراهيم الخليل خليل الله هو المسلم الحق الذي لا يحب الآفلين لكن النار صارت برداً وسلاماً عليه].. [ِ يَلةُ العدو قُتِلت على نحو معجز بوساطة الطير الأبابيل.]
ü ومن هنا فإن فكّ الأغلال الخارجية يوم البعث، عندما تُخرج الأرض أثقالها سيكون تحريراً للبشر
ü ويذكر النبي يوسف مفسراً للأحلام
ü ويذكر عادَ وثمودَ.
ü ويذكر أيوب الصابر في بلواه..
ü ويحكي كيف أصيب يعقوب بالعمى من الحزن واشتياقاً إلى يوسفَ مثالِ الجمال..
ü ويشبِّه نفسه بداود الذي يخاطب الطير مرتلاً أغزاله كأنها كتاب المزامير.
% وترى مولانا الرومي بعد هذا يدافع بقوة عن أحكام فقهية قرآنية، كدفاعه عن حكم القرآن في القصاص من القاتل بالقتل فيقول: قال الله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)، لا شك بأن القصاص شر وهدم لبنيان الله تعالى، ولكن هذا شر جزئي، وصون الخلق عن القتل خير كلي، وإرادة الشر الجزئي لإرادة الخير الكلي ليست بقبيحة، وترك إرادة الله الجزئية رضاء بالشر الكلي فهو قبيح)
% ويحكم مولانا الرومي بحكم القرآن الكريم على الخنزير أنه نجس، ويستخدمه للتمثيل بالصفات البشرية المنحطة.. ولم يكن مولانا يعبر في بيانه عن حقائق القرآن وحسب، إنما كان يعبر عن الوحي الثاني في الحديث النبوي الشريف، إما بإيرادٍ للحديث بلفظه، أو بإدخال شروح دقيقة تبرز ما خفي فيه من المعاني. يقول مولانا الرومي: [ قال النبي عليه الصلاة والسلام: اعلم أن (المؤمن كالجمل)، ثمِلٌ دائماً بالحق الذي يقوده كسائق الجمل]. ولفظ الحديث: الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ (أي الذلول) حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ]. فأورد لفظ الحديث ثم دخل إلى حقيقة تستتر خلف ألفاظه بقوله (ثمِلٌ دائماً بالحق الذي يقوده) وهو بيان لسر سهولة انقياد المؤمن الذي ورد في مناسبة هذا الحديث. ومما تقدم يظهر انفعال مولانا الرومي الكبير لحقائق الوحي تصديقاً وإيماناً ومنافحة.
عوافي
يتصل....
المصادر: ويكبيديا ، بحث ( النزعة الروحية عند مولانا جلال الدين الرومي) محمود أبو الهدى الحسيني، المنهج لأبي عمر الدوسري/ العشق- ايراج بشيري/ الديبلوماسية الدينية في خدمة التعايش والسلام العالمي – مؤتمر فاس)...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.